الاثنين، 5 يناير 2026

فحوصات ثقافية: عن أغلفة الكتب/ محسن الرملي

 فحوصات ثقافية

إسراف الاستِخفاف بالغِلاف

بقلم: الدكتور محسن الرملي

لاحظتُ مؤخراً، في سوق كِتابنا العربي، تفاقم ظاهرة إصدار كتب بأغلفة من تصميم الذكاء الاصطناعي، بشكل لم أر له مثيلاً في ثقافات أخرى.. ويا ليتها أغلفة جميلة أو ذكية فعلاً، فهي عكس ذلك تماماً.. للأسف!

الغلاف هو وجه الكتاب، وأول ما يقع عليه نظر القارئ، يجذبه إليه فيتصفحه أو يُنفره فيتجاوزه. تصميم الأغلفة تخصص وحرفة لها اشتراطاتها، وفن عريق بتاريخ طويل من التجارب والدراسات والإنجازات منذ القرن التاسع عشر، مر بمراحل مختلفة وتيارات، حاله كحال مختلف الفنون الإبداعية، وله مناهج تدريبية ومسابقات وجوائز.. لذا لا يمكن الاستخفاف به بكبسة زِر.

في البداية، كانت الكتب تُغلّف يدوياً بالجلد لحفظ الورق، وبشكل يناسب مكتبات الأفراد، ومع مكابس البخار والتجليد الميكانيكي، أصبح إنتاجها أيسر وأقل تكلفة، ثم ظهرت كتابة العناوين فحسب، إلى أن أتاحت إمكانيات الطباعة الرسم بالألوان، رسوم تجمع بين حركة الفن الحديث والحِرف اليدوية وتقنيات فن المُلصقات، وراح التصميم الجرافيكي يتطور كممارسة احترافية ويُرسخ مكانته في صناعة الكتب. وفي مطلع القرن العشرين ساهمت الحركة الطليعية في روسيا كثيراً في الترويج لفن تصميم أغلفة عصرية، وسهل تطور الطباعة تجريب وإضافة وتنويع مختلف الأشكال الفنية، لوحات وصور فوتوغرافية ورسوم توضيحية وخطوط للعناوين وأسماء المؤلفين بشتى الأنواع والأحجام والألوان، وصولاً إلى عصرنا الرقمي هذا، ومع ازدياد انتشار الكتب الإلكترونية والصوتية، ازدادت أهمية تصميم الغلاف، وضرورة مراعاته لشروط التنسيق، كحجم الشاشة ودقة الصورة. فالغلاف الجيد لابد أن يكون قادرًا على التكيف مع مختلف التنسيقات دون فقدانه لجاذبيته وجوهره. ولا تزال مبيعات الكتب عبر الإنترنت تتأثر بتصميم الغلاف، وبمدى تميزه كجزء من الترويج له، ضرورة توافقه مع جنس الكتاب ومحتواه وأسلوبه، خصوصيته من حيث ماركة دار النشر، مما يتيح للقراء التعرّف عليها من أول نظرة، لذا فالدُور الرصينة تحرص على هويتها، وتعتمد مُصمماً مختصاً، يَطلع على محتوى الكتاب ويتواصل مع المؤلف لتشارُك الرؤية والمعلومات، لترجمتها إلى عمل بصري، مما يجعل من بعض الأغلفة تحفة فنية حقاً.

أما أغلفة الذكاء الاصطناعي، فهي ليست فنية ولا جميلة (كي لا أقول: قبيحة). مُحتشدة بالتجسيديات، خليط من أساليب فنية مسروقة لا رابط بينها، تُكرر نفسها، مُفتَعَلة، ساذجة، مكتظة بالألوان الصارخة، فيصعب أحياناً حتى تمييز العنوان الملصوق فوقها عنوة. إن اعتمادها بحجج السرعة والسهولة والمجانية والتعبير، وما إلى ذلك من تبريرات، إنما هو إسراف بالاستخفاف، ستُشعِر القارئ الجاد بالتضليل وتُقلل الثقة بالمحتوى والترجمة، فما الضامن ألا يكون اصطناعياً أيضاً! لأن الذي لا يبذل جهداً في تصميم غلاف مُحتَرم، لا يصطبر على جهد التأليف أو الترجمة! وعلى غرار المقولة المعروفة: "الكِتاب يبان من عنوانه"، يمكننا القول بأن: "الناشِر يبان من أغلفته".

ما الذكاء الاصطناعي إلا أداة كأي أداة أخرى، يمكن الاستعانة بها، استشارة، قياس، تقطيع، توزيع، تدرجات لونية وما إلى ذلك، ولكن لا يمكن استبدال الإنسان المبدع، بأداة فاقدة لكل حس وذوق وروح، فيما لدينا مئات الرسامين الرائعين الذين ستُسعِدهم رؤية لوحاتهم على أغلفة الكتب، وسيكسب الناشر جمهور الرسام أيضاً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشرت في مجلة (كتاب)، العدد 87 يناير 2026م

https://xsi.sibf.com/content/uploads/publisherweekly/pdf/2_8768b601a6db4013ba384493f261fe.pdf

ليست هناك تعليقات: