المعرفة
والحُب كخلاص وجودي
قراءة في رواية (ذئبة الحب والكتب) لمحسن الرملي
مسلم علي
مؤلف رواية (ذئبة
الحب والكتب)، محسن الرملي؛ هو أحد قامات الأدب في العراق، ويُعدّ من
أبرز الأصوات السردية العراقية المعاصرة التي تناولت التحولات السياسية
والاجتماعية في العراق عبر رؤية إنسانية عميقة.
نظرة عامة
تدور أحداث الرواية في العراق الحديث، في ظلّ
واقع سياسي مضطرب، يوظّف الكاتب السرد ليكشف هشاشة الإنسان في مواجهة القسوة،
ويحتفي في الوقت نفسه بالقوة الخفية للحب والمعرفة.
المدخل الروائي
"أنا محسن مطلك
الرملي، مؤلف كل الكتب التي تحمل اسمي، باستثناء هذا ولو لم أكن شقيقاً لحسن مطلك
لكتبت ضعف ما نُشرته حتى الآن، أو لما كتبت أيّ منها أصلاً، ولا حتى اهتممت بهذا
الكتاب الذي وجدته صدفة حين كنت في الأردن فغيّر حياتي كلها، وجئت إلى إسبانيا
بحثاً عن المرأة التي كتبته"... يفتتح محسن روايته بهذه الكلمات التي تضع
القارئ في حالة من الحيرة والتساؤل: هل هو من يروي القصة أم هي هيام؟
الهجرة والغربة
يعيش محسن في الأردن بعد
أن اضطر إلى الهجرة من العراق بسبب الحرب وظروف الحصار، وبسبب اشتراك أخيه في
محاولة قلب الحكم، التي أُعدم على إثرها بتلك التهمة بعد سبعة أشهر من التعذيب. يتخبط
محسن في غربته بين البحث عن عمل ومواصلة حلمه، ومحاولته إيصال صوت أخيه في كتابٍ
يجمع حكايته، ونقل صوت العراقيين وآلامهم إضافةً إلى مساعدته لأهله وابنتَي أخيه
اللتين أصبحتا يتيمتين.
الخطوة الأولى
يخطو محسن خطوته الأولى نحو حلمه، إذ يقوم بنشر
بعض المقالات في الصحف المحلية، ويقوم بإنشاء مدوّنة باسم رواية (داباد)
لحسن مطلك. ليعود فيما بعد
وبطريقة أو بأخرى، ويفتح أمامه بريداً إلكترونياً آخر، ليتفاجأ بكمّ هائل من
الرسائل المرسلة من امرأة، فتتغير حياته رأساً على عقب ويبدأ رحلته في البحث عنها.
الحب كخلاص
تتخذ الرواية من بيتٍ
لنزار قباني محوراً لها: "إنّ الحب في الأرض بعضٌ من تخيّلنا، لو لم نجده
لاخترعناه"... يرى محسن أن الحب ليس خلاص العراق وحده، بل خلاص العالم ويقيم
عليه فلسفة الرواية، وعلينا أن نتخذه بوصلة وملاذاً، وطريقاً إلى شفاء الروح من
العنف والخراب، ورأينا ذلك مع كل أبطالها.. فبرغم واقعهم الذي لا يُطاق اخترعوا
الحب ليعيشوا.
اللغة والأسلوب
على الرغم من أنّ أسلوب
الرسائل في الرواية أصبح نمطاً مستهلكاً في الكثير من الأعمال، فإنّ هذه الرواية
تنجح في تجاوزه بفضل سلاسة السرد، والانتقال الرشيق بين الأزمنة، ونبرة البوح التي
تشبه اعترافاً طويلاً ومتأنياً. يمتاز محسن الرملي بلغته البسيطة التي تخفي تحتها
عمقاً إنسانياً وحِكماً شعبية تتسرّب إلى النص دون تكلّف. وهو يكتب عن الإنسان
العادي أبطاله ليسوا خارقين، بل شخصيات تقليدية، مقاومة، دائمة البحث عن حياة
ممكنة، وتحديداً عن معنى ما وسط الفوضى.
حضور حسن مطلك
يحاول محسن الرملي أن
يمنح أخاه حسن حياةً أخرى، مختلفة عن تلك التي عاشها عبر حبّ هيام له وافتتانها
بشخصه، ومن خلال تكرار رأيه وذكر أسماء كتبه واستعادة بعض كلماته. كأنّ السرد نفسه
يتحوّل إلى مساحة يُستعاد فيها الغائب، ويُعاد تشكيله بالطريقة التي كان يستحق أن
يعيشها. ويعترف الرملي ضمنياً بأن من عظمة الأدب أنه يفتح للإنسان نافذة كي يحقّق
ما عجزت عنه الحياة، وأن يكتب ما يتمناه حين لا يستطيع أن يعيشه.
صوت هيام
كذلك يُبدع محسن الرملي
في تجسيد صوت المرأة، وفي الولوج إلى أعماقها الخفية، حتى يبدو البوح على لسان
هيام كأنها تقف أمام مرآتها الداخلية، تكشف ما اعتاد أن يُخفى ويُكبت. لا يكتفي
بالاقتراب من سطح تجربتها، بل ينقّب في تلك المناطق الحسّاسة التي غالباً ما
يُتجنّب الاقتراب منها بعض الكتّاب، متجاوزاً ثالوث المقدّس: السياسة والدين
والجنس، وبصدقٍ إنساني يجعل من صوت هيام رسالة المرأة في مجتمع يقمعها.
المرأة / الوطن
ومن خلال قراءتي
للرواية، يمكن النظر إلى هيام بوصفها رمزاً للوطن، الوطن الذي يبحث عنه كل
العراقيين والوطن ذاته الذي يبحث عمّن يعيد إليه الأمان والحب والسلام. هذا البعد
الرمزي يتكرر في أكثر من موضع داخل الرواية، لكنّ المشهد الذي تعترف فيه هيام
بتعرّضها للاغتصاب على يد موريس يمثّل اللحظة الأكثر كثافة ودلالة. فحين تقول: "إن
الطائرات الأجنبية فوق بغداد تقصف، هو فوقي يرغي. الجيوش الغازية تقتحم العراق من
جنوبه، هو يقتحمني من جنوبي. ماكيناتهم تهتز، وأرض العراق بإرث حضاراتها تتصدّع
تحتها هو يهتزّ وأنا أتصدّع تحته"... تصبح التجربة الفردية مرآةً للاغتصاب
الأكبر الذي تعرّض له العراق، حيث الجيوش الغازية تقتحم وتنهش الأرض والجسد معاً.
النهاية المفتوحة
قد يعترض الكثير من القرّاء على الأسلوب الذي يترك النهاية مفتوحة، فيما يرى آخرون أنه يمنح النص مساحة لا متناهية من الاحتمالات. وأنا شخصياً أميل كثيراً إلى هذا النمط، لكنّ هذه الرواية تحديداً كان لا بدّ لها أن تنتهي على هذا النحو لأن أحداً من شخصياتها لم يصل إلى مبتغاه أصلًا. لا هيام استطاعت أن تبلغ حبيبها، ولا رمزيتها بوصفها صورةً للعراق وجدت الأمان أو السلام، بل وحتى محسن الرملي نفسه لا يصل إلى هيام كامرأة فهي مهما اقترب منها في السرد، تظلّ أبعد من أن تُمتلك أو تُدرَك بالكامل. قلوب تبحث ولا تجد لأنها ليست شخصية فقط بل معنى وظلّ ورمز، كما لو أنّ الكاتب والقارئ يقفان أمام وطنٍ يُرى ولا يُنال.. وهكذا تصبح النهاية المفتوحة امتداداً طبيعياً لروح الرواية وتجسيداً حقيقياً للواقع، ووطناً معلّقاً على حافة الاحتمالات ومعنى يظلّ دائماً أبعد خطوة من اليد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق