الأحد، 2 أغسطس 2020

عن رواية: بنت دجلة / محمد أمين


بِنت دِجلة.. رواية تُعري القبح البشري وتلون أحلام البسطاء 
محمد أمين
يستكمل محسن الرملي في أحدث رواياته "بنت دجلة"، الصادرة عن دار المدى، حكايات أبناء شق الأرض "إبراهيم قسمه وطارق المندهش وعبدالله كافكا" أبطال روايته "حدائق الرئيس" في جزء ثاني لا يقل روعة ولا إبداعاً عن أوله. يستكمل حكايات ما بعد الغزو الأمريكي للعراق وتأثيره على المجتمع العراقي وتقسيمه وتفتيته مادياً ومعنوياً وانعكاس ذلك على أبناء العراق وأفكارهم وتوجهاتهم.
بنت دجلة هي الشيخة قسمة بنت إبراهيم والتي تأخذ مساحتها الأكبر في الرواية بعد تقديمها في حدائق الرئيس لعلاقتها بأبيها، ليفرد لها الرملي هنا مساحات عريضة يستكشف فيها أبعاد شخصيتها المعقدة والمركبة الناتجة عن صراع داخلي بين الكبت والحرية، بين الفرض والاختيار، بين الواقع والخيال. قسمه تمثل شريحة أنثويه من المجتمع العراقي تطمح في الانتقام من ماضي أتى على نفسها وأهلها، ماضي قد مضي ولم يخلفه حاضر أحسن حالاً ولا يبشر بمستقبل أهون من حاضره.
على الجانب الآخر، يجد الشيخ طارق نفسه، فجأة، يدخل عالماً جديداً عليه، يخالف أعراف مجتمعه وعشيرته، وأبواباً جديدة تنفتح في وجهه، بقدرة تفوق أقصي أحلامه، فينجرف معها مدعياً قدرة غير حقيقيه على التأقلم مع الواقع الجديد، ليكتشف بأنها خدعة، كادت أن تنطلي عليه، لولا بقايا الخير الماكثة في أعماقه، ليتشبث بها أخيراً وقبل فوات الأوان.
نجم الرواية، الفتى السوداوي المكتئب عبدالله كافكا، والذي يواصل حواراته ومنولوجاته المرعبة المليئة بالرؤى الفلسفية العميقة، والتي يصف بها حاله وماضيه من حروب خاضها وأسر وقع فيه وتجارب مريرة عاشها، لتشكل الثقب الأسود القاتم الذي يحيا داخله، ويرفض الخروج منه إلى أن ينتشله حبه الأوحد ليعيده إلى مصاف الأحياء مره أخرى.
يرسم محسن الرملي لوحه فنية بديعة للمجتمع العراقي في تلك الفترة بمختلف طبقاته وشرائحه المتعددة، رجل الأمن الداهية المتحكم في الأمور، الشاعر البوهيمي المثقف الناقم على الأوضاع، شخصيات هامشية من المجتمع، عانت ويلات النظام السابق، رجال العشائر والقبائل وأتباعهم وحياتهم وطموحاتهم، رجال الدين ونزعاتهم الدنيوية.
من أمتع أجزاء الرواية، الحوارات الثنائية بين براء الشخابيطي وعبدالله كافكا، والتي تجمع بين السوداوية والبوهيمية في ديالوجات عبقرية لوصف الإنسانية جمعاء، وصراعات المجتمعات والبشر في الحياه.. من أجل الحياة.
محسن الرملي أديب قدير ويمتلك قلم واثق وقادر على السرد والوصف والتخيل ببراعة شديدة، ليخرج لنا رواية تكشف خبايا النفوس وتعري القبح البشري وتلون أحلام البسطاء.
---------------------
*محمد أمين: كاتب من مصر.
**نشرت في صحيفة (المدى)، العدد 4745 بتاريخ 10/8/2020 بغداد

ليست هناك تعليقات: