الاثنين، 28 نوفمبر، 2016

الرملي يفتت أحلامنا / نواف خلف السنجاري

الرملي يفتت أحلامنا على شواطئ الحزن
نواف خلف السنجاري
أربع ساعات متواصلة قضيتها وأنا أقرأ رواية "الفتيت المبعثر" لمحسن الرملي، اختزلَتْ أربعة عقود من الظلم والمعاناة في ظل الدكتاتورية. هذه الرواية القصيرة أنيقة بحزنها، عميقة بصدقها، متينة بحبكتها، صبّها الكاتب في قالب من الإبداع الجميل.
كنتُ أقرأ وأنا أتخيل قريتي وجيراني، وكأن محسن الرملي كان هناك معنا، يرصد أحاديثنا، ويصوّر ما نقوم به بكاميرا شعوره الشفّاف ليحوّل كل ذلك الى كلمات مكثّفة في غاية الروعة، ورغم ما تكتنز به من حزن إلاّ انها لا تخلو من السخرية اللاذعة.
في هذه الرواية يؤكد لنا المؤلف أن طول الرواية لا يعني جودتها بالضرورة، ولا قِصرها يعني رداءتها، فكثير من الروايات الطويلة لا تحمل بين صفحاتها غير الحشو، وأخبار الصحف، والحوارات الطويلة الفارغة، بينما في "الفتيت المبعثر"، هذه الرواية الصغيرة بحجمها والكبيرة في معانيها وطرحها، تجبرنا أن نتساءل: من يقبل ان يستبدل سبيكة من الذهب مع أطنان من الحديد الخردة؟!
"يريدون اقناع الشعب
كم هو على خطأ،
 وأن نظرة القائد هي المصيبة..
إنها مصيبةٌ حقاً"... قاسم حداد
 بهذه الكلمات الساخرة يُمهّد محسن الرملي الدخول الى روايته، وكشف عالمها الغرائبي المدهش. ولأن "الحكايات الحزينة صارت مملّة في العراق لكثرتها، ولكل انسان هناك مصيبته التي كفّ عن حكيها لأن للسامع مصيبته أيضاً"، لذلك يلجأ الناس الى النكات، أو ترديد الأغنيات كأغنية "مات اللمبجي .... فطّومة" ليوسف عمر وغيرها، للتخفيف عن بعضهم ونسيان مآسيهم ومعاناتهم.
تدور أحداث هذه الرواية في قرية صغيرة وادعة، حيث البساطة، والبراءة، والنقاء، فتتبادل النسوة الأخبار حول تنانير الخبز، وعلى موائد الإفطار والعشاء، ولا يتركن فضائح صغيرة أو كبيرة تحدث في القرية الاّ ويتداولنها بمرح وسخرية وأحياناً بخبث جميل. هذه القرية التي "أبوابها مفتوحة وكلابها لا تنبح الا على الغرباء"، وللناس فيها أكثر من أسم يلتصق بصاحبه كما الوشم!
تتمحور رواية الفتيت المبعثر حول عائلة عجيل "نَشِنَن" الرجل الوطني، وأولاده السبعة: "قاسم الفنّان، محمود لا شيء، وردة الجميلة، أحمد القاضي، سعدي الشاذ، عبّود المجنون، وعبد الواحد الاجتماعي"، هذه العائلة الكبيرة القروية تمثل العراق بتنوعه وأطيافه وتعقيداته.
وبحرفية وذكاء كبيرين يدسّ المؤلف - بين الأحداث البسيطة، والشخصيات البريئة الساذجة - أهوال الحرب ووحشية الدكتاتور، فتزداد بشاعةً فوق بشاعتها! ويمزج محسن الرملي كرسّام مقتدر بين ألوان الواقع والخيال والسخرية والحزن ليخلق لوحة حياة متكاملة، وصورة وطن!
الخيط الرفيع من الدم الذي سال من بلعوم الفتى عجيل بفعل إبرة قنفذ، يعود بعد أكثر من سبعين عاماً ليسيل من جديد. ومع توالي انتصارات القائد المزعومة تتسع مقبرة القرية، ولا يشفع لـ "عجيل نَشِنَن" مآثر جدّه الذي قَتَلَ ضابطاً انكليزياً، ولا بطولة ابنه عبد الواحد الذي قُتِل في الجبهة، فيقوم أزلام النظام باعتقال ابنه البكر "قاسم الفنّان"، واعدامه وسط القرية ومطالبة أهله بدفع بثمن الرصاصات! لرفضه الاشتراك في مهزلة الحرب العبثية القذرة.. ويستمر نزيف الدم، وتتوالى الحروب، ويصير الشعب فتيتاً مبعثراً!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في صحيفة (طريق الشعب)، العدد 216 السنة 80 بتاريخ 22/6/2015م بغداد
http://tareekalshaab.iraqicp.de/index.php/2013-03-06-12-09-21/2013-03-15-17-11-50
نواف السنجاري

ليست هناك تعليقات: