السبت، 16 مارس، 2013

حدائق الرئيس.. عمل صادق بامتياز/ صالحة حسن

حدائق الرئيس.. عمل صادق بامتياز
صالحة حسن
يمر وقت طويل جداً.. حتى تكاد أن تفقد الأمل في إمكانية أن تجد عملاً صادقاً من غلاف الواجهة إلى الغلاف الخلفي.. هذا هو رد فعلي الأول على عمل محسن الرملي.. الذي يؤسفني وبشدة أنه لم يصل إلى قائمة البوكر القصيرة .. بعد أن نجح في الدخول للطويلة منها.
كمية الصدق تشعر بها وأنت تقرأ ببساطة عن كل أولئك البسطاء في الرواية.. المغلوب على أمرهم رغما عنهم.. وأولئك الذين تجدهم مجردين من كل إيدلوجيات أو سياسات أو حتى خطط كفيلة بأبعد من فكرة حياة اليوم الواحد.. إنهم كملايين الأشخاص في هذا العالم الذين تسوقهم الأقدار إلى حيث لا يدركون.. لا يختارون ولا يصنعون.. وينتهي البعض منهم بأن يكون مجرد رقم لضحية جديدة.. يُنظر إليها أو يُسمع عنها بشكل عابر.. الكاتب هنا يُصرح بوضوح أنه لا وجود لكائن بشري هامشي.. لكل ضحكية حياةٌ تتركها خلفها.. حياةٌ كاملة.. تستحق أن تؤرخ وأن يؤخذ بعين الاعتبار بأي شكل من الأشكال.. كما أنه يكرس لفكرة أن كل طرف يدخل في أي حرب كانت  يبيد فيها الإنسان إنسانا لإختلاف أو خلاف.. هو خاسر بطريقة أو بأخرى.
العمل يؤرخ أيضاً لمرحلة من التاريخ العراقي بدأً من الفترة التي تسبق الحرب العراقية الإيرانية مرورا بغزو الكويت والثورة العراقية على النظام البعثي بعد الغزو وكيفية إخمادها.. إنتهاءاً بما يعقب الاجتياح الأمريكي للعراق بقليل.. فترة تمتد حتى الربع قرن بكل حروبه وقسوته ومآسيه الإنسانية بطريقة شخوصه البسيطة ذاتها.. وبدون أن يحاول مجرد محاولة أن يقحم الأفكار في رأسك بفظاظة.. إنه لمن المدهش أن يحمل أحدهم وطنه كل هذا الوقت بكل تناقضاته في قلبه بصورة لا تحمل ذلك التنكر أو السخط أو محاولات التبرير أو إظهار أي إزدواجية أو تخبط.
أبكتني الفصول التي أعقبت دخول شخصية من الثلاث الشخوص المحورية التي تدور حولها الرواية لحدائق الرئيس وعرض بعض طرق الاعدام.. كانت الفصول بعدها شديدة التعبير عن وجع عميق موارب.. تدرك ما خلفه وتستشعره بوضوح.. عندما تدرك أن محسن مطلك الرملي هو شقيق الشاعر والروائي حسن مطلك الرملي الذي أعدم في 1990 من قبل حزب البعث الحاكم في آنه.. ترعبك فكرة أن ما يصفه محسن عن إحدى الكوارث هنا.. قد مسه شخصياً إلى حد الالتصاق في شقيقه المقتول وأنها قد تكون إحدى الطرق البشعة التي وُصفت... محسن الذي كان قد صرح مرة أنه من المستحيل عليه أن يكتب عن فاجعته بأخيه بشكل مباشر.. إنه يقسمها على أوجاع في أعمال متفرقة.
الحوارات سلسة ورشيقة وتؤدي الغرض الذي وجدت لأجله بإتقان دون حشو أو ثرثرة فارغة.. العامية وظفت بشكل جيد وفي حدود ضيقة جداً أيضا (على الرغم من أن اللهجة العراقية البيضاء لها وقع دافء على القلب والعين.. لطالما شعرت بها هكذا بحيث لا تزعجني ولا تربكني).
امممم لكن على جانب ما.. كان في عرض شخصية "صدام حسين" شيء من الفانتازية التي غالباً هي تكريس لصورته في كل عمل عراقي قد قرأته تقريبا.. الأمر الذي يستوقفني كثيراً ويربكني بين المعقول والحقيقي والمتخيّل المبالغ فيه في عرض هذه الشخصية الجدلية.. إذ يبدو كثيرا كشخصية لم توجد على الأرض فعلا بقدر ما خُلق على لسان من يروونه شفاهيا أو كتابيا.. أردت أن يظهر كرجل حقيقي هنا بذات البساطة شبه الواقعية التي تناولتها معظم أحداث الرواية.
عموماً.. أكتب الآن وأنا مأخوذة بفكرة كبيرة جداً جداً.. تجبرني على منح النجمات الخمس دون تردد "الصدق ولا شيء آخر".  وهذا عملٌ صادقٌ بامتياز.
--------------------------
*صالحة عبيد حسن: كاتبة إماراتية، من أعمالها: (زهايمر) و(ساعي السعادة).
*نشرت في موقع (Goodread) بتاريخ 11/2/2013م

 
*   *   *   *   *
رواية عراقية أخرى.. تستحق القراءة بكل تأكيد
 
آلاء  Ala  
ثلاث شخصيات، ثلاث قصص مختلفة، ومصائر معلقة لهؤلاء الأصدقاء في فضاء الحرب الايرانية العراقية أولا، وحتى الحرب الأمريكية الأخيرة على العراق .
طارق المندهش، الذي أتم تعليمه بالعافية كما يقال، أصبح شخيا للقرية بعد أبيه، يأمر فيطاع، يتزوج ثانية فترحب الأولى، يأخذ ويعطي ويدير أملاك الوالد، يدبر أموره مع كل الأطراف حتى ترضى عنه كل الأطراف، ولا موقف سياسي له. فهو معاهم معاهم، عليهم عليهم.
وصديقيه، الأول عبد الله كافكا، عبد الله المتطلق الباسم المجرب، اللقيط، الذي تحكي قصة ولادته، واختفاء والديه قصة ألم اجتماعي لا ينتهي للنساء. والذي كان يؤمن بالحياة، حتى سجن في إيران، ومن هناك عاد مختلفا. وثالثهم أبو قسمة، الذي يبتسم له الحظ، فيعمل في حدائق صدام حسين، ويشهد من الترف والفظاعات ما يشهد .
ثلاثة شخصيات شديدة البساطة والجمال والانسانية، أخذتنا إلى جو العراق في تلك الفترة ونقلتنا إليه وإلى تفاعلات الناس مع الحرب والسجون والغلاء والحياة .
التوثيق عن جرائم صدام حسين وترفه، كان أقسى ما في الرواية .
اللغة سهلة، فيها بعض العراقية الخفيفة جداً والمحببة
حدائق الرئيس.. كتاب، يستحق أن يقرأ بكل تأكيد.
--------------------------
*نشرت في موقع (Goodread) بتاريخ 13/3/2013م

الجمعة، 15 مارس، 2013

تأثير الثقافة العربية والإسلامية في الكيخوته /عدنان حسين أحمد

تأثير الثقافة العربية والإسلامية في «دون كيخوته»
 
عدنان حسين أحمد
ـ لندن ـ       
نضمت (مؤسسة الحوار الإنساني) بلندن أمسية ثقافية للدكتور محسن الرملي تحدث فيها عن "تأثيرات الثقافة العربية والإسلامية في دون كيخوته"، وقد استهل الرملي محاضرته بمقولة غونتر غراس الشهيرة: "لولا الثقافة العربية لما استطاع ثربانتس أن يجد شكله القصصي"، ويرى الرملي أن حضور الثقافة العربية والإسلامية في "الكيخوته" أكبر من حضور وتأثير أية ثقافة أخرى، باستثناء الأسبانية، لغة المؤلف الأصلية التي تغذت على أنساق من الثقافة العربية والإسلامية على مدى ثمانية قرون.
في إطار قوله بتأثير الثقافة العربية في دون كيخوته، توقف الرملي عند المؤثرات الأساسية في سيرة ثربانتس من جهة، وفي نتاجاته الإبداعية من جهة أخرى وعلى رأسها «الكيخوته»، واعتبر أية دراسة ناقصة وغير منصفة ما لم تأخذ في الاعتبار تأثير الثقافة العربية والإسلامية ودورها الأساسي في تكوين الكاتب وتعزيز عمله الأدبي شكلاً ومضمونا.
ذكر الرملي بأن هذا التأثير قد ظل مهمّشاً إلى أن نُشرت دراسات وكتب المؤرخ والناقد الأسباني الكبير أمريكو كاسترو ومنها «تفكير ثربانتس» و«مقدمات للكيخوته» و«نحو ثربانتس» التي مهّدت الطريق أمام الكثيرين لإعادة قراءة ثربانتس وفهمه بشكل أعمق ومن بينهم خوان غويتيسولو وخايمة أوليفر آسين وروجيه غارودي وآخرون. يعتقد الرملي أن أفضل إجراء لدراسة سيرة ثربانتس هو تقسيمها إلى ثلاث مراحل ترتكز على أسْرِه في الجزائر وما قبل هذه المرحلة وما تبعها، ويبدو أن مرحلة الأسر التي امتدت إلى خمسة أعوام تقريباً هي التي أحدثت تغييراً جذرياً في حياته ونتاجاته الإبداعية التي كتبها بعد الأسر مباشرة مثل مسرحيتي «معاملات الجزائر» و«حمّامات الجزائر» وروايته القصيرة  «السلطانة الكبيرة».
لقد عايش ثربانتس طوال حياته مع تواجد المسلمين في أسبانيا لأن آخر طرد لتواجد المورسكيين في أسبانيا كان بين الأعوام 1606 و 1614، بينما كانت وفاته عام 1616. يستدل الرملي على أن ثرفانتس كان يعرف العربية إلى حد ما أو أنه، على الأقل، كان يفهمها بطريقة تؤهله للتواصل مع محاوريه من العرب. وعلى الرغم من قساوة سنوات الأسْر إلاّ أن ثربانتس لم يرفض الثقافة العربية، ولم يتحامل على كل ما هو عربي، فقد ذهب بمهمة رسمية إلى وهران في حزيران 1581، أي بعد مدة قصيرة من إخلاء سبيله من الأسْر. يعتقد الرملي بأن ثرفانتس هو أهمّ وأفضل منْ وظّف معطيات السيرة الذاتية في أدبهم، وبالذات في «الكيخوته»، ويرى في توظيفها بداية للرواية الحديثة.
قسّم محسن الرملي المؤثرات العربية والإسلامية في «الكيخوته» إلى أربعة أقسام تاريخية وأدبية ودينية ولغوية. ففي القسم التاريخي الذي يجمع بين المعقولية والجانب الواقعي كتب ثربانتس عن سنوات أسره في الجزائر وعن محنة المورسكيين واضطهادهم وطردهم من أسبانيا، كما كتب عن تمثّل ثربانتس لشروط الفروسية العربية لأنه دافع عن الفقراء واليتامى والمظلومين، فيما دافعت الفروسية الغربية عن الملوك والأغنياء ولم تتهذب إلاّ بعد احتكاكها بالثقافة الإسلامية في الأندلس حيث دخلت عليها قيم مثالية، ويستدل الرملي على ذلك بأن دانتي في «الكوميديا الإلهية» لم يضع صلاح الدين الأيوبي في الجحيم لأنه كان أنموذجاً للفارس المثالي الذي يفرض احترامه على الغرب. ثم شرح الرملي بإسهاب اشتراطات الفروسية العربية والإسلامية وقواعدها المعروفة واستشهد ببعض نماذجها مثل عنترة بن شدّاد والبهلول والمعتمد بن عبّاد وغيرهم.
تتخذ المؤثرات الأدبية أشكالاً متعددة في «الكيخوته» التي تمظهرت في شكل الملحمة العربية. وقد اتبّع ثرفانتس، كما يرى الرملي، قواعد السيرة العربية وقارن بينها وبين سيرة عنترة بن شداد أبي الفوارس العبسي، فقد أسمى ثربانتس جنسه الأدبي بـ «تاريخ أو حكاية»، فيما أطلق على الشخصية الرئيسة اسم «دون كيخوته»، أما صفة الإطراء فهي العبقري النبيل، وصفة الانتساب هي المانتشاوي، نسبة إلى «دي لا مانتشا». كما اهتدى إلى إيجاد راوٍ أصلي رئيسي عربي «سيدي حامد» الذي عدّه ثربانتس المؤلف والأب الحقيقي للرواية، فيما اعتبر نفسه راوياً ثانياً وأباً «زنيماً» لهذا العمل الأدبي الكبير. أشار الرملي إلى أن ثربانتس يتبّع أغلب عناصر وتقنيات السير والملاحم الفروسية العربية مثل تقنية «قال الراوي…» التي تحيل إلى راوٍ أصلي غائب يتم توظيفه لأغراض أسلوبية وجمالية. كما توقف الرملي عند تأثيرات «ألف ليلة وليلة» على ثربانتس، بل جازف بالقول إلى أن غالبية تقنيات «الكيخوته» موجودة في بعض الأجناس الأدبية العربية مثل المقامات وحكايات العيّارين والشطّار التي نجد تأثيرها في رواية «البيكارسك» والرواية الموريسكية، كما في «قصة ابن سراج والجميلة شريفة». نوّه الرملي بأن ثربانتس لم ينتقد العقيدة الإسلامية وفلسفتها أبداً، وإنما كان ينتقد أشخاصاً مسلمين ومسيحيين ومن مختلف الأديان والقوميات. أما القسم الرابع والأخير في المحاضرة فقد تمثلت المؤثرات اللغوية في وجود «220» كلمة عربية في الرواية، هذا إضافة إلى تصحيح «الدون كيخوته» للأخطاء اللغوية التي يقترفها تابعه «سانتسو»، كما أشار إلى استعمال الكلمات المغاربية في هذا الأثر الخالد الذي يلامس وجدان الشعب الأسباني ويجد صداه لدى الشعوب الأخرى في العالم.
----------------------------------------
*نشرت في صحيفة (العرب) العدد 9182 بتاريخ 15/3/2013 لندن.

الخميس، 7 مارس، 2013

حدائق الرئيس / ميرال الطحاوي

حـدائـــق الرئيـــس
ميرال الطحاوي
محسن الرملي ليس كاتباً عراقياً يعيش في المنفى منذ عشرين عاماً فقط، بل هو كاتب حمل معه قضايا العالم العربي ووطنه العراق معه عبر كل كلمه كتبها، قضايا الحرب وصراع الإثنيات والعرقيات والمذاهب المختلفة، ومحنة الموت المجاني وفوضى الصراع الذى انفجر بدخول القوات الأمريكية لبلاد ما بين النهرين. ورث محسن الرملي محنة ضياع الوطن وصراع الهوية فى رحلته عبر الكتابة، لذلك لم يكن غريباً عليه أن يبحث فى أطروحته للدكتوراه (تأثيرات الثقافة الإسلامية فى الكيخوتة) وأن تبقى قضايا كتابته هي الموت المجاني وتحول الضحايا إلى مجرد أرقام والشهداء إلى صور فى واقع اختلطت فيه الأوراق وأصبح القاتل والمقتول كلاهما ضحية.
 حمل محسن الرملي أمانة فضح هذا الدكتاتورية التى دمرت وطنه عبر عقود وأدخلته فى حروب مع جاراتها، وفضح الاحتلال الذي حول هذا الوطن إلى أقليات مذهبية تحارب بعضها بعضا، وحمل معه كذلك أمانة الدم والأخوة وإحياء ذكرى أحِبته، يقول الرملي في أحد حواراته المهمة: (أعتبر أخي حسن مطلك هو أمانة في عنقي تجاه نفسي وتجاه شعبي، لأن حسن كان كاتباً جيداً من الشباب العراقيين، وأعدم سنة 1990 فكان له على حياتي تأثير كبير. أنا تلميذ حسن مطلك فأحس بأمانة ــ لأن النظام السابق كتم صوت مثقف عراقي ــ فأنا أحس بأمانة أنه يجب أن أفرض هذا الصوت.. فاستمررت طوال حياتي أعيش من أجل شخصين، وهذا أيضاً عبء عليّ، وأنا أعيش من أجل نفسي ومن أجل حسن مطلك، ولذلك أقوم بإعادة كل مخطوطاته، ونشرت حتى الآن أربعة كتب من مخطوطات حسن مطلك، وفي النية أن أنشر كل ما كتبه). إن إعدام شقيقه حسن مطلك بتهمة تدبير مؤامرة لاغتيال صدام حسين 1990 دراما أخرى ما زالت محمولة فى صناديق محسن الرملي الكثيرة.
سافر الرملي ليدرس فى مدريد فى منتصف التسعينيات، بالطبع كان المهجر تحديا لطالب عراقي لا يحمل إلا مائتي دولار فى جيبه ولغة متواضعة ومستقبلاً مجهولاً، وتنقّل بين المهن الصغيرة والنوم في الحدائق ومشاركة الأصدقاء غرفهم الصغيرة، كما واجه صعوبة في الحصول على عمل فى بلد وصلت فيه بطالة أهلها حدوداً مقلقة، وسط أجواء اقتصادية خانقة.. رحلة محسن الرملي تستحق التأمل من وجوه كثيرة ولكن صوته وهو يحكي لي رحلته للعمل كعامل يومية فى الأردن وعن رفاقه المصريين لم تغادر ذاكرتي. أعرف الرملي كصديق من زمن طويل لكن تلك اللحظة التى كان يحدثني فيها أدركت أن هذا الرجل يحمل الكثير ليقوله، ويملك الرؤية الفلسفية العميقة لتحليله، ويملك القلم الدءوب والوعي بأن حياته كلها هى صفحة مليئة بالتفاصيل خلق ليكتبها ويعيش فقط ليرويها.
فى روايته الأخيرة (حدائق الرئيس) تبدأ الرواية بتسعة صناديق بها رؤوس مقطوعة موضوعة في صناديق ورقية لشباب قرية على أطراف الوادي، يجد أهل القرية هذه الصناديق ذات صباح وتصبح تركة الموت والفجيعة التي يرثها الجميع، وتبدأ رحلة اقتفاء أثر من غدر بهم، ولماذا كان عليهم أن يواجهوا هذا المصير؟ وكيف اختارهم هذا القدر؟ ولماذا تُرسل لهم الرؤوس فقط؟
متعة الأسئلة والبحث، ولوعة الفهم، وسوداوية الواقع الذي فاق كل خيالات الكتابة هى ما يقدمه محسن الرملي.
وبالطبع لم يكن صعودها للقائمة الطويلة للبوكر مفاجأة لي، فقد رشحت أعمال كثيرة للرملي وحازت جوائز كبيرة، لكن خروجها من القائمة القصيرة كان هو المفاجأة، بالطبع لا تصنع الجوائز مبدعين لكن تصنع الكتابة تجاربها الكبيرة والعميقة وتصنع أيضا كتباً رائجة.
"حدائق الرئيس" رواية مليئة بالتفاصيل.. باللوعة وبالوطن وبالثورة والأسى، وهى رواية تشكل علامة فى مسيرة الأدب العراقي وقدرته على تأريخ وتحليل التاريخ القريب والبعيد للوطن.
---------------------------------
*نشرت في صحيفة (الشروق) المصرية بتاريخ 22/2/2013م.

الطحاوي والرملي في أمسية مشتركة في معرض غوادلاخارا الدولي للكتاب في المكسيك 2011

الأربعاء، 6 مارس، 2013

ليلة القبض على محسن الرملي / عبدالحفيظ العدل

قصة قصيرة
ليلة القبض على محسن الرملي
عبدالحفيظ العدل
كان أول ماتبادر إلى ذهني.. عندما نقلت وكالات الأنباء نبأ القبض على محسن الرملي.. هو أن أتخلص من كل علاقة يمكن أن تربطني به.. أو أي أثر يدل على أنني أعرفه.. أو حتى سمعت به، لهذا سارعت إلى تمزيق روايته "حدائق الرئيس" التي كنت قد انتهيت من قراءتها للمرة الرابعة تمهيدا للكتابة عنها، ومحموعته القصصية "برتقالات بغداد وحب صيني".. وقبل أن الملم ما تناثر من مزق أوراقها.. تذكرت أنه علي أن أمحو من هاتفي رقم الشاعر "جهاد أبو حشيش" التي صدرت المجموعة القصصية عن دار نشره المسماة "فضاءات".. فوجود رقمه لدي. قد يكفي دوائر الاستخبارات الأمريكية أو البريطانية أو الأسبانية وربما مخابرات نيوزيلندا وطبعا مخابرات الدول العربية.. لربط اسمي باسم "محسن الرملي".. فما دام لدي رقم "جهاد" فإنه من الطبيعي أن أعرف بعضا من أهم اصدراته.. وربما لو سألوا جهاد لأعلمهم أنه قد أهدى لي هذه المجموعة بتوصية من محسن الرملي نفسه.. بالاضافة إلى عدد آخر من الكتب.. لذلك فالاحتياط واجب.. فخير لي أن أمحو من هاتفي رقم إنسان أحترمه.. من أن أجد نفسي رفيقا لمحسن.. خاصة بعد أن نشرت الصحف تزامنا مع نبأ القبض على محسن.. أن الحكومة الامريكية.. قد أرجأت إغلاق معتقل غواناتنامو السيء الصيت، بحجة أنها لن تجد مكانا يتم فيه اعتقال ارهابي خطير لايشكل تهديدا للأمن القومي الأمريكي فقط.. وإنما للحكومات في مختلف أنحاء العالم.. ملكية كانت أو جمهورية أو إمارة، أو لم تستقر على الصفة التي تقدم بها نفسها للناس بعد.. أو تلك الحكومات التي مازالت في علم الغيب.. أو حتى التي لن تكون.. كمحسن الرملي لو تمكن من تنفيذ مخططه الرهيب.. و"من خاف سلم". لهذا لملمت الأوراق ووضعتها في كيس القمامة الأسود وبالرغم من أن زوجتي قالت لي أن الجو بارد وأن كيس القمامة بإمكانه الانتظار في الشرفة ليوم آخر.. إلا انني كنت حريصاً على أن أُخرج من بيتي كل ماله علاقة بمحسن.. وصرخت في وجهها قائلا: إن احتمالي للبرد أهون عندي من رائحة كيس القمامة.. ولم أبالي بابتسامة زوجتي وهي تقول: لاتوجد أية في الكيس سوى الأوراق التي مزقتها.. وسارعت إلى وضع الكيس في مستودع القمامة الذي يبعد حوالي كيلو متر عن منزلي.. وعندها فقط شعرت بالراحة وتنفست الصعداء.. وشعرت أنني ازحت عن كاهلي عبئا ثقيلاً.. وما أن عدت إلى البيت لأعيد ترتيب الكتب في مكتبتي التي قلبتها رأساً على عقب.. وأنا أفتش عن كتابيّ "محسن" السالفي الذكر.. حت طالعتني صورة أخيه حسن مطلك تتصدر غلاف كتاب "كتاب الحب.. ظلالهن على الأرض" وكان لرؤيتي لهذه الصورة وقع الصاعقة على رأسي!! فوجود كتاب لحسن يعني بالضرورة أنني أعرف أخيه محسن، والمصيبة أن محسن هو من كتب مقدمة هذا الكتاب، وكان لابد أن يكون مصيره مصير الحدائق والبرتقالات.. وقبل أن أنتهي من تمزيقه تماماً.. تذكرت أن لدي نسخة الكترونية في حاسوبي لرواية "دابادا" لحسن مطلك ونسخة الكترونية من رواية "الفتيت المبعثر" لمحسن.. وما أن انتهيت من مسح النسختين من حاسوبي.. حتى توضأت وصليت ركعتين شكراً وحمداً لله لأنني تذكرت ذلك.. ولأن الله وعدنا بالزيادة إذا شكرناه، فقد تذكرت ما أن انتهيت من الصلاة.. أنني قد كتبت في بعض مذكراتي حوارات كاملة أجريت مع محسن الرملي، سواء من خلال المواقع الالكترونية.. أو من خلال مدونته.. فسارعت إلى تمزيق هذه المذكرات بالرغم من أنها تحتوي على العديد من الجُمل والتعابير والأبيات التي كنت حريصاً على نقلها في هذه المذكرات كلما وجدتها في كتاب ما.. كما قمت بحذف المدونة من مفضلتي في الحاسوب.. قبل أن أقفز من جديد إلى المكتبة بحثاً عن مجموعة عبدالهادي سعدون "انتحالات عائلة" فالمخابرات ليست غبية، وهي ستدرك، انني مادمت قد قرأت لعبد الهادي فأنا حتما قد قرأت لمحسن الرملي.. ألم تجمعهما الغربة ودار الواح في إسبانيا معا..؟ ألم يكونا رفيقا صبا..؟ وسارعت إلى تمزيق كتاب السيرة الطائرة لإبراهيم نصرالله الذي ذكر انه التقى بعبدالهادي ومحسن في مدريد.. وزيادة في الاحتياط، فقد ألغيت من صفحتي الخاصة بالفيس بوك كل ماله علاقة بمحسن الرملي من قريب أو بعيد.
ولكنني حتى بعد أن فعلت ذلك ظللت خائفاً ومرعوباً.. فكل صوت سيارة يقترب، كنت أتخيله صوت سيارة شرطي أتت لاعتقالي بناء على طلب من المخابرات الامريكية أو غيرها.. وحتى عندما فتحت قناة خاصة بعرض الأفلام، لعل الاستغراق في مشاهدة فيلم ما ينسيني مرارة هذا الخوف، فوجئت بان خبر القبض على محسن مكتوب في شريط أسفل الشاشة.. ويفيد بأن فرقة مشتركة من عدد من مخابرات العالم بما فيها الكي جي بي التي أعيد احياؤها لهذا الغرض.. هي من قامت بالقبض على محسن الرملي.. كضربة استباقية نظراً لما تمثله قصته "بلد الباحثين عن بلد" من تهديد للأمن والسلم العالميين ولما تشكله من خطورة على كل دول العالم.. وانقلاب فاضح عل الجغرافيا التي اطمأن البشر لأسلاكها الشائكة عقوداً.. بل قروناً طويلة.. وعلى منظمة الأمم المتحدة أيضا .
أذكر أنني لم أنم حتى الفجر.. وأنا ألعن في كل ثانية أول حرف طالعته بقلم محسن الرملي الذي ربما أراد الانتقام لموت أخيه.. بتهديم العالم رأساً على عقب.. دون أن أنسى.. أن أسأل نفسي خفية: هل سيسمحون له بكتابة روايته الجديدة عن الحب؟.
-------------------------
*عبدالحفيظ العدل: كاتب ليبي، والقصة نشرت في (الحوار المتمدن) بتاريخ 22/2/2013م ومواقع أخرى.
 


 خبر سابق


محسن الرملي في لندن

زار محسن الرملي العاصمة البريطانية لندن من يوم 8 ولغاية يوم 13 فبراير/شباط 2013 وقدم هناك محاضرتين، إحداهما في المركز الثقافي العراقي والأخرى في مؤسسة الحوار الإنساني 

 
 
أمسية ذات شجون مع الروائي محسن الرملي
كتب: المركز الثقافي العراقي في لندن
 كيف تخوض في الحديث عن الألم العراقي دون أن تسبب الألم للآخرين وتجتر أحزانهم..؟ كانت هذه قدرة أخرى كشف عنها الروائي محسن الرملي وهو ياخذنا بجولة في حدائق الرئيس من خلال أمسية أدبية أقامها المركز الثقافي العراقي بلندن للكاتب القادم من أسبانيا. تحدث ضيف الأمسية عن روايته الأخيرة (حدائق الرئيس) وماسبقها له من أصدارات، مشيرا الى أن الرواية العراقية لم يحن زمانها بعد ولم تأخذ أمجادها مثلما فعل الشعر..، فالعراق بلد الشعر الأول بأمتياز ولكن لدينا مشكلة في الرواية. وأوضح الرملي من تجربته في معايشة العالم اللاتيني في أسبانيا وأمريكا اللاتينية، أن آخر رواية قرأها اللاتينيون من العراق هي (الف ليلة وليلة).. نظرا لأن ترجمة الأدب العراقي شبه معدومة، مؤكدا أن الرواية العراقية ينقصها الطرف الآخر أو المتلقي، ذلك لأن الروائي العراقي لايحاور القارئ، ومصرحا أنه ككاتب، أستطاع أن يتعلم من القراء أكثر من الأدباء.. وأنه في الواقع يعالج آلامه العراقية من خلال كتابة الرواية.
والعراق، كما يرى الرملي، مكان خصيب لتفاعل المسائل الأنسانية الكبرى كالموت والألم والحب، وهي المرتكزات الأساسية في الحياة التي تنهل منها الرواية. فكل عراقي تعيش في داخله رواية. والرملي يكتب الشعر والمسرحية بجانب الرواية. كما أنه يترجم من العربية الى الأسبانية وبالعكس، ويؤكد أن صورة العراق لدى الشعوب اللاتينية عموما ماتزال مرتبطة بقصص ألف ليلة وليلة وبالتاريخ العريق والثقافة والأبداع برغم ما دار على أرضه من عنف ودمار في السنوات الأخيرة، ومع أنه يأسف لأن الأدب العراقي في جُله غير مترجم، الا أنه يتوقع للعراق أنقلابا ثقافيا عظيما يفضي الى أيجابيات كبيرة، فهكذا كان شأنه دائما، يفعل أشياء يتغير معها وجه الحياة.
 ومع أن روايته (حدائق الرئيس) المرشحة لجائزة الرواية العربية، تتحدث عن عقلية الجلاد ومظالمه وشواهد القبور في حدائقه، إلا أن الرملي وعد الحضور أن يتحدث في روايته المقبلة عن الحب العراقي والمرأة العراقية التي عاشت بلا حب في سنوات الحرب.
 
وكان جمهور الأمسية كريما فوق العادة في تفاعله مع الأديب الضيف الذي عبر عن سعادته بالتواجد في محفل عراقي ولأول مرة منذ مغادرته العراق قبل عشرين عاما، وتبادل الجميع الحديث عن آلامهم في حالة شاملة تسامت على الألم الى استشراف آفاق الأمل والسلام والمحبة.
-------------------------------
*نشرت في صفحة (المركز الثقافي العراقي في لندن) وصفحته في الفيسبوك، بتاريخ 11/2/2013م
**************************
فيديو لجانب من الأمسية في المركز الثقافي العراقي




**********************************************
وأمسية أخرى في مؤسسة الحوار الإنساني