الخميس، 31 يناير، 2013

الرملي: أكتب عن العراق لأفهم نفسي / حاوره: سلام سرحان

حوار مع
محسن الرملي:
 أكتب عن العراق لأفهم نفسي وأكتب عن نفسي لأفهم العراق
الكاتب العراقي يعمل على رواية جديدة تحاول قراءة وجه آخر من الإنسان العراقي
لم يأخذ حقه من التأمل بسبب تسارع الأحداث وقسوة الظروف والخراب
بقلم: سلام سرحان
لم يفاجأ معظم المتابعين للحياة الثقافية العربية باختيار رواية "حدائق الرئيس" للروائي والشاعر والمترجم العراقي محسن الرملي، ضمن القائمة الطويلة لجائزة بوكر العالمية للرواية العربية، لكن كثيرين فوجئوا حين لم يجدوها ضمن القائمة القصيرة.
"حدائق الرئيس" شهادة ملحمية تتلمس تاريخ العراق على مدى أكثر من ثلاثة عقود، صنعت عراقا آخر لأنها طوت عدة أجيال وشكلت ما يقترب من القطيعة مع عراق ما قبل تلك العقود. يتلمس محسن الرملي قسوة تلك الحروب المتتالية ويقدم شهادة شخصية وتاريخية فريدة، لا يمكن إغفالها لفهم تلك المرحلة الممتدة من الحرب العراقية الإيرانية مرورا بالحصار ووصولا الى انهيارات ما بعد الغزو الأميركي. يتلمسها وهو يتوسل بالعراقيين في طبقة عميقة تمتد على طول الرواية، أن "يفعلوا كل ما في وسعهم من أجل التسامح والسلام" وهي عبارة وردت في الإهداء المؤثر الذي تصدر الكتاب.
محسن الرملي أحد الكتاب العراقيين القلائل الذين دخلوا بعمق في مشهد الثقافة العالمية. إلتقيته وسألته أولا:

*كيف تلقيت خبر اختيارك روايتك في القائمة الطويلة للبوكر العربية، وكيف تلقيت خبر عدم اختيارها في القائمة القصيرة؟
ـ سررت طبعاً باختيارها لأسباب عديدة، منها: أن الرواية صدرت قبل وقت قليل لذا فإن أية إشارة لصالحها تطمئنني على جودتها، وأنها اختيرت إلى جانب أعمال لأسماء معروفة من كتاب الرواية العربية، وكذلك لأن اختيارها شكل دفعة إعلامية جيدة لتوسيع مساحة القراء الراغبين بالاطلاع عليها. أما عن عدم اختيارها في القائمة القصيرة فلم أستغربه بقدر ما استغربت من إقصاء أعمال الروائيين المعروفين أمثال واسيني الأعرج وإبراهيم نصرالله والياس خوري وهدى بركات وربيع جابر مثلاً.
*ما رأيك بالاعمال التي تم اختيارها في القائمة القصيرة، وبلجنة التحكيم التي قيل عنها الكثير، وسجل عليها بعدها عن مناخ الرواية العربية؟
ـ للأسف لم أطلع حتى الآن على أي من الأعمال التي تم اختيارها في القائمة القصيرة، وبشأن لجنة التحكيم فأنا أتفق مع التساؤلات التي طرحت حولها، وأرى أن على القائمين على هذه الجائزة أن يراعوا اختيار أعضاء اللجان من العارفين بالأدب في المرات القادمة كي لا تصبح الجائزة مضرة بنوعية الرواية العربية أكثر من كونها تهدف لخدمتها.
*رواياتك تغوص عميقا في محنة العراق وتتلمس وتستكشف أبعادا لم تلمس من قبل... كيف تتداخل هذه الروايات مع حياتك الشخصية؟
ـ كل ما يتعلق بالعراق أشعر بأنه يتداخل ويؤثر على حياتي الشخصية، لذا فإن كتابتي عنه يمتزج فيها العام والخاص، أي أنني حين أكتب عن العراق محاولاً فهم ما يحدث به وله وتلمس أوجاعه، إنما أكتب عن نفسي لأفهم نفسي أيضاً فالأمر مرتبط بهويتي، والعكس صحيح، أي أنني عندما أكتب عما هو ذاتي يخصني أجد بأنه يخرج دائماً ممزوجاً بما يتعلق بالعراق. أكتب عن العراق لأفهم نفسي وأكتب عن نفسي لأفهم العراق.
*للرواية أبعاد وجودية عميقة ولا بد أن التقدم في عمل إبداعي كهذا أضاف لمحسن الرملي أشياء كثيرة. ولا بد أنك بعد كتابتها غير ما كنت عليه قبل كتابتها... ما الذي غيره مخاض الرواية في محسن الرملي؟
ـ بالفعل، الهم الوجودي هو نقطة جوهرية في كل أعمالي ورؤيتي للحياة، لذا يريحني دائماً أن ينتبه إليها المتلقي ولا يكتفي بالقراءة الظاهرية أو السطحية للنص، فهاجسي الأساسي هو الإنسان وبشكل أعمق معضلته الوجودية والتساؤل عن معناها. وبعد تجربة كتابة كل عمل جديد أشعر بأن أشياء كثيرة تغيرت في شخصيتي ورؤيتي فعلاً. ذلك أن تنويع وتجديد طرح الأسئلة الكبرى هو بحد ذاته ممارسة فاعلة للتغيير. عدا ذلك أشعر بنوع من التخفيف عن ضميري كلما وجدت بأنني قد استطعت التعبير عن أوجاع الناس والضحايا في بلدي وإيصال صرختهم إلى مزيد من الناس، فبمجرد إيصال صوت الضحية وإشعارها بمشاركتها أوجاعها هو أمر يريح الطرفين.
*أين أنت من شخصيات الرواية؟ وما الذي انجزته الرواية لحياتك وفهمك للأوضاع في العراق؟
ـ أنا معها، وموزع بينها جميعاً، وإن كانت شخصيتي أقل ظهوراً في رواية "حدائق الرئيس" مما هي عليه في أعمالي الأخرى، ذلك أنني كرست هذه الرواية أكثر لأشخاص آخرين عرفتهم في حياتي ومنهم أقارب وأصدقاء شهدت معاناتهم وعانيت موتهم، ومن خلالهم أردت تقديم صورة عما حدث للعراق خلال العقود الأخيرة محاولاً فهمه وبالتالي إفهامه للآخرين وخاصة من غير العراقيين الذين حين تلتقي بهم سينتهون بالقول لك، إن وضع العراق معقد جداً ويصعب فهمه، وأكثر ما أردت وصفه هو الجانب الإنساني فيه، وليس الخراب المادي. ركزت على معاناة الإنسان العراقي بسبب ظروف وتقلبات سياسية وحروب لم تكن له يد باختيارها أو تقريرها لكنه كان أداتها وضحيتها.
*كيف أثر اختيار الرواية في القائمة الطويلة على انتشارها عربيا وعالميا؟
ـ بالتأكيد هو تأثير إيجابي، حيث زاد من عدد الراغبين بقراءتها في مختلف البلدان العربية وكذلك لفت انتباه غير العرب إليها بحيث أن أكثر من مهتم ومتابع راح يسأل عما إذا كانت ستترجم إلى لغته ومتى، وهناك دار نشر أمريكية مهمة أبدت اهتماماً بمعرفة المزيد عنها بنية ترجمتها ونشرها. كما أن العمل جار على ترجمتها إلى الإسبانية، حتى من قبل اختيارها في القائمة، ذلك أن لدي بعض القراء بالإسبانية يهمهم متابعة جديدي.
*ماذا بعد "حدائق الرئيس"؟ ما هي مشاريعك المقبلة؟
ـ أعمل الآن على رواية جديدة تحاول قراءة وجه آخر من الإنسان العراقي، ربما لم يأخذ حقه من التأمل بسبب تسارع الأحداث وقسوة الظروف والخراب، ألا وهو موضوع "الحب" وخاصة عند المرأة العراقية، أحاول أن أتقمص صوتها وأتمنى أن أتمكن من خلال هذا العمل الكشف عن شيء من جمالها وعن بعض المكبوت والمقموع الخاص بقضية (الحب).
*وكيف وجدت هذه التجربة؟
ـ ههههه بصراحة، يبدو لي، أحياناً، أن فهم المرأة أعقد من فهم العراق، فكيف وأنا أحاول جمعهما في عمل واحد!.
---------------------------------------
محسن الرملي في سطور: كاتب وشاعر ومترجم عراقي يقيم في إسبانيا منذ 1995، حاصل على الدكتوراه بالفلسفة والآداب الإسبانية من جامعة مدريد ويعمل إستاذاً في إحدى الجامعات الأمريكية هناك، له ما يقرب العشرين إصداراً تنوعت بين الرواية والقصة والشعر والمسرحية والترجمات. تُرجمت بعض أعماله لأكثر من لغة، منها روايته (الفتيت المُبعثر) التي حازت ترجمتها على جائزة آركانسا الأمريكية عام 2002، كما وصلت روايته (تمر الأصابع) إلى القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية 2010 وكانت قد صدرت بالإسبانية قبل صدورها بالعربية، وآخر إصدارته رواية (حدائق الرئيس) التي وصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية 2013م.
------------------------------
نشرت في صحيفة (العرب)، لندن 2013م
*وفي (ميدل إيست أونلاين) بتاريخ 31/1/2013م.

الخميس، 24 يناير، 2013

النور السردي يغمر حدائق العراق/ د. صلاح فضل


النور السردي يغمر حدائق العراق
                     بقلم: د. صلاح فضل  
ليس بوسع التاريخ وحده، مهما حفل بالوثائق، أن يسجل حياة الشعوب الباطنة، ولا سيرها الإنسانية، فالفن السردي على وجه التحديد هو القادر على إضاءة عتمات الروح، وجس نبض الجماعة، وتمثيل حيوات الناس بشكل جمالي فاتن.
وقد شغف العراقيون بالشعر في العصر الحديث وتفوقوا فيه، لكن المحن الوطنية التي صهرتهم في العقود الماضية، من ديكتاتورية عاتية، إلى احتلال قسري مدمر، إلى تهجير مخرب للعلماء والمبدعين، كل ذلك قد أنضج لدى الموهوبين منهم ملكات فذة في مختلف الأشكال الأدبية والفنية، وبرزت فيهم قامات عالية فى الرواية والقصة، من الداخل والخارج المبعثر في مختلف أقطار الأرض، وإن كانت بؤرة اهتمامهم تتركز دوماً فى تأمل المصير العراقي ورسم ملامحه. وقد أدهشتني رواية جديدة بعنوان «حدائق الرئيس» للكاتب المتميز محسن الرملي الذي التقيته في إسبانيا الصيف الماضي وحدثني عنها قبيل صدورها، لكني لم أكن أتصور أن بوسعه من مهاجره البعيدة أن يكثف رؤيته للواقع العراقي خلال العقود الماضية بمثل هذه التقنيات السردية المتقنة، والكفاءة الشعرية التي تقدم نصاً إبداعياً من الطراز الأول.
وإذا كانت الحياة العراقية مفعمة بالصدمات، منذ تربع على ذروتها «الصدّام» الأكبر، فإن مطلع الرواية نموذج لذلك، يبدأ بهزة عنيفة تجتاح القارئ إذ يقول «في بلد لا موز فيه، استيقظت القرية على تسعة صناديق موز، فى كل واحد منها رأس مقطوع لأحد أبنائها، ومع كل رأس بطاقته الشخصية التى تدل عليه، لأن بعض الوجوه قد تشوهت تماماً بفعل تعذيب سابق لقطعها، أو بسبب تمثيل بها بعد الذبح، فلم تعد ملامحها التى عرفت بها، على مدى أعوام حياتها المنتهية كافية للدلالة عليها» هذه الرؤوس التي أينعت وحان قطافها منذ عهد الحجاج الثقفي تضع بصمة فاصلة تدفع مرحلة دموية في الزمن العراقي المعاصر أيضاً، حتى لتكاد تمثل علامة مائزة للشخصية، تختزل طاقة العنف المثبوثة في شخص واحد، يعادله الآلاف من الطيبين الوديعين المفعمين بالحس الإنساني النبيل فى الشعب البناء الصبور صاحب الأمجاد التاريخية، حيث أقامها بعلاقات الألفة والمودة المتراحمة. ولعل الثلاثي العجيب من هؤلاء الأصدقاء الذين تحكي الرواية قصتهم يمثلون النموذج الحقيقى لهذا الشعب المحب الكريم، وهم «طارق بن ظاهر إمام المسجد، عبدالله بن شق الأرض الذي صار ابن صالح بالتبني، وإبراهيم بن سهيل»، ولد الثلاثة سنة ١٩٥٩ في أشهر متتالية، ومنذ حبوهم ولعبهم عراة المؤخرات فى التراب قرب أمهاتهم المتجمعات بجوار التنانير أو أمام أبواب بيوتهن فى المساء لتبادل الثرثرة وأخبار الناس التى يسمونها «علوم»، معا أصيبوا بمرض الحصبة ومعا شفوا منه، معا تعلموا المشي والسباحة وصيد العصافير وتربية الحمام، وسرقة البطيخ والرمان وألعاب الرماية والاختباء والقفز العالي وكرة القدم، معاً دخلوا المدرسة وكانوا يدافعون عن بعضهم أمام اعتداءات بقية التلاميذ، ويدرسون وسط الحقول للامتحانات أو فى غرفة أحدهم ليلاً."
هذه الكتلة الحميمة من الألفة المائزة لأبناء القرية هي الخلايا المجتمعية الحميدة المشكلة لعراق الحضارة، لكن طبيعتها الإنسانية سرعان ما ترشح بعضها لإضمار الأنانية والشر، فعندما يعشق عبدالله بن شق الأرض سميحة أخت طارق، يوعز الأخير إلى أبيه برفض خطبتهما، لأنه يحسده على فحولته العضوية التى يطلع عليها مع أنه أقرب أصدقائه إلى قلبه، ويتعلل بسبب آخر وهو أنه مجهول النسب وقد التحق بأسرته عن طريق التبني، لكن أخته العاشقة تلعب دور الفتاة المتمردة التي لا تستسلم، فهم يزوجونها على كره منها لأحد أبناء عمومتها فلا تطيق البقاء معه، وتهرب بعد أربعين يوماً فيعيدونها مجبرة على معاشرته حتى تنجب طفلة منه، ثم يتكرر هروبها عدة مرات حتى يشعر أهل الزوج بالخزي ويجبرونه على تطليقها، وهنا نرى أن التقاليد العائلية لا تقمع النساء وحدهن، بل تجور على حرية الرجال كذلك، وأن الشخصية العراقية القوية الفعالة ليست مقصورة على الرجال، فسميحة ترفض الخنوع، وإن كان حبيبها الأول قد أنهكته الحروب وقضى فى الأسر الإيراني زهرة شبابه، فتظل قصة حبهما التى لم تتم فصولها معلقة فى يد المقادير طيلة الوقت.

الضيف والمواطن:
يشتبك مصير عبدالله الذي أطلق عليه رفاقه لقب «كافكا» لعدميته وحسه الفاجع بمصير مئات الآلاف من الجنود العراقيين الذين طحنتهم رحى الحروب الصدامية وانتهى أمرهم إلى القتل أو الأسر فى إيران، حيث أطلقت عليهم تسمية ضيوف الجمهورية الإسلامية، لكن التكريم الذي كان ينتظرهم لا مثيل له: «هناك صفونا فى دائرة واسعة، واختاروا أحدنا عشوائياً، ربطوا ذراعيه بسيارتين، ثم سارت السيارتان على مهل باتجاهين متعاكسين حتى تخلع جسده، أخذوا منا من صرخ معترضاً وفعلوا به الأمر ذاته، ثم كرروه مع ثالث ورابع حتى أغمى على الكثير منا، أمرونا بالجلوس وداروا علينا بالماء لنشرب، ثم انتقى جنرالهم الملتحي خمسة منا وألقى بهم أحياء فى حفرة وأمرنا أن نهيل التراب عليهم.. أرادوا أن يزرعوا الرعب الشديد فى قلوبنا فأصبحنا رجالاً أشد خوفاً من الأطفال، مذعورين كالفئران فى الطوفان، حتى لم تعد تهمني الإهانات ولا الضربات ولا الجوع ولا التعذيب، أما من نجا من الأسرى فقد أغرقوه بالكتب الدينية الشيعية، مثل كراسات إمام الثورة وغيره في محاولة لغسل المخ والأدلجة وكسب التعاطف، وكانوا يجبرونهم على طقوس اللطم والتطبير والبكاء فى عاشوراء بمن فى ذلك الجنود المسيحيون حتى يؤمنوا بما يسمى «ولاية الفقيه»، ثم يحرمون الممانعين من والطعام والشراب ويغدقون على من يتظاهر بقبول هذا التحول العقائدي النعم والخيرات، أما الباقون فهم ضالون وعلمانيون وكفار، حتى إن صلوا وصاموا، يسلطون عليهم سيلا من الدعاية الفجة حول نقاء وطهرانية الشعب الإيراني الذى يصورونه باعتباره المجتمع المثالى الذى حلم به الشعراء والفلاسفة والأنبياء، أصبح بعض التوابين من الأسرى أشد تعصباً لولاية الفقيه من الإيرانيين أنفسهم، وتنصلوا من ماضيهم العراقي، أما غالبية الأسرى فقد ظلوا سنوات طويلة أليمة يرزحون تحت نير هذه الفاشية الضارية الماحقة. فإذا عاد عبدالله إلى وطنه هبت عليه ريح الفجائع، لا من حكم الطاغية وحرائق سياسته فحسب، فهذا هو المستوى الظاهر على سطح الأحداث العامة، بل من تأصل العرق المأساوى فى صميم بنية الحياة الأسرية العراقية في القرية والمدينة على السواء، فالسيدة «زينب» أرملة المختار الراحل التى كانت دوماً تعطف عليه بشدة، تختلي به عند المقابر كي تبوح له بسر نسبه المجهول بعد طول صمت وتكتم، فهي فى النهاية ليست سوى جدته الحقيقية الصابرة، أما أبوه فهو ابنها البكر جلال الذي ارتكب في فورة صباه خطيئة التغرير بزكية البلهاء ومواقعتها، فأجبره أبوه المختار على الرحيل تفاديا لاقترانه بها وتكفيراً لذنبه، وحبسوها فى جب تحت البيت حتى ولدته، ثم قادوها ليلاً لتلقى حتفها رجماً في حفرة ضيقة وسط المقابر، وأهدوه طفلاً لزوجة إمام القرية العاقر، فينشأ الصبي جاحداً للناس كارهاً لهم فيما عدا أصدقاءه، معتقداً أن الجحيم هي الآخرون. كما كان الموجودون يعلنون، ولا يعرف هل يحمد لجدته أن كشفت له السر أم ينقم عليها لسكوتها هذه السنوات، ويعفيه موتها المفاجئ عقب البوح من اتخاذ موقف منها، لكن صورة الأسرة القروية مدخولة الشرف، منتهكة الضمير، وهى تمارس السلطة بجبروت يخفى هشاشتها، تكشف لنا طبيعة العلاقات الموتورة والصراعات الدفينة الأليمة فى نفوس أهلها المسكونين بالفجيعة. لكن مركز الثقل ينتقل فى النصف الثاني من الرواية إلى حدائق الرئيس، حيث يلتحق للعمل بها رفيق صباهم إبراهيم الذي قضي عمره فى الحروب الصدامية حتى بترت ساقه، فعين بمسعى من صديقه طارق مكافأة له، وهنا تنفتح الرواية بطريقة عفوية وفادحة على مشاهد صارخة من جرائم الرئيس العراقي السابق، فى البذخ الجنوني الذى بنى به قصوره وحدائقه، ويكفي أن نورد نموذجاً لذلك فى البيت الطيني الدائري المقام على منصة دائرية، وسط بحيرة، يصل إليه جسر ضيق على امتداد سبعين متراً، لهذا البيت طارمات وأبواب ونوافذ خشبية مطرزة بزخارف أخاذة لامعة، وحوله من كل النواحي حديقة عرضها عدة أمتار وهي للورود فقط، تكاد توجد بها جميع أنواع وألوان الورود منسقة بشكل بديع دقيق وتتركز مهمة البستاني الجديد فى سقي الورود وتنسيقها، ثم إدارة واجهة البيت بأزرار خاصة ليدور مع حركة الشمس حتى تنسكب أشعتها دائماً على مدخله الذى قد يأتي ليجلس فيه أحياناً السيد الرئيس.
هذا السفه المترف لا يكتسب دلالته الحقيقية سوى باقترانه بالجرائم الوحشية التى ترتكب فى رحابه، فحظ البستاني التعس يقوده بالصدفة لأن يشهد منظر انتقام الرئيس من موسيقاره المفضل «نبيل» لأنه علم بأنه يتحدث عن الحرية والديمقراطية عندما تأخذه نشوة الشراب، فيدعوه كى يعزف له بعض المقطوعات وهو جالس فى بستانه، ثم يلتفت إليه ساخراً لتأنيبه على جحوده لنعمة سيده، ويأمره بأن يعزف أغنية الأطفال المعروفة «يا بط يا بط اسبح بالشط، قل للسمكة جات الشبكة، ميلي عنها، تنجي منها» قبل أن يطلق له الحراس حمامة خلف رأس الموسيقي فيقوم الرئيس باصطيادها بالبندقية، ثم ينزل فوهتها على رأس الموسيقي فيخرمه بمطر من الرصاص الذى يقذف بجثته إلى الماء، والأبشع من ذلك أن البستاني يترقى فى مهنته ليصبح حفاراً للقبور فى بقعة معزولة من هذه الحدائق ذاتها، فيشهد بنفسه على دفن مئات الجثث المعذبة المنتهكة المحمولة إليه ليلاً، يتمرس على صنعته الجديدة ويضع سجلاً يوثق فيه علامات الجثث تكريماً لأصحابها. وتمتد الرواية لتسجل معالم الغزو الأمريكي وسقوط بغداد وأثر ذلك على الناس فى المدن والقرى، ثم تختتم بذات المشهد الذي افتتحت به عندما استيقظت القرية على صناديق الموز وهي تحمل الرؤوس ومن بينها رأس إبراهيم الذي كشف سر المقابر الجماعية، ولا يتيقن أحد من هوية المنتقمين منه، ومع أن الدلالة السياسية للرواية باهظة ومكشوفة فإن تقنيات السرد وشعرية المواقف أضفت عليها مسحة جمالية رائعة.
----------------------------
*نشرت في صحيفة (المصري اليوم) العدد 3145 بتاريخ 21/1/2013م
*ونشرت في (ساحات التحرير) بتاريخ 24/1/2013م
 د.صلاح فضل ود.محسن الرملي/في الكويت 2003

الاثنين، 21 يناير، 2013

حدائق الرئيس؛ كتاب مميز وتوثيق إنساني لأمة مكلومة/Goodread


"حدائق الرئيس" كتاب مميز وتوثيق "إنساني"
لجزء هام من تاريخ أمة مكلومة
Moamen
كما يعبر غلاف الرواية؛ ثلاثة وجوة تقف أما خلفية هادرة، صفراء صفرة الأرض والصحراء وحمراء حمرة الدم والنار.... عن هذا تتحدث الرواية، عن أبناء أرض تدعى العراق بالصفرة أصبطغت، وتاريخ يدعى تاريخ العراق ويشمل أيضا حاضرة بالحمرة أصطبغا .
رواية مؤلمة كئيبة وبشعة، رواية عن تاريخ شعب انتمى لهذه الأرض وبإرث أنتمائه ووطنيته ظل ولازال يكابد الويلات والأهوال إلى اليوم. تحكي الرواية عن ويلات الحروب وفظائعة التى ذاقها الشعب العراقي وتحكي أيضاً عن سلطة حاكمة أضطرت لصنع ويلات أكبر لشعبها حتى تحفظ النظام، نظام الدولة والنظام الحاكم معا، قسوة لا تخلو من سادية وأستمتاع ملحوظ وملكية مقنعة حكمت تحت أسم الجمهورية رافعة شعارات وطنية تبرر أو تفرض بها بقائها وساديتها وسيطرتها... تحكي أيضاً الرواية عن غرائب وويلات الداخل، القادمة من الشعب نفسة، من المجتمع نفسة، حيث الفوضى وقت ضعف السلطة والطبقية والعادات المتوارثة القاتلة والوجاهه الزائفة والنفاق الذاتى والاجتماعي.... رواية ترسم صورة ظلامية جحيمية لأرض رأت من الأهوال ولازالت ترى من الأهوال الكثير .
الرواية في حد ذاتها مزيج غريب، من الفلسفة والسرد الاجتماعي والمبالغات والميلودراما والتنوع بين القضايا الكبيرة والشؤون الصغيرة لأبطال الرواية... بقدر ضخامة الرواية واتساع الفترة الزمنية والأحداث والنماذج الإنسانية التى تغطيها الرواية، كانت أيضاً متقلبة وغير ثابتة، أحداث هامة تم المرور عليها بسرعة غريبة وشؤون صغرى حظت بالكثير من الأهتمام، واقعية وتحليل رائع للواقع فى بعض الأحيان ومبالغة فى أحيان أخرى، سرد بريء في بعض الجوانب وعمق فلسفي كبير في جوانب أخرى... الرواية طغى عليها الطابع المزاجي في الكتابة بشكل بدى واضحاً- بالنسبة لي على الأقل - ولكن الذي يحسب حقاً للرواية أنها أبدا لم تكن تنقصها القصص والأحداث كبيرها وصغيرها .
فى المجمل هي كتاب مميز وتوثيق "إنساني" لجزء هام من تاريخ أمة مكلومة.
----------------
Aban Idrees: رواية رائعة، تجسد واقعاً مريباً تجرعه الشعب العراقي لعقود، أبدع فيها الكاتب ببيانية أدبية محترفة مائلاً تارة إلى المدرسة الرافعية وأخرى إلى صبغته الخاصة ذات مسحة عراقية...
-----------------------
*نشرت في موقع (Goodread) بتاريخ 12/1/2013م

الاثنين، 14 يناير، 2013

محسن الرملي والعبث في حدائق الرئيس / عبدالله توتي

محسن الرملي والعبث في "حدائق الرئيس"
 
عبدالله توتي
تعد رواية (حدائق الرئيس) ثالث عمل روائي في مسيرة محسن الرملي، الكاتب والمترجم والباحث العراقي المعروف، المقيم في مدريد، فقد نشر سنة 2000 روايته الأولى (الفتيت المُبَعثر)، التي ترجمت إلى الانجليزية تحت عنوان (Scattered Crumbs) ونشر بعدها سنة 2009 روايته الثانية (تمر الأصابع) التي صدرت بالاسبانية أولا ثم بالعربية ثانيا، وهي رواية لقيت الكثير من الاستحسان من القراء والنقاد على حد سواء، كما كانت ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر للرواية العربية2010.  
رواية (حدائق الرئيس) الصادرة مؤخراً عن دار ثقافة في أبو ظبي والدار العربية للعلوم في بيروت رواية لها طابع خاص، فهي تختلف كل الاختلاف عما هو متعارف عليه في التقاليد الروائية العربية. صحيح أن الكثيرين ممن كتبوا عنها صنفوها ضمن الرواية التاريخية أو رواية الديكتاتورية المعروفة بأمريكا الجنوبية، ولا نكاد نشك في ذلك حالما نعلم أن كاتبها دكتور في الأدب والفلسفة وعارف جيد بالأدب العالمي: تاريخه ومذاهبه ومدارسه.
لكن النظر إلى الرواية من هذه الزاوية فحسب من شأنه أن يشنج قراءتنا ويكبل تفكيرنا، مما سيفوت علينا فرصة الاستمتاع بعوالم أدب عظيم، يمتد خارج التاريخ والجغرافيا متجاوزا إياها إلى ما هو إنساني كوني وإلى هم وجودي أعمق.
لعل المتصفح لما كتب، إلى حدود الساعة حول الرواية، سيجد، بدون شك، أن أغلبها يتخذ المقطع الأول من النص منطلقا له. وهي بداية الحكي حيث يقول الراوي:  "في بلد لا موز فيه، استيقظت القرية على تسعة صناديق موز، في كل واحد منها رأس مقطوع لأحد أبنائها،..." وهي الصيغة نفسها التي سنجدها في الفصل 27، ما قبل الأخير، حيث يكرر: "في هذا البلد الذي لا يزرع فيه الموز، استيقظت القرية على تسعة رؤوس من رؤوس أبنائها في صناديق موز...".
تشكل هذه العبارة، بداية النص ونهايته في الوقت ذاته. فالقارئ المتأني سيلاحظ  كيف أن الكاتب ابتدأ الرواية من نهايتها تقريبا، حيث توقف عند مرحلة أخرى من تاريخ بلده العراق، ألا وهي تاريخ الامبريالية الأمريكية وهم السيطرة على الشرق الأوسط والصراع على الثروة النفطية.. ولعل هذا ما يشير إليه بالموز وصناديق الموز، إذا ما عدنا إلى الوراء قليلا، وتأملنا في سياسة الولايات المتحدة بأمريكا الجنوبية وتاريخ شركاتها الأسود هناك من أمثال يونيتد فروي كنبني.
لست هنا بصدد التحليل التاريخي للرواية، فكل همي هنا هو توضيح كيف أن الديكتاتورية ليست الثيمة الرئيسية في النص، بل هي أداة أو فرض من فروض السياق التاريخي الذي تدور فيه الأحداث. فلا يمكن الحديث عن تاريخ العراق الحديث دون المرور بفترة حكم صدام حسين وما عرفته من مد وجزر.
إذا ما عدنا إلى نقطة البداية/ النهاية، ودققنا قليلا في العبارة : "في بلد لا موز فيه، استيقظت القرية على تسعة صناديق موز، في كل واحد منها رأس مقطوع لأحد أبنائها،..." فإن الثمية التي تسترعي انتباهنا بعد مسألة الموز التي تحدثنا عنها، هي الموت، والطريقة البشعة التي انتهت بها حياة تسعة أشخاص من سكان القرية.
لعل هذه الثيمة هي المنفذ السليم إلى عمق رواية محسن الرملي، خاصة عندما نتأمل الكم الهائل من الشخصيات التي لقيت الحتف نفسه، وإذا ما محصنا ودققنا في طباعها وطرق عيشها وتفكيرها ومواقفها، فسنجد حتما أن القاسم المشترك بينها هو: العبث، الرغبة، التحدي، التمرد، الموت، وهي مواصفات تتقاسمها أيضا الشخصيات التي لم تلق حتفها  في النص.
هي الكينونة إذن في شموليتها، أو فلسفة العبث المتمثلة في الصراع القائم بين الوجود والعالم المشترك. أللامنطقي  يجر الشخصيات ومن ثم القارئ إلى التساؤل عن جدوى الحياة أو فيما إذا كانت الحياة تستحق أن تعاش؟
أسئلة تكرسها الرغبة في الوضوح والصفاء، كما يكرسها السأم والضجر من التكرار والنمطية، غير أن النهاية (الموت) المجهولة، والذهول الذي تخلفه في النفوس، غالبا ما يفضحان عبثية الحياة.
عالم في حالة سؤال مستمر ودائم هو ما يطرحه الروائي العراقي محسن الرملي في روايته حدائق الرئيس، سائرا على نهج عمالقة المذهب الوجودي العبثي من البير كامو وجون بول سارتر وارنيستو ساباتو وغيرهم، منطلقا من عراق مظلم في اتجاه عالم أكثر ظلمة.

--------------------------------------------
*نشرت في صحيفة (القدس العربي) لندن، العدد 7335 بتاريخ 18/1/2013م.

*ونشرت في صحيفة (العالم) العراقية، العدد 734 بتاريخ 14/1/2013م.

الخميس، 3 يناير، 2013

حوار مع الرملي عن (حدائق الرئيس)/ موقع البوكر


حوار مع محسن الرملي عن (حدائق الرئيس)

أجراه: موقع جائزة البوكر العربية
*متى بدأت كتابة رواية "حدائق الرئيس" ومن أين جاءك الإلهام لها؟
ـ بدأت بكتابتها سنة 2006 بعد أن تلقيت خبر مقتل تسعة من أقاربي ذبحاً وهم صيام في اليوم الثالث من شهر رمضان، ولم تجد القرية سوى رؤوسهم في صناديق موز مع بطاقاتهم الشخصية، لذا أهديت الرواية إلى أرواحهم. صدمني ذلك، أرعبني وأبكاني فكانت الكتابة في البداية ردة فعل بلا تخطيط ولا رؤية واضحة، لذا تركتها جانباً على أمل تحقيق أمنية قديمة وهي كتابة رواية أشمل عما عاناه البسطاء تحت وطأة مآسي العراق في تاريخه الحديث، رواية مثل "جسر على نهر درينا" لليوغسلافي إيفو إندريتش التي سردت تاريخ بلاده على مدى أجيال عبر اتخاذها للجسر مرتكزاً يربط الأحداث والأزمنة، يدفعني إلى ذلك أيضاً ما لمسته خلال مشاركاتي في الأنشطة والملتقيات الثقافية في بلدان عديدة، من صعوبة في فهم تعقيدات الوضع العراقي، وكذلك حزني وغضبي الشديد من اكتفاء الصحافة العالمية لذكرها للضحايا العراقيين وكأنهم مجرد أرقام،  فرحت أجمع المعلومات تباعاً، وسافرت إلى سوريا للقاء أخي وابن أخي هناك والاستفسار منهم عن المزيد من التفاصيل، وهكذا بحيث لم أعد للبدء بكتابتها مرة أخرى إلا في أواخر 2008 بعد أن قرأت خبراً سابقاً ومقتضباً عن شخص كان يعمل في دفن المعدومين المجهولين في العراق وكان يحتفظ سراً بشيء مما يجده لديهم سواء بطاقة أو فاتورة أو ساعة أو خاتم ويدون بعض مواصفاتهم وأماكن الدفن، وبعد سقوط النظام قام بمساعدة الكثير من العوائل في إيجاد بقايا جثامين مفقوديهم.
*هل استغرقت كتابة الرواية مدّة طويلة؟ وأين كنت تقيم عند إكمالها؟
ـ نعم، أربعة أعوام تقريباً، ولكن بشكل متقطع، حيث أكتب وأتوقف، لأكتب نصوص أخرى، ثم أعود إليها، أتحرى المزيد من المعلومات وأعيد الكتابة وأستشير بعض الأصدقاء.. وهكذا. وعملية الكتابة كانت في أربعة أماكن، بدأتها في مدريد، ثم في غرناطة، ثم في العراق حيث سافرت لفترة بسيطة وتقصيت عن المزيد من التفاصيل، ثم أنهيت مسودتها الأولى في آستورياس شمال إسبانيا، وبعد ذلك قمت بعدة مراجعات لها في مدريد، وهكذا فإن كتابتها قد بدأت وانتهت في مدريد، حيث أُقيم.
*كيف استقبلها القراء والنقاد؟
ـ كان استقبالها أفضل مما توقعته بكثير، فالآراء النقدية طمأنتني على رصانتها التقنية، أما آراء القراء، وهي الأهم، فقد جعلتني أشعر بأن هذه الرواية قد أوصلت الرسالة التي أردتها، حيث تلقيت اتصالات ورسائل من قراء يتابعون كتاباتي قائلين بأن هذه هي الرواية التي كنا ننتظرها منك. آخرون قالوا: الآن فهمنا ما الذي كان يحدث في العراق ولماذا يحدث الذي يحدث الآن وبعضهم اعترف بأن رأيه قد تغير تماماً بعد أن كان يتعاطف ويؤيد طاغية العراق المخلوع إلى ضده، ومنهم من كتب في صفحات التواصل الاجتماعي متمنياً أن يقرأها الحكام والمحكومين كي تخف دوامة العنف في عالمنا العربي، بعد أن نتحسس تفاصيل ما هو إنساني، ومن العراق ثمة من اتصل بي شاكراً لأنني استطعت أن أعبر عن أوجاعهم.. وغير ذلك.
*ما هو مشروعك الأدبي بعد هذه الرواية؟
ـ كتابة رواية جديدة طبعاً، وقد شرعت منذ الآن بالإعداد لها، أريدها عن موضوعة الحُب هذه المرة وأن تكون مختلفة، بحكم اختلاف موضوعها، عن لغة وأسلوب وتقنية "حدائق الرئيس"، وإن كان الوجع العراقي سيحضر فيها أيضاً بشكل ما، لكنني أريدها أن تكون بمثابة بحث عميق عن الحب والجمال وسط هذا الخراب.
--------------------------------------------------
*نشر في موقع (الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)) بتاريخ 2/1/2013م.