الخميس، 24 يناير، 2013

النور السردي يغمر حدائق العراق/ د. صلاح فضل


النور السردي يغمر حدائق العراق
                     بقلم: د. صلاح فضل  
ليس بوسع التاريخ وحده، مهما حفل بالوثائق، أن يسجل حياة الشعوب الباطنة، ولا سيرها الإنسانية، فالفن السردي على وجه التحديد هو القادر على إضاءة عتمات الروح، وجس نبض الجماعة، وتمثيل حيوات الناس بشكل جمالي فاتن.
وقد شغف العراقيون بالشعر في العصر الحديث وتفوقوا فيه، لكن المحن الوطنية التي صهرتهم في العقود الماضية، من ديكتاتورية عاتية، إلى احتلال قسري مدمر، إلى تهجير مخرب للعلماء والمبدعين، كل ذلك قد أنضج لدى الموهوبين منهم ملكات فذة في مختلف الأشكال الأدبية والفنية، وبرزت فيهم قامات عالية فى الرواية والقصة، من الداخل والخارج المبعثر في مختلف أقطار الأرض، وإن كانت بؤرة اهتمامهم تتركز دوماً فى تأمل المصير العراقي ورسم ملامحه. وقد أدهشتني رواية جديدة بعنوان «حدائق الرئيس» للكاتب المتميز محسن الرملي الذي التقيته في إسبانيا الصيف الماضي وحدثني عنها قبيل صدورها، لكني لم أكن أتصور أن بوسعه من مهاجره البعيدة أن يكثف رؤيته للواقع العراقي خلال العقود الماضية بمثل هذه التقنيات السردية المتقنة، والكفاءة الشعرية التي تقدم نصاً إبداعياً من الطراز الأول.
وإذا كانت الحياة العراقية مفعمة بالصدمات، منذ تربع على ذروتها «الصدّام» الأكبر، فإن مطلع الرواية نموذج لذلك، يبدأ بهزة عنيفة تجتاح القارئ إذ يقول «في بلد لا موز فيه، استيقظت القرية على تسعة صناديق موز، فى كل واحد منها رأس مقطوع لأحد أبنائها، ومع كل رأس بطاقته الشخصية التى تدل عليه، لأن بعض الوجوه قد تشوهت تماماً بفعل تعذيب سابق لقطعها، أو بسبب تمثيل بها بعد الذبح، فلم تعد ملامحها التى عرفت بها، على مدى أعوام حياتها المنتهية كافية للدلالة عليها» هذه الرؤوس التي أينعت وحان قطافها منذ عهد الحجاج الثقفي تضع بصمة فاصلة تدفع مرحلة دموية في الزمن العراقي المعاصر أيضاً، حتى لتكاد تمثل علامة مائزة للشخصية، تختزل طاقة العنف المثبوثة في شخص واحد، يعادله الآلاف من الطيبين الوديعين المفعمين بالحس الإنساني النبيل فى الشعب البناء الصبور صاحب الأمجاد التاريخية، حيث أقامها بعلاقات الألفة والمودة المتراحمة. ولعل الثلاثي العجيب من هؤلاء الأصدقاء الذين تحكي الرواية قصتهم يمثلون النموذج الحقيقى لهذا الشعب المحب الكريم، وهم «طارق بن ظاهر إمام المسجد، عبدالله بن شق الأرض الذي صار ابن صالح بالتبني، وإبراهيم بن سهيل»، ولد الثلاثة سنة ١٩٥٩ في أشهر متتالية، ومنذ حبوهم ولعبهم عراة المؤخرات فى التراب قرب أمهاتهم المتجمعات بجوار التنانير أو أمام أبواب بيوتهن فى المساء لتبادل الثرثرة وأخبار الناس التى يسمونها «علوم»، معا أصيبوا بمرض الحصبة ومعا شفوا منه، معا تعلموا المشي والسباحة وصيد العصافير وتربية الحمام، وسرقة البطيخ والرمان وألعاب الرماية والاختباء والقفز العالي وكرة القدم، معاً دخلوا المدرسة وكانوا يدافعون عن بعضهم أمام اعتداءات بقية التلاميذ، ويدرسون وسط الحقول للامتحانات أو فى غرفة أحدهم ليلاً."
هذه الكتلة الحميمة من الألفة المائزة لأبناء القرية هي الخلايا المجتمعية الحميدة المشكلة لعراق الحضارة، لكن طبيعتها الإنسانية سرعان ما ترشح بعضها لإضمار الأنانية والشر، فعندما يعشق عبدالله بن شق الأرض سميحة أخت طارق، يوعز الأخير إلى أبيه برفض خطبتهما، لأنه يحسده على فحولته العضوية التى يطلع عليها مع أنه أقرب أصدقائه إلى قلبه، ويتعلل بسبب آخر وهو أنه مجهول النسب وقد التحق بأسرته عن طريق التبني، لكن أخته العاشقة تلعب دور الفتاة المتمردة التي لا تستسلم، فهم يزوجونها على كره منها لأحد أبناء عمومتها فلا تطيق البقاء معه، وتهرب بعد أربعين يوماً فيعيدونها مجبرة على معاشرته حتى تنجب طفلة منه، ثم يتكرر هروبها عدة مرات حتى يشعر أهل الزوج بالخزي ويجبرونه على تطليقها، وهنا نرى أن التقاليد العائلية لا تقمع النساء وحدهن، بل تجور على حرية الرجال كذلك، وأن الشخصية العراقية القوية الفعالة ليست مقصورة على الرجال، فسميحة ترفض الخنوع، وإن كان حبيبها الأول قد أنهكته الحروب وقضى فى الأسر الإيراني زهرة شبابه، فتظل قصة حبهما التى لم تتم فصولها معلقة فى يد المقادير طيلة الوقت.

الضيف والمواطن:
يشتبك مصير عبدالله الذي أطلق عليه رفاقه لقب «كافكا» لعدميته وحسه الفاجع بمصير مئات الآلاف من الجنود العراقيين الذين طحنتهم رحى الحروب الصدامية وانتهى أمرهم إلى القتل أو الأسر فى إيران، حيث أطلقت عليهم تسمية ضيوف الجمهورية الإسلامية، لكن التكريم الذي كان ينتظرهم لا مثيل له: «هناك صفونا فى دائرة واسعة، واختاروا أحدنا عشوائياً، ربطوا ذراعيه بسيارتين، ثم سارت السيارتان على مهل باتجاهين متعاكسين حتى تخلع جسده، أخذوا منا من صرخ معترضاً وفعلوا به الأمر ذاته، ثم كرروه مع ثالث ورابع حتى أغمى على الكثير منا، أمرونا بالجلوس وداروا علينا بالماء لنشرب، ثم انتقى جنرالهم الملتحي خمسة منا وألقى بهم أحياء فى حفرة وأمرنا أن نهيل التراب عليهم.. أرادوا أن يزرعوا الرعب الشديد فى قلوبنا فأصبحنا رجالاً أشد خوفاً من الأطفال، مذعورين كالفئران فى الطوفان، حتى لم تعد تهمني الإهانات ولا الضربات ولا الجوع ولا التعذيب، أما من نجا من الأسرى فقد أغرقوه بالكتب الدينية الشيعية، مثل كراسات إمام الثورة وغيره في محاولة لغسل المخ والأدلجة وكسب التعاطف، وكانوا يجبرونهم على طقوس اللطم والتطبير والبكاء فى عاشوراء بمن فى ذلك الجنود المسيحيون حتى يؤمنوا بما يسمى «ولاية الفقيه»، ثم يحرمون الممانعين من والطعام والشراب ويغدقون على من يتظاهر بقبول هذا التحول العقائدي النعم والخيرات، أما الباقون فهم ضالون وعلمانيون وكفار، حتى إن صلوا وصاموا، يسلطون عليهم سيلا من الدعاية الفجة حول نقاء وطهرانية الشعب الإيراني الذى يصورونه باعتباره المجتمع المثالى الذى حلم به الشعراء والفلاسفة والأنبياء، أصبح بعض التوابين من الأسرى أشد تعصباً لولاية الفقيه من الإيرانيين أنفسهم، وتنصلوا من ماضيهم العراقي، أما غالبية الأسرى فقد ظلوا سنوات طويلة أليمة يرزحون تحت نير هذه الفاشية الضارية الماحقة. فإذا عاد عبدالله إلى وطنه هبت عليه ريح الفجائع، لا من حكم الطاغية وحرائق سياسته فحسب، فهذا هو المستوى الظاهر على سطح الأحداث العامة، بل من تأصل العرق المأساوى فى صميم بنية الحياة الأسرية العراقية في القرية والمدينة على السواء، فالسيدة «زينب» أرملة المختار الراحل التى كانت دوماً تعطف عليه بشدة، تختلي به عند المقابر كي تبوح له بسر نسبه المجهول بعد طول صمت وتكتم، فهي فى النهاية ليست سوى جدته الحقيقية الصابرة، أما أبوه فهو ابنها البكر جلال الذي ارتكب في فورة صباه خطيئة التغرير بزكية البلهاء ومواقعتها، فأجبره أبوه المختار على الرحيل تفاديا لاقترانه بها وتكفيراً لذنبه، وحبسوها فى جب تحت البيت حتى ولدته، ثم قادوها ليلاً لتلقى حتفها رجماً في حفرة ضيقة وسط المقابر، وأهدوه طفلاً لزوجة إمام القرية العاقر، فينشأ الصبي جاحداً للناس كارهاً لهم فيما عدا أصدقاءه، معتقداً أن الجحيم هي الآخرون. كما كان الموجودون يعلنون، ولا يعرف هل يحمد لجدته أن كشفت له السر أم ينقم عليها لسكوتها هذه السنوات، ويعفيه موتها المفاجئ عقب البوح من اتخاذ موقف منها، لكن صورة الأسرة القروية مدخولة الشرف، منتهكة الضمير، وهى تمارس السلطة بجبروت يخفى هشاشتها، تكشف لنا طبيعة العلاقات الموتورة والصراعات الدفينة الأليمة فى نفوس أهلها المسكونين بالفجيعة. لكن مركز الثقل ينتقل فى النصف الثاني من الرواية إلى حدائق الرئيس، حيث يلتحق للعمل بها رفيق صباهم إبراهيم الذي قضي عمره فى الحروب الصدامية حتى بترت ساقه، فعين بمسعى من صديقه طارق مكافأة له، وهنا تنفتح الرواية بطريقة عفوية وفادحة على مشاهد صارخة من جرائم الرئيس العراقي السابق، فى البذخ الجنوني الذى بنى به قصوره وحدائقه، ويكفي أن نورد نموذجاً لذلك فى البيت الطيني الدائري المقام على منصة دائرية، وسط بحيرة، يصل إليه جسر ضيق على امتداد سبعين متراً، لهذا البيت طارمات وأبواب ونوافذ خشبية مطرزة بزخارف أخاذة لامعة، وحوله من كل النواحي حديقة عرضها عدة أمتار وهي للورود فقط، تكاد توجد بها جميع أنواع وألوان الورود منسقة بشكل بديع دقيق وتتركز مهمة البستاني الجديد فى سقي الورود وتنسيقها، ثم إدارة واجهة البيت بأزرار خاصة ليدور مع حركة الشمس حتى تنسكب أشعتها دائماً على مدخله الذى قد يأتي ليجلس فيه أحياناً السيد الرئيس.
هذا السفه المترف لا يكتسب دلالته الحقيقية سوى باقترانه بالجرائم الوحشية التى ترتكب فى رحابه، فحظ البستاني التعس يقوده بالصدفة لأن يشهد منظر انتقام الرئيس من موسيقاره المفضل «نبيل» لأنه علم بأنه يتحدث عن الحرية والديمقراطية عندما تأخذه نشوة الشراب، فيدعوه كى يعزف له بعض المقطوعات وهو جالس فى بستانه، ثم يلتفت إليه ساخراً لتأنيبه على جحوده لنعمة سيده، ويأمره بأن يعزف أغنية الأطفال المعروفة «يا بط يا بط اسبح بالشط، قل للسمكة جات الشبكة، ميلي عنها، تنجي منها» قبل أن يطلق له الحراس حمامة خلف رأس الموسيقي فيقوم الرئيس باصطيادها بالبندقية، ثم ينزل فوهتها على رأس الموسيقي فيخرمه بمطر من الرصاص الذى يقذف بجثته إلى الماء، والأبشع من ذلك أن البستاني يترقى فى مهنته ليصبح حفاراً للقبور فى بقعة معزولة من هذه الحدائق ذاتها، فيشهد بنفسه على دفن مئات الجثث المعذبة المنتهكة المحمولة إليه ليلاً، يتمرس على صنعته الجديدة ويضع سجلاً يوثق فيه علامات الجثث تكريماً لأصحابها. وتمتد الرواية لتسجل معالم الغزو الأمريكي وسقوط بغداد وأثر ذلك على الناس فى المدن والقرى، ثم تختتم بذات المشهد الذي افتتحت به عندما استيقظت القرية على صناديق الموز وهي تحمل الرؤوس ومن بينها رأس إبراهيم الذي كشف سر المقابر الجماعية، ولا يتيقن أحد من هوية المنتقمين منه، ومع أن الدلالة السياسية للرواية باهظة ومكشوفة فإن تقنيات السرد وشعرية المواقف أضفت عليها مسحة جمالية رائعة.
----------------------------
*نشرت في صحيفة (المصري اليوم) العدد 3145 بتاريخ 21/1/2013م
*ونشرت في (ساحات التحرير) بتاريخ 24/1/2013م
 د.صلاح فضل ود.محسن الرملي/في الكويت 2003

ليست هناك تعليقات: