السبت، 12 سبتمبر، 2009

عن لغة الصحافة وحقوق الإنسان


عن لغة الصحافة وحقوق الإنسان

محسن الرملي
Muhsin Al-Ramli
الرباط 2002

أولاً أود أن أشكر معهد إبالمو IPALMO وكل المشرفين على تنظيم هذه اللقاء، حيث أبدو جودة عالية في التنظيم وجدية في التعامل، ثم أشكر الأخوة المغاربة على حُسن الضيافة.. والشكر أيضاً لكل السادة الحضور من مختلف البلدان.
أنا لست متوسطي الأصل لأنني عراقي، ولكنني كصحفي وكمواطن فأنا أعيش وأعمل ضمن نطاق المتوسط، في إسبانيا. وفي هذا الوقت يجبرني قلقي وخوفي على أهلي وبلدي الأصلي أن أتحدث ـ ضمن إطار لقاءنا هذا والمتمحور حول الصحافة وحقوق الإنسان ـ عن دورنا كصحفيين تجاه ما يبدو أنه قد أصبح قراراً محسوماً، ألا وهو شن الحرب على العراق..
وكمدخل لربط ذلك بالمتوسط، أقول بأن الطائرات التي ستقوم بضرب بلدي ستنطلق من قواعد أمريكية في أراضي بلدان المتوسط أو ستطير في أجوائه لتعبر إلى هناك، والبارجات الحربية ستمر عبر مياه المتوسط كي تلوث مياه دجلة والفرات.. وعلية أرجو منكم جميعاً الحرص على مواصلة التمسك بأحد أدوار الصحافة وهو أن تكون صوتاً لمن لا صوت لهم.. أرجو أن ترفعوا أصواتكم مع صوتي كي نصرخ جميعاً بما لا يستطيع الشعب العراقي أن يصرخ به.. فأنا معكم أشعر بالقوة وبدونكم أشعر بالوحدة والحزن.. فشكراً لأنكم أنتم عائلتي الآن.. وأصواتكم هي بديل عن أصوات أصدقائي الصحفيين الذين خنقتها الدكتاتورية، لذا، إذا ما وقعت الحرب، آمل الانتباه إلى دورنا جيداً كي لا نتحول كصحفيين إلى مجرد قناة تردد الخبر نفسه، تطلقه دون تفحص لأهداف مصدره، وأن يسعى كل صحفي إلى وضع لغته الخاصة ومفرداته في طبيعة نقل الخبر كي لا نتحول إلى مجرد أبواق نردد ما يمليه علينا البيت الأبيض عبر الوكالات المشتراة. وهنا وبمناسبة هذا اللقاء.. أطرح وأسألكم، في الوقت نفسه، عن إمكانية وكيفية وشرعية تحويل أو إعادة صياغة لغة الخبر (ولا أقول مضمونه) وإنما لغته، إذا كان ذلك الأمر لصالح الجانب الإنساني؟.. كي لا نقع في ارتكاب خطأ أن نسمي الجلاد ضحية والضحية جلاداً، ولكي لا نضفي قدسية وشرعية على القرارات والقوانين المفتعلة التي نعرف جميعاً دوافعها ومصالحها.
وعن هذا الأمر.. أي الانتباه إلى الخبر وتغيير لغته قبل إعادة بثه، والحرص على تنوع أساليب نقله، وتعدد مصادره.. أضرب لكم مثلاً في العراق، بعد حرب الخليج 1991 وحيث كل وسائل الإعلام هناك في قبضة السلطة.. فكانت تكرر علينا ليل نهار ما يمليه عليها النظام، بأننا قد انتصرنا على دول التحالف وأننا هزمنا 33 دولة، فيما كان الناس البسطاء يرون حولهم الخراب والحرائق والدخان والجثث وبطونهم خاوية.. حتى قيل أن امرأة بسيطة وكبيرة بالسن اقتربت من من صحفي وسألته بصدق وببساطة، باعتباره صحفي يعرف أكثر مما تعرفه هي، وقالت متأثرة: يا بني، أنا حزينة على الأمريكان. فقال لها: لماذا؟. فقالت: إذا كنا نحن المنتصرون في هذه الحرب قد حدث كل هذا الدمار بنا.. فكيف حالهم الآن وهم الخاسرين.. يا للمساكين!.
أعني من هذا أن أمر التكرار الواحد دون تمحيص للخبر ومصدره قد يُحدث رد فعل مغاير.. وابتعاد عن الحقيقة.. بل وأرى فيه نوعاً من المشاركة في الجِناية.. هنا أيضاً وضمن هذا السياق أود تنبيه الذين يكررون الآن ليل نهار ويرددون اسطوانات البيت الأبيض متحدثين عن حقوق الإنسان والديمقراطية والحرية التي تعد بها أمريكا الشعب العراقي.. فقد يصاب العراقيون بالخيبة من هذه الوعود التي ينتظرونها حين ينظرون من حولهم مرة أخرى فيرون الحرائق والخراب والجثث فيقولون: أهذه هي الحرية والديمقراطية؟.. لقد كانت الدكتاتورية أكثر رحمة!.
إنها مسألة مهمة أيها الأخوة آمل الانتباه إليها كنموذج حدث وقد يحدث لما قد يسببه الصحفي الببغاوي الذي يكتفي بمجرد النقل، وهمه الانتهاء من أداء وظيفته وقبض راتبه كيفما كان الأمر.. دون أن يدرك بأن ثمن ذلك سيكون باهظاً جداً لأناس آخرين.
إن الصحفي يساهم في خلق الضمير الإنساني والتاريخي العام.. ومثال ذلك أنني شخصياً ـ وأعتقد بأن هناك الآلاف مثلي ـ أشعر بجرح دائم في إنسانيتي بسبب الحربين العالميتين وبسبب القنبلتين النوويتين على اليابان. على الرغم من أن ذلك قد حدث قبل أن أُولد أنا أصلاً.. فيما أشعر بالفرح والفخر بالأمريكان الذين خرجوا رافعين الأصوات ضد استمرار الحرب في فيتنام.. فأرجو من كل الزملاء الصحفيين أن يحرصوا على ألا تصاب إنسانيتنا بجرح آخر.. وأن نحاول أن نترك إرثاً لأولادنا وأحفادنا، إرثاً من الفخر ونموذجاً من الاحتجاج يفرحون به ويواصلونه.. وألا نترك لهم في الإرث مزيداً من الجراح في إنسانيتهم.
أقول.. إننا نحن الصحفيون مَن بيدنا قناة الكلمة.. ومثلما (في البدء قد كانت الكلمة) فبعد موتنا الفيزيائي ستبقى كلماتنا فقط.. بل أرى أن هوية أحدنا الشخصية، وشهادته الإنسانية هي كلماته.. وهكذا ففي نهاية الأمر أن صورة حياته هي الكلمات.. وفي الأدب يُقال: بأن الإنسان هو الأسلوب.. وبالتالي فهو الكلمة.. أي اللغة، نوعية وطبيعة كلماتنا.. هذا ونحن لا نملك غير هذا السلاح كوسيلة للدفاع.. فأرجو الانتباه إلى نوعية ما نسمع وما نقول.. لذا فلنقم بنقل الخبر، بنقل الكلمات بعد تمريرها من خلال ضمائرنا الإنسانية.. من خلال مرورها بالوعي والقلب أيضاً.
ضمن لقائنا هذا تم الحديث أيضاً عن ضرورة وجود دولة قانون من أجل إيجاد حرية صحافة.. لذا تخيلوا كيف هو حال زملائنا في الصحافة العراقية.. إنهم ليسوا متوسطيون، لكن يُفترض أن نذكرهم عندما نتحدث عن الصحافة وحقوق الإنسان، لأنهم صحفيون وأناس، إنهم ليسوا متوسطيون لكن حضاراتهم بابل وسومر وأكد ونينوى وأور وآشور .. قد كانت أماً مؤسسة للكثير من حضارات المتوسط.. واليوم هناك أكثر من نصف مليون عراقي لاجئون يعيشون في دول المتوسط، فاسمحوا لي أن أنقل لكم شكوى إخوانكم في الإنسانية وفي المهنة.. صديقي الكاتب حاكم حسين تم إعدامه بحجة تغيبه عن أداء الخدمة العسكرية، أخي الكاتب حسن مطلك أُعدم شنقاً سنة 1990، صديقي ضرغام هاشم رئيس تحرير مجلة، تم إعدامه سنة 1991 ويقال بسبب جملة واحدة وردت ضمن إحدى مقالاته، لي صديق آخر هو حميد المختار يعيل أسرة كبيرة ولديه أربعة كتب مطبوعة تم سجنه 8 سنوات وقيل لأنه كان قد وزّع استنساخ (فوتوكوبيا) كتاب ممنوع على أصدقائه.. والقائمة تطول.. هنا في الرباط لي صديق كاتب وصحفي هو ضحية أخرى لأنه رفض الانتماء للحزب الحاكم إنه علاء الدين محسن.. هل أناديه أمامكم كي تروا ما حل به منذ هروبه من العراق عندما كان عمره أقل من عشرين عاماً؟.
هناك الأخبار تأتي من رئاسة ديوان الجمهورية، وحتى خطب الجمعة تذهب إلى المساجد مكتوبة، ومن قال كلمة أخرى مضافة عليها أو خارجة عنها فسوف يتم إخراجه من الحياة بسبب خروجه عن النص.
نقطة أخرى.. أرى، أن على الصحافة أن تعمل يد بيد وتتعاون مع منظمات حقوق الإنسان والمنظمات المدافعة عن المهاجرين.. أن نزيد ونوسع من التعريف بهؤلاء العاملين في مجال حقوق الإنسان وننقل أصواتهم وتغطية نشاطاتهم ونشر أخبارهم. وما نبهني إلى هذه النقطة هو هذا اللقاء، حيث عرفت هنا سيدة جامعية مغربية تعمل في هذا المجال وأنها وزملائها قد قدموا الكثير من الاحتجاجات من هنا إلى الحكومة العراقية وجمعوا آلاف التواقيع وبذلوا كل الجهود مطالبين بمعرفة مصير أحد مثقفينا الذي اختفى منذ عشرة أعوام تقريباً.. وهو الكاتب والمفكر عزيز السيد جاسم.. فلماذا لم أقرأ عن ذلك خبراً كهذا في الصحافة؟.. لذا علينا أن نفرد مساحة أوسع لهؤلاء المتطوعين الإنسانيين، لكي يكون ذلك اعترافاً بجهودهم ودعماً لمساعيهم.
كذلك علينا أن نُفرد مساحة أكبر للمهاجرين وقضاياهم من حيث الوجه الإنساني، وننتبه إلى طبيعة مفرداتنا اللغوية في ذلك، وعدم الوقوع في خطأ تكرار الحديث عنهم كأرقام وكقضية اقتصادية وكموضوع تستخدمه الأحزاب في الإنتخابات.. ولنتذكر بأن من حقوق الإنسان احترام العرق والمعتقد الآخر. في إسبانيا عندما تحدث جريمة سرقة أو قتل وما إلى ذلك يقوم بها شاب من أصل أجنبي يشار إلى أصله، وإن لم يكن مسيحياً يشار إلى دينه أيضاً، بينما لو كان مرتكب الحادث إسبانياً يقال فقط: شاب عمره كذا ومن سكان منطقة كذا.. ثم يتم اللقاء بجيرانه ليقولوا بأنه قد كان ملاكاً في سلوكه، بينما يقول جيران الأجنبي إنهم كانوا يروه غريباً في تصرفاته وغير مُريح!!.. لذا علينا التفكير أيضاً بإعداد صحفيين من داخل المهاجرين أنفسهم لأنهم سيكونون أكثر تفهماً لقضاياهم وثقافاتهم، وأكثر دقة في التعبير عنهم.
هذا وضمن إطار المهاجرين، علينا الانتباه أيضاً إلى المنفيين كجزء له خصوصيته من بين المهاجرين.. المنفيون لهم هموم ومشاكل مختلفة عما للمهاجر الباحث عن وضع اقتصادي أفضل.. لأنهم أصحاب قضايا تدخل في صلب حقوق الإنسان ويحتاجون إلى التفهم الخاص لقضاياهم ودعمهم في سعيهم لتحقيق أهدافهم.
ومن هؤلاء تكون الغالبية من المثقفين أو العاملين في حقل العلوم والنظريات الاجتماعية والسياسية والتقدمية ومنظمات حقوق الإنسان.. بينهم أيضاً العاملين في حقل الأدب.. الأمر الذي يستدعي ترجمة أصواتهم وأعمالهم في البلدان التي يقطنون فيها والتعريف بهم عبر الصحافة بشكل جيد.
لا أريد أن أطيل، فقد كانت لدي نقاط أخرى كثيرة تتعلق بتناول المهاجرين في الصحافة وبتجارب صحف المغتربين ومعاناتها، وعن تجربة مجلتنا وأمور غيرها.. لكن العراق الآن يؤلمني كأنه عضو من أعضاء جسدي.. كأنه القلب.. فاعذروني وشكراً لكم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*مداخلة في ندوة (الصحافة وحقوق الإنسان) التي عقدت في الرباط/المغرب في 18 ك1/ديسمبر إلى 23 سنة 2002، ونظمها معهد إبالمو الإيطالي.
http://www.ipalmo.com/eng/index.htm

ليست هناك تعليقات: