السبت، 4 يوليو، 2009

أسئلة الثقافة العراقية



أسئلة الثقافة العراقية الآن

توجهتْ صفحة "ثقافة" إلى عدد من مثقفي العراق بحزمة أسئلةٍ تتعلق بالثقافة وعلاقتها بتشكيل هوية العراق، هنا نصّ الأسئلة: لم يغادر العراق الأسئلة المفتوحة الكبرى التي تتعلق بهويته منذ تأسيس الدولة العراقية وإلى اليوم. ويبدو ان "عراقين" اثنين تناوبا على رسم الصورة الكليّة لدولتنا،
الأول نتاج ثقافةٍ تجد امتدادها في الإرث الحضاري لعراق ما قبل التأريخ مروراً بالعراق العربيّ وصولاً لعراقٍ خارج من ركام الإيديولوجيات إلى فضاء الحرية الفادحة، يقابله عراق آخرُ كوّنتْه وقائع سياسيّة حفلتْ بكل ما هو مأساوي ومضادّ للانسانية والمواطنة.صورة هذا العراق "المزدوج" تعيد علينا ذات الأسئلة التي تضع الثقافة العراقية في أفق تأجيل دائم. أسئلة من قبيل: هل هناك ثقافة عراقية؟ ما سماتها؟ ما أهليتها في تمثيل العراق والدلالة عليه؟ هل تسهم ثقافة كهذه ـ إن وجدتْ ـ في التأثير على الوقائع السياسية والاجتماعية المتلاحقة؟ وبعد كل ذلك هل تمكنتْ هذه الثقافة من الانخراط في عصرها الذي جعل من المكوّن الثقافيّ فاعلاً بمقدار فاعلية المكوّن السياسيّ؟أية ثقافة عراقية الآن؟ وأية ثقافة عراقية غداً؟بصفتك مثقفاً عراقياً تتوجه اليك صفحة (ثقافة) في صحيفة الصباح بهذه الحزمة من الأسئلة، وتطمح أن تضيئها برؤاك. وأدناه أجوبة : محسن الرمليّ.
-------------------

د. محسن الرملي :
التطلّع الى الجديد وعدم التردّد في التجريب

كاتب واكاديمي عراقي مقيم في اسبانيا

هذه أسئلة كبيرة ومهمة علينا أن لا نكف عن طرحها وإعادة طرحها في كل مرحلة، والإجابة عليها تحتاج إلى دراسات واسعة ومتواصلة وموضوعية وتطبيقية من حيث التحليل ومن حيث قابليتها للتطبيق أيضاً. بالتأكيد هناك ثقافة عراقية يمكن تمييزها بيسر حتى عن أقرب الثقافات الأخرى المجاورة لها جغرافياً ولغوياً بما في ذلك ثقافات البلدان العربية، ومن أبرز سمات الثقافة العراقية انها ثقافة ثقافات أي أنها ليست بوجه ولون وبُعد وأصل واحد وإنما هي مزيج من تعدد ثقافي سواء من حيث تعدد مصادرها التي ورثتها بخطيها الرسمي العام والشعبي، كتعدد الحضارات، اللغات، العرقيات، الأديان، المذاهب، الأيديولوجيات، التجارب.. وغيرها، إضافة إلى تنوعها وتعدد ألوانها وفق المراحل.. وربما هي من أكثر الثقافات في العالم التي مرت ومازالت تمر بمراحل مختلفة ومتقلبة وتتعرض لهزات عنيفة في كل عقد تقريباً منذ أن وجد العراق على هذه الأرض. وبعض السمات الأخرى التي أشارت إليها بعض دراسات حنا بطاطو وعلي الوردي ورشيد الخيون وسليم مطر وسلام عبود.. وغيرهم.
ما يميز الثقافة العراقية أيضاً ويدل عليها هي تلك السمات الجوهرية الثابتة فيها على الرغم من كل ما تعرضت وتتعرض له من هزات قوية ربما لو تعرضت لها ثقافة أخرى، غير العراقية، لما صمدت أمامها ولتبدلت تماماً أو اندثرت، وهذه السمات الرئيسة أو المحورية أو الأصيلة التي أعانتها على الحفاظ على لون هويتها هو ما يفترض بنا أن ندرسه ونعيد التعرف عليه ونؤشره بشكل عميق وجلي وننطلق منه فيما يتعلق بالكيفية التي علينا التعامل بها وطبيعة توظيف الدور الثقافي. ومسؤولية إعادة طرح الأسئلة ومحاولة الإجابة عليها فيما يتعلق بالهوية وبمعرفة الذات والتعريف بها هي مهمة اضطلع بها المثقفون كما هو الأمر في تجارب شعوب أخرى عندما مرت بمراحل شبيهة بالمرحلة التي نمر بها الآن، ومن ذلك على سبيل المثال تجربة الألمان واليابانيين وتجربة جيل الـ 98 الإسباني الذي تحدث حينها عن (إسبانيتين) كما نتحدث نحن الآن عن (عراقين) أو أكثر، وبفضل ما قاموا به من مراجعة وتشخيص لسمات وخصائص الهوية الذاتية لثقافاتهم تمكنت شعوبهم ونخبهم السياسية من معرفة الطريق الأصح في النهوض. وبلا شك أن الوجه الثقافي هو الأفضل والأنصع والأصح في تمثيل العراق والدلالة عليه وليس الوجه السياسي الذي هو الآن وجه بلا ملامح وإن كانت فهي مرتبكة ومشوهة ومريضة وهزيلة. كذلك فإن المثقفين ونتاج ونشاطات الثقافة العراقية لم يكفوا عن انخراطهم وتفاعلهم وفاعليتهم في العصر، لهم تواجداتهم وحضورهم الآن في العراق وفي كل بقاع الأرض وهم على الرغم من كل ما عانوه إلا أنهم لم يتخلوا عن تمثيل ثقافتهم باعتزاز وعن الاطلاع والافادة والتفاعل مع الجديد والمعاصر فكرياً وثقافياً وفنياً.. وهذه إحدى السمات البارزة في المثقف والثقافة العراقية أنها دائمة التطلع إلى التجارب الجديدة وعدم التردد في التجريب. الثقافة والمثقف العراقي الآن لا تنقصهما القدرة الغنية على الإبداع أو التفكير أو العطاء وإنما الذي يحد من فعله هو الافتقار إلى المناخ المناسب والسبل والأدوات المناسبة، أي الأمان والحرية والفرصة ووسائل الطباعة والنشر والتوزيع والتوصيل، لأن السياسي والاقتصادي والعسكري هم الذين يهيمنون على كل ذلك الآن، إلا أننا نعلم بأن حال كهذا لن يدوم وعلى المثقف أن يسعى بما يتمكن من تغييره ورفع الصوت بالمطالبة دون الانضواء تحت إبط السياسي والاقتصادي والعسكري بدوافع وأغراض شخصية خاصة وانتهازية مؤقتة، وأن يكون دوره إلى جانب السياسي يصب في صالح الثقافي، أن يحاول التأثير على السياسي لصالح الثقافي وليس العكس، فلا يسمح أن يقوم السياسي باستخدام المثقف والثقافي كبوق تسويق لصالحه. شخصياً لم ولا أفقد ثقتي بقدرة المثقف والثقافة العراقية على الصمود والنهوض والخلق والإبداع أبداً حتى في حال أن وصلت إلى اليأس من كل الجوانب الأخرى إلا انني لا أفقد أملي أبداً بعطاء الثقافة العراقية اليوم وغداً.
-------------------------------------------------
*نشرت في صحيفة (الصباح) العراقية/العدد 934 بتاريخ 13/9/2006م.

ليست هناك تعليقات: