السبت، 5 يونيو 2010

عن نظرة الآخر إلى الشخصية العراقية / د.محسن الرملي


العراقي متعلم .. ومظلوم عنيف

جانب من محاولة استقراء لنظرة الآخر عن الشخصية العراقية

د. محسن الرملي

على الرغم من أن الأهم هو معرفة العراقي بنفسه أولاً إلا أن السعي في محاولة تلمس طبيعة نظرة الآخر إليه، له أهميته أيضاً ويعين في الإضاءة أكثر لمسألة معرفته بذاته.
ولكي تكون محاولة كهذه أكثر موضوعية وعملية وعلمية يفترض القيام بها على شكل مسح أو استفتاء مدروس بعناية والقيام بدراسة ميدانية تطبيقية على شريحة ما أو عينة محددة أو أكثر من هذا الآخر الشاسع المتنوع والمتعدد. أي القيام بتحديد: من هو هذا الآخر أولاً. هل هو العربي؟ المسلم؟ الإفريقي؟ الآسيوي؟ الأمريكي اللاتيني؟ الشرقي؟ الغربي؟ ومن ثم مَن مِن بين هؤلاء؟ القريب أم البعيد ثقافياً وجغرافياً؟ وإذا قلنا الغربي، على سبيل المثال، فمن نقصد؟ الأوربي أم الأمريكي؟ وإذا قلنا الأوربي، فهل نقصد به الشمالي أم الجنوبي أم الشرقي؟ وأية عينة من الناس نقصد؟ الإنسان العادي البسيط؟ المتعلم أم المختص؟.. وهكذا إلى أن يتم تحديد نوع العينة من الآخر لكي نتمكن من تشخيص طبيعة نظرته ضمن ظروفها وخصائصها وإطارها الثقافي والتاريخي والسياسي والجغرافي.. الموضوعي؟.
بلا شك أن القيام بدراسة لطبيعة نظرة الآخر إلى الشخصية العراقية من خلال النتاج الثقافي كالأدب والسينما مثلاً، سيكون أكثر عمقاً وتحديداً وإنصافاً وعلمية، على الرغم من قلة النتاجات الإبداعية التي تناولت ذلك حتى الآن. كذلك تقصي هذا الأمر في الصحافة أو الخطاب السياسي مثلاً هو أيسر.
إلا أننا سنحاول هنا العمل على الجانب الحي والإنساني معتمدين على المعايشة الطويلة والتجربة الشخصية وعلى إعادة استنطاق من نعرفهم من مثقفين وزملاء واصدقاء وطلاب وعائلة ومعارف وغيرهم؛ عن رؤيتهم الشخصية ومن خلالهم عن تصورهم حول رؤية الآخرين كأفراد وجماعات، محاولين بذلك بلورة بعض أبرز النقاط العامة المشتركة التي نجدها عند الإنسان العادي والمتعلم والمختص، وكذلك من لم يحظ بأية معرفة شخصية مباشرة بإنسان عراقي والآخر الذي عرف ولو نموذجاً واحداً أو أكثر.
لذا، وفي كل الأحوال، تهمنا الإشارة إلى أن ما سنسوقه هنا لا يعد سوى محاولة بسيطة، تقريبية، يغلب عليها الصحفي، الأدبي والشخصي أكثر من اليقين القطعي المختبري العلمي. وأن ميدانها سيكون بالشكل الأكبر ضمن إطار المجتمع والثقافة الإسبانية، علماً بأن إسبانيا لاتختلف كثيراً عن محيطها الغربي في هذا الأمر.

نظرة عامة:
الصورة العامة عن الشرقي عموماً والعربي بشكل خاص لم تبتعد كثيراً عن تلك التي تبلورت في القرون الوسطى والمتأتية من خلال طبيعة الاحتكاك الثقافي حينها وما تمت ترجمته والتماس المباشر من خلال الصراعات والحروب الصليبة والتبادل التجاري، وبالطبع قد لعبت الخلفية الإيديلوجية، المتمثلة بالأديان آنذاك، دورها في التأثير على تكوين التصور عن الآخر، وكذلك الآداب المترجمة التي تأتي في مقدمتها (ألف ليلة وليلة)، ومن ثم الآداب الخاصة بهم التي تتطرق إلى موضوعات وشخصيات عربية ومنها كتب روايات الفروسية ابتداءاً بـ(ملحمة السيد) وانتهاءاً برواية (دون كيخوته) التي قضت على هذا الجنس الأدبي وفتحت الباب نحو الرواية الحديثة.
لقد ارتبطت صورة العربي عموماً بالصحراء، الجَمل، الخشونة، الفضاضة، التعصب، العنف والرجولة والذكورية بتنوع دلالاتهما الإيجابية والسلبية، كالفحولة والحضور السريع لتصور قصوراً مكتظة بالحريم المملوكات لرجل واحد، أو مسألة اضطهاد وقمع المرأة عموماً. وبالطبع يعتبر العراق جزء من هذا المشهد العربي وضمن هذا التصور الغائم عموماً، إلا أننا نلاحظ بعدها نوعاً من التفريق والتمييز بينه وبين عرب آخرين، فمثلاً أن النظرة إلى المصري ترتبط بالأهرامات والحضارة الفرعونية بحيث أن كثر ينسون أو حتى يجهلون أن مصر عربية أيضاً. العراق يأتي ضمن إطار التفريق بين المشرق والمغرب العربيين والسمات الخاصة بكل منهما، ومعرفة الإسباني هي أكبر بكثير فيما يتعلق بالمغرب العربي عموماً وبالمغربي من دولة المغرب تحديداً، منها بمعرفته بالعراق ودول المشرق الأخرى المجاورة له كبلاد الشام مثلاً، وذلك لأن علاقة إسبانيا بالمغرب هي علاقة متداخلة جغرافياً وتاريخياً وثقافياً ومتواصلة بكل إشكالياتها وتعقيداتها وإيجابياتها وسلبياتها حتى اليوم، والصورة عن المغربي هي سلبية بشكل عام، وذلك بحكم عوامل عديدة منها كون الجنرال فرانكو قد استعان بالمغاربة أثناء الحرب الأهلية الإسبانية وما عرف عن حرسه منهم من قسوة وبأس شديد، ثم إشكاليات الهجرة الآن وتفوق عدد المهاجرين المغاربة في إسبانيا على أية جالية عربية أخرى، ووجود نسبة عالية من هؤلاء ممن عبروا البحر المتوسط بمغامرة زوارق الموت واضطرار بعض الشباب منهم للسرقة أو التجارة بالمخدرات والحشيش كونهم بلا أوراق قانونية وصعوبة عثورهم على عمل وما إلى ذلك مما يرتبط بظاهرة هذا النوع من الهجرة من سلبيات.
في الثقافة الإسبانية يتم استخدام كلمة (مورو moro) والتي تطلق باستهجان ونوع من التصغير والتحقير تجاه المغربي ومن ثم توسعت لتشمل العربي عموماً، إلا أننا نجد الأسبان يروحون يفرقون بالتسمية حينما يتعلق الأمر بشخص عربي من الشرق وخاصة من الخليج فيقولون (عربي) وبنوع من التبسيط والنقد يمكننا القول بانهم يسمون الغني (عربي) والفقير (مورو) مثلما يقومون بالتمييز بين اصطلاح (مهاجر) و(أجنبي)، فيتم النظر بنوع من التعالي وحتى الاستهجان والشكوى والرفض أحياناً إلى المهاجر القادم من بلد معروف كثيراً بهجرة أبنائه بحثاً عن العمل أو بحثاً عن عيش أفضل كالمغرب مثلاً، وبين الآخر القادم لأسباب الدراسة أو السياحة أو لأسباب تتعلق باللجوء السياسي أو الثقافي، أي من بلد تندر فيه هجرة أبنائه كدول الخليج والعراق مثلاً. فيتم تصور بلد المهاجر الأول على أنه بلد مدقع بالفقر والتأخر وأن الحياة فيه صعبة والوسائل متخلفة إلى الحد الذي يضطر للهجرة منه على هذا النحو، فيما يتم تصور الآخر على أنه قادم من بلد غني ومرفه وتتوفر فيه الإمكانيات العالية إلا أنه مختلف والأسباب تتعلق بالشخص المهاجر ذاته أو بحال أو ظرف ما بعينه في ذلك البلد، وضمن هذا الإطار يتم النظر إلى العراقي.
وبالطبع يلعب حجم الجالية الموجودة من بلد ما في بلد آخر، أو من طبيعة حجم التعامل السياحي معه، على تكوين الصورة عن هذا الآخر، فيما يتم استكمال الصورة عن الجاليات القليلة من خلال بقايا الذاكرة العامة ومن خلال وسائل الإعلام التي تطغي عليها الصبغة السياسة عموماً. الجالية العراقية في إسبانيا تعد من أقل الجاليات كما أن العراق لم يعرف عن أبنائه الهجرة تاريخياً أو على الأقل في العصور الحديثة، كما أنه ليس من البلدان المعروفة بتوجه السياحة إليها. لذا فأغلب ما يتم تكوينه عنه مرتبط بالحرب والدكتاتورية والنفط وتاريخ الحضارات القديمة، والملفت للنظر أننا حين نحصر الأمر بذكر (بغداد) فسرعان ما يتم تغير التصور مباشرة نحو أجواء (ألف ليلة وليلة) والمخيال السحري عنها وخاصة من خلال مناخات حكايات أبرز ثلاث شخصيات عرفت عنها في الآداب والسينما الغربية وهي: علاء الدين والسندباد وعلي بابا.
لا شك أن هناك تأثير كبير لوجهة النظر الأمريكية في العصر الحديث على أوربا والغرب عموماً في تشكيل التصور عن العرب وعن العراق وغيرهم، لما للهيمنة الإعلامية والسياسية والثقافية الأمريكية من فاعلية وقدرة عملاقة على فعل ذلك في ظل معطفها العولمي، ومن بعض جوانب وجهة النظر هذه مثلاً: أن إسرائيل بلد صغير، ديمقراطي وحديث ولكنه محاصر ببلدان وشعوب عربية متخلفة أو حتى متوحشة أحياناً، فيعرفون عما في إسرائيل من فن وموسيقى وفنانيين وكتاب وما إلى ذلك فيما يجهلون تماماً أنواع الموسيقى والفن وأسماء الكتاب والفنانيين في العراق مثلاً.
يقول الكاتب والمترجم الإسباني ماريو غرانده بأن إسبانيا، بشكل عام، منغلقة تجاه الخارج وحين تنفتح فهي تصوب وجهها نحو معرفة من هو أفضل منها في المحيط الأوربي أو الغربي، فيما تجهل الكثير جداً عن جارتها البرتغال كونها تعتبرها أقل منها.
ولأن أوربا عموماً قد عانت الخراب وخاصة في الحرب العالمية الثانية، وإسبانيا خصوصاً وما عانته خلال الحرب الأهلية لذا فهم لا يريدون معرفة الكثير عن المناطق المثخنة بالحروب، وما يرتبط في الذهن عن العراق هو الحروب، حربه مع إيران، حربه في الكويت وهذه الحرب الأخيرة التي أزعجت الأسبان كثيراً مشاركة حكومتهم فيها فخرجوا بمظاهرات مليونية وأسقطوها في أول انتخابات ثم سحبوا قواتهم من العراق وما عادوا يريدون معرفة شيء عن الأمر، لقد سببت لهم المشاركة في هذه الحرب بما يشبه العقدة، ليس لأجل العراق ولكن لأنهم ضد أن يكونوا طرفاً في أية حرب، و يريدون نسيان هذا الأمر.
الأسبان في إقليم الباسك يتعاطفون مع الأكراد لأنهم ينظرون إليهم على أنهم يشبهونهم من حيث أنهم شعب يطمح إلى استقلاليته عن دولة يعتبر نفسه فيها أقلية مختلفة، ولكنهم لا يعرفون الكثير عن ظروف وتفاصيل ذلك الوضع العراقي العام وتاريخ هذه المسألة.
لقد هيمن الخبر السياسي عن العراق على تكوين التصوير عنه عموماً مما حيّد أو حتى ألغى فرصة تكوين تصور واضح عن الشعب وشخصية الإنسان العراقي وطبيعته الثقافية. قبل الاجتياح الأخير الذي قادته الولايات المتحدة سنة 2003 كنا نجد صعوبة في إفهام المقابل كي يفرق بين العراقي والإيراني وخاصة أن اسمي البلدين يتشابهان باستثناء الحرف الأخير (Irak - Iran) هذه الصعوبة صار يواجهها الإيراني الآن بحكم طغيان اسم العراق في وسائل الإعلام مؤخراً بعد أن كان الخميني وثورته هما الأبرز في عقد الثمانينات.
يقول الفنان التشكيلي والشاعر خوان ماسانا بأن الصورة عن العراق عموماً غامضة، وأيام حكم الدكتاتور كان التصور عنه بأنه بلد غني وأناسه يعيشون بسعادة ورفاهية باستثناء معاناتهم من الدكتاتورية والحروب التي يدخلها الدكتاتور، إنه بلد يرتبط ذكره بمشاكل تستدر التعاطف ولكنها لاتثير الفضول للتعرف عليها، مسألة الحروب والدكتاتورية والحصار والآن الإحتلال. الحرب مع إيران عدت بأنها حرب منسية، ولم يشعرالناس عموماً بمعاناة العراقيين خلالها ولا حتى بمعاناتهم من أعوام الحصار. وما يحدث الآن لم يخلق أيضاً تحديد تصور أدق عن العراق، بل ربما زاد من تعقيد تكوين تصور عن هويته، فقد تبين للناس أن العراق ليس بلد واحد موحد، كما كانوا يظنون، وأن فيه انقسامات داخلية عرقية ودينية وتوقع الجميع أنه سيتقسم.
وهكذا صار العراقي، لأول مرة، يجد نفسه، عند احتكاكه بالآخر، أمام سؤال جديد فيما إذا كان: عربي أو كردي؟ سني أو شيعي؟.
هذا وعلى الرغم من أنه، ومن خلال الخبر ووسائل الإعلام، قد تبلور ثمة تصور ما عن الشعب الأفغاني وعن شخصية الإنسان الأفغاني، مثلاً، في كونه رجل محارب دائماً، عنيد وذو بأس شديد يصعب الانتصار عليه وتجاربه مع الإنكليز والسوفيت والآن الأمريكان ماثلة، متحصن في أراضيه الوعرة والجبلية، متمسك بعادته وتقاليده، القبائلية وحقول زراعة المخدرات، وتصور عن مظهره ولبسه، فالرجل ملتحي، نحيف، سروال وعمامة، والمرأة خاضعة، برقع وعيون سوداء.. وما إلى ذلك. فيما لا نجد تصوراً ولو بهذا المستوى عن الإنسان العراقي على الرغم من تشابه خضوع الطرفين للحالة والوضع الإعلامي المسلط ذاته، ربما يرجع الأمر في حال العراق لطبيعة الخطاب السياسي والتحليل المرتبط به إلى الاهتمام فيما يتعلق بأمريكا حيال هذه القضية أكثر مما يتعلق بالعراق نفسه، ما يتعلق بالسياسة في الشرق الأوسط، بالنفط، بالمواقف الغربية وتأثر علاقتها بأمريكا وفقاً لحسابات ذلك، كما أن ما يحدث من تفجيرات، مفخخات وقتل في العراق، يرتضي البعض بالتفسير الأمريكي له حيث يتم ربطه بالقاعدة التي هي ليست عراقية، أو ربطه بمقاومة مجهولة الوجه والزعامة والخطاب أو مجرد اعتباره حال طبيعي لمتمردين مسلحين ومستفيدي حروب وعصابات، لا يريد الغربي البسيط تصديع رأسه بفك ومعرفة تفاصيلها التي لا تؤثر أو لا تنفعه أو تمس حياته اليومية المكتظة بالمفردات. وهكذا يختار إدارة وجهه ووجهة نظره عنها باعتبارها مسألة بعيدة عنه والمعرفة بها لا تسمن ولا تغني عن جوع.

نظرة خاصة:
بالتأكيد أن ما يؤثر في تكوين النظرة الأقرب والأكثر خصوصية أو تشخيصاً هو التعامل الأقرب سواء أكان ذلك بحكم اختصاص، مهني، أكاديمي، ثقافي أو الاهتمام بأي موضوع مرتبط بالعراق والشأن أو الإنسان العراقي، أو التعامل الشخصي مع عراقيين من خلال زيارة العراق نفسه أو اللقاء بعراقيين في الخارج. ويتأثر هذا التصور بطبيعة ونتائج هذا التعامل حتماً. إلا أننا هنا سنحاول أن نؤشر ما يمثل المشترك والعام بين مختلف هذه النظرات، حيث نجد أن الصورة عن العراقي بكونه:
ـ متعلم، هذا إذا لم نقل مثقف، ويمتاز بتنوع المعرفة والحماسة للدخول في حوارات يثريها بمعلوماته ومعرفته بغض النظر عن مستوى هذه المعلومات أو المعرفة، إلا أنه عادة ما يبدي ثقة بما يطرحه، متمسك بآرائه ويدافع عن طروحاته بضراوة يبدي من خلاله إصرار على غلبة وجهة نظره حتى وإن افتقرت إلى الموضوعية أو المنطقية إلا أنه لا يكل من سوق الدفاع عنها بأسلوب يعتمد التميز والتنوع في لغة الكلام. يصعب عليه قبول الهزيمة حتى وإن كان مدرك لصواب رأي المقابل، ومستعد للخوض في أي موضوع وإن لم يكن من اختصاصه إلا أنه أبرز في المواضيع التاريخية، السياسية، الأدبية والثقافية عموماً.
ـ شديد الكبرياء والاعتداد والاعتزاز بنفسه، ويسارع إلى تمييز نفسه عن المُجمَل العربي والشرقي حال التعرف عليه، بحيث يفاجئه أو حتى يزعجه جهل المقابل به وبأهمية هويته كعراقي، ففي الوقت الذي يشعر به الإنسان العربي أو (من المغرب العربي) البسيط بنوع من التواضع أو حتى الدونية، يوحي (العربي الشرقي عموماً) والعراقي خصوصاً بنوع من المساواة أو حتى التعالي، وفيه صيغة من المطالبة بنوع من التمييز بالمعاملة، مبدياً ثقة عالية بنفسه محيلاً المقابل نحو إرثه الحضاري التاريخي كهوية، غاضاً الطرف عن الصفة الإسلامية فيها، فسرعان ما يستحضر أو يُحضر (ميسوبوتاميا) الحضارات القديمة، كالبابلية والسومرية وألآشورية وغيرها كمرتكز اعتزاز وهوية وذاكرة يعتبرها حية فيه وتمثله حتى الآن، إضافة لما هو بارز ومعروف في حاضره حتى لو كان رمزاً سلبياً كالدكتاتور، أو الحروب ومنبهاً إلى حضور اسم بلده في واجهة الأخبار. وحتى حين يقدم نفسه كضحية فإنه يقدمها على أنها ضحية قوية ومؤقتة، وعادة ما يكون ذلك بشكل واعي بالغرض سواء أكان من أجل مصلحة أو كسب تعاطف من نوع ما أو في حالة عاطفية معينة.
ـ الكرم والسخاء، إنه شخص مضياف يفتح بيته للآخرين بترحاب ومسارع إلى دفع الحساب وتقديم كرمه بأريحية وبشكل ظاهر وكذلك إلى استعداده الدائم والكريم لتقديم النصح والمساعدة، وهذا أمر شخّصه كل من تعامل مع عراقيين في الخارج، وأكثر منهم من زار العراق وتعامل مع أهله وعايشهم بحيث يصعب لاحقاً نسيان هذا الانطباع الحميم والغالبية يتمنى الرجوع لزيارة العراق وبعضهم حتى يبدي افتاتنه وعشقه بالعراق وإعجابه بالشخصية العراقية.
ـ بالغ الحساسية، لذا فهو سريع الانفعال و(الزعل) أيضاً، وهو بانفعاليته هذه سريع وراديكالي أيضاً في تغير أحواله وحتى مواقفه، بحيث يرتفع به جام غضبه لنسيان أية مصلحة حتى لو كانت تخصه وأي منطق يختلف عن منطقه.
ـ غير متطرف أو متعصب دينياً وإن كان يبدي معرفة أكبر من غيره بدينه وببقية والأديان، وهو في الوقت نفسه لديه استعداد للتطرف فيما هو غير ديني أو حتى بما هو نقيض للديني، كالتطرف في الشرب أو الانفتاح والمبالغة في فعل أو نتاج أو سلوك ما.
ـ تعامله مختلف مع المرأة، كما تقول الشاعرة والناقدة تشيلو كانديل، يبدو أكثر تهذيباً وحداثة واحتراماً وانفتاحاً وإن كان يبقى حريصاً على إظهار صورته بكونه هو الرجل والأقوى في العلاقة دائماً، ذكوري في تعامله مع المرأة وسخي ومهيمن. وندرة العراقيين تجعل من التعرف عليهم شيء مثير. فضول الندرة والمعرفة والدهشة وفي الوقت نفسه إن الجهل بماهيته يجعل الاقتراب منه محفوفاً بالحذر، فيتأرجح موقف المقابل بين الإعجاب أو الانجذاب والحذر.
ـ إنه قلق، طموح ومتطلع دائم بحيث يبدو بأنه من الصعب إرضائه.
ـ يجمع بين اللطف، التهذيب، الظرف، حلاوة المعشر وحدة الطبع، اختلاف المزاج، خصوصية الذائقة، العناد وصعوبة المراس.
ـ على الرغم من أن التصور عنه بأنه ضحية لظلم وظروف قاهرة معروفة، إلا أنه أيضاً شخص يتسم بالعنف، ومما لعب دوراً في تكوين هذا التصور هي مشاهد إطلاقه للنار في الأفراح كفوز فريق كرة قدم أو مشاهد التطبير في عاشوراء ومشاهد ذبح المختطفين ومن بينهم ذبح نساء وحكايات العقوبات والتعذيب في السجون سابقاً في المرحلة الدكتاتورية وحتى في المرحلة الحالية في تعامل المجاميع مع خصومها، وكذلك مشاهد الراقصين والهاتفين قرب الجثث المحترقة أو جثث المقتولين كما حدث في الرقص والأهازيج قرب الجثث المعلقة على جسر في الفلوجة أوفوق جثث لتسعة من الأسبان الذين قتلوا في جنوب العراق.
ـ متعصب لآرائه وذاته ونتاجه وأقل اعتدالاً أو حيادية في النقد، حيث يكون إطلاقياً ومتحمساً لما يراه أو يدافع عنه فيما يبدو طرحه حول ما يختلف معه مشوب حتى بنبرة عدائية.
ـ شديد الحرص والمطالبة بالانضباط exigente في السلوك والعمل إذا ما تعلق الأمر بكل ما هو جاد ويحاول فرض وجه نظره وأسلوبه هو في العمل.
ـ حميم جداً ويتداخل بالشخصي حالما يشعر بالثقة أو يكسب ثقة الآخر، وإن بدا في أول التعارف أكثر رسمية وانضباطاً. لذا يطيب التعاشر معه ولكن مع اليقظة والانتباه إلى ما قد يمس حساسيته المفرطة.
بشكل عام فإن الصورة ناقصة وغامضة عن العراق وعن الشخصية العراقية ومنها أيضاً التصور عن المرأة العراقية، فبين ما قد يراه الغربي من المتواجدين في أراضيه بنجاحهم وانفتاحهم وبين مشاهد النساء في وسائل الإعلام بالعباءات السوداء والحجاب بما في ذلك مشاهد لوزيرات ونائبات محجبات في البرلمان وزوجات مسؤولين، وإن كان ثمة تصور ما عن أنها امرأة قوية وخاصة بحكم ما احتملته من عبء العائلة وخشونة الوضع والرجال هناك. وليس من السهولة تحسين هذا التصور إلا ما قد يتم من خلال الجهود الشخصية والاحتكاك المباشر بالعراقيين سواء المتواجدين العاملين والفاعلين في الغرب وأغلبهم متعلمين ومبدعين في مجالاتهم وناجحين أو عن طريق التعامل المباشر لمن يزور العراق ويتعرف عن قرب على أهله. وفي كل الأحوال تبدو الجماعات مثل الأفراد في تعاملاتها مع بعضها ويكون لتصور الإنسان عن نفسه دور مهم في خلق التصور عنه في ذهن الآخر.
إننا بحاجة إلى المزيد من الجهود في تعرفنا على ذواتنا وبالتعريف بها وخاصة ما يتعلق بالجوانب الثقافية والفنية والحضارية والإنسانية وغيرها وعلينا عدم ترك المجال شاغراً لتملأ التصورات الإعلامية والسياسية هذا الفراغ بما هو متقلب وغير دقيق يضر بصورة العراقي أمام نفسه وأمام غيره أكثر مما يقوم بتمثيلها حقاً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في مجلة (ثقافتنا) الفصلية، العدد الثامن، سنة 2010 بغداد.

*ونشرت أيضاً في موقع (كتابات) بتاريخ 5/6/2010م.

الثلاثاء، 25 مايو 2010

.. عن الفيس بوك / استطلاع: عبدالحق بن رحمون


.. عن الفيس بوك

من استطلاع: عبدالحق بن رحمون

محسن الرملي


صداقات حميمة وعميقة

*في رأيك ماذا أضاف الـ : " فيس بوك " لك وللثقافة العربية؟
ـ أضاف المزيد من التواصل، والتواصل هو العمود الفقري للحياة الاجتماعية والثقافية بل والإنسانية عموماً. أضاف المزيد من المعرفة بالناس وهمومهم وأحلامهم وبالقضايا التي تشغلهم، فأضاءها بشكل لاتوفره وسائل أخرى كوسائل الإعلام التقليدية، كما أنه يتيح المتابعة التفصيلية مباشرة وبشكل يومي، عدا كونه وسيلة إعلام ودعاية مجانية عملية وواسعة، وهناك أعمال وأسماء ظهرت وبرزت من خلاله ووصلت إلى الناس بشكل أسرع وأكثر فاعلية.
*وهل أنت مقتنع تماما بوجود اسمك على هذا الموقع... وماذا أضاف لك على مستوى الكتابة؟
ـ نعم، أنا مقتنع تماماً، بل وشجعت وأحث كل الأصدقاء والمعارف على فعل ذلك، أما على صعيد الكتابة فمن بين ما نفعني به: أنه جعلني على تماس مباشر مع أصدقائي الكتاب ومع القراء الذي تهمهم نصوصي، وحضورهم المباشر هذا بحد ذاته يطالبني ويستدعي مني المزيد والجديد في الكتابة، بحيث لم يعد الكسل السابق مريحاً كما كان. هذا إضافة إلى أنه يصحح لي أو يعينني على تعديل نصوصي قبل نشرها بشكلها النهائي، فقد عمدت أحياناً إلى نشر بعض مسودات نصوصي في الفيس بوك لأرى الانطباع وردود الفعل عليها وملاحظات الأصدقاء قبل أن أراجعها بشكلها النهائي. من الفوائد الأخرى لصالح الكتابة أنه يثري المعرفة التفصيلية بالمواضيع التي أفكر بكتابتها، بل وحتى بإيجاد الشخصيات والمناخات أحياناً.. بشكل عام إضافاته على مستوى الكتابة كثيرة وخاصة فيما يتعلق بمعرفة المتلقي أكثر والتعلم منه لصالح أسلوب وشكل ومضمون النص الكتابي لاحقاً.
*وهل يعتبر الـ : " فيس بوك " تهديدا للثقافة العربية؟
ـ لا أعتقد ذلك، فهو وسيلة وأداة تكنولوجية حديثة حاله كحال أية أداة أو وسيلة أخرى، أي يمكن توظيفه واستثماره لأغراض إيجابية أو العكس. الأمر بنهايته يتعلق بالهدف من استخدامه وبالكيفية، وقد سبق وأن قيل هذا الرأي نفسه عندما ظهر الراديو والتلفزيون والهاتف النقال والإنترنيت وغيرها، لذا فالمسألة تخص كيف نستخدمه، وعليه فيمكن للثقافة العربية أن توظفه وتستثمره لكل ما هو إيجابي، ولاحظت تجارب ناجحة في هذا المجال، وشخصياً لا أظن أن هناك شيئاً ما يمكنه أن يهدد العناصر الأصيلة في ثقافة ما، إلا إذا كانت تلك العناصر في تلك الثقافة هشة في ذاتها أصلاً وفيها ضعف، وتنطوي على مقومات الاستجابة لتهديد معين.
*وهل تأخذ منك متابعتك للـ : " فيس بوك " وقتا كثيرا، أو تتخذ منه فقط اتجاها للجد أم غاية في التسلية والفضول والبصبصة فيما يفعله زملاؤك؟
ـ إنها تأخذ من وقتي ما أعتقد بأنها تستحقه، وبشكل عام فالفيس بوك بالنسبة لي صار بمثابة (صحيفة المساء) أقلبه وأعطيه حقه من الاهتمام في آخر النهار، ذلك أنني في أول الصباح أتابع الصحافة المعتادة لمعرفة الأخبار والجديد، أما في المساء فأتابع ردود الفعل والآراء وما أثار اهتمام الآخرين، ثم الأخبار الشخصية لأصدقائي والتي لاتنشرها الصحف التقليدية بالتأكيد. كذلك أجد أخباراً ونصوص وفيديوات وصور لم أكن لأنتبه لها أو لأعرف بوجودها أبداً لولا أن ذكرها أو علقها آخرون. كما أرى جديد أصدقائي حيث يخبرون أو يعلقون روابط لما نشروه مؤخراً من نصوص وكتب ونشاطات وسفرات وغيرها. فأشعر بالفيسبوك أحياناً بمثابة مقهى ثقافي ألتقي به معهم. وبالتأكيد إنني أتخذه للجد وليس للتسلية، فليس لدي فائض من الوقت لفعل ذلك، كما أنني لا أتفق مع كلمة "بصبصة" لأنها لاتنطبق وهذا الحال، وذلك لأن أي شخص يضع نصاً أو يعلق صورة أو تعليق إنما غايته أن يطلع عليه بقية الأصدقاء ولو كان يريد أن يبقى سراً لما وضعه أصلاً.
*وهل أحسست بتحول وأنت تكتب على جدران الـ : " فيسبوك" ... وكيف اكتشفت عالم الأصدقاء المفترضين... وكيف تختارهم للتواصل معك؟
ـ اعتبر نفسي جديداً على الفيس بوك، فقد انضممت إليه منذ عامين تقريباً بعد أن كنت أمانع وأتردد مثل الكثيرين غيري، ولكن طلابي هم الذين دفعوني للإنضمام إليه، وخاصة أنهم يتعاملون من خلاله أكثر من تعاملهم عبر الإيميل، والذي صار يشبه صيغة الرسائل سابقاً لما يتطلبه من تقديمات وتحيات وغيرها، أما الفيسبوك فهو مباشر كاللقاء الشخصي حيث يمكنك أن تعلق أو تقول رأيك بلا مقدمات، كما أنك تنشر خبراً أو رأياً لمرة واحدة للجميع وليس لكل واحد بمفرده، وبالطبع أن أي شيء تأخذه بجدية سيؤثر بشكل ما على آرائك وعلى أسلوبك في الفهم والكتابة. أرحب على الفيسبوك بصداقة أي شخص أعرفه أو عرفته شخصياً في الواقع أو أعرفه بالإسم كونه كاتباً أو فناناً أو صحفياً مثلاً كما أرحب بمن يعرفني بهم أصدقائي أو أولئك الذين يعرفون بانفسهم، إضافة إلى من أجد بيني وبينه اهتمامات مشتركة وخاصة فيما يتعلق بالثقافة والأدب. وقد تحولت الكثير من صداقاتي التي بدأت بالفيس بوك إلى واقع حقيقي ولقاء شخصي.. بل إلى صداقات حميمة وعميقة. وبفضل الفيسبوك أيضاً وجدت أصدقاء قدامى من أيام الطفولة أو المدرسة والجامعة أو الخدمة العسكرية، أو هم الذين وجدوني، وأعدنا التواصل بعد أن فرقتنا الحياة والظروف ربما لعقود، ومنهم أصدقاء في العراق من مناطق حلت بها كوارث حقيقية، فأسعدني أنهم لازالوا أحياء وأن أرى صور حياتهم وأطفالهم.. وهذا بحد ذاته يكفي لأن أقدم الشكر الكبير للفيسبوك وأتجاوز عن العديد من منغصاته.
*وفي رأيك هل أخرج الـ : " فيسبوك" المبدعين والمثقفين من حالة الانكماش والتقوقع على الذات إلى عالم أكثر فساحة؟
ـ هذا فضاء حر ومفتوح كما تعلم، ومسألة التعامل معه ومن خلاله تعود لذات كل شخص، فمن شاء التواصل والانفتاح أو شكل منه فعل، ومن آثر العزلة فعل، أو يستطيع الانسحاب متى ماشاء، كما أن كل شخص بإمكانه أن يتحكم بصيغة وحدود التعامل الذي يناسبه ويرتأيه. وعرفت مثقفين ومبدعين وفنانيين أجادوا استخدامه وحققوا حضوراً وجمهوراً وتعريفاً جيداً بنتاجاتهم. وأنا شخصياً مع الانفتاح والتواصل ومع السعي للمعرفة والاستثمار الإيجابي لأية تسهيلات تكنولوجية جديدة.
--------------------------------------------
*نشر في صحيفة (الزمان) العدد 3602 الثلاثاء 25/5/2010م.

الجمعة، 14 مايو 2010

.. عن الزمن الروائي / محسن الرملي


تأملات في الزمن الروائي

مفاهيم متباعدة ومعالجات متعددة

د. محسن الرملي

إن مشكلة الزمن هي إحدى القضايا الفلسفة والعلمية التي لا نتردد بتسميتها؛ معضلة أزلية، أسوة بمشاكل عصية أخرى كالروح والموت والعدم وغيرها، ذلك أن الزمن لم يكف عن أن يكون إحدى أهم القضايا الكبرى التي تعرضت للتأمل الطويل من قبل جموع الفلاسفة والمفكرين منذ بداية التفكير وإلى يومنا هذا دون التوصل إلى حل.. أو بالأحرى إلى تعريف أو فهم نهائي ومقنع. وهكذا سيتواصل التساؤل والتفكير فيه. وقد اعتبر باشلار أن تحديد حقيقة الزمن هي التي توضح العلاقة التي تربط أصناف المعرفة بعضها ببعض ومميزات الفعل الأخلاقي أو حتى معنى الخلق الأدبي، مشيراً إلى أن "المعرفة في جوهرها عمل زماني"1. وبما أن كلمة الزمن ستبقى مُحيّرة وغامضة فإننا لن ندخل هنا بمناقشة إشكالياتها المتشعبة والتي لن نخرج منها بأكثر مما توصل إليه العقل البشري من قبل. ولكن ما يهمنا منها هنا فقط هو مسألة الزمن الأدبي أو الروائي منه تحديداً، مستندين بذلك على خلاصة المفاهيم السائدة عن الزمن والمتمثلة بتقسيمه إلى زمنين هما: الداخلي والخارجي، أو الخاص والعام، أو الذاتي والموضوعي.. فالأول هو الزمن الخاص بكل إنسان غير مستقيم من حيث طبيعته، وهو أقل تنظيماً ولا يعتمد على مقاييس ثابتة أو مُتفق عليها وإنما يعتمد على علاقته الخاصة مع نفسية الشخص، فيشار إلى لحظات بأنها طويلة أو قصيرة، أو عذبة أو مريرة، أو قاسية.. وإلى أعوام بأنها سعيدة أو فارغة أو مكتظة.. إلى غير ذلك. وهذا النوع هو الذي اهتم به ـ أو حُسب على ـ الفلاسفة المثاليين والأدباء أكثر من غيرهم. بينما الزمن الآخر الخارجي أو العام أو الموضوعي؛ فهو الزمن المتعارف عليه بين الناس، مستقيم من حيث طبيعته، والمتمثل بالسنين والشهور والأيام والساعات والدقائق.. إلخ. والذي نستطيع قياسه وحسابه. وهو زمن مشترك وكوني من حيث شمولية الموجودات به؛ الإنسان والحيوان والأزهار وحركات الكواكب والليل والنهار والضوء وغيرها. وهذا الزمن هو الذي اعتمده ـ أو حُسب على ـ الفلاسفة الماديين الذين وصفوه بكونه ما يُعبر عن تتابع وجود الظواهر، حيث تحل الواحدة محل الأخرى، وقالوا بأن:" الزمان لا يرتد بمعنى أن كل عملية مادية لا تتطور إلا في اتجاه واحد؛ من الماضي إلى المستقبل"2. ورفضوا اعتبار الزمان والمكان منفصلين عن المادة، مستندين بذلك على نظرية إنشتاين النسبية والبعد الرابع، بينما يشير إنشتاين في نظريته ذاتها إلى أن الزمان هو مقدار متغير في الكون وأنه لا يوجد زمن واحد للكون كله ممتد من مبدأ الخليقة إلى الآن، وإنما ثمة العديد من الأزمان، فالزمن المعروف بالساعة واليوم والشهر والسنة ما هو إلا مصطلحات ترمز إلى دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس، أو بشكل آخر "مصطلحات لأوضاع مختلفة في المكان" فالساعة هي دورة الأرض 15 درجة حول نفسها واليوم هو دورة كاملة والسنة هي التفافها الكامل حول الشمس.
وهكذا نأتي إلى الأدب (الروائي) لنجده قد تشعب هو الآخر إلى اتجاهات ومدارس وإبداعات متباينة، مؤكداً بذلك نتيجتين مهمتين هما: أولاً: أن تنوع الإبداع الروائي هو في جوهره تنوع في طرق التعامل مع الزمن الروائي. وثانياً: الاختلاف الدائم في وجهات النظر والرؤية والأفكار حول مفهوم الزمن.. وأن مجرد نظرة عامة إلى عينات من النتاجات المختلفة في مضمار الرواية ستكون كافية لتأكيد ذلك؛ فمثلاً أن زمن رواية (الحرب والسلام) لتولستوي هو خمسة عشرة سنة تقريباً، وزمن رواية (السيدة دالاوي) لفرجينيا وولف هو يوم واحد، بينما زمن رواية (جسر على نهر درينا) لإيفو إندريتش يمتد لثلاثة قرون ونصف، أو تحديداً 343 سنة. مثلما تمتد رواية ماركيز (مائة عام من العزلة) لأجيال عديدة وكذلك (أولاد حارتنا) لنجيب محفوظ.
أما كأمثلة على تقسيمات الزمن التي سبق ذكرها فنشير إلى جيمس جويس وفرجينيا وولف والآخرين من كتاب تيار الواعي أو ما يسمى أيضاً بالتداعي، وهم الذين تعاملوا مع الزمن النفسي أو الداخلي، فرواية (السيدة دالاواي) تعتمد على التداعيات التي تمد يدها لتطوق زمن الرواية بيوم واحد، وهو الزمن الذي تحدث خلاله أفعال الشخصية الرئيسية وما يتعلق بها من أحداث ترويها الكاتبة. ولكننا نجد أن الزمن الحقيقي لهذا العمل يمتد إلى حياة كاملة تقريباً؛ فكل لحظة معينة أو حدث ما.. أو أي شيء آخر يصادف الشخصية سيكون له امتداد أطول: فساعة (بك بن) ـ مثلاً ـ تُذكر البطلة بحدث ما يُساهم في بناء الرواية، لذلك نجد الكاتبة تصف دقاتها وتعاقب ساعاتها، فتربط ذلك بانتقالة إلى الرجل الذي يبعث الرسائل من الهند. وحالات أخرى كانتقال عينيها والتقاطاتها في الشارع أو السوق. أما بالنسبة لرواية (دابادا) للعراقي حسن مطلك، المشابهة لها من حيث قصر الزمن ومختلفة عنها في أسلوب التناول فإن زمنها الروائي هو ثلاثة أيام بلياليها ونهارتها، ولكن الزمن الحقيقي للرواية يمتد لأطول من ذلك بكثير. واختلاف الكاتب هنا يكمن في كونه لا يعتمد على طريقة التداعي التقليدية وإنما يلجأ إلى ابتكار طريقته الخاصة، ذلك لأن المأخذ على طريقة التداعي الحر يكمن في أن الكاتب قد يخرج عن حالات القصة المفترضة أو الحدث الذي يرويه الكاتب، ويكون خروجه بمجرد أن يرى البطل شيئاً معيناً بطريقة الاستبصار أو السمع أو الشم وغيرها. يبدأ بالحديث عن هذا الشيء بشكل موسع أو مصحوب بالذكريات التي قد تجر معها ذكريات أخرى، مع أن هذا الحدث قد لا يدخل ضمن سياق الثيمة الأساسية للعمل الروائي، ولكن الطريقة التي اتبعها حسن مطلك في (دابادا) تختلف من حيث أنه يأخذ الحدث كما هو.. أي فقط الأشياء التي تؤثر في الحدث سواء أكانت زمانية أو مكانية وتناول العلاقة.. أو الأدق نوع العلاقة بين العالم والوعي، والانتقالات قد تكون مناسبات لغوية أو تراتبية أحداث ومعاني.
هذا ومن مشاكل الرواية الأخرى في هذا المضمار ـ إذا أردنا تصنيفها كما سبق ـ فهي عند الطبيعيين كأميل زولا وعند جماعة الواقعية الاشتراكية كالروس وغيرهم، هؤلاء جميعهم يقولون بوجود حدث و(زمن) موضوعي.. وهذا لا يتيح لهم الولوج في دواخل نفسيات أبطالهم على اعتبار أن الكاتب لا يستطيع ـ منطقياً وواقعياً ـ أن يعرف جميع أبطاله ونفسياتهم ويتصرف كأنه إله.. أو ليس من حق الكاتب أن يعرف كل أبطاله بدقة من حيث الداخل والخارج، وإنما جزءً من السلوك الخارجي للبطل والظروف الخارجية وتقاطع العلاقات وما يتعلق بها. فبهذه الطريقة ـ الوصف الخارجي ـ يستطيع الكاتب أن يكشف عن حالات البطل الداخلية من خلال سلوكه بشكل محاذر وبعيد؛ أي على العكس من الجماعة الأولى؛ أصحاب الزمن الداخلي أو التداعي الذين يفجرون الداخل.. أي يبدأون من الوعي وينطلقون إلى العالم الخارجي، كأن يتم ذلك عبر وقفة أو بجلسة أمام شباك كما هو الحال عند فرجينيا وولف. أو بالنظر من ثقب في الجدار كما فعل هنري باربوس في (الجحيم). أو ربما عبر حالة سؤال تتحول إلى سلوك كما في (الغثيان) عند سارتر.. وغيرها.
ثمة جماعة أخرى ثالثة؛ وهم أصحاب ما سُميّ بالرواية الجديدة المتمثلة بروائيي فرنسا في أواخر القرن العشرين كآلان روب غرييه، كلود سيمون، ناتالي ساروت، روبير بونجيه وميشيل بيتور الذين اقتصروا على الإسهاب في وصف الأشياء وإبرازها بأكبر قدر ممكن من التفاصيل مصحوباً بإلغاء للإنسان ووجوب الاعتراف بحقائق الأشياء التي قد تكون مخفية نوعاً ما، ثم ضرورة السبق الدائم للتطور المادي، ولكننا نجد هذا التيار ـ بشكل ما ـ بعيداً عنا كقراء؛ حيث نلاحظ غياب الإنسان وعلاقاته وهمومه، وجفاف مشاعره وغياب الزمن.. وقد تكمن الإشكالية هنا في اعتقاد الروائيين؛ أنهم وبمحاولاتهم الجادة للإحاطة بوصف الأشياء والمكان إنما يقومون بتصوير كلية الزمن الخارجي تاركين الزمن الداخلي ليكون انعكاساً وصدى لهذه الصورة لينتج بذلك التعبير عن تشتت الإنسان وغياباته بين الزمنين. وبالطبع فإنها تعتبر محاولة جادة وإضافة ثمينة إلى تجارب ومسيرة الرواية.. أما ما نراه فهو؛ أن الرواية لا يفترض بها الاستمرار بأخذ هذا المنحى أو ذاك وإنما عليها الاستفادة من نتائج كل هذه التجارب والاتجاه إلى الأخذ بالعلاقة المتبادلة.. فثمة نقطة يُستحسن الانطلاق منها في الكتابة الروائية، وهي نقطة خاصة بحساسية الكاتب، ألا وهي خصوصية رؤية تقاطع العالم الخارجي مع الذات.. فلنبدأ منها، ونعني بذلك أن تصبح للأشياء قيمة ذاتية عبر إعطاء الأشياء الموضوعية معنى ذاتياً؛ فالمنضدة مثلاً؛ تعطي معنى آخر غير الذي هي موجودة عليه ـ كما هو ـ في العالم الخارجي، وكذلك لحظة الشعور بالذنب تأخذ معها حالة شيئية ـ شيء في العالم الخارجي ـ من خلال فكرة معينة أو سلوك معين أو علاقة معينة أو شيء معين من العالم الخارجي. وبهذه الطريقة نستطيع اصطياد اللحظات الروائية.. وهنا ـ بالطبع ـ ستختلف حساسية الروائي من كاتب إلى آخر، فالرواية هي حالة إبداعية وليس لها قانون يحدد أو ينظم عملية كتابتها، فالمطلوب امتلاك الكاتب لرصيد معين من التجربة والخبرة إلى جانب رصيد لغوي يكونهما من خلال حياته وقراءاته.. كل ما يبقى إذاً هو كيفية إيصال هذه الخبرة التي هي انعكاس العالم الخارجي في الذات وبعد ذلك رد فعل الذات أو فعل الوعي تجاه العالم الخارجي، ومن ثم كيفية إيصال رد الفعل هذا بواسطة اللغة التي تناسبه بحيث لا تناسبه وسيلة أو طريقة أخرى غيرها للتعبير بشكل ينطبق مع ما في ذاته.. أي توصيل الأشياء كما يحس ويشعر بها.. وهذه هي لحظة الصدق في الكتابة. وهنا قد يدفعنا ما توصلنا إليه إلى تكرار ما قاله بروتاغوراس، من أن الإنسان مقياس كل شيء، وما أكده أرسطو حول قياس الزمن حين قال:" لا وجود للزمن من دون روح تعده". فهذه اللحظة ـ التي أشرنا إليها ـ تكاد تكون لحظة طويلة تمتد لتغطي كل زمن الرواية وذلك عن طريق انعكاسها أو تمثلها في الأسلوب، حيث تصاغ عملية السرد أو الروي بشكل شمولي وامتزاج متناغم ومتجانس بين أطراف وتفاصيل المرويات.. أي السعي ـ قدر الإمكان ـ إلى تحويل العبارة أو الفقرة الروائية إلى عجينة تشترك في خليطها كل مكونات الرواية من فكرة وشكل وتناغم ومكان.. والزمان.. الذي يشكل بالأساس جوهر الإبداع في التقنية الروائية، إذ يُفترض هنا توفر الصيغة التي بيّناها أو ما يطلق عليها (التكامل الزمني).. أي أن نحزم معاً مفهوم الحاضر وذكرى الماضي وما نتوقع من مستقبل في حزمة واحدة من تنظيم مشترك. هذا التنظيم الذي يسميه فرانك كرمود3 بفرصة الروائي؛ فرصة تحويل التتابع المحض إلى تجربة حب، إلى وعي عشقي يجعل من الشخص العادي إحساساً سماوياً مُرضياً، وبهذا سيجد الروائي ـ الساعي إلى اتباع هذا التركيب الزمني بجدية وحساسية إبداعية عالية ـ إن الشخصية في الرواية تصاغ بصورة ذاتية تقريباً وتتجسد بشكل يكاد يكون متكاملاً وحاضراً في كل لحظة.. ذلك أنها انصاعت في تشكلها إلى تركيب الزمن الذي أشرنا إليه، وهكذا تقترب الشخصية الروائية كثيراً إلى جل صفات الواقع الكامل والشامل.. فنحن حين نجلس أمام شخص نعرفه نجد أنفسنا نتعامل مع وحدة (مُرَكَّب) ما عرفناه عن ماضيه وما هو عليه الآن واحتمالات ما سوف يكون عليه مستقبلاً، وبذلك سيرمز المرء الموجود أمامنا إلى عجينة أو كل شخصيته المتكونة من وحدات الحالات الزمنية (الماضي، الحاضر والمستقبل) وبالتالي يتحدد سلوكنا معه وفق هذه النتيجة.. هذا الواقع الموحد الشامل والمفتوح هو ما أسماه حسن مطلك بـ(الواقعية المطلقة) والتي نتحسس تبلورها في العديد من المحاولات المتفاعلة التي نشهدها في الساحة الأدبية والثقافية العالمية..
--------------------------------------------------------
1 غاستون باشلار، حدس اللحظة، ترجمة: رضا عزوز وعبدالعزيز زمزم، بغداد، ص24.
2 الموسوعة الفلسفية، مجموعة العلماء الروس، ترجمة: سمير كرم، بيروت 1979.
3 فراك كرمود، الإحساس بالنهاية، نرجمة: د.عناد غزوان وجعفر الخليلي، بغداد 1979. ص54.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في صحيفة (تكست) الثقافية بتاريخ 15/3/2010 البصرة.

الثلاثاء، 11 مايو 2010

زاوية (جداريات) / عن زوربا.. نظرة مختلفة


عن زوربا.. نظرة أخرى
د.محسن الرملي

ليست هذه أول مرة تخبرني بها فتاة عربية بأنها تحب مثقفاً وتسميه (زوربا)، وحين أسألها عن سبب التسمية تقول بأنها لا تريد البوح باسمه الحقيقي حالياً، وكأنها لو قالت لي بأن اسمه عبدالله أو أحمد سوف أعرفه من بين الملايين!! لكنها سرعان ما تعترف بأنه هو الذي يحب أن يسمي نفسه (زوربا) بعد أن حدثها عنه ونصحها بقراءته. بالطبع عرفت الكثيرين أيضاً من مثقفينا ممن يحبون القول، في لحظة زهو دونجواني، بأنهم مثل زوربا. فلماذا زوربا حي عندنا على هذا النحو بحيث بلغت ترجمة طرابيشي الطبعة العاشرة هذا عدا الترجمات والطبعات الأخرى ومنها التجارية؟ فيما لم ألمس هذا الاهتمام الكبير به في الغرب؟
كنت مثل كثر غيري قد قرأت (زوربا) منذ عشرين عاماً تقريباً، وبهرتني الشخصية وتأثرت بها مثل الآخرين وتحت تأثيرهم. كما أني كنت أتمثله وأدعي تشبهي به في بعض الحالات، وبالطبع قرأت تباعاً أعمال كازانتزاكيس تحت حالة التأثر العامة عندنا، أي بإعجاب مسبق.
هذه الأيام، وبعد أن أخبرتني صديقة أخرى بأنها تحب (زوربا) آخر، وبحكم عادتي بإعادة القراءة ـ وما أهم وأغنى أن نعيد قراءة ما قرأناه ـ قرأت (زوربا) وأعدت مشاهدة الفلم الذي أبدع فيه أنطوني كوين.
ما حدث هو استغرابي لشعوري وانطباعي، حيث انهارت نظرتي السابقة تماماً ووجدت نفسي أرى في زوربا شخصية: فَضَّة، ساذجة، أنانية وخالية من سمات التهذيب والتحضر، بل أنه لا يطاق، ولو أني عرفته في الحياة لما احتملته، ولم تعجبني مواقفه وسلوكياته المتعالية وخاصة تجاه النساء الضعيفات كالأرملة. وجدته (جلف) ولم أعد إلى نظرتي السابقة التي تبرر تصرفاته. يرقص في مأتم ابنه بحجة أنه لو لم يرقص سيموت!! ويقطع اصبعه بحجة العمل! سخريته من الكتب والقراءة!، يبذر كل المال الذي منحه له معلمه بثقة للمشروع لمجرد أن غانية رفضته ثم يبرر بأنه قد "دافع عن كل الرجولة في العالم"!، كما يقول بأن:" المرأة الحقيقية تتمتع باللذة التي تمنحها أكثر من تمتعها باللذة التي تأخذها من الرجل"!!.. وغيرها من المواقف الخرقاء التي يسوغها بمبررات أخرق منها. بعبارات منمقة توحي بالتفلسف فيما هي في الحقيقة عموميات هشة لا تصمد أمام أي تمحيص فكري جاد. ولا غرابة أن يستاء أبناء زوربا ـ الشخصية الحقيقية البسيطة التي اسمتدت منها الشخصية الروائية ـ وانزعاجهم من تصوير كازانتزاكيس لوالدهم كمتشرد، زير نساء خائن لزوجته، كحولي وشبه مخبول يكثر من التلفظ ببذيء القول.
بالطبع لست بغافل عن القيمة الأدبية للرواية وخاصة ضمن إطار مرحلتها التاريخية قبل نصف قرن وقدرة مؤلفها على نحت الشخصية وإيصال الرؤية، فأنا لا أتحدث عن العمل هنا كأدب بقدر حديثي عن الشخصية نفسها والتساؤل عن أسباب إبهارها لنا نحن بالتحديد! كلنا يعرف الإشكالية المحورية في جل ما كتبه كازانتزاكيس والمتعلقة بالتأرجح بين الروحي والمادي، بين التدين والإلحاد، بين اليمين واليسار.. ألهذا السبب نشعر بقربها من ذهنيتنا فيما الذهنية الغربية قد انتهت من هذه الإشكالية منذ زمن بعيد؟ هل لأنها تبرر لنا، ولو شِعرياً، ظواهر شائعة لدينا كاعتداد الجاهل بنفسه، ادعاء الفحولة، طغيان الحس الذكوري والتبرير الروحي له؟ لماذا لم نسمع، مثلاً، امرأة تشيد بشخصية زوربا وتدعي تبنيها رؤيته وتشبهها به؟ وفيما راجعها أمادو بشكل آخر في روايته (زوربا البرازيلي) وكتب اليوناني فيليبو (موت زوربا اليوناني) التي يقلب فيها صورة زوربا بشكل مضاد تماماً. لماذا لم نقرأ مراجعة أو نقداً تحليلاً وحقيقياً لأثر هذه الشخصية في ثقافتنا؟ وسر استمرار وجودها حياً ومبهراً بيننا كأنها من المسلمات؟.
----------------------------------------------------------
*نشرت في زاوية (جداريات) في الملحق الثقافي لصحيفة (الثورة) السورية بتاريخ 11/5/2010 العدد 691

الأربعاء، 21 أبريل 2010

.. عن الرقابة / استطلاع: دليلة قدور


.. عن الرقابة


من إستطلاع: دليلة قدور

الكاتب العراقي محسن الرملي:

الرقابة الذاتية موجودة ودائمة مادمنا نعيش مع الآخرين وللآخرين


صرح الدكتور العراقي المقيم في إسبانيا "محسن الرملي" بأنه مازال يمارس على نفسه نوع من الرقابة الذاتية حتى في عصر التطور التكنولوجي، ولا يستطيع الادعاء بأنه يكتب كل ما يفكر به بمطلق الحرية، فالمهم عنده أن لا تسبب كتابته أذى أوجرح أو إزعاج لشخص إنسان قريب منه أو حتى بعيد، كذلك لا يعمد إلى التصادم والبحث عن استفزازات مجانية ومقصودة تتعلق بأخلاقيات معينة أودين وما إلى ذلك مما قد يسبب جرحاً لمشاعر الآخرين.
هذا ولايعتقد صاحب رواية "تمر الأصابع" بوجود ما يسمى بالحرية المطلقة والكاملة في الكتابة الإبداعية رغم ما قد توفره شبكة الأنترنيت في التعبير بكل طلاقة وبلا قيود، لكون الإنسان خاضع بالأساس لشروط وجودية وفيزيائية واجتماعية، ولم يكن له إختيار زمان ومكان ولادته وعائلته وجنسه وثقافته ولغته الأولى، ولكل هذه العناصر تأثيرات مباشرة في طبيعة حياتنا وتفكيرنا وسلوكنا وما نقول وما نكتب.
وأضاف "محسن" أنه بإمكان المبدع أن يعبر عن كل ما يريد بأشكال وصيغ لا حصر لها وبأسلوب فني راق ومحترم دون أن يتسبب بإيذاء مشاعر أحد. أما بالنسبة لما يتعلق بالسياسة ورضا أو انزعاج المؤسسة فهذه المسألة كما قال تجاوزها ولا يضع لنفسه أي رقيب بشأنها عند الكتابة.
وفي سياق حديثه أوضح أن العديد من نصوصه تعرضت للرقابة والرفض، ومن ذلك ما كتبه في بداياته في العراق، أي تعرضت للحذف والإضافة حيناً أوتغيير بعض عناوين قصصه حيناً آخر، كاستبدال كلمة (قتيل) بكلمة (شهيد) وإضافة تعبيرات مثل (بطل) و(شجاع) وغيرها من التغييرات التي قام بها المحررون لتتناسب ودورهم في الرقابة ومع الخطاب التعبوي آنذاك.
وراح "الرملي" يستشهد بأمثلة أخرى عن مقص الرقيب منها تعرض كتابه الأول (هدية القرن القادم) عند طباعته في الأردن لعملية حذف العديد من المقاطع والتعبيرات والكلمات، وذكر بأن الكلمات التي تم حذفها كانت تستخدم وبلا هذه الحساسية منذ عصر الجاحظ وإلى اليوم، لكن إصرار الرقابة على الحذف والتغيير بحجة المحافظة على سلامة الذوق والوعي العام، جعله يضطر وقتها لنشر كتابه تبعا شروطهم.
واستغرب الروائي محسن ما حدث له مؤخراً، وهو رفض صحيفة (النيويوركي) الأمريكية نشر ترجمة قصته (برتقالات وشفرات حلاقة في بغداد) بحجة أن فيها (عنف) أكثر من اللازم، وأردف بقوله "عجباً أن يأتي هذا من الأمريكان الذين يحتلون بلدي ويمارسون فيه كل بشاعات العنف والتخريب والقتل!"
وخلص" محسن الرملي" إلى أن مسألة الرقابة التقليدية لم تعد فاعلة اليوم وقد اضمحلت أو انتهت ولا تمثل حجة حقيقية أمام أي كاتب بحيث تمنعه عما يريد قوله، ويمكن نشر أي شيء عن أي شيء، ولكن تبقى طبيعة مسألة الرقابة الذاتية للكاتب نفسه وما ينسجم مع رؤيته وأخلاقياته وسلوكه هو شخصياً، موجودة ودائمة ما دمنا نعيش مع آخرين ونكتب عنهم ولهم، وحسب رأيه، فإن هذا أمر يتم بأشكال تختلف من كاتب إلى آخر، فمثلما يراقب الكاتب أسلوبه الفني ولغته وأدواته فهو في الوقت نفسه وبداهة يراقب موضوعاته، إذ من غير الممكن أن نجد كاتباً جاداً يكتب كل ما يخطر له وكيفما كان ولا يراجع ما يكتب بصيغة ما. فالكتابة أصلاً هي نوع من أنواع مراقبة الذات والآخرين والطبيعة والأحداث ومحاولة القبض عليها أوتدوينها لفهمها أكثر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر في صحيفة (الأمة العربية) الجزائرية، العدد 426 بتاريخ 15/4/2010م.

http://www.eloumma.com/ar/PDF%202010/Avril%202010/eloumma426.pdf

الثلاثاء، 13 أبريل 2010

زاوية (جداريات) / بمناسبة يوم الكتاب


بمناسبة اليوم العالمي للكتاب

عن التقليد والأخذ بالجاهز

د.محسن الرملي

لا ضير بالتقليد، بل أن كبار من المبدعين المعلمين ينصحون به أو يعتبرونه ضرورة، وخاصة في البدايات، إلى أن يتم لاحقاً إيجاد الأسلوب الخاص، شرط ألا يكون التقليد أعمى أو يتم التوقف عند حدوده والاكتفاء به، فهو على هذا النحو لن يشكل إضافة مادام الأصل موجوداً. ومن بين الإشكاليات التي اعتدنا على تأشيرها في ثقافتنا العربية عموماً وننتقدها أحياناً، هي أننا نقلد الغرب، لكن تأمل ذلك على نحو آخر سيكشف لنا بأننا في الحقيقة لانقلد وإنما نأخذ الأفكار أو البضائع جاهزة كما هي، كاملة أو ناقصة، دون أن نسعى لمحاولة تقليد صناعتها بأنفسنا، وإن حدث فعادة ما يكون تقليداً ضعيفاً أو مشوهاً، وعلى هذا النحو نحكم على أنفسنا بالتبعية وبالبقاء في خانة الاستهلاك وليس الإنتاج.
ولنأخذ أمثلة على ذلك مسألة الأعياد والمناسبات والتي لا يكلف تقليدها شيئاً مُعجِزاً. أقول هذا بمناسبة اقتراب يوم الكتاب الذي تقام فيه المعارض وتنتشر الكتب حتى على الأرصفة وتقام حفلات التوقيع ولقاءات الكتاب بقرائهم وإصدار الجديد وإعادة الطبعات.. ويهرع الناس لشراء الكتب وتبادلها كهدايا مصحوبة بورد وعبارات جميلة، بحيث أن مدينة كبرشلونة مثلاً يباع فيها نصف مليون كتاب تقريباً في هذا اليوم وحده.
في 23 نيسان سيحتفل العالم بيوم الكتاب والذي يصادف ذكرى وفاة ثربانتس وشكسبير وغارثيلاسو ووفاة أو ولادة كُتاب آخرين من أمم مختلفة لا ذِكر لأي عربي بينهم، ولا بأس بالمشاركة في هذا اليوم وإن كنا غير مشاركين في تقريره على الرغم من عضوياتنا في اليونسكو. ولكن لماذا لانوجد لأنفسنا يومنا الخاص بالكتاب العربي أيضاً؟ بل وحتى يوم آخر للكتاب الوطني الخاص بكل بلد، فتخيلوا أن نحتفي بالكتاب ثلاث مرات سنوياً، بل وحتى إيجاد أيام خاصة بأجناس معينة، لم لا؟ كما هو حاصل مع اليوم العالمي لكتاب الطفل مثلاً والذي تم تحديده في 2 نيسان بمناسبة ميلاد الكاتب الدنماركي اندرسن. لن يكلفنا الأمر سوى التفكير قليلاً والاتفاق، وليكن يوم الكتاب العربي مثلاً في ذكرى وفاة الجاحظ الذي أمضى حياته بين الكتب ولأجلها ومات تحتها إثر سقوط مكتبته عليه، أو أي يوم متعلق بكتاب أو بكاتب نعتز به.. كتاريخ الطبعة الأولى من (ألف ليلة وليلة)، أو تاريخ متعلق بنزول (القرآن) أو جمعه أو طبعه باعتباره أهم الكتب بلغتنا وثقافتنا وعلى هذا النحو نشرك العامة وبقية المسلمين في يوم كهذا، أو نوجد يوماً خاصاً بالكتاب الإسلامي. ويومنا الخاص بالشعر مرتبطاً بأحد تواريخ المتنبي أو غيره من كبار شعراء عربيتنا، ويوم للحب متعلقاً بقيس وليلى أو بابن حزم أو بابن عربي الذي قال أن ديني هو الحب، بدل تعلقه بالقديس فالانتاين؟ ويوم للموسيقى متعلق بالموصلي أو بزرياب، ويوم للفن التشكيلي متعلق بالواسطي، عيد للمرأة متعلق بإحدى النساء العظيمات في تاريخنا.. وغيرها، مما نقلد فكرته ونعيد إنتاجه وفق خصوصيتنا. سيحترم الآخر هذه الخصوصية، بل وسيعتاد على تهنئتنا بها ومشاركتنا إياها كما هو حاصل وبقوة باعترافه بأعيادنا الدينية رمضان والأضحى، وبأعيادنا الوطنية التي اخترنا لها تواريخ الاستقلال، وكما هو حاصل مع مناسبات أمم أخرى حيث صار الناس يحتفلون ويقدمون التهاني للصينيين بالسنة الصينية، ومهرجان ريو خانيرو البرازيلي ويوم الأموات المكسيكي وغيرها من مناسبات بقية الشعوب.
ترى هل بلغنا من الكسل الذهني أو من صعوبة الاتفاق حتى على مسألة بالغة البساطة والرمزية كهذه؟ أم ترانا قد اعتدنا على التلقي والانصياع وحسب، بحيث ننتظر أن تأتي إلينا بمراسيم وقرارات رسمية وزارية أو من زعامات الإفتاء؟ لماذا لا تبادر إلى ذلك اتحادات الكتاب أو جمعيات الفنانيين أو حتى مجموعة من الكتاب والفنانيين بلا اتحادات ولا جمعيات، فهل تحتاج مجرد المبادرة أو التفكير إلى ترخيص أيضاً؟!.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر في زاوية (جداريات) في الملحق الثقافي لصحيفة (الثورة) السورية بتاريخ 13/4/2010 العدد 687

الأحد، 4 أبريل 2010

قصة: عُطلَة / محسن الرملي

قصة

عُـطـلَـة

محسن الرملي

عند فجر صياح ديـ.. مذياع جارتنا، كررنا الحب.. تحاببنا.. ثم نهضتُ عنها ونهضنا معاً عن فراش صباح العُطلة، توجهنا صوب الحمّام، ثم طاولة الإفطار، ثم قهوة الشرفة، تصفحنا الصحف وألقمناها لصفيحة الزبالة.. ليس لدينا ما نفعله، وليس لدينا أية مشكلة.. لم نتكلم، كنا نشعر بالشبع؛ كلاماً وحباً وطعاماً وقهوة وصحفاً وخواء.. نظرنا إلى بعضنا بصفاء وحيادية وبرود.. أو بلا معنى. أعدتُ نظري إلى الشارع، حيث لا أحد سوى العطلة قد تمددت فيه والناس غابت في البيوت وغابت زوجتي في البيت لتتشاغل بغسل صحون الإفطار وملابس أسبوع الوظيفة وترتيب فراش الحب لتكرار الحب في ليل قادم، في فجر قادم بلا مشكلة، فيما بقيت أنا والشرفة والصمت وكرسيها والصفيحة والصحيفة والصمت والشارع والبيوت والمدينة والصمت والعالم وفنجان القهوة والشمس والصمت الذي فكرت بأن أتشاغل بطرده مثلاً.. ولأنني بلا مشكلة ورغبت بالكلام سمعتني أهمس بلا قصد ولا تنظيم.. هكذا: يا حمدان إن جدتك أفضل منك.
تلفتُ حولي؛ لا أحد. وزوجتي تقرقع في المطبخ.. استلذذتُ بالجملة على الرغم من أن اسمي "سليم" وليس "حمدان" .. وليس ثمة مناسبة أو مقاربة للمفاضلة بيني وبين جدتي الميتة منذ بعيد.. يعني منذ حوالي أن عظامها الآن قد صارت رميم، ولكنني عزمتُ على مواصلة التسلي بالدفاع عن هذه الجملة وتبريرها.. هكذا.. فكل شيء أصبح قابلاً للتبرير والتأويل والتحليل والصحيفة والصفيحة والبنيوية والتفكيكية والحداثة والتمشكلية والتمزيفية.. وخرج طفل الجيران وبال على وردتهم في شرفتهم ودخل.
قلت: ربما أن لذتي لمخاطبة نفسي باسم آخر.. لأنني تحررتُ للحظة من قيد اسمي الذي أُجبِرتُ على حمله طوال ثلاثين عاماً.. ولكن لماذا حمدان وليس اسم آخر؟.. ربما.. ربما.. ها.. أذكر قصيدة لأديب شنقوه بتهمة محاولة قتل الرئيس.. علماً أنه لا يعرف استخدام المسدس؛ كانت تقول القصيدة:"يا حمدان إنك شوكة في عين التلفاز".. وأذكر أن حمدان الذي كان يناشده في القصيدة: راعياً مبتهجاً بالحياة، متوهجاً بحب نعاجه والمراعي والسفوح الخضر والناي والشواطئ وملتزم بالدروب والصدق لا بالوظيفة والأيديولوجيات لأنها لا تعنيه.. وأذكر أن المشنوق قد توصل في قصيدة أخرى إلى: أن حكمة العصفور أصوب من حكمة أرسطو وهيجل وماركس وباقي الشلة.. أما عن أن جدتي أفضل مني فإنني أبرره.. لحظة واحدة، من فضلك، حتى أطل من الباب المطل على الشرفة وأتأكد من أن زوجتي ما تزال منشغلة بالتفاهات كي لا تصيدني متلبساً بمحاورة نفسي أو الأصح بمهلوستها.. قلت لحظة واحدة فقط. نهضتُ، مددتُ عيوني من حافة الباب حتى الداخل، ثم عدتُ قائلاً: إنها كذلك.
ها.. أين وصلنا؟.. نعم: يا حمدان إن جدتك أفضل منك.. نعم.. نعم.. لأن جدتي كانت حقيقية أكثر مني.. كانت تنفذ كينونتها كإنسان في كل لحظة.. كانت جادة في ممارسة الحياة، مقتنعة فعلاً بقناعاتها.. تعمل عند العمل بشكل حقيقي وتضحك عند الضحك بشكل حقيقي. وحين قلت لها: أنتِ زوربا يا جدتي. قالت بحزم:" زَربَة عليك وعلى أبوك يا حمار يا ابن الحمار". فضحكتُ منها وقلت: على أبيك وليس على أبوك.. لأن أبي مجرور يا جدتي. فضحكت مني وقالت: أهو مجرور بحبل أم من لحيته أم من خصيتيه؟. وأذكر أنها ضحكت مني ذات شتاء حين رأتني أجاهد لإدخال ساقيّ في بنطلون ضيق.. كانت متدثرة جوار المدفأة بعباءة صوف، حاكتها لنفسها بنفسها، ومسندة رأسها على ذراعها.. ضحكت بقوة حتى بان نابها الوحيد الذي بقي من دون أسنانها، نابها الطويل الجميل بصدأه الأصفر والنيكوتين والشاي وتاريخ اخضرار الخباز وعصيدة الذرة الصفراء.. ضحكت مني حتى انقلبت على ظهرها ثم استعادت استنادها على ذراعها وقالت: لماذا تفعل بنفسك كل ذلك؟. قلت لها: إنها الموضة يا جدتي. قالت بمتعة وقناعة: (....) عليك وعلى الموضة.. فالمهم أن تتدفأ وترتاح.. ولو بجلد عنز.
وأذكر أنني سألتها عن الشَعر الذي استطال في ساقيها حين رأيتهما لأول مرة، حين سربلتهما بالحناء: لماذا لا تحلقينه يا جدتي؟ فأجابت على الفور دون أن تنظر إليّ: ولمن أحلقه مادام جدك قد مات؟. ولم أستطع حينها فهم علاقة جدي بشَعر ساقيها. أذكر أنها كانت تبتهج وتمتعنا في سهر شتائي حول موقد الجمر، تردد على مسامعنا أشعار شعبية تُشبه عيون النساء بعيون البقر ونهودهن بالقطن أو أقراص الزبد وأحضانهن بالجنة أحياناً وبالجحيم أحياناً.. وأشعاراً عن الشاي والدخان والثريد والأحذية والمزابل ومشاكل الزراعة وعمامة المختار والجنس وأشعاراً عن الحمير الحساوية وبائع العلك والحناء وتوابل الهند ومالك الحزين.. فيما أنا لا أجد المتعة الآن في أشعار الصحيفة في صباح العطلة في شرفة بيتي الذي فيه زوجتي وسيارتي وطفلي ووحدي في هذا الكون.. وحدي الذي يعرف، من دون الأقمار الصناعية وأجهزة المخابرات، أن طفل الجيران قد بال على وردتهم في شرفتهم.. وقررت أن أكون حقيقياً كجدتي وسوف أسمي ابني القادم "حمدان" ولن أجامل وسأجلس جوار المدفأة في الشتاء وأتلو القصائد التي.. رن جرس الهاتف وردت زوجتي ثم صاحت بي: يا سليم.. تعال. فذهبتُ وقالت لي قبل أن أصل: صديقتي أنجبت طفلة أسمتها "كارولين" فالبس بدلتك الجديدة وربطة عنقك البنفسجية، لنحمل إليها باقة الورود وبطاقات التهنئة.
----------------------------------------------------------------
*نشرت في موقع مجلة (فوبيا) الثقافية بتاريخ 3/4/2010م.

http://www.fobyaa.com/?p=1822
*وضمن المجموعة القصصية (هدية القرن القادم) 1995 الأردن.