الثلاثاء، 11 مايو، 2010

زاوية (جداريات) / عن زوربا.. نظرة مختلفة


عن زوربا.. نظرة أخرى
د.محسن الرملي

ليست هذه أول مرة تخبرني بها فتاة عربية بأنها تحب مثقفاً وتسميه (زوربا)، وحين أسألها عن سبب التسمية تقول بأنها لا تريد البوح باسمه الحقيقي حالياً، وكأنها لو قالت لي بأن اسمه عبدالله أو أحمد سوف أعرفه من بين الملايين!! لكنها سرعان ما تعترف بأنه هو الذي يحب أن يسمي نفسه (زوربا) بعد أن حدثها عنه ونصحها بقراءته. بالطبع عرفت الكثيرين أيضاً من مثقفينا ممن يحبون القول، في لحظة زهو دونجواني، بأنهم مثل زوربا. فلماذا زوربا حي عندنا على هذا النحو بحيث بلغت ترجمة طرابيشي الطبعة العاشرة هذا عدا الترجمات والطبعات الأخرى ومنها التجارية؟ فيما لم ألمس هذا الاهتمام الكبير به في الغرب؟
كنت مثل كثر غيري قد قرأت (زوربا) منذ عشرين عاماً تقريباً، وبهرتني الشخصية وتأثرت بها مثل الآخرين وتحت تأثيرهم. كما أني كنت أتمثله وأدعي تشبهي به في بعض الحالات، وبالطبع قرأت تباعاً أعمال كازانتزاكيس تحت حالة التأثر العامة عندنا، أي بإعجاب مسبق.
هذه الأيام، وبعد أن أخبرتني صديقة أخرى بأنها تحب (زوربا) آخر، وبحكم عادتي بإعادة القراءة ـ وما أهم وأغنى أن نعيد قراءة ما قرأناه ـ قرأت (زوربا) وأعدت مشاهدة الفلم الذي أبدع فيه أنطوني كوين.
ما حدث هو استغرابي لشعوري وانطباعي، حيث انهارت نظرتي السابقة تماماً ووجدت نفسي أرى في زوربا شخصية: فَضَّة، ساذجة، أنانية وخالية من سمات التهذيب والتحضر، بل أنه لا يطاق، ولو أني عرفته في الحياة لما احتملته، ولم تعجبني مواقفه وسلوكياته المتعالية وخاصة تجاه النساء الضعيفات كالأرملة. وجدته (جلف) ولم أعد إلى نظرتي السابقة التي تبرر تصرفاته. يرقص في مأتم ابنه بحجة أنه لو لم يرقص سيموت!! ويقطع اصبعه بحجة العمل! سخريته من الكتب والقراءة!، يبذر كل المال الذي منحه له معلمه بثقة للمشروع لمجرد أن غانية رفضته ثم يبرر بأنه قد "دافع عن كل الرجولة في العالم"!، كما يقول بأن:" المرأة الحقيقية تتمتع باللذة التي تمنحها أكثر من تمتعها باللذة التي تأخذها من الرجل"!!.. وغيرها من المواقف الخرقاء التي يسوغها بمبررات أخرق منها. بعبارات منمقة توحي بالتفلسف فيما هي في الحقيقة عموميات هشة لا تصمد أمام أي تمحيص فكري جاد. ولا غرابة أن يستاء أبناء زوربا ـ الشخصية الحقيقية البسيطة التي اسمتدت منها الشخصية الروائية ـ وانزعاجهم من تصوير كازانتزاكيس لوالدهم كمتشرد، زير نساء خائن لزوجته، كحولي وشبه مخبول يكثر من التلفظ ببذيء القول.
بالطبع لست بغافل عن القيمة الأدبية للرواية وخاصة ضمن إطار مرحلتها التاريخية قبل نصف قرن وقدرة مؤلفها على نحت الشخصية وإيصال الرؤية، فأنا لا أتحدث عن العمل هنا كأدب بقدر حديثي عن الشخصية نفسها والتساؤل عن أسباب إبهارها لنا نحن بالتحديد! كلنا يعرف الإشكالية المحورية في جل ما كتبه كازانتزاكيس والمتعلقة بالتأرجح بين الروحي والمادي، بين التدين والإلحاد، بين اليمين واليسار.. ألهذا السبب نشعر بقربها من ذهنيتنا فيما الذهنية الغربية قد انتهت من هذه الإشكالية منذ زمن بعيد؟ هل لأنها تبرر لنا، ولو شِعرياً، ظواهر شائعة لدينا كاعتداد الجاهل بنفسه، ادعاء الفحولة، طغيان الحس الذكوري والتبرير الروحي له؟ لماذا لم نسمع، مثلاً، امرأة تشيد بشخصية زوربا وتدعي تبنيها رؤيته وتشبهها به؟ وفيما راجعها أمادو بشكل آخر في روايته (زوربا البرازيلي) وكتب اليوناني فيليبو (موت زوربا اليوناني) التي يقلب فيها صورة زوربا بشكل مضاد تماماً. لماذا لم نقرأ مراجعة أو نقداً تحليلاً وحقيقياً لأثر هذه الشخصية في ثقافتنا؟ وسر استمرار وجودها حياً ومبهراً بيننا كأنها من المسلمات؟.
----------------------------------------------------------
*نشرت في زاوية (جداريات) في الملحق الثقافي لصحيفة (الثورة) السورية بتاريخ 11/5/2010 العدد 691

هناك تعليق واحد:

eng . somar يقول...

العفو من الاستاذ محسن الرملي
لكنه باعادة قرائته هذه مسخ عملاً فلسفياً ليحوله إلى سيرة ذاتية
من قال ان زوربا شخص و فقط
زوربا حالة فلسفيه
و في حال نقد هذه الحالة المجتمعية ربما علينا قراءة خلفياتها و مقاصد الكاتب

مع فائق الاحترام