فحوصات
ثقافية
نَهب
الاصطناعي لحقوق الإبداعي
بقلم: الدكتور
محسن الرملي
وقَّعتُ قبل فترة على "بيان الذكاء الاصطناعي العام المستدام"،
الذي يُدين الاستخدام غير المصرّح به للأعمال المحمية بحقوق التأليف والطبع والنشر،
واستخدامها لتغذية نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي وتدريبها. والذي أصدره مؤتمر جمعيات
الكُتاب، الذي عُقد في مدريد، وضم أربعة عشر منظمة مهنية من مختلف أنحاء إسبانيا، تمثل
قرابة عشرة آلاف كاتب ومترجم باللغات الرسمية المُعتمدة في البلد.
وقد جاء هذا المؤتمر وبيانه استجابة للقلق المتزايد في أوساط الكُتاب بشأن الاستخدام
واسع النطاق للأعمال الأدبية دون ترخيص أو مقابل، وكحلقة أو خطوة إضافية ضمن سلسلة
مطالبات امتدت على مدى أعوام، تطرح الحاجة إلى تطبيق مزيد من السياسات والقوانين
التي تتماشى مع أهداف التنمية المستدامة؛ سياسات تُعنى، من بين أمور أخرى، باحترام
حقوق الإنسان، والتي من بينها حقوق التأليف والنشر.
ومما زاد من ضرورة التنبيه وعقد المؤتمر، وفق البيان، هو ظهور الخدمات الرقمية
بشكل طاغٍ، بما يتيح، بل ويشجع، على نهبٍ فعلي للأعمال الأدبية، من خلال توفير غطاء
قانوني لذلك، بحجج عديدة، منها البحث العلمي وتطويره، وقد فاقم هذا من التعدّي على
أعمال الكُتّاب والمترجمين، والإساءة إلى التراث المعرفي والثقافي المشترك، بل
وحتى العبث به وتشويهه أحياناً.
ومع تسارع تطوير الذكاء الاصطناعي التوليدي واستخداماته، يتسارع هذا النهب أو
الاستيلاء القسري على حقوق المؤلفين. فقد نفّذ مُطوروه، ولا يزالون ينفّذون، عملهم
وفق مبدأ "كل شيء جائز"، وهو أمر غير مقبول ويجب ألا يستمر؛ لأن بناء برامج
تستخدم أعمال المبدعين كمادة خام، دون أي إذن أو صيغ ترخيص قانونية، هو أمرٌ ظالم ومُجحف،
ويُظهِر تراجعاً في احترام عمل الكُتّاب والمترجمين، وتعدّياً على حقوقهم. لذا
طالبنا في البيان بحماية الأصول الأساسية لبنية المجتمع، بما فيها أعمالنا والقيم الاجتماعية
الكامنة فيها، من خلال إجراءات عامة حاسمة وشفافة وشاملة. وأن يكون السبيل لتطوير برامج
الذكاء، هو إلزام المُطورين بالحصول على تراخيص، ودفع حقوق المبدعين، وتزويدهم بمعلومات
كافية ومفصلة، تماماً كما تُرسى مبادئ غير قابلة للتصرف لتطوير
المنتجات الأخرى التي تؤثر على المواطنين. فبلا قوانين واضحة ومُحترمة، تتلاشى هذه
الحقوق.
وبهذا، فإننا لا نقبل الترويج لعقد اجتماعي جديد يُبرر فعلياً الاستخدام غير
المصرح به لأعمالنا في تطوير برامج الذكاء الاصطناعي. ولتحقيق هذه الغاية، من الضروري
ألا تُطبّق الإدارات العامة، أو تستخدم، تلك البرامج التي لم يتم تطويرها وفق الاحترام
الكامل، ليس فقط لحقوقنا كمؤلفين، وإنما لحقوق وخصوصية جميع المواطنين.
قد يرى البعض أن ذلك ليس سوى بيانات مثقفين لن تُفضي إلى نتيجة، لكن
الوقائع أثبتت سابقاً جدواها العملية، فقبل أعوام، وعندما راح مُحرّك البحث غوغل
ينشر الكتب أو صفحات منها، قمنا بإصدار بيان وحملة مشابهة، وأعددنا لمقاضاته أمام
المحاكم، فتقدّم إلينا لتسوية الأمر بشكل اتفاق قانوني، يقضي بأن يَدفع مبلغاً
للمؤلف والناشر مقابل السماح بالنشر، وأن يحذف ولا ينشر أياً من أعمال المؤلفين
والمترجمين الذي لا يرغبون بذلك.
ما أردت قوله من سوق كل ما سبق، هو التنبيه، وأن أطرح سؤالاً يخصّنا نحن
أيضاً في ثقافتنا العربية، ألا وهو: تُرى، ماذا أعددنا للتعامل مع هذه القضايا؟
ومتى وكيف سنبدأ مناقشتها والتحرّك حيالها بجدّية؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في مجلة (كتاب)، العدد 97 نوفمبر
2026 الشارقة
