الاثنين، 26 ديسمبر 2022

حوار: محسن الرملي /مثنى النهار/ الجزيرة نت

 

محطات في حياة الأديب العراقي محسن الرملي..

 الحياة والبرزخ والجنة 

مثنى النهار

محسن الرملي كاتب وشاعر وأكاديمي ومترجم عراقي، ولد في شمال العراق بقرية سديرة في قضاء الشرقاط بمحافظة صلاح الدين شمالي العراق (320 كم شمال العاصمة بغداد) عام 1967م، ويقيم في إسبانيا منذ 1995، حاصل على الدكتوراه بامتياز في الفلسفة والآداب من جامعة مدريد، مع درجة الشرف. يكتب باللغتين العربية والإسبانية، عمل في الصحافة كاتبًا ومحررًا ثقافيا منذ 1985، وله عشرات المواد المنشورة في الصحافة العربية والإسبانية واللاتينية.

تَرجم العديد من الأعمال الأدبية بين اللغتين العربية والإسبانية، وله ما يزيد على 20 إصدارًا تنوعت بين القصة والشعر والمسرحية والترجمات والرواية، تُرجمت بعض أعماله إلى أكثر من لغة، وشارك في العديد من المهرجانات والمؤتمرات الدولية، كما شارك في لجان تحكيم وإدارة ورش للكتابة الإبداعية في إسبانيا والمكسيك والكويت والإمارات وغيرها. وهو شريك في تأسيس وإدارة دار نشر ومجلة "ألواح" الثقافية الفكرية في إسبانيا منذ 1997، وعضو في هيئة تحرير مجلة "آركيترابا" الكولومبية المعروفة المتخصصة بالشعر، وعضو اللجنة الوطنية المنظمة لمهرجان الشعر العالمي في طليطلة، ويعمل حاليا أستاذا في جامعة سانت لويس الأميركية في مدريد.

*محسن الرملي ولد بمنطقة ريفية؛ لا بد أن نتعرف على محطاتك الأولى هناك، وأهم المشاكل التي تواجه الأديب في الريف؟

يختلف الأمر من زمن إلى آخر، فالمشاكل التي كانت تواجهنا آنذاك أغلبها لم يعد لها وجود الآن، ومن تلك المشاكل عدم وجود مكتبة وصحف ومجلات، ندرة توفر الكتب، غياب الوسط الثقافي، المواجهة الاجتماعية والعائلية التي تحاول منعك من مواصلة هذا الطريق لاعتقادهم بأنه بلا جدوى وقد يضرّ بعقلك ودينك وحياتك.

وأقول للأديب في الريف: أنت محظوظ الآن لأنك تستطيع التواصل اليوم مع كل العالم من دون أن تغادر قريتك، وأنت محظوظ لأن بدايتك بالتعرف على العالم قد بدأت من أبسط وحداته الاجتماعية والجغرافية والإدارية، فالتعرف على المدن لاحقًا هو بديهي واضطراري وليس بالعسير، بينما سيكون الأمر أصعب لو ولدت في مدينة ثم أردت التعرف على الريف بشكل دقيق.

وأدعوهم لاستثمار الامتيازات الكثيرة المتاحة لديهم الآن، ومنها: وفرة الوقت، وصفاء الطبيعة، وبساطة الناس، والهدوء وقلة الصخب والضجيج، لمزيد من التعرف على الذات والآخر بشكل أهدأ وأعمق، وعليهم استثمار ذلك بمزيد من القراءة والتأمل وإنضاج الملكات الفكرية والحسية والإبداعية.

*في أي مجال بدأت: بالشعر، القصة، الرواية، المسرح؟

بدأت بالرسم ثم المسرح ثم الشعر ثم القصة ثم الرواية، وكنت في ذلك أتتبّع خطواتي أخي الراحل حسن مطلك (1961-1990م)؛ "فهو الذي كان يدعمني ويوجّه وعيي في هذه المسائل إلى أن نشرت أول قصة لي، واطمأن إلى أنني صرت أعرف الطريق. اقترح أن نغير الأسماء التي ننشر بها لكي يكون لكل منا اسمه وأسلوبه الخاص ويتلقى نتائج عمله سلبًا أو إيجابًا، ومنذ ذلك الحين صرت أنشر باسم (محسن الرملي).

بداية مبكرة.. قارئا منذ أن تعلمت القراءة، وكاتبا منذ أول قصة كتبتها، وربما كان عمري حينئذ 12 سنة. وفي سنة 1995م طبعت مجموعتي القصصية الأولى (هدية القرن القادم)، طبعتها على نفقتي الخاصة في مطبعة تجارية عادية في الأردن، وقد كتبت عن تلك التجربة وعموم تجربة إقامتي في الأردن في روايتي (ذئبة الحُب والكُتب).

*أي بلد عشت فيه: العراق، الأردن، إسبانيا، فتح لك الأفق؟ وما خصوصية كل بلد؟

كلها كانت مثرية لي بكل ما فيها من صعوبات وسلبيات وإيجابيات، وبالفعل كان لكل بيئة وبلد خصوصية مختلفة عن الآخر؛ العراق يبقى مهدي الأول طبعًا وإن كانت حياتي فيه هي الأصعب والأقسى والأشد مرارة، الأردن كان متنفسًا أوليًّا لي ومختبري الأول في مواجهة العالم ومصيري وحيدًا بلا سند عائلي ولا بيت ولا مستقر، وإسبانيا كانت محطة الوصول إلى الأمان والحرية والشعور الحقيقي بكرامتي كإنسان. وإذا جاز التعبير والتشبيه، يمكننا القول، وفق تجربتي الخاصة، "تقريبا، العراق/الجحيم، الأردن/البرزخ، إسبانيا/الجنة.

*هل الانتقال من بيئة الى أخرى، سواء الانتقال القسري أو بإرادتك، مهم للأديب؟

بالتأكيد، فكل تغيير ستكون له مؤثراته في طبيعة الرؤية للذات والعالم، وسيشكل إضافة إلى المعرفة والتجربة التي هي من روافد الأديب الأساسية في أعماله.

بعد أن قررت دراسة اللغة الإسبانية، وكنت أحدث أصدقائي ومن ثم الجنود معي أثناء الخدمة العسكرية عن ذلك، كانوا يعدّون ما أقوله وما أحلم به مجرد تخاريف وأحلام فانتازيا ويسخرون منها أحيانًا، لكنني كنت مؤمنًا بما أحلم به، مصرًّا على التمسك بأحلامي حتى وإن بقيت مجرد أحلام. إنه لمن المهم جدًّا أن نعرف ما نريد وما نستطيع، ومن حسن الحظ، أنا كنت أعرف ما أُريد وما أستطيع.

*متى غادرت العراق؟

غادرته عام 1993 حال انتهائي من أداء الخدمة العسكرية، وعدت إليه في زيارات قصيرة عام 2004 و2011 و2022، وبالطبع كنت أجده مختلفًا في كل مرة، وللأسف، نحو الأسوأ.

*ما أهم الكتب التي تركت أثرا فيك؟

الكتب التي قرأتها وأعجبتني كثيرة، ومنها على سبيل المثال: أغلب قصص تشيخوف، بعض قصص غسان كنفاني، رواية "جسر على نهر درينا" لإيفو أندريتش، "النورس جوناثان" لريتشارد باخ، "العمى" لساراماغو، "أرض البشر" لإكزوبري، "الصخب والعنف" لفوكنر.. وغيرها كثير.

*الكتب التي ترجمها الأديب والمترجم محسن الرملي؟

كل ما ترجمته هو عن اللغة الإسبانية وإليها: 12 كتابا من الإسبانية إلى العربية، و6 كتب من العربية إلى الاسبانية. ومنها مختارات من القصة والشعر الإسباني في العصر الذهبي، و100 قصيدة من الشعر الكولومبي والمسرحيات القصيرة لثربانتس، ونصوص أخرى كثيرة متفرقة.

لكن تُرجِمت بعض كتبه ونصوصه إلى اللغات: الإسبانية، الإنجليزية، البرتغالية، الفرنسية، الإيطالية، الألمانية، التركية، الروسية، الألبانية، الكردية. وأهم النتاجات الإبداعية هي:

  • هدية القرن القادم، قصص، الأردن 1995.
  • البحث عن قلبٍ حيّ، مسرحيات، إسبانيا 1997.
  • أوراق بعيدة عن دجلة، قصص، الأردن وإسبانيا 1998.
  • الفَتيت المُبَعثَر، رواية، القاهرة 2000 (حازت ترجمتها الإنجليزية جائزة أركانسا الأميركية 2002).
  • ليالي القصف السعيدة، "كولاج" سردي وقصص، القاهرة 2003.
  • كلنا أرامل الأجوبة، شعر (بالعربية والإسبانية والإنجليزية)، إسبانيا 2003.
  • تمر الأصابع، رواية (بالإسبانية)، مدريد 2008، و(بالعربية)، بيروت 2009 (القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية 2010).
  • نائمة بين الجنود، شعر (بالعربية والإسبانية)، القاهرة 2011.
  • برتقالات بغداد وحب صيني، قصص، الأردن 2011.
  • حدائق الرئيس، رواية، بيروت 2012 (القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية 2013)، (جائزة القلم الدولي لترجمتها الإنجليزية 2017).
  • خسارة رابحة، شعر (بالإسبانية)، كوستاريكا 2013.
  • ذئبة الحب والكتب، رواية، بغداد وبيروت وأربيل 2015 (القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد للكتاب 2016).
  • برتقالات وشفرات حلاقة في بغداد، قصص (باللغة الإسبانية)، مدريد 2017.
  • تحفة السهران، قصص، دار المدى، بغداد وبيروت وأربيل 2017.
  • أبناء وأحذية، رواية، دار المدى، بغداد وبيروت وأربيل 2018.
  • بنت دجلة، رواية، دار المدى، بغداد وبيروت وأربيل 2020.

 

*هل الترجمة تفقد النص الأصلي معناه الحقيقي؟

ربما المعنى أو الفحوى أو الثيمة هو أكثر وأهم ما يبقى من النص بعد ترجمته، وذلك لأن اللغة تتغير، وما هو بلاغي وزخرفي وإيقاعي فهو نادرًا ما يصل إلى المتلقي في سياقات لغة وثقافة أخرى، بينما يبقى الثقل الأكبر أو أكثر ما سيصل هو المعنى أو الثيمة، إضافة إلى البناء الفني للنص.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشرت في (الجزيرة نت) بتاريخ 16/12/2022م

https://www.aljazeera.net/culture/2022/12/16/%D9%85%D8%AD%D8%B7%D8%A7%D8%AA-%D9%81%D9%8A-%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A-%D9%85%D8%AD%D8%B3%D9%86

محسن الرملي في جدة للكتاب / الرياض

 

د. الرملي: ترجمة «غوغل» شوّهت الأعمال الأدبية

صلاح الشريف/جدة

ذكر الروائي العراقي الدكتور محسن الرملي، خلال الندوة الحوارية "روائي بلغتين وجسد واحد"، التي أقيمت ضمن البرنامج الثقافي المصاحب لمعرض جدة للكتاب 2022، أن الترجمة المعتمدة على "غوغل" أسهمت في تشويه الأعمال الأدبية المتَرجمة، داعيًا لأن يكون المترجم أديبًا ويضفي على الرواية روحًا من خلال الترجمة، وألا ينقل الترجمة حرفيًّا؛ لأن ذلك يؤثر على المعنى.

وأضاف أن السبب في ترجمة روايته "حدائق الرئيس" للإنجليزية، والتي تعد الرواية الأكثر شهرة وانتشارًا له، أنه لم يكتبها بلغة الأنا، وإنما كانت تصف العراق وما يحدث فيه وأهله، إضافةً إلى أنها رصدت الأحداث خلال الخمسين سنة الأخيرة حتى سقوط بغداد.

وقال الرملي، في الندوة التي أدارها أحمد بادغيش: "ما جعلني أنشرها هو الوجع والفقد لـ9 من أقربائي وُجدوا مذبوحين ورؤوسهم مرمية في صناديق موز، في بلد لا تزرع الموز، حيث كانت تحكي عن تعدد الطبقات، والواقع العراقي الصعب، وهذه عوامل ساهمت في نجاح الرواية".

وأكد أن الترجمة من الإسبانية إلى العربية أكثر من ترجمة الكتب العربية للإسبانية، حيث ازدهرت الترجمة، من الإسبانية، لدينا منذ الثمانينات، مشيرًا إلى أن من الدواعي التي تدفعه للكتابة هو الشعور بأن لديه شيئًا ما يريد أن يقوله، وأن الكتابة هي المهنة التي يتقنها، وتضيف معنى لحياته.

وختم الرملي بأن الشباب لدينا موهوبين، ولديهم طاقات جميلة، وهناك سوق وصناعة للكتابة والتأليف والتحرير، مضيفًا: "أستطيع القول إن الثقافة العربية بخير، وهي الآن بخيرٍ أكثر".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشرت في صحيفة (الرياض)، بتاريخ 18/12/2022م

https://www.alriyadh.com/1987993

الثلاثاء، 22 نوفمبر 2022

عن رواية: حدائق الرئيس / عبدالله العوفي

 

حدائق الرئيس.. رواية لا تَصلح للصغار وضعاف القلوب

عبد الله العوفي

انتهيت من هذه الرواية، التي كتبها الروائي محسن الرملي بأسلوب سردي معقد متشابك.. أحداثها مثل كومة من الصوف، لها خيوط متشابكة يصعب تفكيكها، رواية ذات لغة شاعرية تختزن العاطفة والقسوة الحب، والكره الفرح، والحزن البكاء، والبهجة الحلال والحرام، والقمع والتسامح.. وكثير من المعاني المتناقضة... 

أشعلت هذه الرواية ذكريات الطفولة بداخلي، من خلال صداقة (أبناء شق الأرض)، واختلطت تعبيراتي حول أحداثها، فمرات كنت أبكي (شلعت أحداثها قلبي)، كما يُقولون أحبتنا في العراق. ومرات أضحك، ومرات كنت أغضب.. وهكذا حتى نهايتها. إنها رواية تشُم بصفحاتها روائح البارود والشاي المهيّل والعطور، تسمع بكاء الأطفال الرُضع وصريخ النسوة الموشكات على الولادة، وترى من خلالها الظلم والطغيان. وتُشعِرك بالغربة أخيراً.. هي رواية بديعة جدا وتستحق 10/10.

حنقت كثيراً على الشخصيتان الأكثر قسوة في الرواية (المختار وظافر)، اللذان أخذتهما قسوة الحياة لفعل ما لا يفعله آدمي، سوى في أيام الجاهلية، وهو أن يقتلا امرأة بنصف عقل مثل زكية الطيبة، في ليلة قمرية، ولم يدعوا لها فرصة لتشاهد القمر المنير، الذي أحبته لفترة طويلة وكانت تتأمله.

رحلَت روحي مع ساق (إبراهيم قِسمة) أو (إبراهيم سهيل) التي فقدها أثناء الحرب إلى وجهة مفقودة.. وجهة اللا معنى، حيث نتشارك أنا وهو، بطول الصمت والتأمل كثيراً في معنى الحياة ووهمنا الذي نتجرعه مع طول بقاءنا داخل إطار صفحاتها.

هزني حينما تخيلت منظر إسماعيل الأبله، شقيق زكية، الذي جفل وصرخ حين رأى صناديق الموز التسعة، تحوي بداخلها تسعة رؤوس بلا هويات وبلا أجساد في بلد لا يُزرع فيه الموز.

رحل قلبي مع جلال الذي طُرد من القرية كطردة الراعي للكلاب، دون أن يبقى له أثر، والذي سيخلف وراءه، بفعلته البائسة، ابن حرام وأم مقتولة بعد فترة قصيرة من شهور حملها الأولى، ومربية له مثل زينب، التي ستشقى وتحمل في صدرها سراً دفيناً، حتى يعود عبد الله كافكا من الأسرِ وتخبره به.

أعجبتني شخصية طارق الشيخ، الذي يعيش مفكراً عميقاً لكل ما يحدث حوله، الحكيم الذي تنعكس حكمته وهدوءه على اتخاذ قرارته بشأن أبناء القرية وسكانها.

أحببتُ شخصية (قِسمة) ابنة (إبراهيم سهيل) في طفولتها، وكرهتها بعد بلوغها فقط، وعدتُ أحببتها بعد أن صارت أرملة، وقد قُتل زوجها الضابط، الذي أنجبَت ابنا ليس من صلبه، وأسمته إبراهيم تخليدا لأبيها المُحب إبراهيم.. الذي رأت رأسه داخل صندوق موز.

أدهشتني الشخصيات الجانبية في وصفها، مثل سميحة؛ عشيقة إبراهيم، والرئيس المخلوع وجدعان البدوي وسعد العسكري الذي كان برفقة إبراهيم في بغداد، والموسيقي نبيل.

عشتُ مع هذه الرواية أسبوعاً صعباً جداً، تألمتُ منها، قررتُ أن أتوقف عن قراءتها ولم أستطع، أردتُ أن أقول عنها إنها رواية (خراء)، كما كان يصف أحد أبطالها عبد الله كافكا الوضع السياسي في العراق دائماً، ولم أستطع فعل ذلك حتماً، لأنني بشكل أو بآخر، تعاطفت مع عبد الله كافكا (ابن شق الأرض)، الشخصية التي حملَت اسمي، وكانت هي بسيطة، قروية، حزينة ومتجهمة طوال الوقت.. مثل فرانس كافكا.

تحذير: الرواية لا تَصلح قراءتها لصغار السن وضعاف القلوب ومرهفي الحس، الذين يبكون لأي شيء!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*عبدالله العوفي: كاتب سعودي، من أعماله: ذاكرة معطوبة.

https://twitter.com/alofi220/status/1595160608315305984 

الخميس، 17 نوفمبر 2022

عن رواية أبناء وأحذية / رحمة الحطاب

 

أبناء وأحذية.. رواية اغتراب وجودية

رحمة الحطاب

سلطنة عُمان

أبناء وأَحذية.. هِي قِصة اغتراب وجوديةْ ما بين الحَياة والموت لأمير، "انتقاماً من موت طِفلتي في العِراق. أنجبتُ سبعةً وعشرينَ طِفلاً في إسبانيا وكولومبياً" هَل كَانَ انتقاماً حقيقياً حقاً لأمير؟

***

الحَيَاةُ بمثابةِ عَدم الثَبات للإنسانِ، مَهما حاول فيها جَاهداً، سَيصلُ إلى رغبة لَيست له، فَيمضي بِها... كانَا بِمثابةِ غَيمتين تدفئان بَعضهما البَعض، تَجمعهما حَياة حَماسُ الشَباب وريعانهِ وحَتى حُبه ومعاناتهِ أيضاً، ظللتُ غارقة في أحداث الرواية التي دَفعني إليها اقتباسات للكاتب والمفكر حسن مُطلگ فيما وصلتُ عِند محسن الرملي، الاندهاش هُنا لا يُنصف الكاتب، فإن الكاتب هُنا وَضعَ بوتقةِ ما بين الإدهاش وإيصال رسَالةً لا تُفهم إلا مِن القِلة في هذا الشأن...

***

 

رُغم الأحداث التي تَغرق بَها العِراق، إلا إن الكَاتب وضعها في سياق الحَدث الروحي والنفسي لشخصيات مُعينة، ممَا أَكسبها رَصانةٍ حَتى في موت الطفلةِ وَتَغيرُ مَجرى حياتهما البسيطة المُتَقبلة، ولكن بالنهاية.. أكرر: هَل هَذا الإنجاب الذي ألحق أمير نَفسهُ كان بِمَثابةِ انتقاماً حقيقياً؟ أم أنهُ تأزم في عَدم مقدرتهِ على قبول هَذهِ الحَياة!

لا أخفي إعجابي الشديد بالعِنوان الذيْ يَكتنفهُ الألم والتشظي، عِند مَعرفة السَبب في هَذا العِنوان، الذي يَحملُ الألم المُستمر.. حَتى تُدرك المَغزى.

https://www.instagram.com/p/Ck8qwydrXVC/?hl=es 

الثلاثاء، 15 نوفمبر 2022

عن كتاب: لماذا نكتب الروايات / إبراهيم فرغلي ـ اندبندنت

 

16 كاتبا إسبانيا يكشفون أسرارهم في

"لهذا نكتب الروايات"

بين الإرث الأندلسي ومجاورة أميركا اللاتينية ومواجهة النرجسية الأوروبية

 

إبراهيم فرغلي 

للوهلة الأولى يمنح عنوان كتاب "لهذا نكتب الروايات" انطباعاً بأن مضمونه متخصص في تقنيات كتابة الرواية، غير أن الكتاب يقدم في الحقيقة ما هو أكثر وأشمل من هذا الأمر بكثير. أعد الكتاب وترجمه الكاتب العراقي محسن الرملي، وصادر عن منشورات تكوين- الكويت ودار الرافدين.

 يضم الكتاب ستة حوارات أجراها الرملي إضافة إلى عشر شهادات مع كتاب إسبانيين معاصرين، ولا يقدم وصفة عن كتابة الرواية، أو خريطة لوضع الأدب الإسباني المعاصر فقط، بل يمتد مضمونه ليقدم مشهداً بانورامياً لثقافة لها أبعاد عديدة.

 فالثقافة الإسبانية تعد حاضنة للغة الإسبانية التي لا يكتب بها الإسبان فقط بل تشمل قارة أميركا اللاتينية، من جهة، والتي تعد، من جهة أخرى، عنصراً رئيساً من عناصر الثقافة الأوروبية المعاصرة، إضافة إلى أنها تتميز عن غيرها من كل أطراف الثقافة الأوروبية بامتزاجها، ولو على مستوى تاريخي، بجانب من الثقافة العربية الإسلامية بسبب التراث الأندلسي. 

نظرة جديدة

من هذا المنطلق فإن هذا الكتاب يسهم بشكل كبير في اكتشاف أفكار شديدة الأهمية لعدد من الكتاب البارزين في إسبانيا، وبعضهم ممن تمت ترجمتهم إلى اللغة العربية، وبعضهم ممن لا تشيع أسماؤهم عربياً، لكن التعريف بهم يجعل القارئ متحفزاً ومتشوقاً للتعرف إليهم.

ومن لا يألفون الثقافة الإسبانية سيتبينون كيف يتأمل الكاتب الإسباني الروايات المكتوبة بلغته ولكن في ثقافات أخرى مثل ثقافة أميركا اللاتينية. أو كيف أن الذهنية النقدية الإسبانية حين تقدم نقداً للذات فهي تقدم نقداً للثقافة الأوروبية ومركزيتها في الوقت نفسه. ويتبين أيضاً أن العلاقة مع الثقافة العربية علاقة شائكة، تتراوح بين الانحياز لاعتبارها جزءاً من الرافد الثقافي الإسباني لدى البعض، ومحاولات تهميشها ونفيها من المكون الثقافي الإسباني عند البعض الآخر.

ومثل هذه المفارقات أيضاً تكشف عن التنوع الكبير في الثقافة المقصودة من جهة. وتلفت الانتباه إلى بعض الفوارق الشخصية بين الكتاب الذين قد يأتي رفضهم العنصرية متقدماً حتى على رفض الاستبداد، كما هو موقف الكاتب خوان غويتيسولو الذي يقول "أشعر بالنفور من الأساليب الاستبدادية ولغة القوميين المتطرفين، إنها أشياء لا أحتملها، فأنا أعيش بعيداً من الصراع السياسي وهو لا يهمني على الإطلاق، ولكن الشيء الذي يهزني هو العنصرية والتمييز العرقي، لأنه بالنسبة إليَّ أسوأ شيء. فالتعسف السياسي يمكن أن يزول ويندحر، لكن الإحساس العنصري يصعب محوه. لقد قلت دائماً إن الاعتداء على شخص بريء بسبب لون جلده أو تجاعيد شعره يبدو لي أسوأ من سجن شخص يكافح من أجل أفكار سياسية".

وهي إشارة ضمنية إلى نقد ذاتي لثقافة لديها نوع من العنصرية المبطنة أو المكشوفة، إضافة طبعاً إلى الكثير من النقد الموجه إلى ما أسفرت عنه الرأسمالية من أخطار تجاه الثقافة نفسها، أو تجاه الطبيعة والبشر. وهذا ما يمنح الكتاب أفقاً إنسانياً يخص الجميع حتى خارج الثقافة الإسبانية. 

ذاكرة الأندلس

يكشف الكتاب أيضاً عن مفارقة تتعلق بأن الثقافة العربية الأندلسية التي قد يعدها البعض رافداً من روافد الثقافة الإسبانية، لا تبدو من بين ما يستثير اهتمام هذه الثقافة حتى الآن، باستثناء بعض الكلاسيكيات وخصوصاً "ألف ليلة وليلة" وتراث الشعر الأندلسي. وهو جزء مما يشير إليه الروائي والأكاديمي رافائيل ريج مثلاً (مواليد 1963) الذي يقول في إجابته عن سؤال الرملي حول مدى معرفته بالأدب العربي "حتى الآن معرفتي بالأدب العربي أقل مما يجب، ولكن أعرف ما قد أصبح جزءاً من موروث الثقافة العالمية مثل (ألف ليلة وليلة) وكلاسيكيات أخرى، كذلك أعرف ما هو عربي في الأدب الإسباني ذاته، بحكم كوني أستاذاً متخصصاً في الأدب الإسباني. أعرف أيضاً الأدب الأندلسي، والذي هو فرع نظري من الأدب العربي بما فيها الأدب الأندلسي المعاصر. صحيح هو جزء من الأدب الإسباني ولكن جذوره عربية. قرأت أيضاً عن طريق اللغة الفرنسية عديداً من الأعمال العربية وبالطبع منها أعمال لأمين معلوف والطاهر بن جلون. وبالتأكيد نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل، أما الأدباء الجدد فأعرف قلة من بعض نصوصهم عبر الفرنسية والإنجليزية والإسبانية مثل العراقي محسن الرملي". يكرر الرملي السؤال على كل من حاورهم، وعادة ما تتكرر الإجابات باستثناء بعض من أضافوا أسماء مثل الغيطاني وإدوار الخراط ونوال السعداوي ومحمود درويش ومحمد شكري ومحمد زفزاف ومحمدة برادة والطيب صالح والبياتي، كما أوردهم الكاتب ماريو غرانده في حوار الرملي معه.

ونرى تفسيراً لفكرة الأدب الأندلسي المعاصر حين يقول رافائيل ريج في موضوع آخر "أعتقد أن الإرث الأندلسي متجذر في أسسنا الأدبية أكثر مما يراد الاعتراف به أكاديمياً ومؤسسياً. واهتمامي الأكبر هو ضمن مجال الثقافة الأندلسية. فمن أكثر الأعمال التي أفتخر بها والتي كانت هاجساً لي، منذ كنت مراهقاً وقرأت مقالات ومختارات للشعراء الأندلسيين للبروفيسور غارثيا غوميث هو الكتاب الذي أنجزته عن الشعر الأندلسي".

الثقافة العربية

أما الموقف من الثقافة العربية فيتجلى في أجوبة الكتاب الستة الذين حاورهم الرملي، وهم رافائيل ريج وكاميلو خوسيه ثيلا (الحائز على جائزة نوبل) ومانويل فرانثيسكو رينا (روائي وشاعر أندلسي من المتضامنين ضد الحرب على العراق) وخوان غويتسولو ولويس غويتسولو (الشقيق الأصغر لخوان) وأحد أهم الأسماء الحداثوية والتجريبية في إسبانيا ماريو غرانده.

كل هؤلاء الكتاب يجمعون على موقف شديد الإيجابية تجاه الثقافة العربية، وبعضهم ينظر إلى توجهات الغرب تجاه القضية الفلسطينية باعتبارها وصمة عار كما يقول رافائيل ريج، وغالبهم يرون أن الثقافة الإسبانية تعاني الأزمة الأوروبية التي ترى العرب في الوقت الراهن بطريقة محددة ومتحيزة ويدينونها.

لكن كل تلك القضايا الخاصة بالعرب تأتي كتفاصيل منثورة في مواضع عديدة، لأن الكتاب في مجمله يهتم أكثر بالرواية في إسبانيا وبالمشهد الأدبي الإسباني إجمالاً: التيارات الأدبية، القضايا والموضوعات التي يهتم الكتاب بالتعبير عنها، الأفكار الجديدة، المقارنة بين ما يكتبه الإسبان وما يكتبه أدباء أميركا اللاتينية، علاقة الكاتب الإسباني بالناشر في بلاده... ومن المفارقات أن يطلع القارئ على كثير من الملاحظات التي تذكرنا بالأزمة المعقدة بين غالب الكتاب العرب والناشرين، إضافة إلى قضايا تتعلق بالتكنولوجيا وتأثيرها في الأدب والرواية.

واللافت أن غالب الشهادات المتضمنة، إضافة إلى الحوارات، تضم نوعاً من النقد الذاتي العنيف، إما لموضوعات الرواية الإسبانية لدى البعض، أو لسيادة الروايات التقليدية القائمة على الحبكة والحكاية على حساب النصوص التجريبية والحديثة والمركبة. وبعضها يتناول أيضاً أزمات الهوية الإسبانية الأوروبية، مع اعتبار أن جانباً كبيراً من الشهادات يتحدث عن إسبانيا بوصفها جزءاً من الهوية الأوروبية. ولعل شهادة الكاتب مانويل مونتالبان (1939-2003) واحدة من أعمق بل وأبرز الشهادات تناولاً لهذه القضية التي يرى أنها مادة في العلاقة مع الرواية "إن أوروبا لديها مشكلة خطيرة في الهوية، بحيث أعتقد أن هناك عدداً محدوداً جداً من الناس يعرفون ما هي أوروبا بالضبط، وأنا شخصياً واحد من هؤلاء". وإضافة إلى تناوله قضية الشمال والجنوب في أوروبا واعتباره أنه "في أرضية المعرفة التقليدية الأوروبية فإن فكرة أوروبا لا وجود لها تقريباً، إنها ما زالت ترزح تحت الأحكام المسبقة الكامنة في الذاكرة الجمعية".

ولعل الصعوبة التي قد تواجه القارئ العربي تكمن في صعوبة بعض أسماء الكتاب الإسبان، إلا أن محسن الرملي قدم كلاً منهم بشكل واف، وتوصيفاً لأهم سماتهم الأدبية والتيارات الأدبية التي ينتمي إليها كل منهم، إضافة إلى عناوين أعمالهم والإشارة إلى مضامين الكثير منها.

ولكن مع القراءة الثانية للكتاب يجد القارئ نفسه متآلفاً مع الأسماء، خصوصاً بعد التعرف إلى أفكار أصحابها، حول ما أشرت إليه، وقبل ذلك وبعده، حول أهمية كتابة الرواية، بحسب الروائي خافيير غارثيا سانجث، الذي ينادي بالسرد الإسباني الجديد، والذي أجاب عن سؤال طرحه بنفسه هو لماذا أكتب الرواية، وقدم عديداً من الأسباب وبينها هذا السبب الذي أختتم به هذا المقال الذي لا يمكن أن يغني عن قراءة هذا الكتاب المهم. 

يقول سانجث "أكتب الرواية لأنني ما زلت أعتبر نفسي يسارياً، ولم أترك قط ضرورة الثورة أو في الأقل في تغيير جذري، لا تسألوني من أي نوع، لأني لا أقدر على تفسيره، لعلني أتحدث عن الثورة من باب معرفة الشخص بنفسه إلى أقصى حد، وعلى رغم ذلك يحترم الآخرين ويحبهم".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشر في موقع صحيفة (اندبندنت عربية) بتاريخ الثلاثاء 15 نوفمبر 2022م

https://www.independentarabia.com/node/392561/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/16-%D9%83%D8%A7%D8%AA%D8%A8%D8%A7-%D8%A5%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7-%D9%8A%D9%83%D8%B4%D9%81%D9%88%D9%86-%D8%A3%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%B1%D9%87%D9%85-%D9%81%D9%8A-%D9%84%D9%87%D8%B0%D8%A7-%D9%86%D9%83%D8%AA%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A7%D8%AA

https://takweenkw.com/book/62977/single