الاثنين، 2 أبريل 2018

حوار مع محسن الرملي / صحيفة: الرأي /علياء الموسوي


حوار/
روائي وشاعر ومترجم عراقي... الواقع والخيال بالنسبة له سيان
محسن الرملي: الصدق... هو شَرطي الأول على نفسي أثناء الكتابة

ـــ السياسي المتسلط الدكتاتور يخاف الثقافة والمثقفين لأنه يريد شعباً جاهلاً

ـــ يجب على الأديب ألا يكتفي بتقديم المتعة في أعماله، وإنما يضمنها قدراً معيناً من المعرفة

ـــ الفتيت المبعثر، أتعبتني.. لأنني كنت أريد التعبير عن أشياء كثيرة 


حاورته: علياء الموسوي
للوهلة الأول بمجرد أن تجوب كتابات الشاعر والروائي والمترجم العراقي محسن الرملي وتبحر في أعماقها، تجد الكثير من الألم والحزن الوفير، متدفقة بغزارة تحاكي المأساة العراقية على لسان تقرح لكثرة نحيبه، وعيون جفت لمرارة ما رأت... في هذا الجو يأخذنا الرملي - بأسلوبه الأدبي - في رحلة مضنية مليئة بالحسرات والندبات بين سطوره ومفرداته، ليفصح عن ما شاهد عاصرها بوعي الكاتب وضمير الإنسان، ويقول: «اللغة معجزة البشرية كلها»، مؤكدا أنه يهتم أولاً بأن يتشبع جيداً بما يريد التعبير عنه، وأنه لا يميز حتى في حياته الشخصية بين الواقع والخيال. ويرى أنه كتب «الفتيت المبعثر» وهو مُفتَّت مُبعثَر فعلاً، هارب من عذابات العراق، بدأها في الأردن وأنهاها في إسبانيا، كاشفا عن أن الأدب الإسباني من الآداب العظيمة التي قدمت للإنسانية الكثير نثراً وشعراً. وقال: «شهدت مثلما شهد الجميع على ما فعله الديكتاتور في مبدعي ومثقفي وعلماء العراق، وفقدت أخي والعديد من أصدقائي في مطحنته الدامية»... وباح الرملي، بأن القارئ الغربي جاهل كبير بالأدب العربي... ويفسر جزءاً من الإقبال الكبير اليوم على الرواية بأنه نوع من البحث عن رؤية معينة وفهم ما للذات وللعالم والحياة. ومن ثم فإن الرملي كشف الكثير من الرؤى التي نتعرف عليها خلال هذا الحوار:
*يقال بأن اللغة أعجوبة، تقع في يد سطان مبدع، فمتى تصير اللغة خارج الكلمات وتصبح لغة الروح؟
ـــ بالفعل، إن اللغة معجزة البشرية كلها، لذا يستحيل على أحد بمفرده أن يقبض عليها، وما يفعله المبدع ليس سوى محاولة للتدرب على صيد شيء منها، شيء من هذا الشيء الذي يعشقه ويسحره، ولكنه كأي عاشق حقيقي، يموت وفي نفسه شيء من معشوقه، أما اللغة التي خارج الكلمات فهي أكبر من لغة الكلمات ذاتها، لذا تتعاون كل الفنون في محاولة قول ما يصعب قوله بالكلمات. وفيما يتعلق بالكتابة.. يبقى ما بين السطور وما خلفها وما هو خلف الكلمات جزء مهم وربما الأهم عما أرادت قوله الكلمات، وفيها تكمن الروح التي نشعر بها ولا نراها.
*يقال بأن المبدع المجبول ليس بحاجة إلى أن يتأثر بأحد وحتى وإن جال العالم جولا حتى يكتب، فكيف ذلك؟
ـــ ما من أحد لا يـأثر بأحد، فكما يقال "الأسد هو مجموعة الخراف التي هضمها"، إلا أننا لا نستطيع في أغلب الأحيان تحديد مواضع هذا التأثر، ولا المبدع نفسه بقادر على ذلك، ففي نهاية الأمر، كل شخص ينظر بعينيه الخاصتين هو إلى العالم نفسه، ولا أحد يرى العالم بعيني شخص آخر، إلا أن الآخر سيعينه على رؤية العالم بشكل أفضل، وكل مبدع يقوم في أعماله بتمرير رؤيته للعالم من خلال ذاته.. رؤيته هو للعالم.
*كيف توظف أدواتك السردية في نقل إحساسك الداخلي؟
ـــ باتباع القاعدة المعروفة، وهي أن المحتوى يفرض الشكل الذي يناسبه، لذا فأنا أهتم أولاً بأن أتشبع جيداً بما أريد التعبير عنه.. أتقمصه، بل وأعيشه بكل ما أستطيع من حس وشعور ثم أستحضر كل أدواتي لوصف... أعتقد بأن المتلقي سيشعر بما يشعر به الكاتب أثناء الكتابة إذا كان الكاتب صادقاً، وقد أبلغني الكثير من القراء عن مشاهد في أعمالي أبكتهم أو أضحكتهم أو لم يفهموها أو شعروا بالملل معها.. وهو بالضبط ما شعرت به أنا أيضاً أثناء كتابة تلك المشاهد، بكوا مع المشاهد التي بكيت عند كتابتي لها، وضحكوا مع المشاهد التي ضحكت عند كتابتي لها.. وهكذا.
*ما سبب إصرارك على مواجهة القارئ بقصص حقيقية واقعية، وإبعاده عن القصص الخيالية، مع أنك تملك المخيلة والأسلوب المناسب في توظيف قصة جديدة بأسلوب آخر؟
ـــ إصراري الرئيسي أو شرطي الأول على نفسي أثناء الكتابة، هو الصدق.. أي أن أشعر صدقاً بالذي أعبر عنه، بغض النظر عن واقعيته من عدمها، فإنا ومنذ زمن طويل أكاد لا أميز حتى في حياتي الشخصية بين الواقع والخيال، فأشعر أحياناً بأنني أعيش في عالم أدبي أو روائي وأن العالم وأحداثه من حولي ما هو إلا أدب، فيما أشعر بالكثير من الروايات الخيالية والقصائد بأنها واقعية وأتعامل معها على هذا الأساس، ومثال ذلك أن شخصية دون كيخوته في رواية ثربانتس اعتبرها واقعية وحقيقية وموجودة أكثر حقيقة ووجوداً من أناس أتعامل معهم في الواقع.
*"الفتيت المبعثر" إحدى روايتك التي تتحدث عن تفرق شمل العائلة العراقية، لتداعيات سياسية، كيف عشت طقوس كتابتها بكل تفاصيل الوجع فيها والثقل الذي تحمله؟
ـــ كتبتها وأنا مُفتَّت مُبعثَر فعلاً، هارباً من عذابات العراق، بدأتها في الأردن وأنهيتها في إسبانيا، فعلى الرغم من قصرها إلا أنها أكثر رواياتي التي أتعبتني في كتابتها، لأنني كنت أريد التعبير عن أشياء كثيرة جداً، وكنت قلقاً، خائفاً وحزيناً..أنتقل من حال إلى حال ومن مكان إلى مكان عند كتابة كل مقطع.. كنت وكأنني أهرب من مشهد إحدى قريبات أمي وهي تجلس في مقبرة قريتي بين قبور أبنائها الأربعة الذين فقدتهم في الحرب العراقية الإيرانية، وكنت أراها في صباح كل خميس هناك.. تنتحب بمرارة قاتلة عليهم أحياناً، وأخرى تحدثهم عن أخبار صغارهم وتضحك كمجنونة.. كنت أشعر بعذابها وأتعذب.. أشعر بتفتت قلبها فيتفتت قلبي.
*كيف تجد الأدب الإسباني في تلون أشكال الكتابة الأدبية فيه، مقارنة بالأدب العربي؟
ـــ الأدب الأسباني من الآداب العظيمة التي قدمت للإنسانية الكثير نثراً وشعراً، والتي استطاعت التعبير بشكل شامل وممتاز عن المجتمع الاسباني بشتى مراحله، ولعب دوراً مهماً في صياغة ثقافة وذهنية الناس، كما ساهم بتطوير وإثراء الأدب العالمي، أما الأدب العربي على الرغم من إرثه العظيم إلا أنه لايزال مقصراً أو أنه لم يحظى بالفرصة التي تليق به للقيام بهذه الأدوار على الوجه الأكمل، وأقصد منها التأثير في ثقافة الناس، التعبير بشكل شامل عن المراحل التي مرت بها الشعوب العربية والمساهمة الفاعلة في الآداب العالمية المعاصرة كما سبق وأن ساهمت فيه (ألف ليلة وليلة) و(حي بن يقظان) و(طوق الحمامة) و(رسالة الغفران).. غيرها في القرون السابقة.. عانى الأدب العربي الكثير من القمع والظلم منذ الاحتلال العثماني.. ولكنني أعتقد بأنه يشهد الآن استعادة لنفسه وحريته وهو في طور آخذ مكانته التي تليق به.
*يقول الشاعر التركي ناظم حكمت "الدولة تخاف من الشعر"، ما مدى صحة هذه العبارة بالنسبة إليك وهل تمثل واقعا معاش؟
ـــ الأدق، ليس الدولة بمفهوم الدولة الصحيح، وإنما هو أن السياسي المتسلط، الدكتاتور هو الذي يخاف الثقافة والمثقفين، لأنه يريد شعباً جاهلاً يتحكم به على هواه دون أن تنغص عليه تسلطه نصوص وفنون المبدعين، لذا نرى المستبدين عبر التاريخ يعملون على أمرين في تعاملهم مع المبدعين، إما تجييرهم لصالحه أو إخراسهم بالقتل أو السجن أو المنع أو النفي.. وبالنسبة لي، نعم شهدت مثلما شهد الجميع على ما فعله الدكتاتور في مبدعي ومثقفي وعلماء العراق، وفقدت أخي والعديد من أصدقائي في مطحنته الدامية.
*كونك مترجم وشاعر وكاتب، عندما تكتب أين تجد نفسك، بين قوافي الشعر أم نغم الحرف الروائي أم في بحر الترجمة الوافر؟ ولماذا؟
ـــ لا أدري حقاً إن كنت (أجد) أم (أضيّع) نفسي، ولكن الذي أعرفه هو أنني أمضيت كل حياتي في القراءة والكتابة.. ولم أشعر بشيء أقرب إلى نفسي منهما، وأكثر شيء فعلته ولازلت وسأبقى هو القراءة.. أما على صعيد التصنيف الكتابي فأنا أعتبر نفسي كاتباً بشكل عام، بغض النظر عن الجنس الكتابي الذي أدونه، مع ذلك يمكنني القول بأنني أشعر مع الرواية بمساحة أكبر في التعبير، فيما أعتقد بأن الشعر هو روح الأدب، وأنا مستهلك كبير ومدمن على قراءة الشعر، بحيث لا يمر أي يوم دون أن أقرأ فيه ولو قصيدة واحدة، أما الترجمة فللأسف لا أجد الوقت الكافي للقيام بها كما أريد، لأن مشروعي الإبداعي الخاص يحظى بالأولوية، وإلا فإنني أتمنى ترجمة الكثير من الكتب التي أعجبتني بالإسبانية.
*كيف وجدت تلقي القارئ الغربي للأعمال العربية المترجمة بشكل عام، ولأعمالك بشكل خاص، وهل تحظى بالاهتمام المنشود؟
ـــ لازال القارئ الغربي جاهل كبير بالأدب العربي، لأن ما تمت ترجمته حتى الآن يعد قليلاً من الإرث الأدبي العربي الهائل عبر القرون، لذا لم يشكل الأدب العربي المترجم ظاهرة حتى الآن، ومع ذلك فثمة أمل بأنه قادم في، والقارئ الغربي يرغب بمعرفة المزيد منه وعنه، وبشكل عام فإن أغلب الأعمال المترجمة تحظى بالقبول والاحترام لأنها أصلاً منتقاة بعناية من قبل الناشر الغربي العارف بذائقة زبائنه، أما عن أعمالي فهي جزء قليل من هذا الجزء القليل الذي تمت ترجمته، وبالنسبة لي اعتبر أن ما حظيت به من تلقي ونقد واهتمام حتى الآن هو جيد ومُرضي.
*في تصورك، ما مدى مسؤولية الأديب اتجاه المضامين الفكرية التي تطرح في الساحة الثقافية اليوم؟
ـــ ما أراه هو قلة المضامين الفكرية.. بل شحتها اليوم، حيث يمر عالمنا بأزمة فكرية وفلسفية أصلاً، كما لم تعد الإيديولوجيات الحقيقية موجودة ولا فاعلة، لذا أفسر جزءاً من هذا الإقبال الكبير اليوم على الرواية بأنه نوع من البحث عن رؤية معينة وفهم ما للذات وللعالم والحياة، ومن هنا أرى بأن على الأديب ألا يكتفي بتقديم المتعة في إعماله وإنما فليضمنها بقدر معين من المعرفة، شخصياً أرى في ذلك جزءاً من مسؤولية الأديب وإن كان الغالبية من زملائي لا يتفقون معي في ذلك.
*من وجهة نظرك، كيف تجد توالد ظاهرة "المثقف الأمي" بين أوساط المثقفين في الشرق والغرب؟ وهل تسود كفة على أخرى؟
ـــ هذا أمر عادي وطبيعي، وكان وسيظل موجوداً في كل المراحل والأزمنة وفي مختلف الثقافات، وبالطبع سيكون الزمن كفيلاً بغربلة ما هو أصلح أو أجمل أو أنفع للناس.
*بين نخيل البصرة وماء دجلة، وبقايا القصور الأندلسية والسمرة الخمرية الإسبانية، أين يجد الرملي نفسه الآن بعد انشطار الهويات وضياعها في الظروف الراهنة؟
ـــ هذا الذي تصفينه، هو ما كنت عليه فعلاً، قبل أكثر من عقد من السنين، وظهر في أعمالي التي كتبتها آنذاك، مثل كتابي القصصي (أوراق بعيدة عن دجلة)، أما الآن فلم تعد مسألة الانشطار أو تعدد الهويات موجعة لي كما كانت في السابق، لأنني تصالحت معها وتبنيتها وصارت مسألة تعدد الهويات هي هويتي التي أعتز بها وأدعو إليها وأدافع عنها وأربي ابنتي عليها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر في صحيفة (الرأي) الكويتية، بتاريخ 2/4/2019م العدد 14154

ليست هناك تعليقات: