السبت، 24 يونيو، 2017

عن: حدائق الرئيس /بقلم: راسم الحديثي

رواية (حدائق الرئيس) تثبت بما لا يقبل الشك
أن المهاجرين لا ينسون وطنهم 

راسم الحديثي
رواية (حدائق الرئيس) لـ محسن الرملي، ثمانية وعشرون فصلاً...271 صفحة
مقطع من الرواية:
"
استغرق إبراهيم في عالمه الذي خلقه لنفسه على هامش عالم الأحياء، وعلى أنقاض قسوتهم، أبعده بالتدريج عما يشغل الأحياء، يشعر بأنه صار يتفاهم ويتعايش مع الموتى بشكل أفضل، وينتمي الى عالمهم أكثر، فهم لا يخدعونك، لا يكذبون عليك، لا يخفون عنك شيئاً، لا مصلحة لهم عندك...."
مقطع ثاني من الرواية:
"
صمت طارق كأنه يشرب ماء، ثم علق بارتياح هائل ويحكي :
 _
يا إلهي.. على الرغم من كل الحرائق والحروب.. كم من إبراهيم مشى وسيمشي على أرض الرافدين منذ ان مشىاها أبونا إبراهيم! على نحو ما، أقلقت روح قسمة هذه الايجابية المتفائلة."
هكذا دلفتُ إلى رواية (حدائق الرئيس) بمقطعين يمنحانك ثيمتين متضادتين، عالم أسود دامس كما يراه إبراهيم قسمة، وعالم آخر يبقى الأمل قائما فيه، وفي نهاية نفق هناك بصيص شمعةٍ كما يراها طارق المندهش.بأفكارهم، بأحلامهم المتصارعة في بلد متصارع عبر تاريخه.
 ثلاثة أصدقاء (أبناء شق الأرض)، هذا لقبهم، من هنا أبحر الروائي محسن الرملي، من ثلاثة بعمرٍ واحد، تربوا وترعرعوا قرب أبواب بيوتهم ومؤخراتهم عارية، حتى شبوا فغرقوا بمركب الوطن المثقوب من أسفله دوماً.
 
عبدالله كافكا الذي قرأ وتأثر ب فرانز كافكا ورؤيته السوداوية المتشائمة دوماً، عاش طفولته لا يعرف أبويه، وهكذا كل القرية بإستثناء المختار وزوجته ووالد إبراهيم قسمة !
 
يلتحق بالخدمة العسكرية ويؤسر في قاطع المحمرة ويقضي سنين طوال في ضيافة (الجمهورية الإسلامية) فيعاني الأمرين من التعذيب وسياط وخُبث التوابين حتى يعود إلى قريته.
 
السيدة زينب زوجة المختار تنتظر عودتَه من الأسر لتخبرَه سراً عانى منه الأمرين، لتعلمَه أن والدَه هو أبنها جلال الذي اغتصب والدتَه زكية البلهاء، طرده المختار من البيت خارج الوطن، أما زكية البلهاء، انتظروها حتى تلد وترضع طفلها، ثم توضع في قبر ملفوفة الرأس والجسد، تصرخ وتلهث، رجمت ثم أطلق عليها رصاصات بندقية ودفنت بحضوري وبأشراف المختار ووالد إبراهيم قسمة.
طارق المندهش الأكثر استقراراً، معلم وخطيب جامع، شارك أصدقائه صعوباتهم في الحياة قدر ما يستطيع.
 
إبراهيم قسمة يؤمن بالقسمة والنصيب، ابنته اسمها قسمة، يعاني معارك خاسرة في انسحاب الجيش من الكويت، يرى هو وصاحبه أحمد النجفي أكداس المعدات والأسلحة العراقية تدمر بالطيران الأجنبي، ومئات الجنود المحروقين وآلاف المنهزمين، يفقد ساقه ويفقد صديقه وتنقذه عائلة من جنوب العراق وحتى يتشافى يعود الى قريته بساق واحدة.
ساعده طارق المندهش بإيجاد عمل له في حدائق الرئيس، مع الورود فقط، وبعد برهة من الزمن تغيرت طبيعة عمله، عمله الجديد دفن الموتى المعدومين شنقاً أو قتلاً، بأمر الرئيس، ليعيش إبراهيم عالم الموت وينسى عالم الأحياء، كل يوم يدفن عشرات. ابنته قسمة تتزوج من ضابط يعمل مع الرئيس ويحمل اسمَه، تفقده يوماً ويضيع مع جثث المعدومين.
وفي عام 20066، يجد اسماعيل الأبله تسعة صناديق موز في بلد بلا موز، فتحها وإذا بها رؤوس مقطوعة، في كل صندوق رأس، جميعهم من أهل القرية، وكان رأس إبراهيم قسمة والد قسمة يشغل أحد الصناديق.
 
تصر قسمة على البحث عن بقية جثة والدها وجثة زوجها الضابط المعدوم، طلبت من طارق مساعدتها وعبدالله كافكا، أخبرها طارق أن لديه شخصاً مهم في السلطة الجديدة، سلطة ما بعد 2003 اسمه جلال، عظّم اسمه جلال الدين، هو في الأجهزة الأمنية.
تأكد عبدالله كافكا من أن هذا هو الذي اغتصب والدتَه،، انفصل عنهم، هو لا يود رؤية مغتصب، هو ليس والده!
 
سردتُ لكم مقتطفات دالة من الرواية، إذ يكون اللون الأسود القاتم هو العلامة الفارقة لها، وليس لها فقط، لمعظم الروايات العراقية، القصة العراقية، للشعر العراقي، وللغناء العراقي بأشكاله (ابوذية.. سويحلي.. أغنية ريل وحمد التاريخية وأمثالها الكثير...).
حتى وصل الحال اليوم، الناس يرون هذا هو قدرهم، لا مفر منه، موت وعرس في آن واحد، انفجار سيارة مفخخة وسفرة إلى حدائق الزوراء.
 
عبيد رضوا بعبوديتهم، فقدوا الأمل بالعيش الكريم.. حتى أصبحت كلمة ديمقراطية وحرية نكتة العصر، مهزلة القدر، وقادة الأحزاب الحاكمة ذات الشعارات البراقة مضحكة الناس طراً.
الذي اكتشفته هنا هو تشابه بين بعض أحداث هذه الرواية وروايتي أولاد حمدان، هنا ثلاثة أصدقاء هم شخوص الرواية كما ذكرتهم، وهناك في رواية أولاد حمدان (أحمد وصباح وأسماء، أولاد حمدان)، ثلاثة أيضاً يختزلون تاريخاً محددا من العراق، قد تكون رواية (حدائق الرئيس) تكمل الزمن الذي سربلت نفسها به رواية (أولاد حمدان)، وهو زمن الخمسينات وحتى بداية السبعينات، في حين رواية (حدائق الرئيس) تغطي فترة منذ عام 1980 لغاية 2006، حين اكتشف اسماعيل الأبله الراعي تسعة صناديق موز في بلد بلا موز، واكتشف في كل صندوق رأسا مقطوعا لرجل من أهل القرية، ومن ضمنهم إبراهيم قسمة.
 رواية (حدائق الرئيس) تثبت بما لا يقبل الشك أن المهاجرين لا ينسون وطنهم، حتى وان امتلكوا الجنسية الأجنبية، جذورهم هنا، في أرض الرافدين، وأجسادهم هناك، أرواحهم هنا وعملهم هناك، ولذلك تجد روايات محسن الرملي تعيش هنا، رواياته طراً، الفتيت المبعثر، تمر الأصابع، وحدائق الرئيس.. طوبى له ولأمثاله..
أرجو أن أكون قد أوفيت بهذا الجهد الروائي.. علما بأني لست بناقدٍ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*راسم عبدالقادر الحديثي: كاتب عراقي، من أعماله: أولاد حمدان، خريف الشرق، أصناموفوبيا، و مسارات الحداثة في الفكر الوطني والقومي.

ليست هناك تعليقات: