الخميس، 1 ديسمبر، 2016

عن: الفتيت المبعثر / أوراق – المدى

وجعُ الوطن، ورغيد الاغتراب في "الفَتيت المُبعثَر"
ملحق (أوراق) المدى
حين يكون الوطن خوفا، جوعا، فقرا، وحاجة، وحين تُنتهك أحلامنا فيه، وتقتل مطامحنا، ولا نجد سوى شظايا ألم في هذا الوطن، وحين تُلبس الحروب أكاليل عُرسٍ لشبابها، وحين يحيطنا الألم ثم الألم، ويُلاحقنا القلق والارتعاب، وتُهددنا اصواتنا بالوشي بنا، ويحاصرنا ترهيب الطغاة، سنجد أن ارضنا وأوطاننا تضيق علينا كقبر مظلم تخنقنا تحت رمالها، وسنعمل جاهدين على التحرر منها، ونكسر قيود الإنتماء التي لانجد معنى لها، ونلتجئ إلى أحضان الإغتراب، سائليه احتواءنا"، هذا ما لخص به الروائي محسن الرملي فترة الثمانينات من القرن الماضي في روايته"فتيتٌ مُبعثر"التي صدرت عن دار المدى للإعلام والثقافة والفنون.
هذه الرواية عُدّت الأولى لكاتبها "محسن الرملي" وحازت على ترجمتها إلى الانكليزية، كما حصلت على جائزة أركنسا الامريكية للعام 2002، كما صدرت ترجمتها إلى الاسبانية عام 2014 بعنوان "وداعاً أبناء العمومة"، ولأهمية هذه الرواية عُدت منهجاً يُدرس في جامعة  القاضي عياض المغربية.
الرملي يصف في هذه الرواية قصة عائلة عراقية، ويبحث في معاناتها وصراعها الاجتماعي في ظل الحروب السلطات الدكتاتورية، تتحدث الرواية عن فترة الثمانينات وما تخللها من حروب ومشاكل في ظل الانظمة آنذاك، وقد حظيت هذه الرواية منذ صدورها إلى الدراسة والإهتمام، كما كتب البروفسور كاميران راستيغار من جامعة كولومبيا الامريكية مقالاً عنها في مجلة"جمعية الدراسات الشرق أوسطية"أن اساتذة الرواية العربية المعاصرة والتاريخ أو السياسة العراقية أو الاقليمية الحديثة سيجدون هذا النص بلا شك ما يستحق لاتخاذه مادة في دروسهم.
هذه الرواية القصيرة تتحدث عن المرحلة الثمانينية من تأريخ العراق، حيث يبحث بطل الرواية والذي هو ذاته الراوي في موضوعة الهجرة، مقتفياً آثار صديقه وابن عمته الذي عاش في الريف العراقي أشبه بنكره يجلهه الجميع إلا أن هجرته خارج العراق مكنته من أن يستحوذ منزلة جيدة، فهذا الذي لم يكن غيابه ووجوده يعني شيئاً لأحد إستطاع أن يكون شخصاً مهماً خارج هذا البلد.
وهنا يحاول الرملي أن يشير إلى أن هذا الوطن أشبه برمال تبتلع أبناءها، بهوياتهم، وشخوصهم، وتجعلهم مجهولين في كل شيء ومتلاشين في كل شيء، وحين يغادر أحدهم خارج هذا الوطن سيكونون كمن يخرج من الظلام إلى النور، مُجددين هويتهم وإنسانيتهم، فيعترف بوجودهم في المنفى بعيداً عن الارض والوطن.
ويرمز الرملي هنا أن المنافي تصبح أحياناً وطناً يحتوي اللاجئين لها، وتقسو الأوطان والأهل علينا فيصبحون كقبرٍ يدفننا بوجودنا ومطامحنا ونحن على قيد الحياة.
وهنا يتحدث الراوي أن الاعوام توالت عليه من بلد إلى أخر في محطات الانتظار، وسط مكالمات مقطوعة، ورسائل لاتصل أبداً وليس ثمة اخبار عن أهله، كانت الغربة تشبه السجن، وهنا يعبر الكاتب الراوي عن وحدته فلمن سيحكي معاناته، ووحدته، وألمه في بلد غريب لا أحد يفهمه، وهو الذي لا يفهم أحد، ما كان عليه سوى استذكار وجوه من يحب، عمته، أهله، وأخته المريضة.
ويتطرق الكاتب إلى صفات الجمال في الخارج، عمّا يسكنه في بلده، الهواء الذي يعبر عن حريته الذي يفتقر لها، والطبيعة الجميلة، أسماء الاشياء والأحياء، وكل ما يحيطه بتفاصيله يعبث للحرية، والطمأنينة التي يجدها في غربته والتي يحرم منها في وطنه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في ملحق (أوراق) الثقافي لصحيفة (المدى) العدد 3651السنة 13 بتاريخ 22/5/2016م

ليست هناك تعليقات: