الخميس، 18 فبراير، 2016

اللقاء الأخير مع مؤنس الرزاز

اللقاء الأخير مع مؤنس
 
دوّن الكاتب العراقي محسن الرملي في روايته الأخيرة (ذئبة الحب والكتب) جانبا من سيرته خلال العامين اللذين أمضاهما في الأردن (1993 و1994) ومن بين ما جاء فيها ذِكر لمعرفته وعلاقاته ببعض المثقفين آنذاك ومنهم الراحل مؤنس الرزاز، وفي هذا المقطع من روايته، يصف الرملي كيف كان يوزع كتابه الأول الذي طبعه في عمان كي يجمع المال لبطاقة سفره إلى إسبانيا، وكيف تعاون معه الكبار أمثال مؤنس الرزاز وعبدالوهاب البياتي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ محسن الرملي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ذئبة الحب والكتب ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في عَمّان، حملتُ نسخًا إلى خيري منصور وباسل رفايعة اللذين نشرا في الملحقين الثقافيين خبرًا قصيرًا عن صدور الكتاب مع صورة لغلافه. بعت نسخًا إلى كل من أعرفهم من أردنيين وفلسطينيين وعراقيين كنت أجدهم في (رابطة الكتاب)، (دارة الفنون)، مقهى (السنترال)، وبقية المقاهي في وسط البلد، وحين حملت نسخًا ذات ليلة إلى مقهى (الفينيق) وأهديت واحدة للشاعر عبدالوهاب البياتي، تصفحها ثم حدق بي بغضب وقال مؤنبًا: لماذا فعلت هذا؟ لماذا لم تخبرني بأنك تريد طبع كتاب كي أعطيه إلى ناشري بدل أن تنفق مالك على طبعة رخيصة كهذه؟. رُحتُ أشرح له الأسباب ومنها ضيق الوقت وحاجتي لجمع ثمن بطاقة السفر، ففاجأني أنه فعل ما سبق وأن فعله الدكتور كرّومي تمامًا؛ نادى على المتواجدين في المقهى، والداخلين إليه، وعلى النُّدُل؛ كي يشتروا نسخًا، وأن يدفع هو عمّن لا يحمل في جيبه دينارين، أبقاني إلى جواره حتى نفدت النسخ، ثم انتحى بي جانبًا، دسّ في يدي عشرة دنانير وسألني: ـــ متى ستسافر؟
ـــ حالما أجمع ما يفي لدفع ثمن البطاقة، فكل شيء جاهز ومنحوني التأشيرة منذ يومين.
ـــ هل تريد أن يقيموا لك أمسية هنا لتقديم الكتاب؟
ـــ لا أدري.
نادى على الشاعر الشلاه الذي كان مسؤولًا عن نشرة المقهى ونشاطاته الثقافية، وسأله عن البرامج، فأجابه بأنها مكتملة لهذا الشهر وتم نشر الإعلان عنها.
وعاد ليهمس لي: ولا يهمك، متى أردت إقامة أمسية التقديم بلِّغْني بالأمر وأنا أرتبها.
وبعد أن ارتشف ما تبقى في فنجان قهوته، ساحبًا علبة سجائره والقداحة إلى جيبه، ململمٍا بقية أشيائه من على الطاولة، بما فيها نسخته من كتابي، وهو يهم بالنهوض للمغادرة، عاد وسألني:
ـــ هل تريد مرافقتي إلى سهرة هذه الليلة أيضٍا؟
ـــ لا، فأنا تعبان من كثرة التجوال هذا اليوم، كما أن أصدقائي ينتظرونني الآن في سكنهم.
ـــ حسنًا، اسمع، الذي أعرفه أن الخطوط الملكية الأردنية لديها نسبة تخفيضات، ربما تصل إلى نصف الثمن، على بطاقات السفر للكتّاب والصحفيين وللطلبة. فاذهب غدًا على الساعة العاشرة إلى مكتب الروائي مؤنس الرزاز في وزارة الثقافة كي يتدبر لك هذا الأمر، أنا سأتصل به الليلة وآخذ لك معه الموعد.
ثم نهض ونهضت أنا ومن كان جالسًا معنا على الطاولة، بعض يودعه وبعض يرافقه. أكد عليّ ألا أنسى أن أمرّ عليه هنا قبل سفري؛ كي يزودني ببعض عناوين وأرقام هواتف معارفه في مدريد، ويرسل لهم معي بعض النسخ من إصداراته الأخيرة.
حين عدت إلى غرفة قاسم، وجدته هو وخالد يدوّنان على ورقة ويحصيان النقود التي تم جمعها من بيع هذا اليوم فأخرجت من جيوبي ما لديّ وأضفته، فرِحًا بوافر المحصول، وسألاني عن كيف جمعته. أخبرتهم بما فعله البيّاتي، وكيف أن موقفه كان كموقف الدكتور كرّومي تمامًا، فهالهم الأمر إعجابًا، ورحنا نتحدث عن ذلك وعن مختلف سلوكيات المبدعين المعروفين، وتوافقت آراؤنا على أن المبدعين الكبار حقًّا هم ليسوا كبارًا بنتاجهم فقط، وإنما هم كبار بإنسانيتهم ومواقفهم وطيبتهم وتواضعهم وتسامحهم، وأن قلوب الكبار حقًّا كهؤلاء لابد وأن تكون كبيرة هي الأخرى.
نهض الروائي مؤنس من خلف مكتب وكيل وزير الثقافة الذي يشغله، رحّب بي ودعاني للجلوس على الكنبة الخاصة بالضيوف ثم سألني فيما إذا كنت أرغب بشاي أو قهوة، قلت: قهوة مُرّة. فقال: وأنا كذلك. ثم اتجه إلى الباب ليبلغ الفَرّاش، وعاد للجلوس إلى جواري. ليست هذه هي المرة الأولى التي ألتقي به، فقد سبق وأن تعارفنا وربطت بيننا صداقة طيبة، وذلك حين فكرت أن أجري حوارات مع الأدباء الأردنيين بأسئلة مختلفة، ومنها عن مصطلح (الأدب الاسلامي) مثلًا، والذي كانت تروج له دار نشر ومجلة تحمل الاسم نفسه، وتشير إلى أنها مدعومة من منظمة العالم الإسلامي. رفض المصطلح جميع من التقيتهم؛ على اعتبار أن الأدب والفن لا يجب تصنيفهما على هذا النحو، وكان خالد يرافقني في تلك الجولات. في ذلك اللقاء كنا قد تحدثنا طويلًا خارج الحوار، وارتشفنا العديد من فناجين القهوة المُرّة. كنا نشعر بأُخوّة ما لأن كلينا ضحية للجلاد ذاته، فهو لا ينسى أعوام الحَجر على والده في بغداد حتى موته. تحدث عنها، وكيف كان يرى والده يذبل أمام عينيه، ويعرف قصة إعدام أخي حسن مطلك، وقد قرأ له. كان يدير حينها مجلة (فِكر) الثقافية، وطلب مني النشر فيها بعد أن أعجبه ما نشرته من نصوص وترجمات في الملاحق الثقافية، وبالفعل بعثت له بعدها أكثر من مادة ونشرها. كان ضخم الجثة وبقلب طفل. ملتحٍ، حزين وساخر بهدوء، يصف ويسمي كل الشخصيات السياسية المتسلطة في رواياته (ديناصورات)، وكنت أمر عليه للسلام واحتساء القهوة كلما زرت عَمّان.
أهديته نسخة من كتابي وحدثته عن سبب قدومي، فقال: للأسف، التخفيضات التي كانت مخصصة لنا في رحلات الطيران تم إلغاؤها قبل أسبوعين، مقابلها سمعت بزيادة تخصيصات جديدة للديناصورات. وضحك، ثم راح يحدثني بسخريته المُرّة المعروفة عن وزير الثقافة الجديد الذي ما هو إلا ترضية عشائرية، وبأنه في الاجتماعات لا يحدّثهم عن الثقافة؛ وإنما عن ذكرياته في الطفولة، عندما كان راعيًا للغنم، وكيف يصطاد الأفاعي والحيات التي تخرج ملفوفة على حبل الدلو عندما كان يستخرج الماء من الآبار لروي أغنامه وعنزاته. أطلنا في الحديث والسخرية وشرب القهوة، وقبل أن أخرج قال: لديّ فكرة لمساعدتك إذا وافقت، أن أدفع لك من عندي مقدمًا مكافآت ثلاث مواد ستكتبها لنا كرسائل ثقافية من إسبانيا لنشرها في المجلة لاحقًا. وافقت شاكرًا بالطبع، فأخرج لي من جيبه خمسة وستين دينارًا، عشرين عن كل مادة وخمسة قال إنها ثمن نسخته من كتابي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في صحيفة (الرأي) الأردنية، بتاريخ 2016-02-12
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أخلاق كبيرة
يوسف أبولوز

قرأت في صحيفة الرأي الأردنية مقطعاً من رواية، العراقي محسن الرملي «ذئبة الحب والكتابة»، وفيها يروي كيف ساعده الشاعر عبد الوهاب البياتي، والروائي الأردني مؤنس الرزاز على تأمين جانب من بطاقة سفره إلى إسبانيا، وعن البياتي يقول الرملي « نادى على الموجودين في المقهى، والداخلين إليه، وعلى الندل، كي يشتروا نسخاً (من الكتاب الأول للرملي)، وأن يدفع هو عمن لا يحمل في جيبه دينارين، أبقاني إلى جواره حتى نفدت النسخ، ثم انتحى بي جانباً، دس في يدي عشرة دنانير.»
أما مؤنس الرزاز فقال للرملي.. « لدي فكرة لمساعدتك إذا وافقت، أن أدفع لك من عندي مقدماً مكافآت ثلاث مواد ستكتبها لنا كرسائل ثقافية من إسبانيا لنشرها في المجلة لاحقاً، ويتابع: عشرون عن كل مادة، وخمسة قال إنها ثمن نسخته من كتابي..».
الفترة التي يتحدث عنها محسن الرملي «ذئبة الحب والكتب» هي فترة منتصف تسعينات القرن الماضي، التي شهدت فيها العاصمة الأردنية عمان وجود عدد كبير من الكتاب، والشعراء والفنانين العراقيين، الذين حالف الحظ بعضهم بالحصول على لجوءات سياسية وإنسانية إلى دول أوروبية، وبالتالي غادروا إليها، والبعض منهم بقي في عمان أو عاد إلى العراق.
كان الشاعر (جان دمّو) واحداً من هؤلاء.. ولم يكن معنياً باللجوء أو الإقامة أو أي شيء آخر سوى عيش الحياة وعيش الشعر تحت خط الوجع الإنساني العظيم الذي كان دمو يتحمله بسخرية شجاعة وقلب مملوء كما يبدو من سلوكه البوهيمي الحر، بالشفقة على الآخرين، وليس الشفقة على نفسه.
سألتقي في تلك الفترة الشاعر العراقي حسب الشيخ جعفر الذي فتح له الصحفي الأردني الراحل عبد الله حمدان، باب النشر المنتظم في مجلة «عمّان»، بمكافآت منتظمة أيضاً يستحقها ويستحق الكثير من الاحترام على تجربته الشعرية الريادية ذات الخصوصية العالية في الشعر العربي الحديث، كما وفّر له ممدوح العبادي أمين عمان آنذاك إقامة تليق به، وبمكانته الأدبية المحترمة.
الكتاب العراقيون في فترة تسعينات القرن الماضي أثروا الحياة الثقافية والشعرية والفنية في الأردن، وقامت بينهم وبين الكتاب الأردنيين صداقات عميقة انعكس بعضها في نتاجات شعرية وروائية كما لاحظنا في المقطع المنشور من رواية محسن الرملي (ذئبة الحب والكتب).
بعيداً عن كل ذلك، تجدر الإشارة إلى المواقف النبيلة للبياتي والرزاز والعبادي وغيرهم، ممن يعرفون جيداً القيمة الأدبية والثقافية للكاتب، والواجب الإنساني والأخلاقي لمساعدته في أي محنة يتعرض لها، وهذه النماذج الراقية موجودة ليست في الساحة الثقافية الأردنية فقط، بل، موجودة في كل مكان يقدر العمل الثقافي ويقدر الكتابة والكتّاب بعطاء لا حدود له انطلاقاً من دافع أصيل وهو احترام المثقف.
وللتاريخ أشير إلى شخصية عبد الوهاب البياتي ومؤنس الرزاز بشكل خاص فقد عرفتهما عن قرب، وعرفت في داخلهما نبل الإنسان قبل نبل الشاعر والروائي، وأعرف كم من مرة قاما بمساعدة كتّاب على طباعة كتبهم أو توفير ما يمكن توفيره من نشر في صحف ومجلات تدفع لهم أجر أقلامهم الحرّة المستقلة، ولو بمكافآت رمزية تشعرهم بالكرامة.
لا يكفي أن تكون كاتباً كبيراً وحسب، بل أن تكون أخلاقياً كبيراً أيضاً وأولاً تجاه من يتشاركون معك في روح القلم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في صحيفة (الخليج) الإماراتية، بتاريخ 15/02/2016

 

ليست هناك تعليقات: