الثلاثاء، 16 فبراير، 2016

قراءة في روايات محسن الرملي / حسين عبد علي

قراءة في روايات محسن الرملي
حسين عبد علي
ـــ البحرين ـــ
*الفَتيت المُبعثَر
مُتشظٍ.. منفلِت.. ومبعثَر..

هو محسن الرملي وهو يكتب روايته "الفتيت المبعثر".. أنت وأنت تقرأ شخوصه، لا تراها وحسب، بل تعيشها/ تتنفسها.. شخوص ريفية بحتة، لو صادفتها ذات وقت وأنت تقود سيارتك، لن تكبّد نفسك عناء الاستدارة لرؤيتهم.. لكن الرملي بذكاء شديد يجرك جراً لتعيشهم الرواية الحاصلة على جائزة أركنسا الأمريكية 2002، وتُرجمت إلى الإسبانية والإنكليزية وتُدرّس في العديد من الجامعات...

 تنزاح نحو عائلة بسيطة جداً تختصر كل المأساة العراقية بامتياز.. لا حشو زائد هنا، ولا فهلوة لغة، صغيرة في الحجم لكنها أكبر مما تبدو عليه بكثير.. وفيها وقفت كثيراً مترددا.. بأي المشاعر أحس؟ وأي الأحاسيس أنجع؟! أضحك؟! أم أبكي؟! ألوم أم أتعاطف؟!

 كوميديا بالغة السواد يتكئ عليها محسن الرملي في روايته... يفتت كل أحاسيسنا لتبدو تماماً كـ الفتيت المبعثر.

https://www.instagram.com/p/zFvY-DuLq_/?taken-by=hussainabdal

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*تَمر الأصابع

إلى أي حدٍ نظن أننا -حقاً- قادرون على كسر الأصنام التي بداخلنا؟! أو لأعيد صياغة السؤال على النحو التالي: إلى أي حدٍ يمكننا أن نتجاوز فكرة الإنتقام والثأر نحو إمكانيات التعايش والتغاضي وإدارة الخد الأيسر لمن صفع الخد الأيمن؟!.. هذا السؤال يدحرجه محسن الرملي في روايته “تمر الأصابع” ككرة ثلج تبدو صغيرة جداً في الصفحات الأولى من الرواية ثم تأخذ في التعملق والتضخم، تدوس في طريقها التابوهات الثلاثة.

مثل فتيته المبعثر يشتغل الرملي في تمر أصابعه على نحت شخصياته نحتاً مدروساً وعميقاً، يرتكز في ذلك على تعرية العلاقات: علاقة الفرد (العراقي) بنفسه، علاقة الفرد بمحيطه وبيئته وإرثه الشخصي والأخلاقي والديني، علاقة الفرد بوطنه، علاقة الفرد بغربته/ منفاه، علاقة الفرد بماضيه ومستقبله وحاضره.

عندما انتهيت من صفحة ١٥٧ أغلقت الرواية، خائفاً أن ينفلت من رأسي روعة مشهد تفجر الأب في وجه ابنه سليم، كنت أحاول أن أمسك بهذا البون الحقيقي بين جيلين، بين أب رافض وكاره لماضٍ لم يصنعه أو يختاره، لكنه أسير وعبد لقَسَم متخلف وتافه ومجنون كوضع رصاصة في مؤخرة شخص آخر، ثأراً وانتقاماً. بمقابل الإبن الذي يصفه والده أنه أسير الحنين المَرَضي الذي يقع فيه المغتربين حين يصورون لأنفسهم بأن كل شيء جميل في بلادهم التي غادروها، بما في ذلك الخرائب والمزابل..

انطلقت الرواية بالعديد من المواقف الكوميدية السوداء إلى أنني أشعر أن هذه الكوميديا بدأت بالخفوت رويداً رويداً، وتمنّيت لو الرملي حافظ عليها. أن تحوّل قمة المأساة إلى كوميديا، أزعم أنها تحوي شيئاً من تغريبة بريخت، وبالتالي هذا التغريب هو ما يصفعنا طوال الوقت كي ننتبه...
لا أدري إن أسرف الرملي في صبغ علاقة الحب بين سليم وعشيقته عالية، بصبغة مثالية زائدة أم لا؟ تلك العلاقة من الحب التي ما أن نسمع عنها إلا وأشرنا أنك لن تجدها إلا في القصص والأفلام. لكني أجدها مبررة لخلق الصراع النفسي عند سليم في علاقاته القادمة.
مع محسن الرملي بدأت بـ “الفتيت المبعثر” وها أنا أنتهي من “تمر الأصابع” التي ما إن انتهيت منها حتى أشارت نحو “حدائق الرئيس” و”ذئبة الحب والكتب” التي نفذت عندما نويت شرائها من معرض الأيام في البحرين.

https://www.instagram.com/p/9Tj0hguLsT/?taken-by=hussainabdal

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*ذئبة الحُب والكُتب
وهنا يتمرّد الرملي على نفسه، ولا أقول بات أكثر نضجاً، فمثله لا يعوزه النضج. لكنه في "ذئبة الحُب والكُتب" يستخدم تكنيك سردي مختلف تماماً عما أستند عليه في "الفتيت المبعثر" و"تمر الأصابع". بشكل عام، قد يكون استخدام تقنية الرسائل في الروايات مبتذلاً (بمعنى متداولاً) في الآونة الأخيرة، والفكرة تتقاطع بشكل أو بآخر مع فيلم توم هانكس وميغ رايان (لديك بريد You’ve Got Mail)  الذي يعرض علاقة بائعة الكتب البسيطة والمثقفة مع منافسها التجاري، وبعد أحداث متتالية يقعان في علاقة حب بسبب البريد الإلكتروني. لكن حداثة الاستخدام لهذه التقنية مربطها هو في الكيف، بإعتبار أن الفن الحقيقي ليس فيما تقوله بل في كيفية قولك له. والكيفية التي استخدمها الرملي في روايته أزعم جديتها لأمرين: حس الرملي السردي واللغوي المتمايز إلى جانب حبكته المدروسة وقدرته على تحميل سيرته الذاتية هذا الكم من المتخيل السردي.
الرملي، وبخبث شديد جداً، يسرد في منتصف الرواية (الفصل التاسع عشر) سلسلة مختلفة للنهايات المتوقعة والمحتملة لروايته على لسان شخوصه، بل ويترك لمخيّلتك عنان التفكير في نهاياتك الخاصة وسؤال: "في حال سرد الرملي كل هذه النهايات، كيف إذاً سينهي الرواية؟". ثمّ، يدّخر الدهشة للصفحة الأخيرة في سؤال آخر: من يكتب من؟ هل هيام تكتب محسن أم محسن يكتب هيام؟ من يبحث عن من؟ من هيام؟ ولماذا هيام؟
معجمياً، يحيلنا القاموس لمعنى هيام على أنه الجنون من العشق، وفي موضع آخر يشير على أنه الرّمل الذي يكون ترابه دقاقاً يابساً لا تستطيع أن تُمسك به لدقّة ذراته. وما أشبه هذا التعريف بالوطن. وما أشبه هيام محسن الرملي بالعراق. أليس العراق هيام؟ أليست هي العشق الضارب في الجنون؟ أليست العراق هي الرّمل العصي على الإمساك.
قد يشطّ بي التأويل هذا، أو قد أكون أبتعدت عمّا ذهب إليه الرملي، لكنهُ لم يكن لي إلا أن أرى هيام كما أرى العراق. وفي ذلك أستند على محسن الرملي الذي عرفته في فتيته المبعثر وتمر أصابعه رجلاً مهووساً بالعراق. من جانب آخر، أليس في هيام "حزن العراق"، تلك التي توالى عليها الطغاة واغتصبتها المخابرات ومع ذلك تبحث عن أحوج ما تحتاجه: (الحب) كما جاء على لسان هيام. أليست هيام في دمها حرارة الصيف البغدادي، بهارات البصرة، ونار كركوك الأزلية؟. أليست هيام والعراق لن يكون لها أن تعشق الشهيد حسن مطلك؟ أن تذوب في نتاجه الأدبي، لأن هذا النتاج نابعٌ منها وإليها؟ ألا تنتهي الرواية بمحسن الرملي وهو في طريقه إلى (هيام/ العراق)؟
وأشير إلى أن الراوية مشت بإيقاع ثابت من الغلاف إلى الغلاف، هذا التناوب بين (أنا/ هي) جعل من الراوية أشبه بنغمة واحدة تتكرر (دم.. تك تك تك.. دم تك تك تك).. في حين هناك مساحة مهوولة من اللعب والتجريب على الهيكل المعماري للراوية، وثمة حرية كان بالإمكان أن يعزف عليها الرملي ألحاناً مختلفة وبلا قيود.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*حسين عبد علي: فنان مسرحي وكاتب بحريني، آخر أعماله، رواية (متاهة زهرة).

ليست هناك تعليقات: