الجمعة، 10 سبتمبر، 2010

نص / هدية من: عامر عجاج

الخمسينيون

عامر عجاج

مهداة الى الدكتور محسن الرملي .. الخمسيني ايضاً !

المتحدون بين أرقام أعمارهم بلهب سنين مضنية وبين سنين تولادتهم، يستحقون أكثر من أن يجمعهم كروب على صفحات الفيس بوك أو منتدى يؤسسوه أو مؤسسة مجتمع مدني لا علاقة لها بالشفقة أو توزع مجانا الأغذية والطحين والحمص، أكثر من خمسين مأساة (في التراجيديات الرافدينية المستمرة) تحفهم كدبابير عنب حلو جائعة، لم يكن أيوب أمام الكثير منهم إلا رجل مرض ثم شفي (هل دخل كلكامش ساعة من معاركهم القاسية أو رأى المفخخات التي لحقتهم بعد معارك الحدود؟ راضعو حليب السباع من أثداء سعال منفوشة الشعر، ابناء العواصف السوداء والحربين اي سهو اقع به بل الثلاث حروب، اه يالجهلي؟ الاربعة، ابناء الحروب التي دون حد، لم تعد الأعضاء الخفية تجتذب اهتمامهم لكثرة ماخبروها، مجدفون بمراد قوية في مهيلات وشخاتير تسير على مهل في أهوار المصائب، ريح هجمات الهاونات تلحق بهم زمهريرا لايستطيعون الاحتماء منه،عقارب أجسادهم لاسعة دون هوادة، ينشرون شعورا أمام الريح يمينا وشمالا كطقس لنزول أمطار آمالهم كما الراقصات دون جدوى، رماد أجداث الجنيات المحترقة على أبواب حرست بصحون نذرية، مرتجلو معلقات الفجائع ومرتلو توراوات الأمل، الخمسنيون فتات موائد حروب السياسيين القذرة، والخبز المر في أفواه المتشدقين، باذري حنطة الزقوم في أراضي الألم الممتد، ساكنو شقوق المعارك ومواضع الضغينة على حرب تبرق غيومها مخيفة لكن دون مطر أبناء رياح الجنوب الخانقة، اللائذين بالأضرحة بعد تراجع الفحولة، مرتادي عيادات الأسنان حديثا من اثر عضات لحوم القصعات غير معروفة المصدر، النواسيون التائبون ومحيي أم كلثوم وفيروز سرا خوفا من قتلة حافات المدن، وسليلي صحراوات الإقطاع. الخمسينيون نغمة عتابا في حنجرة الزمن، وسفينة نجاة في هور يابس إلا من اسماك ميتة، مكتشفو الألم وملاكو البوار، عندما دلتهم حليلاتهم على بصيص أمل وجدوه ممرغا بدم حروب مستمرة، وعندما عادوا ليرتووا بعد مسيرة شاقة بين نهر جاسم وبنجوين وجدوا الحباب فارغة إلا من آمال بطعوم مرة،زارعو حنظل الخيبات في فياف وسباخ ،ماءهم من آبار الندم مجلوب، أي الم ممض يتناب قلوب الخمسينيين الكليلة وأي عمى ينتظرهم؟ خيالات الجثث على البغال تقارير الرفاق السيطرات ضيق ذات اليد الحبيبات اللواتي انتظرن كثيرا أقفاص الأسر، ظلال لاتحمي لصفصاف العقم ترافقهم.
رطب النخلات الطوال عصافير الشجن المر، الفيروزيون ومحبو داخل حسن، بنت الريف ومجاميع الجوبي عند باحات الأضرحة، وأصحاب صعديت فوك العالي لن سبع زبيد اكبالي تسوين ألفين ومية آه يبنية الملالي نايات بانين بحة جنوبية، وموالات لحظات الفراق يهوون الوداع الذي به جلادة، يودعون أحبتهم على سفوح الجبل، وتاركي جثامين أمهاتهم تذهب دون وداع، الخمسينيون أكواخ القصب وبيوت الطين ،قامات حور وسنديان، نسمات آب في أواخر الليل، ترنيمات الأطفال وألف دللول سومرية، قارئو اكف بارعين، حافظو أبوذيات فطريون ومنشدو زهيريات دون تكلف، لابسو عقال ،وبدلات غربية باربطة ودبل كفة، صرمبارية ونكرزة، ملقو نكات جيدون ومجالسي دواوين رصينة، محبو كرة وورق لعب وطاولي، من الجارلس إلى القمصان الملونة ارتدوا، مدخنو الروثمان والمزبن واللف، محبو ياس خضر وحسين نعمة، لم يكونوا من جيل سيد درويش واطلوا قليلا على محمد عبد المطلب لكنهم شغفوا بعبد الحليم والسيدة، قراوا الموعد والشبكة بيروت المساء، العربي والمجلة، لم يكونوا يصدقون أن يحققوا الهدف 2000، مترجلين من صهوات حروب متواصلة راكبو حروب جديدة اتصال الحروب يعطي لذاكرتها طعما مملا من أسراب نخل متصلة على شواطئ الغراف أو من على ضفاف سورا، يحاولون نفض غبار حروبهم دون جدوى حروبهم ظلال دبقة ترافقهم دون حياء، تشم ذاكراتهم المحترقة طعوم الخنادق الهزائم الإذاعات المتورمة بالكذب أعضائهم المبتلة بين أفخاذهم تنظيرات مسؤليهم في أحزاب بأفكار محنطة تلاحقهم اصطلاحات اليطغ، الانضباط، السيطرة، القصعة، الواجب، الإنذار الصباحي، والإجازات، تلاحقهم دون فكاك، أيديهم منشغلة بنفض غبار الحروب، دون جدوى فدائما ثمة هناك من يدندن بأغاني الحروب العفنة ،موسيقاها تتعلق بأذان تضعف رويدا، من عذوق آب يخرجون متجهين إلى كراجات العذاب تاركين الأعياد مشتعلة الولائم، ليتمترسوا في خنادق حدود رسمها المستعمرون لتصبح مقدسة، نبط وفرسان سوراويون وغرافيون عراة الأفكار ومحتشمون كاتبو قصائد نثر وتفعيلة،منشدو أبو أذية وملاحم من بقي منهم ينظر بحسرة إلى شلل تابعة ذليلة تحترف القتل بادعاء وجود سبب، ولاسبب إلا إدمان صور من معاركهم ففي الحرب تقتل الذي لاتعرفه. متذوقون بارزون للكوكلة والشيصمالله صاعدو نخل من الطراز الرفيع مع تبليات ممزقة، الخمسينيون يسيرون في موانئ العدم بأشرعة ممزقة.. فمن ياترى بشير إليهم غدا؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*عامر عجاج: كاتب عراقي amer_ajaj@yahoo.com
*نشرت في (جيران) في (ليالي الشمال الحزينة) بتاريخ 18/8/2010م

بغداد Bagdad

ليست هناك تعليقات: