الخميس، 23 يوليو، 2009

عرض / تمر الأصابع


رواية: تَمْر الأصابع
تأليف: محسن الرملي
عرض: موقع الناشر
تتقاطع أحداث هذه الرواية بين أحداث الماضي وذكريات العراق مهد طفولة الكاتب و"مهد الحضارات"، وبين أحداث حاضر تدور في اسبانيا محطّته "للسلام بعد طريق طويل مكتظ بالحروب". بين ما يربط الإنسان بموطن الأجداد، وبين حياته في بلد الهجرة المحتضن للقادمين أو الهاربين من واقع بلادهم الأليم. بأسلوب روائي قصصي، يقابل الكاتب المَشاهد والصور التي تبرز المواضيع الأساسية لحياتين مختلفتين تعودان للشخص نفسه. إحداهما كوّنته ولا زالت تسكنه حنينا، والأخرى مكتسبة يعيشها بإرادته، ويفرضها التأقلم مع يوميات حاضر عملي: "فمنذ هروبي خارج أقواس العراق قبل عشرة أعوام وطّنت نفسي على النسيان حتى توطّنت".
وفي محاولة للوصل بين الحياتين، كان الراوي يقصّ صورا من الجرائد لموطنه الأصلي، ينتقي منها الأقل قسوة، ويعلقها على جدران غرفته. ينظر إليها ويمارس حسب ما يقول "هويّتي الأولى، حنيني، شوقي إلى احتضان أمي واخوتي، إلى زيارة قبر عالية، إلى السباحة في نهر دجلة، إلى أصدقائي، إلى أبقارنا وحميرنا ودجاجاتنا والجبل."، وعالية هي ابنة عمه وحبيبته الأولى التي قضت غرقاً في النهر.
لكنه يستنتج بعد حين: "كنت ألصقها بنيّة التخفيف من غربتي لكنها في الحقيقة تزيدها". كانت هذه الصور أيضاً مصدر تعليق الأب الذي التقاه صدفة في اسبانيا، إذ قال: "كنت أظن بأنك أعقل من هذا..وألا تقع في الحنين المرَضي الذي يقع فيه جلّ المغتربين حين يصورون لأنفسهم بأن كل شيء جميل في بلادهم التي غادروها.. بما في ذلك الخرائب والمزابل..".
ذكريات ماضيه حاضرة بقوة، وسرد قصص قريته و"فضح" أهله، نال تشجيع أبيه الذي قال له: "أكتب ما تشاء فلن يحدث أسوأ مما حدث.. هذا العالم جايف". أبوه الذي فوجئ بوجوده في اسبانيا وأصبح شخصاً مختلفاً تماماً عن ما كان عليه في العراق، وكأنه ليس هو نفسه الذي جرّهم "لمحاربة الحكومة لمجرد أن أحدهم قد صفع مؤخرة" أخته إستبرق التي كانت رفيقة طفولة الراوي وشبابه. فيستعيد تفاصيل حادث الهجوم على مبنى محافظة تكريت، والذي شارك فيه الجد وشخصيته الحاضرة بقوة.
بين الإحساس العميق بمفاهيم الشرق، وبين ما يقدمه الغرب من مفاهيم وأطر ثقافية مختلفة، تتطرق هذه الرواية إلى مواضيع متعددة كالهجرة والاغتراب والحنين والحب، ومفهوم الوطن، عبر صور معبّرة ومشاهد قوية ومؤّثرة، لكن في إطار من الحنان الذي يشذب القسوة، ومن خلال نظرة إنسانية هادئة، تبحث عن الرفعة.

السبت، 18 يوليو، 2009

رأي /.. في المسرح

رأي ضمن إجابة على الاستفتاء الذي أجراه موقع (مسرحيون) 2004
فيما يتعلق بقراءة غد المسرح العراقي في ظل الاحتلال
د.محسن الرملي


إننا بحاجة إلى الكوميديا الجادة

أولاً أفضل ألا أسميها (قراءة الغد) لما يوحي به هذا التعبير من متعلقات بالتكهن والتنجيم إذا لم يكن مسبوقاً بدراسة موضوعية مطولة، وعليه أفضل سحبه إلى العقلانية والعملية بالقول (صناعة الغد) وسواء كانت مسألة صنع هذا الغد المسرحي العراقي في (ظل) الاحتلال الأمريكي ـ والذي نتمنى زواله تاركاً إيانا تحت سطوع الشمس العراقية ـ أو بلا (ظله) أرى أن يسارع المسرح العراقي بأخذ زمام المبادرة سبّاقاً لبقية الفنون الإبداعية الأخرى في التواصل مع الجمهور وذلك لطبيعة قدرته التفاعلية والتأثيرية الحية والحميمة والمباشرة على المتلقي، ولخلو الميدان الفني العراقي الحالي من أجناس إبداعية محلية مرئية أخرى توازيه أو تفوقه بالتأثير كالسينما والتلفزيون.
وبحكم طول الزمن الذي عانى منه العراقي من هيمنة المأساوي والدرامي والحزين بحيث تشَبع به، حد الطفح، الإنسان والبيئة والنتاجات التعبيرية المختلفة، أرى أن يسعى المسرح للجوء إلى السخرية والتهكم والكوميديا، اللجوء إلى الضحك كأداة إنسانية قابلة لتنوع الاستثمار بحيث يمكن من خلالها التعبير والتفريغ والتفريج والتخفيف والتسلية والترويح وكذلك في، الوقت نفسه، التأشير والتشخيص والنقد والتحريض والإعانة على بلورة المواقف وفتح آفاق المعالجة. فنحن اليوم بحاجة إلى توظيف الضحك أكثر من أي وقت مضى واستحضاره في أوج أزمته كمن يوقد شمعة وسط هذه العتمة الكثيفة الناتجة عن الهيمنة الحالية الطاغية للخراب والحزن والقلق والمخاوف بشأن الحاضر والغد. ففي رأيي، لا أفضل أن يذهب المشاهد من محيطه اليومي المرير إلى المسرح ليجد صورة مأساته أمامه، كما هي، مرة أخرى، وإنما يستحسن أن نقدم له على المسرح صورة أخرى لمأساته ذاتها ولكن من زاوية نظر مختلفة تعينه على هضمها، وتحديدها وإعانته على الضحك من أخطاء ممارساته فيها، الأمر الذي يجعله يخرج من المسرح وهو يشعر بالتخفف والراحة وبرؤية أكثر إنسانية وأكثر إنارة. وقد استخدمت الكثير من الشعوب بعد مرورها بمحن هذه الأداة لتتمكن من خلالها الصمود والتجاوز، أو على الأقل الشعور بالاستراحة واستعادة تنفسها وكذلك التعبير والتشخيص والنقد. والشعب العراقي ذاته نجده قد لجأ إلى النكتة كمتنفس محمّل بالرموز خلال العقود الثلاثة الأخيرة التي كانت محتشدة بالقهر والظلم والدكتاتورية والخراب والحروب والحصارات والموت، بحيث أنه قد أنتجها (النكتة) بغزارة أعتقد بأنها فاقت إنتاج أي شعب آخر لها في السنوات الأخيرة، فكانت له بمثابة السلاح الرمزي والمتنفس التعبيري السلمي الوحيد.. تقريباً.
هذا إضافة إلى أن النكتة والكوميديا وما هو مضحك وفقاً لطبيعة ذهنية شعب ما هو أكثر المسائل تعبيراً عن خصوصية وهوية ذهنية هذا الشعب لذا نجدها هي ذاتها في أغلب الأحيان لا تثير الضحك عند شعب آخر مما يدل على شدة محليتها وخصوصيتها البحتة إلى حد كبير.
وهنا بالطبع لا أدعو إلى ما يسمى بالمسرح التهريجي المغرق بالإسفاف والذي من الطبيعي أن يتخوف المسرحيون الجادون من أن يوصموا به، وإنما أعني الكوميديا الجادة والمدروسة بعمق ومعروضة وفق عناصر فنية مسرحية عالية المستوى.. وأعتقد بأن الغالبية يتفقون معي على أن ما أسميناه هنا (بالكوميديا الجادة) يعد من أرقى وأصعب وجوه الفن المسرحي وأعذبها في الوقت نفسه، وأنها أسرع وأكبر تأثيراً في متلقيها.
------------------------------------
*نشر في موقع (مسرحيون) في نيسان/أبريل 2004م.
http://www.masraheon.com/old/271.htm

الثلاثاء، 7 يوليو، 2009

في قناة الجزيرة

على قناة الجزيرة
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/29DD7EDA-0929-4F2E-BA01-3121C8B5740A.htm
في برنامج : موعد في المهجر

حـلقة عن:
الكاتب العراقي ( د.محسن الرملي )

تم بثها بتـاريخ : 09/07/2009
في الأوقات التالية:
بتوقيت مكة
البث الأول: الخميس / الساعة 17:30
الإعادة: الجمعة / الساعة 06:30
ـ إلى إسبانيا صحبة الأحلام الصعبة
ـ بين مهام الثقافة وهموم الغربة والكتابة ملجأ

إلى إسبانيا صحبة الأحلام الصعبة

محسن الرملي:

لا لتحرير العراق مني
هذا الحبر المسفوح على صحافتكم
هو دماء بلادي
هذا الضوء الهاطل من شاشتكم
هو نور عيون صغار البصرة
هذا المنتحب في عتمة منفاه
هو أنا.

المعلق: الشاعر وحده يستطيع أن يضع العالم أمام خطاياه وجها لوجه، يستطيع بكلمات قليلة صارمة أن يكشف عورات السياسيين الذين يشعلون حربا بسهولة إشعال سيجار طالما كان في الحرب مغنم لهم، وفي قلب مدريد ينشد الشاعر العراقي الإسباني محسن الرملي

"اسمعوني
لا لاحتفال الجيوش على سقف بيتي
لا لحريتكم الساقطة على رؤوس أهلي قنابل
لا لتحرير العراق مني
فأنا العراق"

محسن الرملي: الجميل في حياتي أن أبي وأمي غير متشابهين، أبي رجل عصامي وعنيد وحازم وأمي امرأة هادئة ومتسامحة. تعلمت من أبي أن الشيء الذي يصنع قيمة الإنسان هو مدى.. كلما كانت المعرفة عنده أكثر وكلما كان نافعاً للناس، لهذا فإن أبي هو الذي ذهب إلى الحكومة في حينها وطلب أن تؤسس مدرسة في القرية وبنى مدرسة على أرض لنا، هو الذي بناها من الطين وأسس المدرسة ثم أسس المسجد، فوجدت أن قيمته في المعرفة ـ وكان هو يقرأ، يعلم نفسه بنفسه ـ القيمة في المعرفة وبقدر خدمتك للناس. نحن تسعة أبناء، عندي ثلاثة أخوة ذكور وخمسة إناث، أخواني كان لهم تأثير كبير عليّ وخاصة أخي الراحل حسن مطلك الكاتب المعروف، والكل متعلمون تقريباً لأن أبي كان حريصاً على المسألة، فالأخوة كلهم كانوا متعلمين. أنا كان حلمي أن أدرس مسرح لأن أنا وصغير وأنا في الثانوية كنت عامل أيضا مجموعة مسرحية من أصدقائي ونطوف بها على القرى ونعمل مسرحاً، يعني.. بسيطاً، ولكن بما أن أبي رجل دين ومتشدد والعائلة.. فكان اسم أو مجرد وصف فنان يعتبرونه راقصاً، فقالوا: أبداً، إذا يعني نتبرأ منك إذا ذهبت، لأنه شيء معيب أن يخرج ابن الملا مطلك في التلفزيون ويرقص.
عادة من طبيعتي عندما أحزن أو أفكر أو أقلق أروح للنهر وأجلس على صخرة هناك وأضع أقدامي في الماء، أبقى أفكر وأتأمل، فجاء في تلك اللحظة، أنا كنت في لحظة قرار، لازم أقرر ماذا أدرس، يعني لا تستطيع أن تؤجل وإلا تذهب إلى الحرب، كانت الحرب العراقية الإيرانية قائمة فلازم تدرس أي شيء، فكنت أفكر بالصحافة نوعاً ما لأنها الأقرب، في تلك اللحظة جاء صديق، أيضا كاتب ـ وهو قد لاحقاً استشهد في الفاو ـ إبراهيم حسن ناصر، فقال لي: الصحافة لا تحتاج إلى دراسة إذا أنت مبدع في الكتابة، وأكبر الصحفيين المعروفين في العالم هم جاؤوا من موهبة أكثر مما جاؤوا من الدراسة ولكن تحتاج فعلا كأي مثقف إلى معرفة لغة ثانية، وكان كلامه سليماً، أنا كنت أتضايق من الإنجليزي، يعني اللغة الإنجليزية، لا أحبها فقلت له أنا لا أدرس الإنجليزية، يعني لا أستسيغها، قال لي ما رأيك بالإسبانية؟ وكان في لحظتها، في الثمانينات، كان الانفجار أو ما يسمى الـ Boom رواية أميركا اللاتينية. كانت مترجمة الآن للعالم العربي، ماركيز "مائة عام من العزلة" وفارغاس يوسا وكنا منذهلين فيها، فقال لي ما رأيك أن تقرأ "مائة عام من العزلة" بلغتها الأصلية؟ فأنا قلت: آه هذه ممتازة.
أُعدم أخي حسن مطلق في سنة 1990 لاشتراكه في محاولة انقلابية ضد نظام الحكم في تلك الفترة فطبعاً معروف كيف تعامل النظام مع ذوي المعدومين.. يعني تضيق عليه، الذي في وظيفة يُطرد، إذا في وظيفة حساسة، فكانت مضايقة.. وأنا كنت في الجيش ثلاث سنوات في الجيش العراقي يعني من 1989، 1990، 1991 أنا في الجيش يعني الخدمة الإلزامية، فحالما أنهيت الخدمة العسكرية فتحت الحكومة العراقية باب السفر فأنا خرجت إلى الأردن بدون أن أعرف أي أحد هناك وكان عندي فقط مائة دولار، بعد ذلك بدأت أشتغل في الصحافة، أترجم أنشر في الصحف، فهذه بدأت تساعدني، تعرفت على شخصيات مهمة وما يزال أفضل أصدقائي كثيرين من الأردن.. ويعني دخلت في بيوتهم وفي المؤسسات الثقافية وقُدمت لي مسرحية هناك في مهرجان إربد في 1993 أو 1994 كما أعتقد، ولكن كانت تضيق الأمور.. يعني بسبب الإقامة، بسبب العمل بسبب.. فبما أنني مخلّص إسباني، وبمساعدة صديق كان هنا، صديقي عبد الهادي سعدون، فبعثت له أوراق الجامعة للقبول في جامعة مدريد فتم قبولي وجئت إلى إسبانيا.

المعلق: حينما قال الشاب العراقي النحيل محسن الرملي لأساتذته في جامعة مدريد إنه يريد أن يعد رسالة لنيل الدكتوراه موضوعها أثر الثقافة الإسلامية في رواية "دون كيخوته" لميغيل دي ثرفانتس، ابتسموا جميعا ابتسامات سخرية وإشفاق فها هو عربي يجرؤ على التفكير في دراسة أهم الروايات المكتوبة بالإسبانية والتي حظيت بنصف مليون بحث ودراسة في القرون الأربعة الماضية، وبعد سنوات قليلة كان هؤلاء الأساتذة أنفسهم يمنحون الرملي درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف ويتبارون في الثناء على رسالته التي للغرابة أتت بما لم يأت به الأوائل وأثبتت أن ثرفانتس العظيم الذي أسره الجزائريون سنوات طوالا كان غارقا في تأثيرات الثقافة الإسلامية حتى أذنيه تماما كتأثر بطله دون كيخوته بروايات الفرسان الجوالين.
محسن الرملي: أحياناً أشعر بأنني ولدت معلماً، لأنه من أنا صغير.. بل وحتى وأنا صغير كنت أعمل مكتبة في البيت وأعلم أولاد عمي أو أبناء أخي ولكن بعد أن أنهيت الجامعة أيضا كنت في الجيش لفترة معلما للدروع لفترة معينة ثم علمت في مدرسة في العراق وفي معهد معلمين وهنا في إسبانيا أيضا في السنوات الأولى كنت أدرس في المدرسة العراقية في مدريد لأبناء الجالية العربية هنا ثم بعد ذلك أعطيت دروساً أيضا، دروسا في الإبداع في أكاديميات خاصة هنا في إسبانيا، دروسا في فن الكتابة وأعطيت دروسا في (وليام سكول) أيضا هنا توجد مدرسة وليام سكول أعطيت دروسا في العربية وفي الثقافة العربية ثم انتقلت إلى هذه الجامعة منذ خمس سنوات تقريباً وأيضا أدرس اللغة العربية والثقافة العربية بشكل عام، أحيانا فيها مواضيع إسلامية وأحيانا عندما تتم الحاجة أدرس أيضا مادة المسرح وفي بعض الأحيان أيضا، والجانب الإسباني لأن أنا اختصاصي يشمل الاثنين: الإسباني والعربي، مواضيع عن كيخوته.. عن دون كيشوت. هذه الجامعة تعتبر من أقدم الجامعات الأميركية في مدريد، أكثر من 17 سنة هي موجودة هنا ولدينا طلاب من كل جنسيات العالم، من كل بلد، ولكن الأكثرية من أميركا. اسمها Saint Louis University وهي جامعة معروفة في الولايات المتحدة ولكن لها فروع أخرى في الدول من ضمنها هنا في إسبانيا، يتم التدريس أكثر شيء باللغة الإسبانية لأن أكثر الطلاب الذين يأتون من الولايات المتحدة أو من دول أخرى أيضا الغرض هو للتعليم بالإسبانية ولكن هذا لا يمنع أن لدينا بالإنجليزية، ولدينا كل الاختصاصات موجودة، لدينا كل الاختصاصات العلمية والفنية والثقافية. دائما كان هناك اهتمام بالثقافة العربية واللغة العربية ولكن في العصر الحديث أكثر لأنه دائما العالم العربي حاضر في الأخبار سواء السيئة أو سواء الجيدة.. يعني مؤثر، العالم العربي صار مؤثرا وحاضرا في كل الأخبار فيريدون أن يفهموا ماذا يحدث هناك، وإضافة هناك تحول صار أيضا حتى في التوجه السياحي، فلم تعد فقط البلاجات والشمس والفنادق الضخمة هي التي تجلب السائح وإنما الفضول المعرفي، لمعرفة الشرق، لمعرفة الثقافة الأخرى.. كيف يأكلون، كيف ينامون، كيف يعيشون وأغلب الذين يذهبون إلى العالم العربي يزداد حماسهم لمعرفة هذا العالم ولتعلم هذه الثقافة، ولهذا أقول يجب أن نهتم كثيرا ونستثمر الأشخاص العرب الموجودين في الغرب ويعرفون كيف يوصلون هذه الثقافة للغرب، هي أفضل من الإعلانات، أفضل حتى من الدور السياسي للتعريف بالعالم العربي. إعطاء صورة أخرى كاملة كما نفعل نحن في الجامعة أو في الأماكن الأكاديمية، نعطي صورة أخرى غير الصورة التي توجزها الصحافة في خبر سيء، فضروري جدا الاهتمام بهذه النقطة. أرى أنه يفترض بالدول العربية أن تعمل شيئا لدعم اللغة العربية، هناك حماس كثير من كل مختلف أرجاء العالم يريدون أن يتعلموا العربية والثقافة العربية فأستغرب ألا تقوم الجامعة العربية أو الدول العربية بوضع منهج مبسط، بتبسيط التخلص من القواعد القديمة للغة، بتبسيط للذهنية الغربية ويكون في كل اللغات ومسهل بدل.. يعني لا توجد مناهج نهائية، خاصة لدينا في الإسبانية، لدينا إشكالية في إيجاد كتب جيدة لتعليم اللغة العربية.. لا في السوق ولا.. يعني هذا أكثر شيء الأستاذ يقوم بعبء كبير بعد معرفة الطلبة ومستواهم، أنا في رأيي أن على الدول العربية أن تخصص شيئا بسيطاً لإعداد منهج لتعليم اللغة العربية للأجانب.


------------
[فاصل إعلاني]
------------

المعلق: يقول دون كيخوته إن كل إنسان هو ابن شرعي لأعماله في هذه الدنيا. ولعل بطل ثيرفانتس وهازم طواحين الهواء لم يصدق في شيء كصدقه في هذه الجملة فقبل أقل من 15 عاما كان محسن الرملي يتسلل إلى هذه الحديقة في مدريد ليبيت ليلته بين أشجارها، كان مفلسا وحيدا لا يرى أينما نظر أول الطريق. ما أسهل أن يبرر المرء لنفسه في ظروف كتلك الاستسلام لليأس وما أسهل أن يتحول إلى مشرد محترف وصعلوك مشعث بلا هدف ولكن الرملي وكما فعل في الأردن من قبل عبد بنفسه طريقا لحياته صانعا ما يريد أكاديميا وأدبيا وأسريا، يعتبر كل صباح جديد هدية ثمينة ينبغي قبولها واستثمارها بلا تردد ولا وهن.

محسن الرملي: في البداية أيضا جئت بمبلغ بسيط، كان عندي مائتي دولار، ولغتي أيضا ضعيفة لأني أنا تعلمت الإسبانية بشكل أكاديمي والحياة تختلف، وكنت نسيتها أيضا في الجيش.. يعني نسيت كثيرا من اللغة، إضافة إلى أن إسبانيا مشكلتها هي البطالة، يعني للأسبان أنفسهم.. فكيف وأنا مهاجر، إضافة إلى أن إقامتي كطالب محددة، العمل ليس.. فكانت ظروف صعبة جداً، يعني أحيانا فعلا كنت أنام الظهر في الحدائق، يعني أنام مضطرا بالحدائق ثم بدأنا نتعاون أنا وأصدقاء عراقيون، نسكن ثلاثة في شقة صغيرة وهكذا إذا يشتغل واحد منا يعني ممكن أن يعيش الآخرون. أذكر في يوم من الأيام عطلت عندنا الثلاجة فلا نستطيع أن نصلح الثلاجة في الصيف. وصعوبة المهاجر العراقي أكثر من غيره يعني تخيل أنه أنت كعراقي صعب الاتصال كان، أنت كعراقي لا تستلم خَبراً ساراً من العراق أبداً، وأهلك لا يستطيعون أن يساعدوك، وأنا لم أحصل على منحة ولا على أي مساعدة ولا أجرؤ أن أقول لأهلي ساعدوني.
أول وصولي إلى إسبانيا، مثل أول وصولي إلى أي مكان، بما أن همي الثقافي ورسالتي هي الثقافة، ابتدأت أبحث عن المناخات الثقافية التي أستطيع أن أفعل فيها أو التي أستطيع أن أتعلم منها، فأنا وصديقي عبد الهادي سعدون لم نجد.. يعني في مراكز عربية ضعيفة أو رسمية أو.. لأن أغلب هجرة المثقفين العرب إلى بلدان أخرى تتحدث الفرنسية أو الإنجليزية، متواجد قليل من المثقفين العرب هنا فاضطررنا إلى خلق مشروعنا العربي الذي هو مجلة ودار نشر "ألواح" رغم أن الظروف صعبة جدا كانت، هو يعمل في كافيتريا في فندق وأنا أعمل في السوق الشعبي ولكن كان لازم هذا التوازن.. يعني خلق.. لا نستطيع ألا نفعل ثقافة، لازم نخلق هذا الجو. بعد ذلك مع تطور معرفتك باللغة الإسبانية، طبعاً نبحث عن المناخات الإسبانية أين يتواجد المثقف الإسباني ونتابع الحركة الثقافية الإسبانية لأننا كنا نترجم، الترجمة أيضا جزء من مصدر العيش وجزء من الاحتراف وجزء من الهم الثقافي، فكنا على اطلاع دائم بالحركة الثقافية الإسبانية. عملت في المسرح وعملت في السينما، في السينما كتبت سيناريو وحاز على جائزة دعم السيناريو من الاتحاد الأوروبي مع أنه كانت المسابقة من 350 سيناريو وكانوا يختارون عشرين ومقدمة عن طريق وزارة الثقافة الإسبانية، فالسيناريو الذي كتبته.. ولكن لم يتم إخراج هذا الفيلم الطويل لأن تكلفته غالية، وفي السينما أيضا عملت مع صديقي عبد الهادي فيلما قصيراً اسمه "مقبرة" في المقبرة الإسلامية هنا وهو أيضا يتناول العراق، طبعاً العراق دائماً حاضر في كتاباتنا، حتى لو حاولت تكتب قصة حب فالعراق يفرض نفسه.
----------------
[مقطع من فيلم مقبرة]

محسن الرملي: أرى في نفسي صفتي الأهم ككاتب وإن كنت أكاديميا ناجحاً، وإن كنت شاعراً ناجحاً في اللغة الإسبانية، وإن كنت فناناً ناجحاً مسرحياً أو سينمائياً ولكن صفتي الأهم وحلمي الأهم هو أني كاتب. بالنسبة للكاتب، في رأيي، هو دائما، أن أهم عمل هو العمل الأخير، أنا عندي رواية "الفتيت المبعثر" حازت ترجمتها الإنجليزية جائزة والآن تترجم إلى الإسبانية وإلى الفرنسية ولكن عملي الأخير وهو "تمر الأصابع" أو "أصابع من تمر" بالإسبانية هو الأقرب إلي لأني جسدت فيه أيضاً جزءا من شخصيتي ومعاناتي كعراقي وفي إسبانياً، أيضا، استخدمت الثقافتين، الصراع بين الشرق والغرب، الحرية والدكتاتورية، الحداثة والمعاصرة ومسألة المهاجر، المقالات التي كتبت عنها جيدة والتلقي لهذه الرواية كان أيضا بشكل جيد ومُرضي وسوف تصدر بالعربية أيضا قريباً. بالنسبة للترجمات أنا ترجمت ما يقارب.. ترجمت مئات إذا لم تكن آلاف المقالات والنصوص القصيرة ولكن كلها أدب، الترجمة أعتبرها مهمة ثانية لي رغم أنها ضرورية، أحيانا أعتبرها مثل الواجب، لأن أنا حلمي هو التفرغ للكتابة الأدبية الإبداعية، ولكن جزءا من واجبي، بما أني أعرف اللغة الإسبانية والثقافة الإسبانية، أقوم بالترجمة بين اللغتين لخدمة اللغتين والثقافتين.
أنا أعتبر أخي حسن مطلك هو أمانة في عنقي تجاه نفسي وتجاه شعبي لأن حسن كان كاتبا جيدا من الشباب العراقيين وأعدم سنة 1990 فكان له تأثير على حياتي.. تأثير كبير، أنا تلميذ حسن مطلك فأحس بأمانة ـ لأن النظام السابق كتم صوت مثقف عراقي ـ فأنا أحس بأمانة أنه يجب أن أفرض هذا الصوت، فاستمريت طوال حياتي أعيش من أجل شخصين، وهذا أيضا عبء عليّ وأنا أعيش من أجل نفسي ومن أجل حسن مطلك ولذلك أقوم بإعادة كل مخطوطاته ونشرت حتى الآن أربع كتب من مخطوطات حسن مطلك وفي النية أن أنشر كل ما كتب حسن مطلك، نوع من العناد أو نوع من التحدي ضد من أراد إسكات هذا الصوت. رجعت في سنة 2004 ولكن بشكل سريع وخاطف وأشبه بسري إلى قريتي، مجرد عشرين يوما، وشفت أهلي، طبعا شفت أهلي وأصدقائي، طبعا تجد نفسك متغيرا، الأماكن متغيرة وأنت متغير وهم متغيرين. جزء من إشكالية الذي يهاجر.. يعني أنت تهاجر مرة واحدة فأنت مهاجر إلى الأبد.. يعني تبقى تكون في البلد الجديد أجنبي وإذا عدت إلى أرضك فأنت أجنبي. عمري في غربتي منذ خرجت لم أقل لأهلي أنا عندي مشكلة أو أنا جائع أو أنا يعني مريض فتخيل هذه الصعوبة، الصعوبة الأخرى وهي المؤلمة.. أنه موت الأعزاء في غيابك، أمي ماتت وأنا بَرّه، يعني في الخارج، وأختي الكبيرة أيضا وأخي حسين، نحن عائلة عاطفية، فالمشكلة حتى هم.. حتى النفس الأخير كان حلمهم وجملهم أنه نريد نشوفك.. يعني نشوف محسن.. نريد نشوفك، وأنت لا تستطيع أن تفعل شيئا هذا يبقى يحز بنفسك للأبد. يعني أنا أمي.. بما أنه ما شفت موتهم أتخيل أنهم بعدهم عايشين، مجرد هو امتداد للغياب، ولكن طبعا أنت عندما تعي أنهم ميتون.. فتحس أن موتهم يتكرر دائما.. يعني أنت مشتاق لهم، أنت غائب عنهم فترة طويلة ومشتاق لهم، ما شفت موتهم في عينيك حتى تتأكد أنهم ميتون فتشتاق لهم.. وعندما تتذكر بأنه ميت.. فيموت من جديد.

المعلق: لكن أسرته الصغيرة الجميلة تستطيع أن تسد بعضا من الفجوة الكبيرة في قلبه، حب الزوجة التي يختلط فيها الدم الألماني بالإسباني ووداعة الابنة سارة التي تشبه فراشة من نور والتي تتعلم العربية من أبيها والألمانية من أمها والإسبانية في المدرسة لتكون كاسمها المنطوق بسهولة على كل الألسنة لتكون مواطنة عالمية تنجو من مأزق التمزق بين وطن مؤلم مستحيل ومهجر لا يوجد فيه نخيل على شاطئ دجلة، مأزق تورط فيه أبوها بحكم القدر. محسن الرملي لا يستطيع أن يغفر لمن قتل أخاه وحطم العراق وشرده هو في المنافي ولعل هذا هو سر تجدد ألمه فلو أنه سامح الجلاد لكف عن الإحساس أنه الضحية ولعاد ذات يوم قريب للعراق ليساهم في انبعاثه من جديد عراقا مبدعا وآمنا وحرا متصالحا مع نفسه ولكن الغفران ليس سهلا وهو يستلزم جهادا عنيفا والكثير من الوقت.. فلننتظر يا رملي فلننتظر.


يمكن الاستماع إليها على هذا الرابط

السبت، 4 يوليو، 2009

اسبانيا بعيون عربية / د. محسن الرملي

إسبانيا بعيون عربية
España en ojos árabes
دعوة إلى مراجعة إشكاليات النظرة المُسبقة
.. ومناقشة دور الرحالة في ترسيخها


د.محسن الرملي
Muhsin Al-Ramli
تتميز نظرة الذهنية العربية وطبيعة فهمها وتعاملها مع إسبانيا بخصوصية مختلفة عن تلك التي ترى بها بلدان الغرب الأخرى، وإن كان أمر كهذا يمكن عده بديهياً، إلا أنه، في حقيقته، ينطوي على مفارقاته ومخاطره وإشكالياته الخاصة التي تنحو في جوانب منها لتشكل عائقاً أمام الرؤية الصحيحة وبالتالي خسران ما تدره من إيجابيات صيغ التعامل الواقعي والموضوعي المعاصر.
يأتي العربي إلى إسبانيا، رحالة أو زائرا أو سائحا أو موفدا رسميا أو حتى مجرد عابر إلى أرض أخرى، وهو يحمل معه نظرته المسبقة والجاهزة عنها والتي يمكن إيجازها بـ (الأندلس) بكل ما تعنيه هذه التسمية من دلالات (مثالية) في الذهنية العربية سواء أكانت تاريخية، أو سياسية، أو ثقافية، أو فنية أو دينية.. تجتمع كلها في بوتقة اصطلاح (الفردوس المفقود).. لذا فإنه لن يتعامل مع إسبانيا كما سيتعامل مع فرنسا أو بريطانيا أو هولندا أو السويد أو ألمانيا وغيرها. فعندما يطوف في سائر هذه البلدان مشرعاً أبواب ذهنه للاكتشاف والتعلم والملاحظة والتساؤل، نجده في إسبانيا يكتفي بممارسة التذكر والبكاء على الأطلال وإصراره المتواصل على محاولته في فرض رؤيته التي حملها معه على كل ما يراه. أي أنه (يرى ما يريد) ولا يرى الواقع على حقيقته. ويعمد إلى تفسير كل ما يراه بأنه من أصل عربي أو أنه من تأثيرات العرب بما في ذلك لون العيون وطريقة المشي وأطباق الطعام وطبيعة الملبس ونوع الموسيقى وطرق الحديث.. وكل شيء.
يأتي وهو يتوقع أن يستقبله الأسبان بالأحضان والبكاء كأنه أحد أفراد العائلة عائداً بعد غيبة، لذا رأيت مواقف محرجة لأصدقاء كانوا يصرون على تقديمهم لأنفسهم على أنهم عرب مسلمون، حتى إلى عمال المقاهي، متوقعين أن يتم التعامل معهم بخصوصية واحتفاء، وهم يجهلون طبيعة التصور الشعبي التاريخي والحاضر عن العربي والذي تبلورت مراحل تشكله المعقدة إلى الوصول بتسمية العربي أو الاسلامي بـ (مورو moro) التي تحمل في دلالاتها الاستخفاف والرفض والاستهجان والوضاعة.
يأتي العربي وهو يتوقع أنه سيتحدث اللغة الإسبانية في يومين على اعتبار أن آلاف الكلمات الإسبانية هي من أصل عربي دون أن يدرك بأن الفرق بين العجلة الأولى التي اخترعها الإنسان وبين السيارات الحديثة التي تطورت عنها، أمر لم يعد يصلح للمقارنة والاستخدام.
يأتي العربي وهو يحمل معه إشكاليات هويته المعاصرة التي نعرفها، والتي يصف الناقد الأردني فخري صالح أحد وجوهها الأساسية بالقول:" نحن أمة تعيش في الماضي، بمعنى أننا نظن أن ما صنعه أجدادنا يكفينا شر القتال ويعفينا من المشاركة في صناعة التاريخ المعاصر، ويمكننا النوم على مخدات ريش النعام مطمئنين هانئي البال. والدلالة على ذلك أنك حيثما ذهبت تجد أن المتعلم ومتوسط التعليم، والجاهل كذلك، يعتقدون أن العرب سباقون إلى كل شيء في العلم والمعرفة.. هذه القناعة الغريبة، التي تجدها في كل ركن من أركان العالم العربي وفي كل بيت من بيوته، متمكنة من أذهان العامة والخاصة. والنتيجة أن الإنسان العربي، بناء على ذلك، يعفي نفسه من محاولة الوصول إلى مصادر المعرفة الإنسانية المعاصرة.. المشكلة أن هذا الوهم، وإقناع الذات بأننا أصل الحضارات، يترسخ في العقل الشعبي الجمعي، ويشيع معرفة سطحية شديدة الضحالة، ويخلق رضى زائفاً عن الذات فإذا لم نكن قادرين على إضافة شيء إلى الحضارة المعاصرة، فقد فعل أجدادنا ذلك، وما لدى الغرب من تقدم وتطور في المعارف والعلوم كان هناك ما هو أكثر منه لدى أجدادنا!.. وإذا كان الغرب ينكر ذلك ويتجاهله فذلك يعود إلى نكرانه للجميل واستكباره في الأرض.. إنه خطاب جاهل نسمعه كل يوم على الموائد وفي المناسبات الاجتماعية، وإذا كشفت للمتناقشين زيفه حملوا عليك حملة شعواء واتهموك بالسير في ركب الغرب، هذا إذا لم يتهموك بالخيانة!"(1).
وفق هذه الذهنية ينظر الزائر العربي إلى إسبانيا ويتعامل معها من دون سائر بلدان الدنيا، بل أنني لأشك في أنه يمارسها حتى في زيارته إلى بلد عربي آخر، إنه يأتي ليؤكد تصوره المسبق عنها ولهذا فهو يؤول كل ما يراه عنوة لينسجم مع هذه الرؤية، كل شيء يراه يصر على تفسيره بكونه من أصل عربي أو من تأثيرات الثقافة العربية الإسلامية، أي كمن يضع أهداف البحث قبل الشروع به فيكون عمله هو مجرد مراكمة وانتقاء لشواهد تصب في تأكيد نتائجه التي وضعها، لذا حين يعود العربي من رحلته إلى إسبانيا يضيف نفسه إلى القائمة كشاهد آخر على صحة التصور المسبق مكرراً التغني المعروف عن (الأندلس) ومواصلاً البكاء على (الفردوس المفقود).. إنه يصر على عكس وممارسة إشكاليات هويته الخاصة على الهوية الإسبانية، بحيث يبدو منكراً أنها (إسبانيا) في الحقيقة قد حسمت (حالياً) أمر هويتها عبر تبني الصبغة الأوربية، وذلك بعد مراجعات ونقاشات فكرية وثقافية جادة وطويلة ابتدأت في نهايات القرن التاسع عشر على أيدي جيل الـ 98، وبمقالات آنخيل غانيبيت (1865 ـ 1898) وتحليلاته الأولية للشخصية الإسبانية وتأشيره لما هو فيها من أثر عربي وما هو غيره، ثم تواصل النقاش لسنوات طويلة كما هو معروف، كنموذج الجدل الذي دار بين المفكرين أمريكو كاسترو وكلاوديو سانتشث آالباورنوث، والممتدة آثاره حتى اليوم عبر طروحات خوان غويتيسولو المقيم في مراكش.
هنا تجدر الإشارة إلى المفارقة الغريبة حقاً والتي تستحق إنعام النظر، وهي أننا إذا كنا نرى بأن الثقافة الإسبانية أقرب الثقافات الغربية إلى ثقافتنا وأن هناك تاريخ وعوامل أخرى مشتركة جغرافية وسياسية وثقافية واجتماعية، فلماذا لم نأخذ طوال القرن الفائت شيئاً من هذه الثقافة؟ بينما نكتفي بالنهل من ثقافات أخرى كالفرنسية والإنكليزية بشكل خاص؟.. لماذا لم نقم بأي مشروع ثقافي جاد يشكل جسراً حقيقياً بين الثقافتين ويديم تلاقحهما.. أضرب مثلاً بسيطاً على ذلك بوجود معهد العالم العربي في باريس وخلو إسبانيا من مشروع مماثل.. وقد انتبه طه حسين إلى هذا الأمر أيام توليه وزارة المعارف فأسس المعهد المصري للدراسات الإسلامية في مدريد والذي تحول بمرور الوقت إلى مجرد دائرة رسمية أخرى تقليدية تابعة للسفارة.
لماذا لم يتم التعامل السياسي الجاد مع إسبانيا كونها أكثر من يصلح جسراً حقيقياً للربط بين الغرب والشرق أو بين الشمال والجنوب أو بين بلدان أمريكا اللاتينية والبلدان العربية بحكم المشترك معها تاريخياً وثقافياً وجغرافياً.. علماً بأنها قد كانت آخر الدول الأوربية اعترافاً بإسرائيل ومطاولة وقوفها إلى جانب القضايا العربية.. إلا أن العرب لم يعملوا على ما يعزز ويقوي مواقفها فوجدت مصلحتها في أن تدير وجهها عنهم وتصوبه إلى الشمال.
هذا السؤال وغيره من الأسئلة تستحق منا المراجعة على أكثر من وجه، ولكننا، هنا، بصدد الحديث عن إشكاليات النظرة المسبقة للعربي الزائر لإسبانيا، وتقصيها ـ تحديداً ـ فيما دونه الرحالة العرب عنها في مدوناتهم.
فعدا ما ترسخه في أذهاننا المناهج الدراسية والخطاب الديني الحالم عن الأندلس وآدابها وفنونها وحضارتها بتقديسية مطلقة، هناك دور آخر ظل يعزز هذا الأمر.. ألا وهو ما كتبه الرحالة العرب عن إسبانيا على مدى القرن الماضي ومواصلة تكراره على نسق واحد ووفق رؤية ثابتة من قبل الدارسين لهذه الرحلات وكذلك من قبل المثقفين المعاصرين الذين زاروا إسبانيا، وهنا سأحاول إعطاء صورة عن هذا الأمر.

دور الرحالة العرب في تعزيز النظرة المُسبَقَة

مما يلفت النظر ـ كما سنرى ـ أن جل الرحلات العربية المكتوبة عن إسبانيا تصر على عنونة نفسها بوضع اسم (الأندلس)، وهذا أمر بحد ذاته يؤكد الإصرار على منهج ترسيخ النظرة المسبقة وتمثلها، كما أنه يحول، حقيقة، بين الشهادة الموضوعية والواقعية عن إسبانيا بكليتها، فالأندلس في نهاية الأمر لا تمثل ـ واقعاً ـ إلا إقليماً واحداً من بين أقاليم عديدة متنوعة تشكل بمجموعها إسبانيا. فلو كان الأمر يتعلق فعلاً وتحديداً بزيارة الجنوب الأسباني (الأندلس) لكان مبرراً، لكن كونه غير ذلك في واقعه، يشكل إرباكاً على صعيد الثقة بموضوعيته، لأنه سيوحي مباشرة بتبنيه للنظرة المسبقة التي وصفناها، حيث يصر الرحالة العربي على تبني التسمية العربية التاريخية، الشمولية القديمة (الأندلس) على شبه الجزيرة الإيبيرية ليطلقها على كل إسبانيا (ومعها البرتغال أحياناً) حتى لو كان الواقع الذي يعاصره مختلفاً عن ذلك.. بل وبتأكيد القصدية في نوع الرحلة. ونضرب مثالاً على ذلك رحلة شكيب أرسلان المعنونة (الحلل السندسية في الأخبار الأندلسية) والتي هي في حقيقتها محاولة لإعادة كتابة تاريخ الأندلس وجمعه أكثر من كونها توثيقاً لرحلة شخصية ولهذا فقد جاءت محتشدة بالاقتباسات التاريخية والتراجم أكثر من تضمينها لمشاهداته الخاصة، فهو يعرب عن نيته المسبقة في كتابه (غزوات العرب) بالقول:" ولكن الأندلس التي نحن إليها منذ نعومة الأظفار، ونقرأ عنها بل نؤلف الأسفار فإنه لا يجوز لمثلنا أن يتأخر عن السفر إليها، ونحن لا نزال أنضاء أسفار بين الأقطار. وعليه انتهزنا هذه الفرصة واغتنمنا من وقتنا هذه الخلسة قاصدين إلى الأندلس عن طريق فرنسه التي حصلنا على رخصة المرور بها أياماً معدودات. وذلك أنه لما كان الغرض الأصلي من الرحلة اقتفاء آثار العرب كيف حلوا وأنى ارتحلوا من هذه الديار الغربية"(2). يبدأ رحلته من الشمال مروراً بالباييس باسكو الذي يسميه (الباشكنس) وهو الإقليم الذي لم يترك فيه العرب أثراً مهماً يذكر، ومع ذلك يسمي رحلته كلها بـ (الأندلسية) ولأن القصدية المسبقة واضحة، فهو يأسف على هذا الأمر ويتمنى لو أنه يبدأ الرحلة من دمشق ثم المغرب ودخولاً إلى إسبانيا من جنوبها، أي القيام بتمثل الزحف العربي إلى الأندلس كما قد حدث تاريخياً فيقول:" هكذا كان ينبغي أن أفعل لو كنت حراً أن أسكن في هذه الأيام وطني سورية، فكان السفر منها إلى الأندلس على الطريق الذي سلكه أجدادنا عند فتحهم هذه الديار وهي طريق المغرب. ولكن الغربة التي تطوحنا بها بسبب نضالنا عن استقلال وطننا قضت علينا بأن نسكن أوربة وأن نقصد الأندلس من شمالها لا من جنوبها"(3).
وقبل الدخول بقراءة هذه التفاصيل نرى بأنه من المهم إعطاء صورة مجملة عن أهم الرحلات العربية ـ المدونة ـ إلى إسبانيا منذ القرن السابع عشر وحتى نهاية القرن العشرين… وعليه تجدر الإشادة بدور المستعربة الإسبانية د.نييبس براديلا التي كانت أطروحتها للدكتوراه عن هذا الموضوع(4) والتي سنستعين بها، هنا، ونؤشر بعض النتائج التي توصلت إليها وتتفق مع ما نعتقده منها، تاركين نقد ما نختلف به معها إلى مناسبة أخرى. كذلك سنستعين بمقال للدكتور وليد صالح الخليفة رئيس قسم الدراسات الإسلامية والعربية في جامعة مدريد / أوتونوما(5). وسوف نتبع التقسيم الزمني الذي لجئا إليه:
الأولى: رحلات القرنين السابع والثامن عشر المتمثلة بالرحالة المغاربة الذين قدموا كسفراء كالموصلي وأفندي، وأبرزهم احمد الغزال (ت1777) الذي أرسله السلطان المغربي سيدي محمد بن عبدالله سنة1766 سفيراً له في البلاط الأسباني لمناقشة شؤون سياسية وخاصة ما يتعلق بمسالة تنظيم تبادل الأسرى، وهؤلاء طالت رحلتهم أكثر من سواهم، ممن جاء بعدهم، ويلاحظ بأنهم قد كانوا كبارا بالسن إذ ربوا على الستين.
ومما كتبه الغزال واصفاً زيارته لمسجد قرطبة:".. وقد تخيل الفكر أن حيطان المسجد وسواريه تسلم علينا، وتهش إلينا، من شدة ما وجدنا من الأسف، حتى صرنا نخاطب الجمادات، ونعانق كل سارية، ونقبل سواري المسجد وجدرانه"(6).
الثانية: بدأت في أواخر القرن التاسع عشر (وهنا تلاحظ د.نييبس غياباً ملحوظاً للرحلات العربية إلى إسبانيا على مدى قرن كامل تقريباً) في هذه المرحلة أو الوجبة الثانية من الرحالة راحت تتنوع الجنسيات العربية ولم تعد قادمة من المغرب فقط، كما هو الحال في الأولى، كما أنها لم تعد مقتصرة على المبعوثين بمهام دبلوماسية. وجلهم من المواليد الواقعة بين العقدين السادس والسابع من القرن التاسع عشر أمثال: محمد روحي الخالدي (1864 ـ 1913) الذي دون رحلته بكتابه (رحلة إلى الأندلس). وأحمد الكردودي الذي زار إسبانيا سنة 1885، والتونسي علي بن السالم الورداني الذي جاء إلى إسبانيا بصفته باحثاً ودارساً سنة 1887 ودون رحلته في كتابه (الرحلة الأندلسية) مؤكداً فيها على تشابه أزياء الأسبان بالزي العربي وكثرة الكلمات ذات الأصل العربي. وأن عاداتهم تشبه عادات العرب. ثم الأديب والمترجم المصري أحمد زكي (1866 ـ 1934) الذي جاء أصلاً لحضور مؤتمر الاستشراق في لندن، واستغل سفرته بزيارة إسبانيا والبرتغال أواخر سنة 1892 وبدايات سنة 1893 ودامت رحلته ثلاثة أشهر. ضمن شواهد رحلته في كتابه (السفر إلى المؤتمر) حيث خصص الجزء الأخير منه لأسبانيا والبرتغال تحت عنوان (رحلة إلى الأندلس) وهو الآخر قد رأى في الأسبان ورثة للأندلسيين العرب وشبه طباعهم وعادتهم بالطباع والعادات العربية.
الثالثة: رحلات النصف الأول من القرن العشرين، والتي يمكن إجمال مواصفات عامة مشتركة للقائمين بها: رجل، شاب، متوسط عمرهم 32 سنة، شرقي، مسلم سني، له ممارسة متميزة سياسياً أو ثقافياً أو في كلاهما، وطنين أو قوميين عرب من حيث أيديولوجيتهم، عروبيين بصفة عامة، وغالباً ما تكون أيديولوجيتهم ذات صبغة دينية واضحة، إقامتهم، بشكل عام، كانت قصيرة، أطولها إقامة نجاتي صدقي ـ وهو استثناء في مواصفات كثيرة كما سنرى ـ التي بلغت خمسة أشهر. أما أقصرها فكانت رحلات محمد فريد وموسى كريم التي لم تصل إلى خمسة عشر يوماً.
في سنة 1901 قام المصري محمد فريد بسفرة إلى إسبانيا ولم يتجاوز فيما ذكره النظرة التقليدية القائمة على تمجيد الماضي العربي للأندلس وعظمة الآثار الذي تركها فيها المسلمون. وعن مظاهر الحياة المعاصرة كان تقليدياً أيضاً وكعادة غيره يتم ذكر مصارعة الثيران دون إلمام بما يتعلق بها.
تلاه في زيارة إسبانيا السوري محمد كرد علي (1876 ـ 1953) وذلك سنة 1922، ومن بين إشاراته التي أبرزها في كتابه (التدهور الثقافي والمعرفي) ثم ما جاء في كتابه (غابر الأندلس وحاضرها) الصادر سنة 1923، وكذلك في (المذكرات) قارن ما بين عرب الأندلس خلال حكمهم لها والأسبان المتخلفين حضارياً، وبين كيف أنهم كانوا يكرهون الاستحمام والاغتسال. أما الأسبان المعاصرون فهم، في رأيه، متهورون وقساة مع الآخرين وحتى مع أنفسهم، وأنهم يكرهون الأجانب. وإذا كان بعضهم يتميز باللطف والكرم، فذلك، في رأيه، إنما هو بفضل التأثير العربي فيهم.
وننبه هنا إلى أنه؛ إذا كان إسباني اليوم لا يحب العربي فهذا لا يعني أنه لا يحب بقية الأجانب، بل على العكس من ذلك، يصل به الإعجاب مثلاً بالأمريكي أو البريطاني أو الألماني، إلى حد يوحي بشعوره بالدونية تجاههم.
ثم جاء بعده السوري موسى كريم سنة 1927 وهو لم يختلف عن سابقيه بالنواح على الماضي العربي لكنه أشار إلى ضرورة التواصل الحاضر مع الأسبان.
أما رحلة الشاعر التونسي سعيد أبو بكر سنة 1929 فقد كتب تفاصيلها في (دليل الأندلس كأنك تراه) الذي صدر الجزء الأول منه سنة 1933 في تونس. وتحدث فيه عن مشاهداته ومفارقات حدثت معه، كمثل أنه كان يلبس الطربوش، فصار هذا سبباً لأكثر من حادث. ومنها قيام أحد المطربين الشعبيين بأداء أغنية عنصرية ضد العرب في مقهى جلس فيه أبو بكر لتناول قهوته.
جاء بعده بعام واحد (سنة 1930) الرسام اللبناني مصطفى فروخ (ت 1957). وبالطبع كانت الحصة الأكبر من وقته لزيارة المتاحف والاطلاع على لوحات الفنانين الكبار لكنه هو الآخر لم يتردد في تذكر الماضي العربي والتغني بأيام ازدهار العلوم والفنون في قرطبة خلال حكم العرب ـ المسلمين لها، وتدهور حالتها في يومنا هذا.
أما أبرز هؤلاء فهو اللبناني ـ السوري الأمير شكيب أرسلان (1871 ـ 1946) الذي قام برحلته المعروفة إلى إسبانيا سنة 1930 الممتدة بين شهري حزيران وآب قام بضمنها بزيارة المغرب. نجده في أشهر كتبه (الحلل السندسية في الأخبار الأندلسية) يقوم باستعادة التاريخ العربي الإسلامي كاملاً، يؤرخ له ويعيش فيه حد التقمص، حيث نراه في إحدى صوره الفوتوغرافية ـ وربما الوحيدة ـ في إسبانيا، جالساً على مقعد وثير وسط مسجد قرطبة وبملابس عربية قديمة فارداً ذراعية على هيئة الخلفاء والسلاطين. وأشار إلى أن كتابه هذا سيكون عشرة أجزاء. لم تصدر منها إلا ثلاثة عن المطبعة الرحمانية في مصر 1936 ـ 1939 تضم 1379 صفحة. وكان أرسلان أكثر المتباكين على الماضي الأندلسي، وعبر لغة مفخمة ومسجوعة أحياناً، وبالتالي أكثر الرحالة ممن ساهموا في ترسيخ النظرة المسبقة التي ذكرناها.. بل أنه يصر على ربط الأندلس بدمشق في كل شيء وهذا ما سنلاحظ عواقبه على دارسيه وعلى لاحقيه كما سنرى عند نزار قباني مثلاً. فمن نماذج ما يقول :"ولا شك في أن هذا التشابه بين البلادين هو الذي حدا بعرب سورية على انتجاع الأندلس أكثر من أي بلاد سواها. لأن الإنسان يحب إذا تغرب أن يقع في أرض تشبه مسقط رأسه"(7). ومن نهجه في ترسيخ البكائية يقول:" وأما السائح الشرقي فإنه يقضي سياحته في إسبانية متأملاً غائصاً في بحار العبر، هائماً في أودية الفكر. كلما عثر على أثر عربي خفق له قلبه، واهتزت أعصابه، وتأمل في عظمة قومه الخالين، وما كانوا عليه من بعد نظر. وعلو همم، وسلامة ذوق، ورفق يد، ودقة صنعة. وكيف سمت بهم هممهم إلى أن يقوموا بتلك الفتوحات في ما وراء البحر في بحبوحة النصرانية، وملتطم أمواج الأمم الأوربية، وأن يبنوا فيها بناء الخالدين، ويشيدوا فيها ألوفاً من الحصون، وأن يملأوها أساساً وغراساً، كأنهم فيها أبد الآبدين. فلا يزال قلب السائح المسلم في الأندلس مقسماً بين الإعجاب بما صنعه أباؤه فيها، والابتهاج بما يعثر عليه من آثارهم، وبين الحزن على خروجهم من ذلك الفردوس الذي كانوا ملكوه، والوجد على ضياع ذلك الإرث الذي عادوا فتركوه، وأكثر ما يغلب عليه في سياحته هناك هو الشعور بالألم…"(8).
ومما جاء في حديثه عن مدينة بلنسية:"وفيها من كل نزعة عربية صحيحة، وكل عرق في العرب عريق. ومن مزاياها أنها متصلة بالبحر والجبل، فلا يزال عيشها هنيئاً، ولا يبرح سمكها طريئاً، وجبنها طريئاً، وإن لم يكن فيها سوى بساتينها التي لا يشبهها في الدنيا شيء سوى غوطة دمشق.."(9).. ألا يحق لنا التساؤل هنا عن فرق الجبن والسمك وهذه البساتين عن بساتين الدنيا الأخرى كالإيطالية المتوسطية المجاورة لإسبانيا.. مثلاً؟!!
وفي حديثه عن مرسية قال:" ومن الغريب اجتماع الضدين في تلك البقعة كما في دمشق، فإن الجبال فوقها كجبل قاسيون وغيره، جبال جرد وهضاب صلع، لا يكاد يرى فيها الناظر أدنى نبات، وحذاءها غوطة دمشق التي تضرب بها الأمثال. وهنا الحالة بعينها.."(10). بل ويصل الأمر بالتلبس حد طعم الفاكهة:" وأما لذة فواكه مرسية وكثرتها، فهما مما يكل عن وصفه القلم، فهي في ذلك كدمشق، وفيها كدمشق المشمش الذي لا نظير له.."(11).!!!!.
هذا وقد زار أرسلان مدينة الأسكوريال بمكتبتها الشهيرة بالمخطوطات العربية:" ولما زرت أسبانيا سنة 1930، أي من ست سنوات، ذهبت إلى الأسكوريال أنا واثنان من شبان المغرب النجباء، وسرواته الأدباء، وهما السيدان العالمان الفاضلان أحمد بلا فريج، ومحمد الفاسي الفهري.. فطوفنا في الأسكوريال مدة ساعات"(12). كما اتصل أرسلان بالمستعرب الأسباني الكبير آسين بلاثيوس.
وبالإضافة إلى تمجيده الغنائي/ البكائي للماضي العربي الإسلامي في الأندلس فقد أثنى على طابع الاعتزاز بالنفس والفخر وثبات الرأي وقوة العزيمة في شخصية الإسباني وبالطبع فإنه يعزوا كل ذلك إلى أنه من موروثات العرب فيهم!!.
المؤسف في الأمر أن صدى هذا النوع من الرحلات وتأثيره ينعكس لاحقاً على قارئيها ودارسيها ليتبنوا النظرة المسبقة ذاتها بل وأحياناً تلبس اللغة ذاتها، وكمثال على ذلك ما نجده في كتاب الدكتور سامي الدهان عن (الأمير شكيب أرسلان.. حياته وآثاره)(13). نقتطف من أقواله التالي، على سبيل المثال، كعينة لأسلوبه:"ولن يمل القارئ من هذه الصحبة الجميلة، لأنه يتعرف فيها إلى بيته وأراضيه ويتخيل من خلالها أسرته وأهله، فيتصور كيف عمروها وأسالوا فيها الحياة على أجمل ما تكون الحياة، وإن الإنسان لا يمل أن يطوف في أملاكه، وأن يطلع على خيراتها، وهذه الربوع قطعة منا لا تنفصل، وعضو من أعضائنا لا يُبتر، وفلذة من أكبادنا، نحن إليها حنين الابن البار لأبيه الفقيد حين يتذكر محاسنه ويتلو مفاخره، فيرفع الرأس تيهاً وفخاراً، ويعد أنه يحافظ عليها بالحب والتذكار، كما يحافظ على ما ورث من سكن يعيش فيه وبيت يأوي إليه سواء بسواء. ومن لنا بدليل أروع من هذا الدليل (يعني أرسلان) يقودنا ببيانه إلى هذا الفردوس الأرضي.."ص285.
ثم جاء أمين الريحاني (1876 ـ 1940) ليدون مشاهدات رحلته في كتابه " نور الأندلس"(14) والتي يصل فيه الأمر إلى حد يعتبر فيه إسبانيا بلداً عربياً آخر.. ومثل غيره يملأ رحلته بهوامش التاريخ ومعلوماته وتطغى العاطفة وخاصة عند زيارته لأشبيلية وتذكره للملك الشاعر المعتمد بن عباد، وكذلك عند زيارته لقصر الحمراء في غرناطة :"زرت الأندلس فوقفت في (الحمراء) في الغرفة التي كتب فيها واشنطن آرفين كتابه النفيس، فسمعت أصواتاً تناديني باسم القومية ومن أجل الوطن وتدعوني إلى مهبط الوحي والنبوة"!!(15). وهنا نجد، إضافة إلى تأثير الموروث الكلاسيكي العربي والأدبي عن الأندلس، تأثيرات الكتاب الرومانسيين الغرب عنه. وهذا أمر أشارت إليه بدورها المستعربة نييبس بقولها : هذا الأندلس الذي تمت إعادة بنائه نصياً من خلال قائمة طويلة من الكلاسيكيين العرب ومن الأعمال الاستشراقية الأوربية وأيضاً من قبل الكتاب الرومانسيين الغربيين (….) مما صار يعني مرحلة من المجد التي يفخرون بها بمثابة عزاء لسوء حاضرهم، فراحوا يظهرون من خلالها متفاخرين أمام أوربا التي تهيمن عليهم، ولسان حالهم يقول: أنتم سادة هذا العصر ونحن كنا سادة عصر آخر(16).
ربما يكون الفلسطيني نجاتي صدقي (1905 ـ 1979) هو الاستثناء عن القاعدة السابقة ـ أي عدم تبنيه للنظرة المسبقة ـ وقد يكون ذلك بحكم تكوينه الثقافي والسياسي وكذلك الظرف الذي زار فيه إسبانيا أيام الحرب الأهلية الإسبانية في الثلاثينات، فهو شيوعي أوفدته منظمة "الكومنترن" إبان الحرب الأهلية كي يتوجه إلى الجنود المغاربة للتخلي عن القتال إلى جانب فرانكو ضد الجمهوريين، بل وأسهم في تأسيس الجمعية الإسبانية ـ المغربية في مدريد. وإلى جانب هذا الدافع الحزبي هناك دوافعه الصحفية أيضاً، لذا لا نجد في مذكراته صبغة البكائيات تلك وإنما يتسم أسلوبه بين عرض الأبعاد الفكرية والسياسية والسرد الواقعي الواصف، بحيث نجده يتحدث عن شخصيات بعينها وبأسمائها وحالاتها الاجتماعية الخاصة وظروفها العائلية والحزبية، كما هو واضح في مذكراته، وتحديداً في الفصل الثامن المعنون: (الحرب الأهلية الإسبانية)(17).
الرابعة: النصف الثاني من القرن العشرين، حيث أننا نلاحظ بعض بوادر التغير في التسمية من (الأندلس) إلى (إسبانيا)، وهذه الوجبة من الرحلات، بدورها، يمكننا تقسيمها إلى اثنين: المدونة وغير المدونة. الأولى، المدونة، هي في أغلبها، لباحثين ودارسين. أما الثانية، غير المدونة، فهي لمثقفين ومبدعين معاصرين.
زار السوري عماد الدين التكريتي إسبانيا في أوائل الخمسينات، وأصدر على ضوء هذه الرحلة كتابه (إسبانيا .. موطن الأحلام)(18). حيث يصف الدكتور الخليفة(19) التكريتي بأنه:" من أكثر الرحالة العرب مبالغة في آرائه وأحكامه، فقد صنف هذا الكاتب الأسبان في عداد الملائكة، واعتقدَ بأن هذا الشعب يعتز بشدة بماضيه العربي.. ولا يعلم التكريتي بأن هناك شريحة مهمة من المجتمع الأسباني لا يرغبون بسماع كل ما له صلة بالتأثير العربي في الحياة الإسبانية، وهناك من يود شطب تلك الحقبة التي تواجد العرب فيها على هذه الأرض من تاريخ إسبانيا (..) ويستمر التكريتي في نظرته المتفائلة فيرى بأن كل ما يوجد في إسبانيا هو عربي، وهو يعتقد بأن الدم العربي لم يختلط بالدم الإسباني فحسب، بل أنه انتشر في الأمريكتين عن طريق هؤلاء الرجال الذين رافقوا كريستوفر كولون، والذين كانوا، حسب رأي التكريتي، من أصول عربية. ويسمي غرناطة بشام الأندلس، ويرى بأن الموسيقى الشعبية الإسبانية المعاصرة وريثة للموسيقى العربية. وهو يخترع لكلمة (فلامنكو) أصلاً عربية فيقول: ومن الجدير بالذكر أن بعض علماء اللغة (!!!) يجدون أن كلمة فلامنكو هي ذات أصل عربي تعني: فلا: فلاّح.. ومانكو: أغنية، أي أغنية الفلاح. ولا شك بأن الإصغاء إلى هذا النوع من الأغاني ليذكرني ببعض الأغاني العربية الشعبية التي نسمعها في الريف والتي يحييها الأخوان رحباني الآن كـ "يا رايحين مشرق"ص119.
الباحث والكاتب المصري د.حسين مؤنس(20)، زار إسبانيا للمرة الأولى سنة 1940 ولكن ما كتبه يأتي بعد إقامته فيها كمدير للمعهد المصري للدراسات الإسلامية ما بين الأعوام 1905 و1969. فنشر كتابه (رحلة الأندلس .. حديث الفردوس الموعود) سنة 1963. وقد أنجز د. حسين مؤنس الكثير من الدراسات والأبحاث المتعلقة بشأن الثقافة الأندلسية كما قام بترجمة العديد من الكتب من الإسبانية إلى العربية، وهو الوحيد، تقريباً، من بين الذين ذكرناهم يجيد التحدث باللغة الأسبانية. ولكنه وعلى الرغم من طول المعايشة والنفس الأكاديمي والبحثي عنده، إلا أنه، هو الآخر، قد غلبته العاطفة والنظرة المسبقة:" هناك ضربت أشجار عربية جذورها في تربة أوربية، فأخرجت ثمراً غربي وطعمه شرقي". وهو بنفسه يشخص ذلك دون أن يسلم منه:"حيثما حللت في أوطان العرب وجدت الأندلس على كل لسان: من رآه يحلم بما رآه، ومن لم يره يحلم بما يمني النفس برؤيته. والأندلس عندهم جميعاً بلد عربي قائم بأهله ومدائنه وعلمائه وشعرائه ومجده الذي كان"(21).
النوع الثاني، وهم الذين قدموا في الربع الأخير من القرن العشرين، وغالبيتهم من المثقفين المعاصرين والدارسين لاختصاصات غير الأندلسية التقليدية ثم المهاجرين والسياح والذين صار عددهم يعد بالآلاف. وهؤلاء بشكل عام لم يقوموا بتدوين رحلاتهم في كتب خاصة ضمن الجنس الأدبي المعروف للرحلات، ونعزو ذلك ربما لمتغيرات العصر وتمكن وسائل الإعلام والصحافة من التغطية وبالتالي ضمور أدب الرحلات بشكل عام، لكننا سنتعرف على طبيعة إقامتهم ورؤيتهم من خلال المقاطع المتناثرة في مذكرات أو مقابلات صحفية أو في نصوصهم الإبداعية، ونعني تحديداً من هؤلاء، كنماذج، المثقفين المعاصرين أمثال: نزار قباني وعبدالوهاب البياتي (أقاما لسنوات طويلة دون أن يعرفا اللغة الإسبانية).. هؤلاء قد كانوا أكثر سعياً نحو التعرف على الثقافة الإسبانية المعاصرة إلا أنهم لم يتخلصوا تماماً من هيمنة النظرة العاطفية المسبقة على ذهنياتهم، فالبياتي قد عرف ببكائياته (في القصائد) عند أسوار غرناطة وتحت خيرالدا أشبيلية وتقمصاته لشخصيات أندلسية.. وغيرها. أذكر أنه عندما قابلته في مدريد سنة 1988 شدد بنصحه لي في أن أقوم بزيارة الآثار الأندلسية، معتبراً أنها ضرورة، ومستخدماً الرؤية العاطفية ذاتها، لكنه حين وجد انعدام الرغبة عندي. قال: على الأقل طليطلة فهي قريبة. قلت له: أعرف كل ذلك من الكتب ولا حاجة بي لملامسة الحجر كي أتأكد من حقيقته.. فضحك عندها ودعاني لمشاهدة فلم أمريكي يعتمد التقنيات الحديثة في السينما. أمر كهذا يؤشر، بالنسبة لي، نوع من بداية تحول مازال يحمل في طياته: الثنائية.. أي بين هيمنة النظرة المسبقة والنظرة الواقعية المعاصرة، ويدلل على ذلك ما نجده من تنوع في قصائد البياتي ذاتها، حيث أن بعضها يتعلق بالأندلس والآخر بمعاصرين أسبان كلوركا وألبرتي وسلفادور دالي وبيكاسو.
أما نزار قباني فهو وريث وفيّ للنظرة المسبقة حيث نجد فيما كتبه عن إسبانيا؛ إعادةً وتمثلاً كاملين لها، وترديداً يكاد يكون نصياً لما كتبه رحالة الشام ـ خصوصاً أرسلان ـ الذين كانوا يربطون كل أندلسي بسورية ودمشق، وقصيدته (غرناطة) معروفة بهذا الشأن، ثم نجد موجز نظرته بالمقطع التالي المفعم بالنظرة المسبقة والمستعارة سلفاً والمحتشدة بالمبالغة واللاواقعية والتهويم العاطفي الذي يمكن توصيفه حتى بالمرضي وخاصة عندما يتحدث عن قطة (حتى وإن أردنا تأويلها كرمز لامرأة) تختاره وحده من بين مئات السائحين لتبثه أشجانها وتتغزل به (عربياً)!!!، فهو يقول:" أما التجربة الإسبانية في حياتي (1962 ـ 1966) فقد كانت مرحلة الانفعال القومي والعاطفي. إن إسبانيا ـ بالنسبة للعربي ـ هي وجع تاريخي لا يُحتمل، فتحت كل حجر من حجارتها ينام خليفة، ووراء كل باب خشبي من أبوابها.. عينان سودوان، وفي غرغرة كل نافورة في منازل قرطبة، صوت امرأة تبكي.. على فارسها الذي لم يعد.. السفر إلى الأندلس، سفر في غابة الدمع. وما من مرة ذهبت فيها إلى غرناطة، ونزلت في فندق (الحمراء) إلا ونامت معي دمشق على مخدتي الأندلسية. روائح الياسمين الدمشقي، وعبير الأضاليا، والنارنج، والورد البلدي، كانت تشاركني غرفتي في الفندق.. حتى مواء القطط في حدائق (جنات العريف) في غرناطة.. كان مواءً دمشقياً.. وأنا لا أزال أذكر حتى الآن قصتي الدراماتيكية مع قطة من قطط غرناطة، تركت مئات السائحين الأجانب يتجولون في حدائق (جنات العريف).. واختارتني وحدي.. لتبثني أشجانها، وتغازلني غزلاً عربياً لا يعرفه تاريخ القطط.. كانت تلتصق بي التصاق امرأة عاشقة، وتمر بلسانها على وجهي ورقبتي.. وتفتح أزرار قميصي الصيفي لتنصت إلى ضربات قلبي. هذه القطة من تكون؟. لقد مرت خمس سنين على التقائي بها، ولا أزال مقتنعاً أنها تنحدر من سلالة قطة عربية جميلة، جاءت على نفس المركب الذي حمل طارق بن زياد إلى الساحل الإسباني في القرن السابع (..) تغلغلت إسبانيا في مساماتي، وحروفي، وفواصلي.. وهذه التأثيرات الإسبانية ارتسمت بوضوح في مجموعتي الشعرية (الرسم بالكلمات) 1966 وفي قصيدتي النثرية (مذكرات أندلسية)"(22).
أما خطورة هذه القضية فيكمن في هذه النظرة الجاهزة التي يتواصل اجترارها من قبل مجمل الزائرين العرب العابرين حتى اليوم، بحيث أنه قد صار بإمكان أي عربي أن يكتب رحلته إلى الأندلس، بهذا اللغة والنظرة ذاتها، حتى دون أن يغادر بيته.. حيث يتواصل العزف على النغمة ذاتها في كل ما تتم كتابته من قبل هؤلاء.. سواء أكانوا مثقفين أو غيرهم.. بل أن الأمر يتردد صداه حتى في ألأدلة والمجلات السياحية العربية بشكل يدعو للسخرية أحياناً، وسننهي ذلك بمقاطع من مقال كتبه السعودي سعيد عبدالله الغامدي(23):" حكاية إسبانيا مع زائرها لا تنتهي فكلاهما يبادل الآخر سيلاً من العشق لا تصده حدود ولا تحول دونه حواجز، هكذا وثق العرب الأولون لنا الخيوط بهذه الأرض وها نحن بمشاعرنا نزيد الروابط قوة وإحكاماً (..) بيننا وبينهم شبه كبير. عادات الشعب الأسباني وكيفية ممارسته لطقوس يومه تبدو متشابهة إلى حد كبير مع عاداتنا كعرب ونحسب أن ظلال التأثير العربي قد طالت طبائع هذا الشعب. فالملابس الإسبانية عربية التصاميم وكذا الألوان أيضاً حتى أنك يصعب عليك التعرف على الشخص الأسباني إلا بعد ما يبدأ الحديث معك.."
وهكذا تتوالى المبالغات المجانية وغير الصحيحة، فلا يجمع اللبس الإسباني اليوم بالعربي أي شيء على الإطلاق إلا إذا كانا يتشابهان كلاهما بلبس بنطلون الجينز الأمريكي، أما الألوان فهي الألوان ذاتها وبتنوعها في كل ملابس البشر.
ويتابع:".. تبدو وجوه الاتفاق أكثر وأكثر حال زيارتك للريف الأسباني لترى بعين المحب الحياة البسيطة كحياتنا تماماً وترى أيضاً كيف يقطع المزارعون، المسافات للوصول إلى مزارعهم إما سيراً على الأقدام أو على ظهر الحمير.."!!..
وهلم جرا من سيل الكلام المجاني الباحث عن أية تهويمات لفرض التشابه والتأثير.. وكأن بقية فلاحي الدنيا وفي دول كالهند وأمريكا اللاتينية وكل العالم لا يذهبون من قراهم إلى حقولهم المجاورة مشياً على الأقدام أو على ظهور الحمير.. وإنما بالطائرات!!!.
هناك من يحاول حتى أن يختلق لأكثر المسائل الإسبانية خصوصية جذراً أو تأثيراً عربياً كمصارعة الثيران مثلاً. وبعضهم يصف وجود الأبناء في بيت الآباء هو من تقاليد الروابط العائلية بينما المشكلة الحقيقية، على الواقع، هي مشكلة اقتصادية تتعلق بالغلاء الفاحش لأثمان الشقق.. وغير ذلك الكثير.. على ضوء هذا، وبحكم معايشتي الطويلة، يمكن الجزم بأن العربي الأمي والمغامر المغربي الذي يعبر المضيق في قوارب الموت ويعيش في الشوارع بشكل غير قانوني، نجده بعد فترة من الزمن يتحدث إسبانية الشارع وأفضل معرفة بعادات الحياة اليومية الإسبانية وقوانينها وتفاصيلها ، بشكل أدق وأكثر بكثير من ذلك الذي يأتي إليها زائراً ومثقفاً مشبعاً بالنظرة المسبقة التقليدية المستقاة من الكتب والتصور الشعبي العربي العام. يقول الدكتور الخليفة في معرض حديثه عن كتاب الرحلات الذين ذكرناهم إن:" معظم الرحالة العرب الذين زاروا إسبانيا لم يكونوا يعرفون اللغة الإسبانية، الأمر الذي حال بينهم وبين الفهم السليم والإدراك العميق للشعب الإسباني ولعاداته وتقاليده وسلوكه"(24).
وتخلص المستعربة د.نييبس بعد دراستها لمدونات الرحالة العرب إلى إسبانيا بالقول: وجدنا لديهم إعادة الاكتشاف العاطفي المنفعل في مظاهره الأساسية، أرادوا أن يكون (الأندلس) ماضيهم هم وحدهم وحسب. كلهم ـ باستثناء صدقي ـ قد جاءوا إلى إسبانيا يشدهم شيء واحد.. ألا وهو :الماضي الأندلسي. يتحدثون عن تأثيرات ثقافية أو امتزاج، طبعاً، فقط يوافقون عليه إذا ما كان يصب في اتجاه واحد: التأثير العربي بالإسبانيين وليس العكس أبداً.
كما أنهم يأخذون الأندلس ككل واحد بحيث يصبح هو نفسه سواء أكان أندلس القرن الثالث عشر أو الخامس عشر. إن هؤلاء الرحالة يجعلون من الأندلس حالة أسطورية ومثالية خالية من العيوب لتكون نموذجاً تحتذي به أمتهم.. فكانوا يقدمون ـ في كتاباتهم ـ أندلساً متخيلاً أكثر مما هو واقعي، سهل وأحياناً إلى حد السذاجة.. يقودهم فقط إعجاب لا حدود له بذلك الزمن المثالي. وعليه فإن كتاباتهم المكرسة بكليتها للأندلس، على هذا النحو، تنتهي لتركن في الظل أي اهتمام بما هو إسباني عام أو واقعي، وبما أنهم ليس لديهم معرفة باللغة الإسبانية وآدابها، فإن جل علاقاتهم الثقافية كانت تقتصر على المستعربين. وكان الحل الذي يلجأون إليه في تدوين ما يتعلق بالمعلومات عن الواقع الإسباني الجديد هو المصادر الأجنبية، وغالباً ما تكون فرنسية، والتي عرف عنها نظرتها السلبية(25)، يوافقون عليها ويترجمونها ثم يدونونها، وهكذا تمضي لتشكل بدورها مصدراً للصورة العامة للإنسان الإسباني.
الأخيرة: وهي المتمثلة بالذين جاءوا في الأعوام الخمسة الأخيرة من القرن العشرين ومازالت إقامتهم ممتدة في بدايات القرن الحالي من طلاب ومهاجرين ولاجئين ومثقفين يعرفون اللغة الإسبانية ويعيشون حالها اليومي بكل نواحيه الثقافية والاجتماعية والسياسية وبعضهم تزاوج هناك وقرر البقاء نهائياً.. هؤلاء جاءوا محملين بالنظرة المسبقة ذاتها لكنهم، ومع مرور الوقت، راحوا يتخلصون منها ويتعاملون مع الأمر بواقعية حقيقية وتفاعل حي.. ومن بين ممن يكتبون منهم، مثلاً، العراقيين: عبدالهادي سعدون، محسن الرملي، باهرة محمد، خالد كاكي، نرمين إبراهيم وغيرهم.. حيث نجد صدى النظرة الأولى في كتاباتهم الأولى في إسبانيا ومقارنات مدنها بمدن العراق فيما تنتبه الكتابات اللاحقة إلى الأمر.. إلى حد نجد فيه ردة فعل تكاد صريحة ومعاكسة:"هذه ورقة كتبها مهاجر عربي في إسبانيا (moro) كان يشعر دائماً أنه أحد الجنود الذين عبروا مع موسى بن نصير، ونُسي هنا حتى بعد الانسحاب وسقوط غرناطة، لكن الواقع يوقعه بالتناقض: حين يتذكر أنه جاء ليصبح سيداً فأصبح خادماً أو لصاً ينام في عُلب الكارتون"(26). " قرفتُ غرناطة وسيل طنين الحنين العربي الزائف إليها (ندعوا لأندلس إن حُوصِرَت حلب) وكدتُ تنفيذ قراري بهجرها ودراستي إلى الأبد"(27).
" س:ـ إسبانيا "الفردوس المفقود"، الأندلس، ما مدى ضغط التاريخ على ذاتك وأنت تجوب شوارعها وتحتك بالمواطنين الأسبان في مغتربك هناك؟.
ج:ـ بالنسبة لي، لا أزعم ما يزعمه البعض من العرب تجاه ضياع الأندلس "كفردوس مفقود"، صحيح أن الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس كانت حضارة راقية ومازالت معالمها شاخصة حتى الآن ولكنني أرى أن نلتفت إلى إشكاليات قضايانا وواقعنا الحالي ونعمل على معالجته وإنمائه أكثر من الحلم بـ "فردوس مفقود".. إنني أتعامل مع الأماكن بموضوعية وواقعية وحنيني جارف تجاه الأماكن العراقية وليس سواها، لأن العراق هو الذي يهمني وليس الأندلس، فالأندلس الآن إسبانيا، وهي تعيش بخير وبحال أفضل من بلداننا العربية.. لذا لا أفهم كيف ينادي البعض باستعادة الأندلس وإنقاذ "الفردوس المفقود"!!.. فلننقذ فلسطين أولاً أو العراق أو الجزائر.. وغيرها"(28).
-------------------------------------------------------------
هــوامــش:
1 فخري صالح، أمة تعيش في الماضي، مجلة (عمان) العدد 97، الأردن 2003، ص9.
2 د.سامي الدهان، الأمير شكيب أرسلان.. حياته وآثاره، دار المعارف بمصر 1960، ص267.
3 المصدر السابق نفسه، ص 268.
4 Nieves Paradela Alonso, El Otro laberinto espanol – Viajeros arabes a Espana entre el S.XVII y 1936, Edicion de la Universidsd Autonoma de Madrid, 1993.
5 د.وليد صالح الخليفة، إسبانيا والأسبان في أدب الرحالة العرب، مجلة (ألواح) العدد 10 سنة 2001 مدريد.
6 المصدر السابق نفسه، ص28. وللمزيد من المعلومات عن رحلة الغزال راجع: Mariano Arribas Palau. Algunos datos sobre el viaje por Espana del embajador marroqui Al-Gazzal 1766, Actas de las II jornadas de Cultura Arabe e Islamica, institituto Hispano-Arabe de Cultura, Madrid 1985, pag.57.
7 شكيب أرسلان، الحلل السندسية، المطبعة الرحمانية في مصر،1936ـ1939م، ج1، ص 24.
8 المصدر السابق نفسه، ج1، ص 303.
9 المصدر السابق نفسه، ج3، ص 45.
10 المصدر السابق نفسه، ج3، ص 243.
11 المصدر السابق نفسه،ج3، ص 399.
12 المصدر السابق نفسه، ج1، ص 359.
13 د.سامي الدهان، مصدر سابق.
14 قامت المستعربة الإسبانية كارمن رويث برابو بترجمة ونشر كتاب الريحاني بالأسبانية: Un testigo arabe del siglo XX: Amin al-Rayhani en Marruecos y en Espana (1939). Traduccion de Carmen Ruiz Bravo-Villasante. Ed. Cantarabia, Madrid 1993.
15 عصام محفوظ، حوار مع رواد النهضة العربية، دار رياض الريس للكتب والنشر، لندن 1988، ص 176.
16 مصر سابق (هامش 4)، ص 253.
17 مذكرات نجاتي صدقي، تقديم وإعداد: حنا أبو حنا، مؤسسة الدراسات الفلسطينية 2001، ص 122.
18 عماد الدين التكريتي، إسبانيا .. موطن الأحلام، مطبعة العلوم والآداب 1956.
19 مجلة (ألواح)، مصدر سابق.
20 يمكننا ، أيضاً، أن نعتبر مؤنس كعينة ونموذج لجيل كامل من العرب القادمين إلى إسبانيا وهم رواد الأكاديميين الدارسين في جامعاتها ومتخصصين، أغلبهم، بالأدب والتراث الأندلسي، دون أن يدونوا رحلاتهم وإقاماتهم بشكل كامل ومستقل، ومن هؤلاء: العراقيين: محسن جمال الدين، حمكت الآلوسي، عبدالرحمن الحجي، والمصري صلاح فضل واللبناني سيمون الحايك والفلسطيني محمود صبح.. وغيرهم.
21 د. حسين مؤنس، رحلة الأندلس .. حديث الفردوس الموعود، الشركة العربية للطباعة والنشر، القاهرة 1963.
22 نزار قباني، قصتي مع الشعر، منشورات نزار قباني، بيروت 1973، ط1 ص 106-109.
23 مجلة (أجنحة المسافر) ، العربية السعودية، العدد 1436 بتاريخ 28/8/2002م.
24 مجلة (ألواح)، مصدر سابق.
25 هناك دراسة قيمة للإسبانية كارمن إيغليسياس بعنوان (إسبانيا من الخارج) تتناول فيها نظرة الآخرين، الأوربيين عموماً ومنهم الفرنسيين إلى الإنسان الإسباني، وهي بمجملها سلبية تصفه بالتهور وعدم التنظيم والانفعالية والكسل وغيرها وقد ضمها كتاب مشترك أصدرته الأكاديمية الملكية الإسبانية للتاريخ سنة 1997 بعنوان: Espana..Reflexiones sobre el ser de Espana
26 محسن الرملي، أوراق بعيدة عن دجلة، دار أزمنة/ الأردن ودار ألواح/ مدريد 1998، ص21.
27 المصدر السابق نفسه، ص 52.
28 من مقابلة صحفية مع محسن الرملي نشرت في صحيفة (الزمان) العدد 120 بتاريخ 8/9/1998/ لندن.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نص المشاركة في ندوة مجلة (العربي) عام 2003 حول (الغرب بعيون عربية) ونشرت في (العربي) الكويتية.

*ونشرت ضمن كتاب (الغرب بعيون عربية) سلسلة (كتاب العربي) العدد 60 سنة 2005 الكويت.

أسئلة الثقافة العراقية



أسئلة الثقافة العراقية الآن

توجهتْ صفحة "ثقافة" إلى عدد من مثقفي العراق بحزمة أسئلةٍ تتعلق بالثقافة وعلاقتها بتشكيل هوية العراق، هنا نصّ الأسئلة: لم يغادر العراق الأسئلة المفتوحة الكبرى التي تتعلق بهويته منذ تأسيس الدولة العراقية وإلى اليوم. ويبدو ان "عراقين" اثنين تناوبا على رسم الصورة الكليّة لدولتنا،
الأول نتاج ثقافةٍ تجد امتدادها في الإرث الحضاري لعراق ما قبل التأريخ مروراً بالعراق العربيّ وصولاً لعراقٍ خارج من ركام الإيديولوجيات إلى فضاء الحرية الفادحة، يقابله عراق آخرُ كوّنتْه وقائع سياسيّة حفلتْ بكل ما هو مأساوي ومضادّ للانسانية والمواطنة.صورة هذا العراق "المزدوج" تعيد علينا ذات الأسئلة التي تضع الثقافة العراقية في أفق تأجيل دائم. أسئلة من قبيل: هل هناك ثقافة عراقية؟ ما سماتها؟ ما أهليتها في تمثيل العراق والدلالة عليه؟ هل تسهم ثقافة كهذه ـ إن وجدتْ ـ في التأثير على الوقائع السياسية والاجتماعية المتلاحقة؟ وبعد كل ذلك هل تمكنتْ هذه الثقافة من الانخراط في عصرها الذي جعل من المكوّن الثقافيّ فاعلاً بمقدار فاعلية المكوّن السياسيّ؟أية ثقافة عراقية الآن؟ وأية ثقافة عراقية غداً؟بصفتك مثقفاً عراقياً تتوجه اليك صفحة (ثقافة) في صحيفة الصباح بهذه الحزمة من الأسئلة، وتطمح أن تضيئها برؤاك. وأدناه أجوبة : محسن الرمليّ.
-------------------

د. محسن الرملي :
التطلّع الى الجديد وعدم التردّد في التجريب

كاتب واكاديمي عراقي مقيم في اسبانيا

هذه أسئلة كبيرة ومهمة علينا أن لا نكف عن طرحها وإعادة طرحها في كل مرحلة، والإجابة عليها تحتاج إلى دراسات واسعة ومتواصلة وموضوعية وتطبيقية من حيث التحليل ومن حيث قابليتها للتطبيق أيضاً. بالتأكيد هناك ثقافة عراقية يمكن تمييزها بيسر حتى عن أقرب الثقافات الأخرى المجاورة لها جغرافياً ولغوياً بما في ذلك ثقافات البلدان العربية، ومن أبرز سمات الثقافة العراقية انها ثقافة ثقافات أي أنها ليست بوجه ولون وبُعد وأصل واحد وإنما هي مزيج من تعدد ثقافي سواء من حيث تعدد مصادرها التي ورثتها بخطيها الرسمي العام والشعبي، كتعدد الحضارات، اللغات، العرقيات، الأديان، المذاهب، الأيديولوجيات، التجارب.. وغيرها، إضافة إلى تنوعها وتعدد ألوانها وفق المراحل.. وربما هي من أكثر الثقافات في العالم التي مرت ومازالت تمر بمراحل مختلفة ومتقلبة وتتعرض لهزات عنيفة في كل عقد تقريباً منذ أن وجد العراق على هذه الأرض. وبعض السمات الأخرى التي أشارت إليها بعض دراسات حنا بطاطو وعلي الوردي ورشيد الخيون وسليم مطر وسلام عبود.. وغيرهم.
ما يميز الثقافة العراقية أيضاً ويدل عليها هي تلك السمات الجوهرية الثابتة فيها على الرغم من كل ما تعرضت وتتعرض له من هزات قوية ربما لو تعرضت لها ثقافة أخرى، غير العراقية، لما صمدت أمامها ولتبدلت تماماً أو اندثرت، وهذه السمات الرئيسة أو المحورية أو الأصيلة التي أعانتها على الحفاظ على لون هويتها هو ما يفترض بنا أن ندرسه ونعيد التعرف عليه ونؤشره بشكل عميق وجلي وننطلق منه فيما يتعلق بالكيفية التي علينا التعامل بها وطبيعة توظيف الدور الثقافي. ومسؤولية إعادة طرح الأسئلة ومحاولة الإجابة عليها فيما يتعلق بالهوية وبمعرفة الذات والتعريف بها هي مهمة اضطلع بها المثقفون كما هو الأمر في تجارب شعوب أخرى عندما مرت بمراحل شبيهة بالمرحلة التي نمر بها الآن، ومن ذلك على سبيل المثال تجربة الألمان واليابانيين وتجربة جيل الـ 98 الإسباني الذي تحدث حينها عن (إسبانيتين) كما نتحدث نحن الآن عن (عراقين) أو أكثر، وبفضل ما قاموا به من مراجعة وتشخيص لسمات وخصائص الهوية الذاتية لثقافاتهم تمكنت شعوبهم ونخبهم السياسية من معرفة الطريق الأصح في النهوض. وبلا شك أن الوجه الثقافي هو الأفضل والأنصع والأصح في تمثيل العراق والدلالة عليه وليس الوجه السياسي الذي هو الآن وجه بلا ملامح وإن كانت فهي مرتبكة ومشوهة ومريضة وهزيلة. كذلك فإن المثقفين ونتاج ونشاطات الثقافة العراقية لم يكفوا عن انخراطهم وتفاعلهم وفاعليتهم في العصر، لهم تواجداتهم وحضورهم الآن في العراق وفي كل بقاع الأرض وهم على الرغم من كل ما عانوه إلا أنهم لم يتخلوا عن تمثيل ثقافتهم باعتزاز وعن الاطلاع والافادة والتفاعل مع الجديد والمعاصر فكرياً وثقافياً وفنياً.. وهذه إحدى السمات البارزة في المثقف والثقافة العراقية أنها دائمة التطلع إلى التجارب الجديدة وعدم التردد في التجريب. الثقافة والمثقف العراقي الآن لا تنقصهما القدرة الغنية على الإبداع أو التفكير أو العطاء وإنما الذي يحد من فعله هو الافتقار إلى المناخ المناسب والسبل والأدوات المناسبة، أي الأمان والحرية والفرصة ووسائل الطباعة والنشر والتوزيع والتوصيل، لأن السياسي والاقتصادي والعسكري هم الذين يهيمنون على كل ذلك الآن، إلا أننا نعلم بأن حال كهذا لن يدوم وعلى المثقف أن يسعى بما يتمكن من تغييره ورفع الصوت بالمطالبة دون الانضواء تحت إبط السياسي والاقتصادي والعسكري بدوافع وأغراض شخصية خاصة وانتهازية مؤقتة، وأن يكون دوره إلى جانب السياسي يصب في صالح الثقافي، أن يحاول التأثير على السياسي لصالح الثقافي وليس العكس، فلا يسمح أن يقوم السياسي باستخدام المثقف والثقافي كبوق تسويق لصالحه. شخصياً لم ولا أفقد ثقتي بقدرة المثقف والثقافة العراقية على الصمود والنهوض والخلق والإبداع أبداً حتى في حال أن وصلت إلى اليأس من كل الجوانب الأخرى إلا انني لا أفقد أملي أبداً بعطاء الثقافة العراقية اليوم وغداً.
-------------------------------------------------
*نشرت في صحيفة (الصباح) العراقية/العدد 934 بتاريخ 13/9/2006م.