الجمعة، 30 يناير، 2009

مسرحية / البحث عن قلب حي


البحث عن قلب حيّ
مونودراما
محسن الرملي

كتبت هذه المسرحية بتاريخ سنة 1990م خلال عيد رمضان.
*نشرت ضمن مجموعة مسرحيات (البحث عن قلب حي) في الكتاب الصادر عن دار ألواح، سنة 1997 مدريد.
* نشرت في مجلة (القلم الأدبي) العدد الثاني 2007 لندن، وفي أكثر من موقع مختص بالمسرح منها موقع (مسرحيون).
*نشرت بالإسبانية في مجلة (آدي تياترو) أهم المجلات الناطقة بالإسبانية ومختصة بالمسرح، في العدد 115 سنة 2007.
http://muhsinalramli.blogspot.com/2008/12/teatro.html
*ترجمت إلى الإنكليزية أيضاً.
http://muhsinalramli.blogspot.com/2008/12/theater-in-english.html
*تم إخراجها بأكثر من صيغة ومن قبل عدة مخرجين وقدمت في عدة مهرجانات عربية مثل:
ـ مهرجان الشمال الرابع في إربد/الأردن سنة 1993.
ـ مهرجان فلادليفيا الرابع للمسرح الجامعي في الأردن سنة 2004.
ـ مهرجان أيام المسرح للشباب في الكويت سنة 2005، وحاز العرض على أربع جوائز.
ـ مهرجان المسرح العُماني الثاني من قبل فرقة الفن الحديث، في سلطنة عمان، مسرحية الافتتاح 2006.
ـ مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي الدورة الثامنة عشر 2006.
*وكتب عن عروضها أكثر من مقال ورأي، كما وصفها الفنان والمخرج العراقي المعروف كريم جثير وفي مقال له في صحيفة (المغترب) العدد 322 الصادرة في كندا 2000 قائلاً: "من خلال الحوار المؤثر يكشف هذا النص عن معاناة الشخصية الرئيسية في عملية بحثها عن قلب حي أو عن شخص يتبرع بهذا القلب. وإذا كان المؤلف قد أدان الآخرين الذين لا يستحقون تضحية الأخ فإنه يعيد الأمل مرة أخرى بتضحية الأخ بقلبه له دون أن يتنكر إليه وبذلك يكون جديراً بالتضحية...".
*ومما جاء في مقدمة كتاب (البحث عن قلب حي) عما يخص ظروف كتابة هذه المسرحية: " لقد كتبتُ هذه المسرحية حين أُعتُقلَ أخي فكنتُ وعائلتي نعيش قلق اللحظات المدمرة. ولشدة حبي له كنت على استعداد لفعل أي شيء لإنقاذه. ولم تكن ثمة وسيلة لذلك، حينها وقع بين يديّ خبر في صحيفة عن شخص يتبرع بقلبه لأخيه، فانبثقت كل هواجسي تجاه هذه النقطة ورحت أكتب بكامل رغبتي لفعل هذه التضحية حقيقة".
------------------------------
النص:
البحث عن قلبٍ حي
(مـونـودرامـا)
د.محسن الرملي


.. مهداة إلى أخي العزيز حسن
ـ1990ـ
-----------------------------------------------

" في ممر ضيق، داخل أحد المستشفيات، وعلى جانبي الممر أبواب مُرَقمة. يَخرج (هو) من أحدها ماسحاً عينيه، يُثقل حركته الألم والحزن الحادين فيستند أحياناً على جانبي المَمر.. قَلِقٌ أمام الباب الذي خَرج منه والذي يَفتحه ليُطلَ برأسه إلى داخله بين الفينة والأخرى، وليعود بألم أشد... وحيد في الممر الطويل..".
هـو:ـ تُرى هل ستَحضَر عيد ميلادكَ بعد أسبوع؟.. لابد من ذلك، فأية غربة مرّة تلك التي ستُطفئ الشموع في غياب صاحب العيد؟.. بل أيّ عيد؟!.. فلا معنى للفرح بميلادك إذا كنتَ غائباً عنه.. لابد أن تَحضر.. سوف تُشفى وتَحتفل.. ونَحتفل.. ولكن أيّة هدية سأُقدم لك..؟ ما هي الهدية التي يقدمها إنسان إلى آخر هو أعز ما في الدنيا إليه؟.. عليّ أن أبحث عن هدية توازي حبي لك، وإن كنتُ أشك في العثور عليها.. لا.. لا ما جدوى الكلمات الآن.. إن الوقت يَضيق.. يَضيق ويُحاصرني كهذا الممر الخانق.. كيف؟.. فمَن ذا الذي يستطيع إحضاره في يوم واحد.. بل في ظرف سويعات (ينظر إلى ساعته) فلم يبق من يومك إلا أقله.. ولم يحدث شيء.. ولم أفعل شيئاً. ولَم أستطع إحضاره.. يااااه.. ما أبخلَك يا دكتور!.. تطلبه مني في يوم واحد فقط.. بينما تَحبل النساء تسعة شهور لتلد بعد فيض من الآلام قلباً صغيراً بحجم التَمرَة.. وأي قلب طلبت!.. قلب حيّ.. حيّ!؟ ما أندر ذلك!.. (ثم باتجاه الباب) صدقني أيها العزيز.. لو أُتيح لي أن أحبَل بآلام مخاض تسعين شهراً في ساعة واحدة مقابل أن ألِدَ لك قلباً لما ترددتُ (ينتبه) حقاً.. أتضرع إليك يا إلهي أن تتكرم علينا بمعجزة كهذه، ولا تُشفق عليّ مهما كانت آلامها.. أو.. أو قِسمة ما تبقى من عمري علينا.. وإلا فمِن أين لي أن أُحضر قلباً حياً لشخص مات بحادث أو بالقتل.. وقد بحثتُ.. ركضتُ طوال الأمس ولم أعد إلا الآن. سألتُ في كل مكان، سألتُ في مراكز الشرطة عن أي شخص مات بحادث أو قُتل في عِراك سخيف من أجل دينار، أو من أجل ادعاء زائف، أو قُتل لأنه كان مع زوجة خائنة، أو لأنه قال صِدقاً فما أكثر من أهلكهم حُب الحق!.. فتشتُ في المستشفيات وفي بنوك العظام والدم والعيون وأعضاء البشر وفي غُرف التشريح المُرعبة، ووقفت عند منعطفات الشوارع أنتظر تصادم السيارات، سألت شرطة المرور شرطياً شرطياً.. قلَّبتُ في الصحف عن محكومين بالإعدام، طرقتُ أبواب المحاكم بحثاً عنهم، درتُ على التجار.. جميع التجار بأنواعهم.. فلم أجد عندهم قلباً واحداً يصلح لك، فتسولت على الأرصفة (يستَجدي، وربما ينزل بين صفوف الجمهور) من يبيعني قلباً وبأي ثمن؟! لله يا مُحسنين.. للحُب يا مُحبين.. مَن يُحسن إليّ بقلب حي أو يدلني عليه أينما كان.. مَن؟.. مَن؟.. ألا يُوجد قلب حي واحد في هذا العالم؟.. سُكونٌ.. صمتٌ إلا من ثغاء بعض المجانين الذين لا يَملكون قلوبهم ليعطوها، وأشباه المجانين ممن لا يملكون شيئاً.. أي لا يملكون الحُرية.. صمتٌ إلا من نَشرات الأخبار وصياح بائعات الجبن والبَصل والابتسامات والهواء والهوى وبائعات كل شيء.. صمتٌ.. هذا العالم أخرَس حين نَطلب منه شيئاً.. صمتٌ إلا من حَفيف المنافِقين.. هـا.. أجل.. لقد تَذكرت.. فقط سِكّير صادفني أمام باب إحدى الحانات (يُقلده): خُذني كُلي بلحمي وشحمي (يضحك) لا.. لا.. لم يقل ذلك لأنه بلا لحم ولا شحم، لم يكن إلا كيساً من الجِلد المبلل بالعَرق، وفيه بضعة عظام (يقلده): خُذني كُلي بقلبي وفقري وأظافري واعطني زجاجة خَمر.. فحملته.. حملته هكذا.. ضممته إلى صدري وطِرتُ به إليكَ.. طِرتُ.. طِرت فأخذ يُنشد في حضني بنشوة:

سعيدٌ من لا يَملك شيئاً
ومع هذا يُعطي الناس
يَمنحهم قلبه ليعود
إلى المَنبع بلا وسواس
(وقد يكرر)
لكن زوجته والشرطة طوقوني (يقلد الزوجة): من يجلب الخَس في آخر الليل، ومن يأخذ القمامة إلى الشارع؟.. ومَن.. (يشير إلى صدره) أنا.. لكن الشرطة رفضوا أيضاً (يُقلد شرطياً): لا.. ولا.. ممنوع. إنه لا يملك نفسه ليتبرع بها.. إنه مُلك البلد.. مُلك الدولة.. (ينظر إلى ساعته) الوقت يضيق دائماً ويُحاصرني كهذا الممر الخانق. وأصدقاؤكَ تناسوك بحجة المتشاغلين، وطُلابك لم يُوَظِفوا ما عَلَّمتهُم من حُروف لأجل نبض قلبٍ حي. كنت تعلمهم أن الإنسان هو أعظم وأغلى ثمرة في الكون، ولكل ثمرة عصيرها وعصير الإنسان هو ما ينتج عن عقله.. منحتهم عصارة عقلك وعمرك فشربوها ورموا الكأس، رموك وغادروا قائلين: لا يهمنا سوى مستقبلنا.. فمن سيوقف هؤلاء ليختم لهم الدرس بالقول: أن المستقبل بناء وأن البناء حب وأن الحب عطاء؟. بل حتى المرأة التي كانت تقول لك أنها تُحبك أكثر من نفسها وأنها تفديك بروحها.. إيمان هل عَلِمتِ بالذي حدث؟ (يقلد صوتها الأنثوي بسخرية): أوي.. إنني حزينة من أجله. ثم ابتسمت الحزينة واتجهت إلى صالون الحِلاقة.. أتدرين حقاً ما هو الحزن؟.. إنه قاسٍ قسوة سلاطين الدَم.. أواه.. فيه يذوي الإنسان كما تذبل النبتة على مهل فتصفر وريقاتها ويبيَض شَعره.. إنه جفاف ومَرارة حارقة في الحَلق.. تُصبح معه جميع الأطعمة بلا طَعم وكأنني ألوك خرقة قماش.. أو تماماً كتلميذ يُجاهد في ابتلاع ورقة الغُش وبلعومه ناشف.. وفؤادي أشعُر به كثَمرة تعفن نصفها الأسفل.. أسود، نخِر.. أحس حتى بأوجاع انتقال دودة فيه، فقلبي كدملة يا صديقته الحزينة؛ يؤلمني عند كل شيء.. عند الكلام والسَماع والشَم واللمس والإبصار والتوَقُّع والحلم والتَحَسُّر.. عند الحُب وعند التَنفس أو الذِكرى أو.. قد.. بل أنكِ لا تعلمين بأنني أحاسب نفسي حين أهم بالأكل، وينتابني خجل قابض وكآبة ثقيلة حين أضحك: كيف آكل وهو جائع؟ كيف أضحك وهو يدنو من المو..(كاد أن يقول الموت) فأصعد إلى سطح الدار في منتصف الليل، هناك، وحيداً أناجي الواحد المُتعالي، أفتحُ قميصي وصدري وعينيّ إلى السماء وأنتحب: إلهي.. إلهي (يريد أن يدعو ولكن..) إني لأحار كيف أدعوك ولكنك أعلم بكل شيء، وأقدر على كل شيء. فأعود إلى الأحلام.. أحلم به كل ليلة وفي الليلة مائة مرة.. فمرة أراه عارياً وجسده الطري قد جعلته نُدب الجروح كغربال أو في كفيه وقدميه ثقوب مسامير.. يبتسم لي مثلما كان بينما يهب المُصلون من حوله جامحين باتجاه صوت المؤذن.. ومرة أجوب الأسواق والحارات لاهثاً (يمر على بقية الأبواب في الممر) أدق الأبواب.. أتوسل بالمارَّة واحداً واحداً.. هل رأيتموه؟.. هل رأيته يا سيدي؟.. وأنتَ؟.. وأنتُم يا أصحاب الدكاكين يا من تبيعون حتى الغبار.. أرجوكم، من منكم رآه؟. تُمزق أعمدة الهواتف ثيابي.. الأعمدة التي قد يتحدث عبر أسلاكها عاشقان، أو مديران عامان، أو لِصان. وتُقطع المسامير أحزمة نعلي فأهرول حافياً على الأرصفة الساخنة، تفضحني مرايا الواجهات؛ منفوش الشَعر والروح.. أُقبّل الأيادي وأمسح الأكتاف.. من منكم رآه؟.. دلّوني عليه. وأحياناً أذهب بعيداً.. بعيداً ـ مثلما كُنا ـ إلى التلال وفي الربيع نضحَك عند غيمة، أو نحتفل بزفاف فراشتين.. وفجأة أفقده..( ينظر إلى ساعته) الوقت مَرة أخرى.. يضيق دائماً ويحاصرني كهذا الممر الخانق.. أواه.. كيف قلب أمي إذاً؟.. أمي التي تَسمَّرَت عند النافذة ليل نهار.. مُرضِعَتنا تَرضَع السجائر وعيناها الدامعتان ترقبان الطريق.. تَراه يترجل عن كل السيارات المارقة.. يَنزل.. قد ينزل في أية لحظة.. بل حتماً سينزل لأنه لابد أن يعود، وحتى الجيران يودون لو ينقلوا لنا خبر عودته بسرعة ليُوقفوا حزننا، فهم يُدركون بأن لحظة حزن إضافية قد تقضي علينا.. ربما هذه اللحظة.. أو القادمة.. فمتى سيُشفى؟ متى يعود؟ متى؟ متى؟ (يصمت قليلاً كأنه يَستمع إلى طفولته فيُردد مبتسماً).. إلى متى يَبقى البَعير على التلِ؟.. (يُغير نبرته نحو الخفوت) هامِش: تلك العِبارة في كِتاب القراءة الابتدائية، حَشوها في رؤوس طفولتنا عنوة عِبر جَلد أكفنا بعُصي المُعلمين. قال المعَلمُون (ثم يكرر الكلمة ويُضخم لفظها بسخرية) المُعلمُوووون: لا تسألوا عن معناها، احفظوها هكذا، بِلى مَعنى، كما خَلقتها مَطابِع التربية.. "إلى متى يبقى البَعير على التل؟" فصار، لاحقاً، كل سؤال يبدأ بالـ إلى متى.. مُرتبطاً بذلك البعير المُتَصَنِّم على تَل تُراثه، لا يأكُل من عشبه ولا يُغادره.. بل ولا يهش الذباب الحائم على مؤخرته.. أَم تُراها تلك الجمادات كالتِلال والتُراث والكراسي تُجَمِّد الجالسين عليها؟.. حقاً متى سيَتَحرَّك ذلك البَعير؟ (ثم مشيراً إلى الباب) ومتى يعود هو؟ لتعود إلينا معه الحياة التي نريدها.. أنا وأمي والجيران والنخلة التي زرعناها (يرفع ذراعيه داعياً) أعِده يا من تعيد الشمس والمطر.. أعده يا من أعدتَ يوسف إلى أبيه.. أعده يا من تُعيد الصفاء إلى وجه السماء.. أعِد الصفاء إلى سماوات نفوسنا يا ربّ.. يا ربّ: لمَ لا تكترث بنا.. الحياة ونحن الذين نحيطها بكل هذا الاهتمام؟. هو الذي كان يهمه أمر كل شيء.. كل شيء وكأنه المسؤول عن هذا الكون (يَفتح الباب ويقف أمامه ينظر إلى الداخل ويصف بعطف هائل) لقد أصبح وجهه أكثر شحوباً.. أصفر مثل رغيف حار، وكفاه النحيلتان على صدره.. على قلبه كأنهما يشيران إلى موضع الألم أو يحاولان احتضانه، أو كأنه يقول للعالم: لقد منحتك كل ما في هذا القلب من حُب، والآن خذ القلب نفسه إني أمنحك إياه.. أجل هذا ما يقوله صمت شفتيه المبتسمتين برضى عميق.. تنفسه هادئ.. شحيح.. كأنه يقتصد باستهلاك الهواء ليتركه للآخرين.. آه.. الآخرون الذين كانوا همّه وهدفه الأول والأخير.. الآخرون الذين لا يرحم نفسه من أجلهم.. كم حَذرته! كم جادلته!.. أترى ثمة من يستحق كل هذه التضحية حقاً؟ إنهم قساة يا عزيزي.. بحر هائج.. موج متلاطم لا يكترث بمن يغرق فيه أو بمن يصطاد ويجني اللآلئ منه ولا بمن يحاول تنقيته من التلوث.. فلماذا تصر على المحاولة حتى توشك على الغرق؟ وما دام الناس هم ذلك البحر الذي لا يعبأ بمن يأخذ منه أو يعطيه، فلماذا لا تكون ممن يأخذون فقط؟ (يتذكر صوته) وبحر الضمير؟.. هه.. بحر الضمير مهما يكن هائجاً فبإمكانك السيطرة عليه لأنه في داخلك.. لا يَخرج عن حدودك أبداً (يتذكر صوته) إن له عواصف تقتلع اقتلاعاً... هذا بالنسبة لك وحدك لأنك تسمعه.. تحترمه في الوقت الذي يتجاهل فيه الآخرون صراخه.. حتى يكادوا لا يتذكرون شيئاً بهذا الاسم.. إنهم ينظرون إليه على أنه موضة قديمة.. ثم ماذا بإمكانك أن تُنقي من خضم هذا التلوث الطاغي الذي يعبث ببحرهم؟.. هذا التلوث الذي لا يَلد إلا تلوثاً.. كم استبدلتَ من نظارات لتلاحق خفوت نور عينيك، وها أنت تخسر قلبك من أجلهم.. قلبك الذي قد تخسر نفسك معه (يغلق الباب) هو الذي كان يهمه أمر كل شيء.. وكأنه المسؤول عن هذا الكون.. الآن لا يهتم أحد بأمره فالشوارع كما هي.. الناس، حركة الطائرات، مواعيد الندوات، الاحتفالات، الأغاني.. مازال الناس يحتشدون في الشوارع والمكعبات الإسمنتية دون أن يحدث أي حادث.. لماذا هذا اليوم بالذات لم تسقط عمارة مغشوشة، أو تتصادم سيارتان على الرغم من أن حوادث الطرق إحدى مشكلات العصر الخطيرة؟.. لماذا لم يُقتَل في هذا اليوم أحد على الرغم من أن حوادث القتل أصبحت تُنهك مراكز الشرطة والمستشفيات؟ لماذا لم ينتحر أو يُشنق أحد هذا اليوم؟.. ألم يصبح العالم على ما يرام إلا في هذا اليوم؟! اليوم الذي أحتاج فيه إلى قلبٍ لإنقاذ أحب الناس إليّ (صمت.. وبصوت أخفض).. هه.. يا للأسف أجدني قد صرت مثل حفار القبور الذي يتمنى ازدياد عدد الموتى ليتحسن عيشه أو ليشتري غسالة ملابس كهربائية.. أنتظِر الموت لآخر لكي يعيش من أُحب دون أن أفكر في أن للآخر من يُحبه..(يصيح) ما العمل إذاً؟؟ فالوقت يضيق دائماً وهذا يعني أن الموت يقترب.. كلما ضاق الوقت اقترب الموت.. والموت نهاية.. حُفرَة مُوصَدة على حَفنة من ظلام بلا ماء ولا هواء ولا سماء ولا أصدقاء ولا.. (يبتسم ساخراً ومُغيّراً نبرته غامِزاً) ولا انترنيت (ثم يعاود جِديته) دُود يأكُل.. تَفَسّخ للخدود في تابُوت مُغلَق تحت التراب (يرتجف) الموت ذلك السيف القادم مع اللحظات ليبتر حياتنا.. ذلك المجهول المخيف الذي يطاردنا منذ آدم.. لقد فعلنا كل شيء من أجل نسيانه؛ ننساه أو ينسانا، أو فهمه أو تدميره.. عَمّرنا الأرض وزيّناها ولم ننسه، اخترقنا الفضاء وتجولنا بين الكواكب كما نتجول في الأسواق ولم نهرب منه.. ارتقينا بالعلم حد تفاصيل أصابع النملة ولم نعرفه، اخترعنا أفظع وسائل التدمير المروّعة ولم ندمر إلا بعضنا (خائفاً) لا.. لا.. أرجوك ابتعد يا سيدنا الموت.. أعرف أنك لا تلين مهما توسلنا وإلا كرسّنا حياتنا للإبداع بالتوسل إليك أن تبتعد، أو لأبعدتك دموع الأمهات، فأنت مُدمرنا جميعاً سواء أكنا بقلوب أو بلا قلوب، بضمائر أو بلا ضمائر، أثرياء أو فقراء.. ملوكاً كنا أو مساجين، وهذا فقط ما يعجبنا فيك.. إنك عادل لا تخاف أحداً في عدلك ولا يبلغ سِرك الجبابرة.. وحدك من لا يُرشى ولا يُغريه جَمال، لا تُخيفه الجيوش ولا يحجبه الحُراس، لا تمنعه الأسوار ولا القلاع ولا الأهرامات ولا البروج والأبراج والبوارج والبرامج والبراجد والبراجِس والبَرجَزَة والتبرجات والبَربجات والاجتماعات المُؤجَّلَة وإذا جاء أجلهم لا.. (يصرخ) لا، ولكنني لا أريدك الآن يا موت وأخافك، لا أُحبكَ لأي إنسان فكيف بي أرتضيك له؟.. لا.. لا أريده أن يموت.. لا.. مستحيل.. لابد من إنقاذه.. فلا أتخيل حياتي دون رفقته.. فما يربطني به هو أشد ما يربطني بالحياة.. الحُب.. هو من عَلمني كل ما تعلمته وهو من يُعطي أضعاف ما أفكر أنا بإعطائه وهو الذي.. (يتذكر) ثم.. ثم أن عيد ميلاده بعد أسبوع.. لابد أنه ينتظره بشوق.. أجل يجب أن أفعل شيئاً.. شيء أفعله بنفسي دون الحاجة إلى الشرطة أو السكارى أو انتظار الحوادث أو..، فلا وقت لذلك (ينظر إلى ساعته) لم تبق إلا ساعة.. الوقت يضيق.. عليّ أن أنقذه بأي ثمن.. نعم بأي ثمن حتى لو كان حياتي (ينتبه) ها.. هي حياتي.. روحي.. قلبي.. أجل قلبي أنا (بتأمل) لقد نسيت أن لي قلباً.. لقد أنساني ذلك حبي له؛ الذي أغرق قلبي حتى أغشاني عن رؤيته، فرُحتُ أستجدي من الناس قلوبهم، أنتظر هشيم السيارات وقلوب المحكومين بالموت.. ياه.. كيف فاتني ذلك؟! فليس أصلح من قلبي له.. إنه يستحق ذلك.. ألم يُضحِ بكل شيء للآخرين؟ وأنا أحدهم بل أقربهم إليه. فلماذا أطالبهم بالتضحية بدلاً عني.. وإلا ما اختلافي عن صاحبته التي كنت أسخر منها..(ينظر إلى ساعته) يا إلهي.. إن الوقت يضيق.. يضيق جداً ويحاصرني، وسيف الموت قادم مع اللحظات فعلى مَن (يشير إلى نفسه) يَدعي بأن له قلباً حيّاً أن يُثبت ذلك، لأن التردد يُفقدنا الكثير الكثير.. وإن أشد ما أفسد علينا حياتنا هو غُربة أقوالنا عن أفعالنا.. علينا إذاً أن نطابق بين ما نقول وما نفعل.. إننا نعرف هذا جيداً مثلما نعرف أنه يعني بأن لا مناص من التضحية أمام الحُب.. أجل إنني أكره الموت، ولكني لن أحُب إذا لم أفعل شيئاً.. الوقت.. الوقت يضيق دائماً (يخلع ساعته ويرميها على الأرض ثم يهرسها بقدمه بقوة).. ليس هناك ما هو أصلح من قلبي له.. ثم.. ثم أن أمي ستحضننا معاً حين يعود إليها (بعذوبة) الله.. فحين تحضنه ستحضننا معاً فيه وسوف يواصل قلبي النبض في صدره ليواصل هو فعل ما أراده..
(يفتش في جيوبه، فيُخرج ورقة وقلماً، ويكتب وهو يقرأ ما يكتبه بصوت مسموع)
ـ أهدي قلبي المتواضع إلى أخي بمناسبة عيد ميلاده، متمنياً له الشفاء العاجل ودوام العطاء.
(ويُثَبـّـت الورقة على قميصه، على الجهة اليسرى من صدره، فوق القلب.. ويُنشِد):

سعيدٌ من لا يَملك شيئاً
ومع هذا يُعطي الناس
يَمنحهم قلبه ليعود
إلى المَنبع بلا وسواس.
(ينادي): دكتور.. يا دكتور.. أسرِع لقد وجدتُ لك ما تَطلب.. دكتور.. دكتور..(وحين يسمع وقع خطى الطبيب قادمة في نهاية الممر يقتل نفسه لكي لا يمنعه).

هناك تعليق واحد:

غير معرف يقول...

شكرا جزيلا لك د . محسن .. وأنت بألف خير وبصحة جيدة ... أصبح عيد ميلاد بالفعل بتهنئتك ...
سعيد بقراءة ( البحث عن قلب حي ).. إطار مسرح تجريبي رائع , وتصاعد درامي شديد الحرفية .., واسقاطات لإدانة العالم
.. أعمال تحتاج فعلا لأوقات لتناول أبعادها كرأي انطباعي فلست ناقدا في جميع الأحوال

حسني الزرقاوي