الجمعة، 31 أكتوبر، 2008

صورة قلمية/1998


غيمة دخان حزينة
.. إلى روح الشهيد الذي ذوى فينان وهو مورق.
مليكة الشيكر


عرفته من بعيد هادئاً ساهماً كأنه يفكر في حل مشاكل الكون، صامتاً يخشى إن تكلم تدفق سيل همومه التي تعتلج في فؤاده، ثم عرفته عن قرب، الصمت نفسه، إن تكلم يختصر.. كأنه خائف من دفع ضرائب نفسية على كلامه. أخرج سيجارة وأشعلها. نظرت إليه بتعجب.
ـ أتدخن؟! لو قالها لي أحد لكذبته، فأنت عقل من أن تقذف في جوفك قطرات النيكوتين والقطران.
لكنه نظر إليّ ثم ارتسمت على محياه ابتسامة حزينة وقال لي:
ـ لو عانيت ما قاسيت لوجدت لي عذراً أكيداً.
لم أفهم ما يعني، لكنه أعطاني كتاباً من ـاليفه وقال لي:
ـ هنا قد تجدين الجواب.
رجعت للبيت وتصفحت أول صفحة من الكتاب فشعرت بنيران تخترق أضلعي، أحسست بالمرارة من أجل شاب ضاع وأطفال لا يجدون مسكناً يحميهم وأم تفقد وحيدها وأب يدفن أحزانه ويخفي خبر موت فلذة كبده حتى ينتهي من واجبه ازاء جاره الذي شيع جثمان ولده، ثم طلب من الجماعة بعدها مرافقته لدفن ولده هو أيضاً.
.. نعم، كل هذه الصور المحزنة توالت أمام عيني على صفحات الكتاب كأني أرى شريطاً تسجيلياً لوطن يدفع ضريبة عقار ليس في ملكيته وشعب وجبت عليه الكفارة لصوم لم يفسده.. شعب تكالبت عليه كل أنواع الهموم، لم تشفع له مياهه العذبة وآباره الغنية ليهنأ وينام أبناءه قريري العين ويعيشوا في كنف هذا الوطن وينعموا بعبقريتهم التي هاجرت ونحتت في الصخر من أجل لقمة خبز ووطنهم الغني يعيش حالة ذعر وفزع مع كل طائرة تحلق في أجوائه.
وجدت له العذر وعرفت أنه ينفث دخان سيجارته مصحوباً بزفرات غيضه، وحمدت الله أنه ليس في بيتي سجائر وإلا لكنت دخنتها.. لما أحسست به من حسرة وألم على هذا الوطن الرائع المنكوب وأسكت الصرخة المكبوتة التي اعتملت في صدري.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في مجلة (المرآة) العدد 2 شباط 1998 مدريد.

ليست هناك تعليقات: