الثلاثاء، 7 أبريل 2020

معَ مُحسن الرملي وذئبته / أوس شريف


قراءة
جَوْلة معَ مُحسن الرملي و(ذئبة الحُب والكُتب) 
تصوير: عمر حمد (بابل)

أوس أحمد شريف
يستهل الرملي رِوايته بِقوله "أنا محسن مُطلك الرملي، مؤلف كل الكُتب التي تَحمل اسمي، باستثناء هذا، ولو لم أكن شقيقاً لحسن مُطلك لكتبتُ ضِعف ما نَشرته حتى الآن، أو لما كتبتُ أي منها أصلاً ولا حتى اهتممتُ بهذا الكتاب الذي وجدته صدفة حين كنتُ في الأردن.. فغيّر حياتي كلها وجئت إلى إسبانيا بحثاً عن المرأة التي كتبَته، إنها امرأة تبحث عن الحُب وأنا أبحثُ عنها"، كل من مر على حدائق الرملي وأصابعه وفتيتهُ سيدرك حتماً أن هذه الرواية تبدو وكأنها ليست له فعلاً، ولكن ماذا عن "هيام"، هل هي موجودة فعلاً أم إنها أيضا لم تكتب كل هذا..!!؟؟!!
الرواية كفكرة هي مغايرة جدًا عن العادة، قصة رجل عراقي يُدعى مُحسن مُهاجر من العراق إلى الأردن بين طلب الحياة لدفع الموت عن بنات أخيه حسن مطلك، الكاتب والشاعر المعروف الذي أُعتقل وعُذّب فأعدم لتوجهاته السياسية..
ليعلن مُحسن أن يكون صوت حسن بالكتابة وحُب الثقافة والبحث عن المعرفة، أن يرقى باسم حسن حتى مطالع النجوم فقد كان مُشرفا على نشر كل ما كتبه أخيه وهو الّذي قام بإنشاء الموقع والبريد له ليتواصل مع معجبيه ليدخل يومًا ما صدفة على بريد خاطئ مُشابه للبريد الذي أنشأه لأخيه حسن، وما كان الغلط إلا بكلمة المرور ليكتشف امرأة عراقيّة مُحبة لحسن تبحث عن الحُب وعاشقة للكتب والمعرفة، ومُحيطة بالثقافة علما..!
تكتب يومياتها وتبحث عن حُبها المجهول وتنثر لآلئ المعرفة كالولدان المخلدون، وبعد تفاعل منه وتعمق بقراءة رسائلها دون مراسلتها يقع في حُبها، مما يُحفّز مُحسن لهذا الحُب لاتخاذ قرار البحث عن صاحبة هذا البريد في مدريد مُستعين بالمعلومات التي تُدليها في يومياتها..
المُغاير في الموضوع هو أن الرواية تحتضن كل رسائلها وتسردها لك مع يوميات مُحسن في البحث والتقصي..
عراقيان يبحثان عن الحُب في ظل الحروب والحصار والاحتلال ونار الهجرة وقسوة الغربة أجمل ما كان يمنعني عن التوقف هو السرد الأدبي والمعرفي الذي أجده في رسائل تلك المرأة التي قال عنها بحر الدين قبيلة مجانين "هيام"، عشقها للكُتب جعلني أخلد في عالم ذاكرتها المملوءة بالمعرفة بجميل ما كانت تقتبسه من الفلاسفة والشعراء والكتّاب والمثقفين لأجل حبها، بعض مبادئها التي تُنبئ عن امرأة حالمة وقويّة وصبورة ومُغامرة بشكل جنوني، لا تخشى سرد أخطائها ولا تهرب من الفشل ولا تستسلم لليأس ولا تزداد قوة إلا أمام الحُب والكُتب حتى كان أجمل ما لُقبت به "ذئبة الحُب والكتب"، وإني لأجد هذا اللقب في محله وخير ما كُنيّت به، كنت أتقلب لذة بالمعلومات التي تسردها، أزداد حُبا للكتب وتعلقًا بها واستشعار نعمتها، يروق لي أحيانا مبدأها تجاه الرجال رغم أنها تكسر تلك المبادئ بتهورها أيضًا، كانت كما قيل: "واقعيّـة تطلب المستحيل"، تفتخر بكونها ذئبة وحشية الحلم بالحب والمعرفة كون الذئبة بعكس ذكر الذئب الذي يكون أقل شراسة كالنمور والأسود التي ذُلت إلى درجة رضاها بأن تكون ألعاب تسلية في السيرك..-هذا ما تعتقده على الأقل-، تمتلك أفكار مجنونة، يجتمع فيها انفلات العاطفة ويثبّت عقلها مسامير المعرفة، في الحقيقة أود لو أقتبس ما كان يروق لي من بعض مبادئها في الحياة والرجل والكُتب وأشياء أُخر ولكن سيكون هذا طويلًا جدًا..
وهنا يتمرّد الرملي على نفسه، ولا أقول بات أكثر نضجاً، فمثله لا يعوزه النضج، لكنه في "ذئبة الحُب والكُتب"، يستخدم تكنيك سردي مختلف تماماً عما أستند عليه في "الفتيت المبعثر"، و"تمر الأصابع"، بشَكل عام، قد يكون استخدام تقنية الرسائل في الروايات مبتذلاً (بمعنى متداولاً)، في الآونة الأخيرة، والفكرة تتقاطع بشكل أو بآخر مع فيلم توم هانكس وميغ رايان (لديك بريد)، الذي يعرض علاقة بائعة الكُتب البسيطة والمثقفة مع منافسها التجاري، وبعد أحداث متتالية يقعان في علاقة حب بسبب البريد الإلكتروني، لكن حداثة الاستخدام لهذه التقنية مربطها هو في الكيف، باعتبار أن الفن الحقيقي ليس فيما تقوله بل في كيفية قولك له..
 والكيفية الّتي استخدمها الرملي في روايته أزعم جديتها لأمرين: حس الرملي السردي واللغوي المتمايز إلى جانب حبكته المدروسة وقدرته على تحميل سيرته الذاتية هذا الكم من المتخيل السردي..
الرملي يسرد في منتصف الرواية (الفصل التاسع عشر)، سلسلة مختلفة للنهايات المتوقعة والمحتملة لروايته على لسان شخوصه، بل ويترك لمخيّلتك عنان التفكير في نهاياتك الخاصة وسؤال: "في حال سرد الرملي كل هذه النهايات، كيف إذاً سينهي الرواية..؟". ثمّ، يدّخر الدهشة للصفحة الأخيرة في سؤال آخر: من يكتب من..؟، هل هيام تكتب مُحسن أم مُحسن يكتب هيام..؟، من يبحث عن من..؟، من هيام..؟، ولماذا هيام..؟

معجمياً يحيلنا القاموس لمعنى (هيام)، على أنه الجنون من العشق، وفي موضع آخر يشير على أنه الرّمل الذي يكون ترابه دقاقاً يابساً لا تستطيع أن تُمسك به لدقّة ذراته، وما أشبه هذا التعريف بالوطن، وما أشبه هيام محسن الرملي بالعراق، أليس العراق هيام..؟، أليست هي العشق الضارب في الجنون..؟، أليست العراق هي الرّمل العصي على الإمساك..؟
قد يشطّ بي التأويل هذا، أو قد أكون ابتعدت عمّا ذهب إليه الرملي، لكنهُ لم يكن لي إلا أن أرى هيام كما أرى العراق، وفي ذلك أستند على محسن الرملي الذي عرفته في فتيته المبعثر وتمر أصابعه رجلاً مهووساً بالعراق، من جانب آخر، أليس في هيام "حزن العراق"، تلك التي توالى عليها الطغاة واغتصبتها المخابرات ومع ذلك تبحث عن أحوج ما تحتاجه: (الحب)، كما جاء على لسان هيام.. أليست هيام في دمها حرارة الصيف البغدادي، بهارات البصرة، ونار كركوك الأزلية..؟، أليست هيام والعراق لن يكون لها أن تعشق الشهيد حسن مطلك..؟، أن تذوب في نتاجه الأدبي، لأن هذا النتاج نابعٌ منها وإليها..؟، ألا تنتهي الرواية بمحسن الرملي وهو في طريقه إلى (هيام/ العراق)..؟؟
رواية رائعة متحررة من مفهوم الرواية التقليدي فهي لا تخضع لمدرسة أدبية معينة، لقد حاول الكاتب جاهدًا توظيف أكبر قدر من التقنيات السردية كالرسائل وتعدد الرواة، وتعدد الأزمنة والأمكنة، كما أنه لم يكتفي بذلك بل حاول استخدام عدة أجناس أدبية كالشعر والقصة والمسرح والمذكرات بحيث جعل من الرواية ثرية جدا من الجهتين المعرفية الثقافية والسردية اللغوية..
وأشير إلى أن الراوية مشت بإيقاع ثابت من الغلاف إلى الغلاف، هذا التناوب بين (أنا/ هي)، جعل من الراوية أشبه بنغمة واحدة تتكرر، في حين هناك مساحة مهولة من اللعب والتجريب على الهيكل المعماري للراوية، وثمة حرية كان بالإمكان أن يعزف عليها الرملي ألحان مختلفة وبلا قيود..
----------------------
*أوس شريف: كاتب من العراق.

ليست هناك تعليقات: