الأربعاء، 18 مايو، 2016

عن رواية: حدائق الرئيس / أبرار هاني

حدائق الرئيس
.. من أفضل الروايات التي سردت التاريخ العراقي بمصداقية
أبرار هاني
وفي لقائي الثالث مع الرملي، بعد (تمر الأصابع) و(الفتيت المبعثر)، تبدو لي كل الروايات التي قرأتها وهي تصف معاناة العراقيين لا تنافس هذه التحفة الأدبية بشيء، فما قرأته هنا تركني أياماً طويلة أتساءل ماذا سأكتب عن هذا الألم؟!
كتب محسن في الإهداء:"إلى أرواح أقاربي التسعة الذين ذّبحوا في الثالث من رمضان عام 2006".
يستهل روايته ويختتمها بتسع صناديق في كل واحدة منها رأس مقطوع، وهكذا يأخذنا بالتدريج إلى حياة أحد تلك الرؤوس قبل أن تُقطع.
(إبراهيم، عبد الله، طارق) هم (أبناء شق الأرض) الذين ستدور الحكاية حولهم خلال ثلاثة أجيال من الحروب، ولكل واحدٍ منهم قصة تتشابك مع الآخر وتلتقي في النهاية بـ قسمة.
يسرد الرملي معاناة العراقيين في ثلاث مراحل، فيبدأ بالحرب الإيرانية وما سببته من ألم وحسرة ثم معناتاتهم تحت ديكتاتورية النظام السابق ومقابره السرية، ولعلها أكثر مرحلة ركز عليها، وهي سبب عنوان الرواية، ثم مرحلة ما بعد سقوط النظام.
 تنقله بين الأزمنة كان منظماً وسلساً جداً لدرجة تجعل القارئ ينسجم بالأحداث ويعجز عن التوقف. (حدائق الرئيس) ولم يخطر في بالي أبداً أن ما يقصدهُ هو "مقابر الرئيس".. إنها من أفضل الروايات التي سردت التاريخ العراقي بمصداقية وصورت معاناتهم الحقيقية بشكل لا يوصف، ورغم بشاعة الصور التي استعرضها وهو يصف تلك الأعداد الهائلة من الجثث والتشوهات التي أصابتها، إلا إن هذه المشاهد تحديداً رفعت من مستوى الرواية لما حملته من ألم كبير عجز الكثير عن إيصاله في رواياتهم... ويبدو العراق كجرحٍ كبير يرفض أن يلتأم مهما منحناه من أرواحنا.
الملايين منا دفعوا الثمن في الحروب والمقابر الجماعية ولا زال هذا الوطن عاجز عن تقديم حياة كريمة لأبناءه ويكتفي بمنحهم مادة دسمة لأدبٍ عظيم سنحزن كثيراً بسببه.. لأننا لن نترك لأولادنا وأحفادنا سواه.
في النهاية تذكرت رائعة سنان انطون (وحدها شجرة الرمان) والتي هي أيضاً استعرضت معاناة العراقيين وحروبهم الطائفية، وللمرة الأولى أشعر، وبشكلٍ ما، أن هذه الرواية قد أثرت بيَّ كما فعلت شجرة الرمان وربما أكثر، كلاهما رافق الموت بطريقته.. أحدهما يغسل الموتى والآخر يدفنهم.  ورغم أن بين جواد وإبراهيم جيلاً من الأمنيات المسلوبة والأحلام الضائعة، ولكن كلاهما كانا صورةً لكل عراقي عاش في ظل النظام السابق وبعده... (وكلاهما كانا سبباً في منحي كوابيساً لعدة أيام ولهذا منحتهم الـ5 نجمات بكل صدقٍ واحترام).
***
*من الجدير بالذكر أن محسن الرملي كتب هذه الرواية سنة 2006 بعد أن تلقى خبر مقتل تسعة من أقاربه ذبحاً وهم صيام في اليوم الثالث من شهر رمضان، وصاغ حكايته هذه خلال أربع   سنوات ووصلت هذه الرواية لقائمة البوكر الطويلة  2013م.
*أغلفة رواياته دائماً أنيقة وتعكس محتوى الرواية بشكلٍ جميل.
*من المؤكد أن هذه الرواية ستعلق في ذاكرتي طويلاً.
*لا تُكمل قراءة هذا العرض إذا لم تكن ترغب في حرق قصة الرواية..
***

 قصة الرواية:
ثلاثة أصدقاء يكبرون معاً كالأخوة تماماً، لم يكونوا ينفصلون عن بعضهم حتى جاءت الحرب الإيرانية وفرقتهم. (طارق المُندهش) لأنه كان دائم الاندهاش، (عبد الله كافكا) لشدة تأثره بالكاتب فرانز كافكا، و(إبراهيم قسمة) لأنه كان دائماً يردد "كل شيء قسمة ونصيب".
قصة عبد الله الذي قضى ما يقارب الـعشرين عاماً في الأسر كما ترويها زينب زوجة المختار ..
جداه كان لهما توأم ولد وبنت، فأما جدته فقد جرفها النهر وحين حاول الجد إنقاذها اختفيا معاً وتركا التوأمين إسماعيل وزكية وكان نموهما العقلي بطيئاً، إسماعيل فأصبح راعياً أما زكية فظلت تحت رعاية المختار وزوجته حتى بلغت الستة عشر عاماً ولكن عقلها ظل طفولياً ..
فجأة تكتشف زينب أن زكية حامل، وبعد التحقيق معها يتضح أن جلال ابن المختار قد استغل تخلفها العقلي.
حينما يعلم المختار وصديقه ظاهر بالأمر يقوم بضرب ولده ونفيه خارج البلاد وتنقطع أخباره .
أما زكية فيحبسها عن العالم حتى تلد، ورغم محاولات زينب في الحفاظ عليها هي ووليدها لكن، في ليلة مشؤومة، يأخذها المختار وصديقه إلى حفرة ويقتلانها برصاصة ويدفناها وتهرب زينب بالصغير ثم تتركه عند باب زوجين لا يلدا أطفالاً.. في النهاية يدفع المختار وصديقه ثمن جريمتيهما بمرض غريب يسلخ جلودهم فيعانيان كثيراً ثم يموتان.
عبد الله إحب سميحة أخت طارق، لكن رفضوا أن يزوجوها له لأنه مجهول الأبوين، أما سميحة فتتزوج وتنجب طفلة وتطلَّق لأنها لم تستطع نسيانه.
طارق يجد عملاً لإبراهيم الذي فقد ساقه في الحرب بعد أن تزوج وأنجب (قسمة) ولم ينجب غيرها لأن إصابته الأخرى في الحرب جعلته عقيماً، ولكنه ورغم إلحاح الجميع يرفض الزواج مرة أخرى حتى بعد وفاة زوجته بالسرطان، ويظل يربي ابنته قسمة التي تتركه لاحقاً وتتزوج من عسكري مرموق وقريب من الرئيس.
يعمل إبراهيم في حدائق الرئيس، وهي محور الرواية وأشد أجزاءها قسوة، وبينما يظن أنه سيعمل فلاحاً إلا أنه في الواقع يعمل دفاناً للجثث التي يُعدمها الرئيس في الخفاء فيصادف أبشع أنواع الموت ورغم هذا كان يوفر دفناً يليق بالجثث فيوجهها للقبلة ويصلي عليها ويرتبها . وبمرور الأيام يظل إبراهيم يحتفظ بمعلومات عن هذه الجثث؛ أوصافهم وأشكالهم، ويأخذ أحياناً جزء من ملابسهم أو خاتم أو أي شيء يرمز لهم في حالة كانوا مشوهين ويؤرشفها مع هذه في دفاتر، حتى تصادفه مرة جثة مشوهة بأبشع الطرق ولا جزء فيها سليم عدا الذراع حيث رسم عليها وشم قلب وداخله اسم الرئيس.. ليتضح لاحقاً أن هذا هو زوج قسمة.
(قسمة) التي أصبحت (نسمة) بعد زواجها لتندمج مع مجتمعها الجديد وهجرت والدها، تعود له بعد سقوط النظام وبين يديها طفلاً صغيراً يحمل اسم الرئيس وتجهل مصير زوجها.
يبدأ إبراهيم بتوصيل المعلومات التي جمعها عن تلك الجثث والمقابر الجماعية إلى أصحابها كنوع من التكفير عن ذنبه في الدفن والصمت ولأنه لم ينس صديقه أحمد في الحرب الذي لم يستطع أن يأخذ جثته ويدفنها بشكل يليق بها.
تصل تهديدات كثيرة لإبراهيم ليكف عن فضح المقابر ولكنه يرفض الخضوع فيدفع الثمن غالياً.. وهكذا تبدأ قسمة وبمساعدة صديقيه عبد الله وطارق الذي تتزوجه لتتمكن من السفر معه والثأر لوالدها وتظل النهاية مفتوحة لتمنح القارئ مجالاً واسعاً لخياله...


ليست هناك تعليقات: