السبت، 5 أكتوبر، 2013

عن رواية: تمر الأصابع / د.إبراهيم الحمد

حول رواية (تمر الأصابع) للروائي محسن الرملي
د. إبراهيم مصطفى الحمد

تعمل رواية (تمر الأصابع) للروائي محسن الرملي على تثوير محاور عدّة من إمكانات الفن الروائي وتقاناته التي تتضافر على التكوين وبناء المعمار الفني، باستثمار شحنات المكان ولغاته المتعددة، ذلك المكان الذي يشير في بعده الزماني- بوصف أن المكان لا يأتي إلاّ مرتبطاً بالزمان- وانتمائه إلى حقب معينة يشير إلى ما يمكن تسميته (الحافز)، وهو هنا الانتقام والثأر، مما يصنع غواية النص باتجاه رسم آفاق تلقٍّ مشحونة بالأسئلة والانتاج والتأويل.
  إنّ كل ما في الرواية من الغلاف إلى الغلاف متهم بالتحريض والتحرّش بالقارئ، ونحن هنا لا نتعامل مع النص الروائي إلاّ على أساس كونه متخيّلاً، إذ إن تلك هي لمسة الروائي، إنها تزييف للحياة كما يقول "فورستر استثمر الروائي بنية العتبات كمحطات تنوير، أضاءت جوانب مهمة من عتمات النص، وأزالت قسماً من أقنعته المراوغة، فالعنوان (تمر الأصابع) في تركيبته الإسمية المضافة، يذهب أيقونيّاً إلى الرمز الجغرافي الذي يتحدد دون أدنى شك بالعراق، والأصابع يمكن عدّها آلة التأشير والاتهام والتهديد، وربما إلفات النظر إلى حالة البعد والاغتراب عن الوطن والتأشير عليه من بعيد، لكن التركيب يمنحها بعداً سيميائياً يتجه صوبَ مناطق عدة/أيروسية –أيديولوجية- نفسية- إنسانية/ ويشكل استراتيجية المتن، ويقترح مناخاً قرائياً يتأرجح بين المتن والعنوان على نحو تناوبي مستمر.
  يعزز هذه الرؤية انقسام الإهداء على فقرتين: الأولى/إلى العراق مهد طفولتي ومهد الحضارات/والثانية /إلى إسبانيا محطتي للسلام بعد طريق طويل مكتظ بالحروب/ مما يشير إلى أن هناك حاضنتين اثنتين للمتن الحكائي هما العراق وإسبانيا وتبرز في ثنايا المبنى الحكائي / الخطاب الروائي/ شحنات كل من المكانين إذ يسجلان تاريخهما ويفرضان لغتيهما على النص، مما يشكل ذلك جزءً من الوعي بالمكان، وإنصاتاً مرهفاً لحضوره وتجلياته ومناخاته السوسيو ثقافية كما يرى ياسين النصير.
  وتعزز عتبة الاستهلال بنية العتبات، ووظائفها التنويرية بتغطية بانورامية، تلخص صفحات المتن كلها في فقرة من سطرين اثنين/ما كنت لأكتبَ قصة أهلي وأفضحهم لولا تشجيعُ أبي لي، وهو يحلّق شعر رأسي في مرقصه المدريدي قائلاً: أكتب ما تشاء فلن يحدث أسوأ مما حدث. هذا العالم جايف (الرواية: ص7.)
  جرى تقديم الشخصيات الروائية بالأسلوب غير المباشر، إذ تقدم الشخصية عن طريق نفسها أو عن طريق غيرها من الشخصيات، أو أن تستخدم دلالة المواقف والأحداث والأقوال لتقديمها، من دون اللجوء إلى الإخبار من قبل السارد أو المؤلف.
  أبرز شخصيتين هما الشخصيتان الرئيستان: (سليم) وهو الراوي، ووالده (نوح) وهو شخصية إيجابية، مدورة، متحركة، ومعقدة، وهو الشخصية المحورية التي تدور حولها الشخصيات والأحداث الروائية برمتها.
تظهر شخصية نوح بمظهرين متناقضين: المظهر الأول هو الشخصية الملتزمة دينياً وأخلاقياً وعُرفياً، ويتحدد هذا الدور في فضاء القرية، وفي المكان الأول /العراق/. أما المظهر الثاني فهو الشخصية المتحللة والمتحولة على نحو جذري، لكن هذا التحلل يكون بدافع براغماتي يكتشفه الابن سليم، بصورة غير مباشرة وعن طريق شخصية أخرى ثانوية، هي شخصية فاطمة المغربية التي يتزوجها سليم فيما بعد.
  إن حركة الشخصيات في الرواية، تصاحبها حركة الأحداث الروائية وانسيابيتها، التي تبدو تلقائية منحتها صفة الواقعية من دون التخلي عن فنيتها وانتمائها إلى عالمها المتخيل، وذلك ما يؤكده(بروب) من أن الوظائف، هي ما يميز الشخصيات وترجع الأهمية في وجود هذه الشخصيات إليها حصراً، وقد لاحظنا التزام الكاتب بعدم الإكثار من ضخ الشخصيات في الرواية، وهو ما دعا إليه النقاد المؤسسين أمثال (داوبتفاير) و(دوان دوات فاير) وغيرهما.
أما الأمكنة الروائية فيمكن تحديدها على نحو عام بمكانين، هما (العراق، وإسبانيا) تدور فيهما الأحداث وتتحرك خلالهما الشخصيات الروائية، ولا يمكن النظر إلى الأمكنة في الرواية إلاّ على أنها أماكن منغلقة إجمالاً، إذا ما عرفنا أن انغلاق المكان وانفتاحه رهينا الوضع النفسي للشخصيات التي تخترقه بحسب (لالاند)، لكن تحميل بعض الأمكنة كل هذ الكم الهائل من الصفات العدوانية والوحشية مثل مدينة تكريت، وعدم إبراز إي جانب مضيء فيها، عمل على خلخلة بنية المكان مما انعكس على البناء الفني للرواية، وأعطى إشارة تكاد تكون واضحة، إلى أن الرواية كتبت بدافع الانتقام والثأر، وربما لأسباب أيديولوجية سياسية، مع ما فيها من جماليات الفن الروائي وتجلياته النصية.
  وعلى نحو عام، فإن الأمكنة الروائية بتحولاتها، وتجلياتها النصية، جاءت واضحة سلسة تسمح بتتبعها وقراءتها، على الرغم من انغلاقها وتأزمها، وذلك يصب في مصلحة الرواية، إذ إن من الأسباب التي ذكرتها الأكاديمية السويدية لمنح "أرنست همنغواي" جائزة نوبل للآداب، عام 1945، أن رواية (الشيخ والبحر) تدور في عالم غير متشعّب.
  وممّا يحسب للرواية أيضاً لغتها السردية الفصيحة، والقريبة من لغة التداول اليومي- من دون الهبوط إلى العامية- وتعدد الأصوات في الرواية، فلكل شخصية صوتها ولغتها الخاصين، فضلاً على كون الحوار قد جاء أيضاً باللغة الفصحى، ولم ترد العامية إلاّ على مستوى المفردات أو الأمثال والمقولات الشعبية والأجنبية، بحسب ما يتطلبه إضفاء الطابع الواقعي والشعبي على الرواية، والاستجابة لمتطلبات الحكي وتثوير شحنات المكان الروائي.
  ولابد من التنويه إلى النهاية المفتوحة للرواية، التي تبتعث الأسئلة الشائكة والملحّة، وتفتح آفاق التلقي على الإنتاج، إذ تنتهي الرواية بسفر نوح وصاحبته (روسا) إلى ألمانيا، على نحو مفاجئ، ويتسلم سليم مفاتح شقة والده بسلسلة بلا رصاصة الثأر التي كان معتاداً على رؤيتها في هذه السلسلة،  ثم يعلم بعد أسبوع من سفر والده أن الدبلوماسي العراقي في مدريد قد نقل إلى برلين.
------------------------------------------------
*ألقيت ضمن الندوة النقدية التي أقيمت حول رواية (تمر الأصابع) في قصر الثقافة في محافظة صلاح الدين/العراق بتاريخ 6/6/2012م
*نشرت في مدونة (الرواية والقصة القصيرة العربية)

ليست هناك تعليقات: