الأحد، 16 يناير، 2011

زاوية (جداريات) / .. عن التكنولوجيا الأدبية


.. عن التكنولوجيا الأدبية


د.محسن الرملي

ها هو فريق من الأكاديميين والشعراء والخبراء الألكترونيين تابع للعملاق (غوغل) يضع اللمسات الأخيرة على برنامج خاص بترجمة الشعر يسعى من خلاله لأن تكون هذه الترجمة على أعلى قدر من الدقة والشعرية، كما يتيح إمكانيات اختيار كثيرة لانتقاء العبارات والمفردات والأوزان الشعرية، بحيث يمكنك أن تضع أي نص لك فيه وهو سيقترح عليك العديد من التعديلات والأوزان والقوافي الشعرية الأنسب له، وصرحوا بأن التجارب الأولية قد جاءت مُرضية وسوف يطلقونه على الشبكة قريباً.
تُرى ما قول الذين لا زالوا يصرون على أن الشعر الخالي من الوزن والقافية ليس شعراً وعلى أن الشاعر الذي لا يتقنهما ولا يعرف بحور الشعر ليس بشاعر؟!.
ثمة برامج أخرى سبق طرحها لصناعة الرواية، تلقمها أنت المعلومات الخاصة بالشخصيات والمكان والموضوعة الرئيسية وغيرها وهي تتبنى الشغل مقترحة عليك عشرات الفرضيات والصيغ والأوصاف، برامج أخرى خاصة بالنقد، تتبنى هي تفكيك النص إلى عناصره الرئيسية وتقدم لك عبارات ومصطلحات نقدية متعددة تناسب كل عنصر، ولن نستبعد وجود برامج مزودة بقواعد المدارس والمناهج النقدية كي تختار أنت المنهج الذي تشاء تطبيقه على النص، أما عن (النقاد) الذين عادة ما يكتفون بالتلخيص، فهذا (الشغل) قد انقرض أصلاً لأن هناك ممن يحترفون هذا ولهم وظائفهم الواضحة في مكاتب الوكلاء الأدبيين ودور النشر والصحافة دون أن يسموا أنفسهم نقاداً، عدا وجود برامج ألكترونية تطور نفسها بهذا الشأن.. إذاً، يبدوا بأن كل القواعد والتقاليد التي راكمناها على مر العصور ولقناها لأجيال بصيغ تدريسية مبرمجة قد صار بالإمكان إلقامها لبرامج ألكترونية فعلاً وهي تتولى الأمر بلحظات، لأن كل ما يمكن تقنينه وتلقينه يمكن برمجته.
لقد حدثت الثورة في الفن التشكيلي عندما ظهرت الكاميرا وصارت تتفوق على الرسام في رسمه للمنظر الطبيعي الواقعي فراح يتحداها ويلجأ للتجريد والتجريب والسريالية والتكعيبية وغيرها مما تعجز الكاميرا عن التقاطه، وحين صار بإمكان برامج الكمبيوتر أن تحوّل حتى الصور الواقعية إلى أسلوب ومدرسة الفن الذي تشاء، عاد الفنان ليوظف إمكانياتها اللامحدودة في التصوير والتحوير لصالح عمله، كما حدث وأن شاهدنا في الدورات الأخيرة من أكبر المهرجانات العالمية للفن كمهرجان (آركو) في إسبانيا.. فماذا عن الأدب؟ والذي سعى لأن تكون الرواية (مثلاً) أكثر من مجرد حكاية بعد أن ظهرت السينما، وتكفلت الصحافة ببقية الحكايات. حتماً إننا بحاجة إلى وقفة تأمل والبحث عن طرق وأساليب إبداعية جديدة دائماً كي نبقي على الإبداع إبداعاً بالفعل، ولأنه كذلك فلا أظن بأنه سيصل إلى نقطة سيتوقف عندها أو أن تعجز القريحة الإنسانية عن الابتكار وعن تجاوز نتاجات الأجهزة التي هي الأخرى من نتاجها. هنا تبرز عظمة الأدب والشعر وإنسانيتهما.. وبالتالي عسر وتعقيد تعريفهما، فما موقف بقية فلول جيوش التلقين والتلقيم وهم يقيسون النصوص بالأوزان والقوافي والأخطاء الإملائية والتعاريف المدرسية.. وغيرها؟. إن الميدان يتغير وهو في حراك لا يهدأ، وما هذا الذي نشهده إلا مقدمة لفيضان تكنولوجي أشمل.. لذا أستغرب جداً أن ألتقي اليوم بأصدقاء أُدباء يواصلون العناد ويرفضون.. بل حتى يهاجمون استخدام البريد الألكتروني والنشر الأكتروني والمدونات والفيسبوك والهاتف المحمول.. وسواها.. ترى ما الذي يفترض بي أن أقوله لهم؟؟!.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في زاوية (جداريات) في الملحق الثقافي لصحيفة (الثورة) السورية، بتاريخ 4/1/2011 العدد 722


ليست هناك تعليقات: