الجمعة، 30 يناير، 2009

نقاش عن عرض مسرحية (البحث عن قلب حي) في عُمان


(البحث عن قلب حي ) تبدأ رحلة البحث
في المهرجان المسرحي العماني الثاني

عبدالله ملك : المسرحية تعكس واقعنا الذي نعيشه كالمصالح وحب الذات والانانية
د. حبيب غلوم : فقر السينوغرافيا هل المشكلة مادية من ادارة المسرح .. والممثلين يكسرون الخاطر

صلاح عبيـد / مسقط / للمسرح دوت كوم
انطلاقة مهمة في فعاليات المهرجان المسرحي العماني الثاني .. لترسيخ قاعدة صلبة لفعاليات فنية تاتي من بعدها الاهتمام بالبنية الاساسية للمسرح .. وتفعيل دعم الفرق الاهلية والشبابية بالسلطنة.حضور كثيف امتلات به مدرجات مسرح الشباب بروي .. تمازجت مع ضيوف المهرجان من فنانين ونقاد واعلاميين .. حدث لايقل شانا عن اي منشط ثقافي في عاصمة الثقافة العربية .. مسقط ، وتزامنا مع اليوم العالمي للمسرح.
بعد العرض مباشرة بدأت اولى الجلسات النقدية والتي تفاجأنا بها من رئيس الجلسة والذي لم يوفق في ادارتها وانتهاء بالمداخلات التي أتت على استحياء ، مقارنة مع جلسات النقد في المهرجان الاول.
التعقيب كان للفنان عبدالله ملك من دولة البحرين حيث بدا بالشكر والثناء على التنظيم لهذا المهرجان وللثقة التي منحته اياها اللجنة الرئيسية للمشاركة في التعقيب بالمهرجان ، وباسلوب منمق قال : أنا سأكون كبش الفداء فأنا لست بناقد وراي سيكون انطباعي وليس تخصصي واترك المجال فيما بعد للزملاء المختصين.
ثم تحدث قائلا في ورقته : من لم يقرأ النص ولايعرف لبه قد يتوه في مشاهد المسرحية فالنص ميلودراما للممثل الاوحد فالكاتب هنا يرثي اخاه واسقط مانعيشه في الواقع ، وماشعرت به وانا اقرأ النص قبل العرض فقد اوحى لي بانها مسرحية رمزية ، قد تصرف المخرج وحول الحوارات الى ثلاث شخصيات بالاضافة الى المريض ورمز للشخصيات بحروف القاف والعين والجيم فحرف القاف القلب حرف العين بالعين والعقل اما الجيم فالجسم الذي يحمل كل الحواس.فهل الاخ يبحث عن قلب ام المريض الانسان انا وانتم ، ام بحث عن حقيقة الانسانية نفسها فحواراتها تدلنا الى الكثير واكثر من حقيقة ، والعمل مراة لواقع الحقيقة التي نعيشها فنطالب بالتضحية وننحي انفسنا منها فالمطلوب ان نغير انفسنا بانفسنا وان لا ننتظر الشفقة من الغير.المسرحية تعكس واقعنا الذي نعيشه كالمصالح وحب الذات والانانية في وقت انتهت فيه المثالية والاخلاق ، والموت اصبحت بديهية واصبح لا يهزنا ولا يغير فينا شئ ، نتمناه لمصالحنا وان اقترب منا ندوس كل الاعراف والاحاسيس.يدعوا المؤلف الى التضحية ونكران الذات ، فنعيش هذا التناقض ولانعرف ماهو الصحيح كالقائد وسط البحر بلا ربان فنحن قطيع نتبع الراعي نحو العشب وناكله حتى وان كان بلا طعم وصرنا كحمار الجت (البرسيم) نحمله ولا نتذوقه.
قال عبدالله ملك المعقب على العرض : يبقى السؤال كيف جسد المخرج النص وقدمه لنا ؟ فهذا ماسنحاول ان نتحدث عنه وهو الاهم ، فالمخرج لم يخرج كثيرا عن ما اراده المؤلف فحاول بداية ان يتعامل مع النص وفكك الشخصية الرئيسية الى ثلاث شخصيات فدخل عالم التجريب والديكور ادخله في نفس اللعبة ، وماداخل الكهف هو نفس مايوجد في الخارج الظلمة والسوداوية ( غرفة المريض ) من خلال القماش الابيض وتحول الى كفن كما ان المريض كان ميتا حيا والساعة رمز الحياة والاستمرارية كانت صامتة ولم تتحرك.الممثلون استسلموا ورضخوا ونفذوا كل مايريده المخرج فآمنوا بالنص والمخرج والتزموا كثيرا كما جسدوا السكير والاطفال والاخ والطبيب والحبيبة ، امتعونا ولكن هل حافظ المخرج على ايقاع العرض فعروض اجنبية لا نفهمها تجعلنا نستمتع بايقاعها.فريق العمل قدموا لنا اليوم عرضا فيه كثير من الجده والالتزام وانا لست بذلك الناقد المتخصص ( كررها للمرة الثانية ) والمخرج واعد وحسب علمي كان مساعدا للمخرج في عدة اعمال وهذه المحاولة الثانية له في الاخراج وربما الثالثة ، والممثلين لا اعرفهم بالاسم لعدم مناداتهم باسمائهم في العرض ، فقد كونوا جسدا واحدا وتفوت الاداء من شخص الى آخر.
بعد ذلك اتيحت الفرصة لمداخلات من الصالة فكانت الاولى لهلال البادي من السلطنة فقال : احي الفرقة والزملاء عرض اليوم محاولة جميلة واجتهاد مميز واجتهاد المخرج مثمر وخلق من النص ابعاد مختلفة من خلال ثلاثة شخصيات والكثرة كانت جميلة ، ولكننا شعرنا بالملل وعدم التنويع في الحكاية بالرغم من ان الفكرة قوية وهناك اشياء جميلة كان من الممكن الاشتغناء عنها كالمريض المنشد ( وهنا استوفقه مدير الجلسة وطالبه بتقديم سؤال فقط مما اثار حفيظة الضيوف واولهم د. حبيب غلوم )
المداخلة الثانية كانت للدكتور حبيب غلوم من دولة الامارات : فبدأ مستفسرا عن ماهية السؤال من مدير الجلسة وان لديه بعض الاراء ليدلوا بها ، ثم شكر فريق العمل واستغرب من جلسة الممثلين امام الجمهور بعد العرض هل هو عرف جديد وان منظرهم يكسر الخاطر وخاصة ان الجلسة النقدية تاتي بعد العرض مباشرة وان عرقهم لم يجف بعد فتوجيه الملاحظات والمداخلات للمخرج الذي قد يبدو اكثر راحة اهون في تلقى الملاحظات النقدية.واستكمل الدكتور حبيب غلوم حديثه : ارجو اهتمام المخرج بالبحث والاطلاع فهذا المجال ليس سهلا اما بالنسبة للسينوغرافيا هل المشكلة مادية من ادارة المسرح فلو توفرت المادة بشكل افضل ونهتم بالسنوغرافيا وبالذات ملامح الفرح لان العمل ملامح حزن فكان لابد ان انوازن بين ملامح الفرح والحزن في العمل فالسواد مغطي على العمل حتى في السنوغرافيا ، اما بالنسبة للشخصيات الثلاث فالفكرة الاساسية شخص واحد ولابد ان المحصلة النهائية تعطينا شخص واحد والاداء لم يعطيني انهم شخص واحد
ثم جاء الدور على الفنان القطري غان السليطي : اشكر فريق العمل على الجهد واختلف مع الاخ هلال البادي في تفتيت الشخوص ومنعنى من التوحد مع الكاتب وارتمى الى القصيدة المسرحية والى احاسيس المونودراما والتفتيت نوع من التشتت وكسرت الحالة العاطفية وحالات الانفصال وكتبت مشاهد تتناقض مع حالة النص ومباشرة مع النص الشاعري وكان اقحام ، الارتداد الى الطفولة قد يكون مطلوبا ولكن بعيدا عن الجد ولم توفق في التعديل على النص ونصيحة للفنان قاسم الريامي الاسمر للاهتمام بالكوميديا.
وفي مداخلة للدكتور محمد الحبسي من السلطنة : اشكر الفرقة للعرض المتميز وبانسبة لتفتيت الشخصية فربما اعطت نوعا من الحياة للنص المسرحي وهنا اختلف مع د. حبيب ، فالتعدد يعطي اكثر من قراءة وجوانب اخرى للنص المسرحي ، واتفق مع د. حبيب للمنشد من حيث التواصل فكانت مطلوبة بينه وبين الممثلين والتداخل واعطاء قراءات اخرى ، وسؤالي للمخرج الاحتفالية التي بدأت بها العمل ماقبل العرض لو اغيت هل ستؤثر؟.
تحدث مروان البلوشي احد المهتمين بالمسرح وقال : لم اقرأ النص ولن اقيم العرض ولكن تساؤلي للمخرج مصطفى هل تؤسس لمسرح اسلامي من خلال اعمالك في الجامعة وهذا العرض ، وبالنسبة لتوزيع الكتل لم تكن بالصورة الجيدة وان المسرح ليس خطابيا واشار الى ان النص حمل بعرض اكبر منه.
وفي الختام تحدث د. عبدالكريم جواد : اميل الى القصة النقلية في العرض ومحاور الصراع لا يكتمل الا بوجود صراع الفصل والتطور والتعدد والانتقال من مرحلة الى اخرى ، فنص اليوم لم أقراه واني في العرض اشاهده كفرجة وماذا قدم لي ولا يفترض ان نقرا النص ، هنالك فكرة وخاطرة او قصيدة هل تصلح ان تتحول الى عرض مسرح متكامل وتشدنا ومتصاعده في احداثه ولا نطلب مافي النص ، واختيار هذا النص من الفرقة هو تحدي لاي فنان مسرحي.
وقال : النص ليس المحيط الخارجي بل يعبر عن هواجس الانسان الداخلية وشعرت بالمازق الذي وضعوا انفسهم لما اختاروا النص وتحدوا انفسهم ، الخاطرة تاتي في خمس دقائق فالمخرج ماذا فعل اراد ان ينوع فهل فوفق هنا يكمن السؤال؟ المقدمة هي كسر وتحويل الخاطرة الى فرجة وجو احتفالي متنوع وربما لا يحتفي بفكرة حتى تصل الى الفكرة فكان لابد من التنويع داخل العرض فخرج الى الطفولة والسكر والاداء ، فهذه وسيلة المخرج وفريق العمل الى فرجة وهل وفقوا ام فالجواب لدى الجمهور.
بعد ذلك تحدث المخرج مصطفى العلوى : هل اللجنة اعطت الناقد النص الاصلي ام النص المعد وايهما الاصح ( رد من الصالة : يفترض الاثنين معا ) وان النص قد اعده عن عدة ورقات لمحسن الرملي وانه لاتوجد لديه حدود على خشبة المسرح كما طالب بوجود سيرة ذاتية للمخرج ايضا من مدير الجلسة اسوة بالناقد والمعقب وفي رده على التساؤالت : اردت ان ارى فرجة ممثل كيف يرقص فرحا والى حنان الام وينتقل من احساس الى آخر ، والخيوط حساسة وانسانية لدى الجمهور واعزف عليها عندما احس ان النص قد اثقل على الجمهور ، والهدف الاساسي كيف يستطيع اللمثل ان يعزف على الخيوط .
وهنا تفاجأنا عندما قطع حديثه وقال : في مثل هذه المناسبات تعودنا عدم انتظار رد المخرج وانا لم اتعود على الرد .. وهذا عرضي الذي قدم اليوم وشكرا للجميع.
فتدخل عبدالله ملك قائلا في النهاية : ليس لدي جديد ولكن كنت متشوقا لاعرف المزيد عن المخرج حتى لا نظلم .
------------------------------------
*منقول من ( منتديات المسرح دوت كوم) 2006

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

البحث عن قلب حي

مصطفى بن محمد العلوي

"لقد بحثت.. ركضت طوال الأمس ولم أعد إلا الآن... سألت في كل مكان، سألتُ في مراكز الشرطة عن أي شخص مات بحادث أو قُتل... فتشت في المستشفيات وفي بنوك العظام والدم والعيون وأعضاء البشر وفي غرف التشريح المرعبة... ووقفت عند منعطفات الشوارع أنتظر تصادم السيارات، سألت شرطة المرور شرطياً شرطياً... قلبتُ في الصحف عن محكومين بالإعدام... طرقتُ أبواب المحاكم بحثاً عنهم... درتُ على التجار... جميع التجار بأنواعهم فلم أجد عندهم قلباً واحداً يصلح لك فتسولت على الأرصفة ثم ناديت من يبيعني قلباً وبأي ثمن؟! من يُحسن إليّ بقلب حي أو يدلني عليه أينما كان.. من؟.. ألا يوجد قلب حي واحد في هذا العالم؟".
مازلت أذكر استصراخ أحبتي قاسم جلال عليّ وهم يبحثون عن قلب حي كقلب أخيهم الذي يرقد في العناية الفائقة ينتظر.
حينها كانوا يبكون ثم يرقصون بعدها يبتسمون ويهمسون ذكرى الطفولة ثم يضحكون بجنون تنوعت الأحاسيس بتنوع الكلمات التي صاغها الكاتب العراقي المغترب الدكتور محسن الرملي تحية إجلال لهذا الكاتب فلمسرحية "البحث عن قلب حي" وقع في قلبي وفي ذاكرتي وقع ليس بالهين يمخر عباب السنين للأبد ستظل مسرحية البحث عن قلب حي وسام شرف على صدر فرقة الفن الحديث وعلى صدري أنا فإخراج نص كبير كهذا يعني المجازفة بعينها وهو شرف للرفاق علي وجلال وقاسم لأنهم قاموا بأداء دور الباحث عن القلب رغم الأحاسيس القاسية المتضاربة المتداخلة التي رسمها النص.
"سعيدٌ من لا يملك شيئاً
ومع هذا يُعطي الناس
يمنحهم قلبه ليعود
إلى المنبع بلا وسواس"

عندما يتبين لنا أن نص "البحث عن قلب حي" مونودراما مهداة إلى حسن مطلك أخ الدكتور محسن الرملي ندرك حينها ما لهذا النص من أحاسيس صادقة لم تكتب لمجرد أنها تكتب ولكنها كتبت كرثاء وكتذكر وكفن وكذوق رفيع تابعوا قضية النص من خلال الكلمات القادمة: "إن الوقت يضيق.. يضيق ويحاصرني كهذا الممر الخانق.. كيف؟.. فمن ذا الذي يستطيع إحضاره في يوم واحد.. بل في ظرف سويعات (ينظر إلى ساعته) فلم يبق من يومك إلا أقله.. ولم يحدث شيء.. ولم أفعل شيئاً. ولم أستطع إحضاره.. ياه.. ما أبخلك يا دكتور!.. تطلبه مني في يوم واحد فقط.. بينما تحبل النساء تسعة شهور لتلد بعد فيض من الآلام قلباً صغيراً بحجم التمرة.. وأي قلب طلبت!.. قلب حيّ.. حيّ!؟ ما أندر ذلك!.. صدقني أيها العزيز.. لو أتيح لي أن أحبل بآلام مخاض تسعين شهراً في ساعة واحدة مقابل أن ألد لك قلباً لما ترددتُ..".
عندما يبحث الأخ عن قلب حي لأخيه الذي يرقد في العناية الفائقة ولا بد أن يحضر القلب في غضون الساعة وأي قلب يريد قلب حي ما أندر ذلك...
(صمت)
للكاتب هنا حديث عن المرأة التي كانت تحب صاحب القلب الكبير أخيه وكيف يصبح الحب إلى جب عندما يتعلق بالتضحية فيقول:
بل حتى المرأة التي كانت تقول لك أنها تحبك أكثر من نفسها وأنها تفديك بروحها.. قالت: إنني حزينة جدا من أجله. ثم ابتسمت الحزينة واتجهت إلى صالون التجميل..
ولو بحثنا في جميع الكتب والمراجع الطبية والإنسانية والاجتماعية والمجلات والجرائد وجميع الصادرات والواردات والأعداد لمعنى أشفى وأجمل لمعنى الحزن فلن نجد مثل ما قاله الرملي في نصه:
"أتدرين حقاً ما هو الحزن؟.. إنه قاسٍ جدا.. أواه.. فيه يذوي الإنسان كما تذبل النبتة على مهل فتصفر وريقاتها ويبيض شعره.. إنه جفاف ومرارة حارقة في الحلق.. تصبح معه جميع الأطعمة بلا طعم وكأنني ألوك خرقة قماش.. أو تماماً كتلميذ يجاهد في ابتلاع ورقة الغش وبلعومه ناشف.. وفؤادي أشعر به كثمرة تعفن نصفها الأسفل.. أسود، نخر.. أحس حتى بأوجاع انتقال دودة فيه، فقلبي كدملة يا صديقته الحزينة؛ يؤلمني عند كل شيء.. عند الحب وعند التنفس أو الذكرى.. قد.. بل أنكِ لا تعلمين بأنني أحاسب نفسي حين أهم بالأكل وينتابني خجل قابض وكآبة ثقيلة حين أضحك: كيف آكل وهوجائع؟ كيف أضحك وهو يدنو من الموت".
تعالوا معاً نرى كيف صور الدكتور محسن مشهد البحث في نصه يقترب من مسرحية في انتظار جودو ويتفوق أحايين كثيرة ويقترب من أوديب عندما يبحث عن قاتل أبيه ولكنك عند الرملي تجد نفسك تركض حافيا وتبحث معه عن قلب حي حين يقول: ..ومرة أجوب الأسواق والحارات لاهثاً أدق الأبواب.. أتوسل بالمارة واحداً واحداً.. هل رأيتموه؟.. هل رأيته يا سيدي؟.. وأنت؟.. وأنتم يا أصحاب الدكاكين يا من تبيعون حتى الهواء.. أرجوكم، من منكم رآه؟. تمزق أعمدة الهواتف ثيابي.. الأعمدة التي قد يتحدث عبر أسلاكها عاشقان، أو مديران عامان، أو لصان.
وتقطع أحزمة نعلي المسامير فأهرول حافياً على الأرصفة الساخنة تفضحني مرايا الواجهات؛ منفوش الشَعر والروح.. أُقبّل الأيادي وأمسح الأكتاف.. من منكم رآه؟.. دلّوني عليه.
تعابير كثيرة وعديدة يصورها لنا هذا النص ومن المعاني الجميلة التي فعليا تجد فيها الصورة حقيقية والوصف يشبه الواقع كيف صور لنا الموت:...
فالموت نهاية.. دود يأكل.. تفسخ للخدود في تابوت مظلم تحت التراب (يرتجف) الموت ذلك السيف القادم مع اللحظات ليبتر حياتنا.. ذلك المجهول المخيف الذي يطاردنا منذ آدم.. لقد فعلنا كل شيء من أجل نسيانه أو فهمه أو تدميره.. عمّرنا الأرض وزيّناها ولم ننسه، اخترقنا الفضاء وتجولنا بين الكواكب كما نتجول في الأسواق ولم نهرب منه.. ارتقينا بالعلم حد تفاصيل أصابع النملة ولم نعرفه، اخترعنا أفظع وسائل التدمير المروّعة ولم ندمر إلا بعضنا (خائفاً) لا.. لا.. أرجوك ابتعد يا سيدنا الموت.. أعرف أنك لا تلين مهما توسلنا وإلا كرسّنا حياتنا للإبداع بالتوسل إليك أن تبتعد، أو لأبعدتك دموع الأمهات، فأنت مدمرنا جميعاً سواء أكنا بقلوب أو بلا قلوب، بضمائر أو بلا ضمائر، أثرياء أو فقراء.. ملوكاً كنا أو مساجين، وهذا فقط ما يعجبنا فيك.. إنك عادل لا تخاف أحداً في عدلك ولا يبلغ سرك الجبابرة.. وحدك من لا يُرشى ولا يغريه جمال، لا تخيف الجيوش أو الحراس، ولا تمنعه القلاع والبروج والأهرامات.. ولكنني أكرهك وأخافك، أكرهك لأي إنسان فكيف بي أرتضيك له؟..
يالك من مبعد أيها الأخ الفاضل الرملي فعلا أجد نصك فيه كل الوفاء لأخيك الشهيد في نهاية هذا العمل الجميل أن الاخ الباحث يعطي أخيه قلبه هدية له في عيد ميلاده.
ـ أهدي قلبي المتواضع إلى أخي بمناسبة عيد ميلاده، متمنياً له الشفاء العاجل ودوام العطاء.
(ويُثَبـّـت الورقة على قميصه، على الجهة اليسرى من صدره، فوق القلب.. ويُنشِد):
"سعيد من لا يملك شيئاً
ومع هذا يعطي الناس
يمنحهم قلبه ليعود
إلى المنبع بلا وسواس".
------------------------------------------------------------
*مصطفى بن محمد العلوي: مخرج مسرحي من سلطنة عمان
*نشرت في ملحق (أشرعة) الثقافي التابع لصحيفة (الوطن) العُمانية، بتاريخ 23/9/2008م.

مسرحية / البحث عن قلب حي


البحث عن قلب حيّ
مونودراما
محسن الرملي

كتبت هذه المسرحية بتاريخ سنة 1990م خلال عيد رمضان.
*نشرت ضمن مجموعة مسرحيات (البحث عن قلب حي) في الكتاب الصادر عن دار ألواح، سنة 1997 مدريد.
* نشرت في مجلة (القلم الأدبي) العدد الثاني 2007 لندن، وفي أكثر من موقع مختص بالمسرح منها موقع (مسرحيون).
*نشرت بالإسبانية في مجلة (آدي تياترو) أهم المجلات الناطقة بالإسبانية ومختصة بالمسرح، في العدد 115 سنة 2007.
http://muhsinalramli.blogspot.com/2008/12/teatro.html
*ترجمت إلى الإنكليزية أيضاً.
http://muhsinalramli.blogspot.com/2008/12/theater-in-english.html
*تم إخراجها بأكثر من صيغة ومن قبل عدة مخرجين وقدمت في عدة مهرجانات عربية مثل:
ـ مهرجان الشمال الرابع في إربد/الأردن سنة 1993.
ـ مهرجان فلادليفيا الرابع للمسرح الجامعي في الأردن سنة 2004.
ـ مهرجان أيام المسرح للشباب في الكويت سنة 2005، وحاز العرض على أربع جوائز.
ـ مهرجان المسرح العُماني الثاني من قبل فرقة الفن الحديث، في سلطنة عمان، مسرحية الافتتاح 2006.
ـ مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي الدورة الثامنة عشر 2006.
*وكتب عن عروضها أكثر من مقال ورأي، كما وصفها الفنان والمخرج العراقي المعروف كريم جثير وفي مقال له في صحيفة (المغترب) العدد 322 الصادرة في كندا 2000 قائلاً: "من خلال الحوار المؤثر يكشف هذا النص عن معاناة الشخصية الرئيسية في عملية بحثها عن قلب حي أو عن شخص يتبرع بهذا القلب. وإذا كان المؤلف قد أدان الآخرين الذين لا يستحقون تضحية الأخ فإنه يعيد الأمل مرة أخرى بتضحية الأخ بقلبه له دون أن يتنكر إليه وبذلك يكون جديراً بالتضحية...".
*ومما جاء في مقدمة كتاب (البحث عن قلب حي) عما يخص ظروف كتابة هذه المسرحية: " لقد كتبتُ هذه المسرحية حين أُعتُقلَ أخي فكنتُ وعائلتي نعيش قلق اللحظات المدمرة. ولشدة حبي له كنت على استعداد لفعل أي شيء لإنقاذه. ولم تكن ثمة وسيلة لذلك، حينها وقع بين يديّ خبر في صحيفة عن شخص يتبرع بقلبه لأخيه، فانبثقت كل هواجسي تجاه هذه النقطة ورحت أكتب بكامل رغبتي لفعل هذه التضحية حقيقة".
------------------------------
النص:
البحث عن قلبٍ حي
(مـونـودرامـا)
د.محسن الرملي


.. مهداة إلى أخي العزيز حسن
ـ1990ـ
-----------------------------------------------

" في ممر ضيق، داخل أحد المستشفيات، وعلى جانبي الممر أبواب مُرَقمة. يَخرج (هو) من أحدها ماسحاً عينيه، يُثقل حركته الألم والحزن الحادين فيستند أحياناً على جانبي المَمر.. قَلِقٌ أمام الباب الذي خَرج منه والذي يَفتحه ليُطلَ برأسه إلى داخله بين الفينة والأخرى، وليعود بألم أشد... وحيد في الممر الطويل..".
هـو:ـ تُرى هل ستَحضَر عيد ميلادكَ بعد أسبوع؟.. لابد من ذلك، فأية غربة مرّة تلك التي ستُطفئ الشموع في غياب صاحب العيد؟.. بل أيّ عيد؟!.. فلا معنى للفرح بميلادك إذا كنتَ غائباً عنه.. لابد أن تَحضر.. سوف تُشفى وتَحتفل.. ونَحتفل.. ولكن أيّة هدية سأُقدم لك..؟ ما هي الهدية التي يقدمها إنسان إلى آخر هو أعز ما في الدنيا إليه؟.. عليّ أن أبحث عن هدية توازي حبي لك، وإن كنتُ أشك في العثور عليها.. لا.. لا ما جدوى الكلمات الآن.. إن الوقت يَضيق.. يَضيق ويُحاصرني كهذا الممر الخانق.. كيف؟.. فمَن ذا الذي يستطيع إحضاره في يوم واحد.. بل في ظرف سويعات (ينظر إلى ساعته) فلم يبق من يومك إلا أقله.. ولم يحدث شيء.. ولم أفعل شيئاً. ولَم أستطع إحضاره.. يااااه.. ما أبخلَك يا دكتور!.. تطلبه مني في يوم واحد فقط.. بينما تَحبل النساء تسعة شهور لتلد بعد فيض من الآلام قلباً صغيراً بحجم التَمرَة.. وأي قلب طلبت!.. قلب حيّ.. حيّ!؟ ما أندر ذلك!.. (ثم باتجاه الباب) صدقني أيها العزيز.. لو أُتيح لي أن أحبَل بآلام مخاض تسعين شهراً في ساعة واحدة مقابل أن ألِدَ لك قلباً لما ترددتُ (ينتبه) حقاً.. أتضرع إليك يا إلهي أن تتكرم علينا بمعجزة كهذه، ولا تُشفق عليّ مهما كانت آلامها.. أو.. أو قِسمة ما تبقى من عمري علينا.. وإلا فمِن أين لي أن أُحضر قلباً حياً لشخص مات بحادث أو بالقتل.. وقد بحثتُ.. ركضتُ طوال الأمس ولم أعد إلا الآن. سألتُ في كل مكان، سألتُ في مراكز الشرطة عن أي شخص مات بحادث أو قُتل في عِراك سخيف من أجل دينار، أو من أجل ادعاء زائف، أو قُتل لأنه كان مع زوجة خائنة، أو لأنه قال صِدقاً فما أكثر من أهلكهم حُب الحق!.. فتشتُ في المستشفيات وفي بنوك العظام والدم والعيون وأعضاء البشر وفي غُرف التشريح المُرعبة، ووقفت عند منعطفات الشوارع أنتظر تصادم السيارات، سألت شرطة المرور شرطياً شرطياً.. قلَّبتُ في الصحف عن محكومين بالإعدام، طرقتُ أبواب المحاكم بحثاً عنهم، درتُ على التجار.. جميع التجار بأنواعهم.. فلم أجد عندهم قلباً واحداً يصلح لك، فتسولت على الأرصفة (يستَجدي، وربما ينزل بين صفوف الجمهور) من يبيعني قلباً وبأي ثمن؟! لله يا مُحسنين.. للحُب يا مُحبين.. مَن يُحسن إليّ بقلب حي أو يدلني عليه أينما كان.. مَن؟.. مَن؟.. ألا يُوجد قلب حي واحد في هذا العالم؟.. سُكونٌ.. صمتٌ إلا من ثغاء بعض المجانين الذين لا يَملكون قلوبهم ليعطوها، وأشباه المجانين ممن لا يملكون شيئاً.. أي لا يملكون الحُرية.. صمتٌ إلا من نَشرات الأخبار وصياح بائعات الجبن والبَصل والابتسامات والهواء والهوى وبائعات كل شيء.. صمتٌ.. هذا العالم أخرَس حين نَطلب منه شيئاً.. صمتٌ إلا من حَفيف المنافِقين.. هـا.. أجل.. لقد تَذكرت.. فقط سِكّير صادفني أمام باب إحدى الحانات (يُقلده): خُذني كُلي بلحمي وشحمي (يضحك) لا.. لا.. لم يقل ذلك لأنه بلا لحم ولا شحم، لم يكن إلا كيساً من الجِلد المبلل بالعَرق، وفيه بضعة عظام (يقلده): خُذني كُلي بقلبي وفقري وأظافري واعطني زجاجة خَمر.. فحملته.. حملته هكذا.. ضممته إلى صدري وطِرتُ به إليكَ.. طِرتُ.. طِرت فأخذ يُنشد في حضني بنشوة:

سعيدٌ من لا يَملك شيئاً
ومع هذا يُعطي الناس
يَمنحهم قلبه ليعود
إلى المَنبع بلا وسواس
(وقد يكرر)
لكن زوجته والشرطة طوقوني (يقلد الزوجة): من يجلب الخَس في آخر الليل، ومن يأخذ القمامة إلى الشارع؟.. ومَن.. (يشير إلى صدره) أنا.. لكن الشرطة رفضوا أيضاً (يُقلد شرطياً): لا.. ولا.. ممنوع. إنه لا يملك نفسه ليتبرع بها.. إنه مُلك البلد.. مُلك الدولة.. (ينظر إلى ساعته) الوقت يضيق دائماً ويُحاصرني كهذا الممر الخانق. وأصدقاؤكَ تناسوك بحجة المتشاغلين، وطُلابك لم يُوَظِفوا ما عَلَّمتهُم من حُروف لأجل نبض قلبٍ حي. كنت تعلمهم أن الإنسان هو أعظم وأغلى ثمرة في الكون، ولكل ثمرة عصيرها وعصير الإنسان هو ما ينتج عن عقله.. منحتهم عصارة عقلك وعمرك فشربوها ورموا الكأس، رموك وغادروا قائلين: لا يهمنا سوى مستقبلنا.. فمن سيوقف هؤلاء ليختم لهم الدرس بالقول: أن المستقبل بناء وأن البناء حب وأن الحب عطاء؟. بل حتى المرأة التي كانت تقول لك أنها تُحبك أكثر من نفسها وأنها تفديك بروحها.. إيمان هل عَلِمتِ بالذي حدث؟ (يقلد صوتها الأنثوي بسخرية): أوي.. إنني حزينة من أجله. ثم ابتسمت الحزينة واتجهت إلى صالون الحِلاقة.. أتدرين حقاً ما هو الحزن؟.. إنه قاسٍ قسوة سلاطين الدَم.. أواه.. فيه يذوي الإنسان كما تذبل النبتة على مهل فتصفر وريقاتها ويبيَض شَعره.. إنه جفاف ومَرارة حارقة في الحَلق.. تُصبح معه جميع الأطعمة بلا طَعم وكأنني ألوك خرقة قماش.. أو تماماً كتلميذ يُجاهد في ابتلاع ورقة الغُش وبلعومه ناشف.. وفؤادي أشعُر به كثَمرة تعفن نصفها الأسفل.. أسود، نخِر.. أحس حتى بأوجاع انتقال دودة فيه، فقلبي كدملة يا صديقته الحزينة؛ يؤلمني عند كل شيء.. عند الكلام والسَماع والشَم واللمس والإبصار والتوَقُّع والحلم والتَحَسُّر.. عند الحُب وعند التَنفس أو الذِكرى أو.. قد.. بل أنكِ لا تعلمين بأنني أحاسب نفسي حين أهم بالأكل، وينتابني خجل قابض وكآبة ثقيلة حين أضحك: كيف آكل وهو جائع؟ كيف أضحك وهو يدنو من المو..(كاد أن يقول الموت) فأصعد إلى سطح الدار في منتصف الليل، هناك، وحيداً أناجي الواحد المُتعالي، أفتحُ قميصي وصدري وعينيّ إلى السماء وأنتحب: إلهي.. إلهي (يريد أن يدعو ولكن..) إني لأحار كيف أدعوك ولكنك أعلم بكل شيء، وأقدر على كل شيء. فأعود إلى الأحلام.. أحلم به كل ليلة وفي الليلة مائة مرة.. فمرة أراه عارياً وجسده الطري قد جعلته نُدب الجروح كغربال أو في كفيه وقدميه ثقوب مسامير.. يبتسم لي مثلما كان بينما يهب المُصلون من حوله جامحين باتجاه صوت المؤذن.. ومرة أجوب الأسواق والحارات لاهثاً (يمر على بقية الأبواب في الممر) أدق الأبواب.. أتوسل بالمارَّة واحداً واحداً.. هل رأيتموه؟.. هل رأيته يا سيدي؟.. وأنتَ؟.. وأنتُم يا أصحاب الدكاكين يا من تبيعون حتى الغبار.. أرجوكم، من منكم رآه؟. تُمزق أعمدة الهواتف ثيابي.. الأعمدة التي قد يتحدث عبر أسلاكها عاشقان، أو مديران عامان، أو لِصان. وتُقطع المسامير أحزمة نعلي فأهرول حافياً على الأرصفة الساخنة، تفضحني مرايا الواجهات؛ منفوش الشَعر والروح.. أُقبّل الأيادي وأمسح الأكتاف.. من منكم رآه؟.. دلّوني عليه. وأحياناً أذهب بعيداً.. بعيداً ـ مثلما كُنا ـ إلى التلال وفي الربيع نضحَك عند غيمة، أو نحتفل بزفاف فراشتين.. وفجأة أفقده..( ينظر إلى ساعته) الوقت مَرة أخرى.. يضيق دائماً ويحاصرني كهذا الممر الخانق.. أواه.. كيف قلب أمي إذاً؟.. أمي التي تَسمَّرَت عند النافذة ليل نهار.. مُرضِعَتنا تَرضَع السجائر وعيناها الدامعتان ترقبان الطريق.. تَراه يترجل عن كل السيارات المارقة.. يَنزل.. قد ينزل في أية لحظة.. بل حتماً سينزل لأنه لابد أن يعود، وحتى الجيران يودون لو ينقلوا لنا خبر عودته بسرعة ليُوقفوا حزننا، فهم يُدركون بأن لحظة حزن إضافية قد تقضي علينا.. ربما هذه اللحظة.. أو القادمة.. فمتى سيُشفى؟ متى يعود؟ متى؟ متى؟ (يصمت قليلاً كأنه يَستمع إلى طفولته فيُردد مبتسماً).. إلى متى يَبقى البَعير على التلِ؟.. (يُغير نبرته نحو الخفوت) هامِش: تلك العِبارة في كِتاب القراءة الابتدائية، حَشوها في رؤوس طفولتنا عنوة عِبر جَلد أكفنا بعُصي المُعلمين. قال المعَلمُون (ثم يكرر الكلمة ويُضخم لفظها بسخرية) المُعلمُوووون: لا تسألوا عن معناها، احفظوها هكذا، بِلى مَعنى، كما خَلقتها مَطابِع التربية.. "إلى متى يبقى البَعير على التل؟" فصار، لاحقاً، كل سؤال يبدأ بالـ إلى متى.. مُرتبطاً بذلك البعير المُتَصَنِّم على تَل تُراثه، لا يأكُل من عشبه ولا يُغادره.. بل ولا يهش الذباب الحائم على مؤخرته.. أَم تُراها تلك الجمادات كالتِلال والتُراث والكراسي تُجَمِّد الجالسين عليها؟.. حقاً متى سيَتَحرَّك ذلك البَعير؟ (ثم مشيراً إلى الباب) ومتى يعود هو؟ لتعود إلينا معه الحياة التي نريدها.. أنا وأمي والجيران والنخلة التي زرعناها (يرفع ذراعيه داعياً) أعِده يا من تعيد الشمس والمطر.. أعده يا من أعدتَ يوسف إلى أبيه.. أعده يا من تُعيد الصفاء إلى وجه السماء.. أعِد الصفاء إلى سماوات نفوسنا يا ربّ.. يا ربّ: لمَ لا تكترث بنا.. الحياة ونحن الذين نحيطها بكل هذا الاهتمام؟. هو الذي كان يهمه أمر كل شيء.. كل شيء وكأنه المسؤول عن هذا الكون (يَفتح الباب ويقف أمامه ينظر إلى الداخل ويصف بعطف هائل) لقد أصبح وجهه أكثر شحوباً.. أصفر مثل رغيف حار، وكفاه النحيلتان على صدره.. على قلبه كأنهما يشيران إلى موضع الألم أو يحاولان احتضانه، أو كأنه يقول للعالم: لقد منحتك كل ما في هذا القلب من حُب، والآن خذ القلب نفسه إني أمنحك إياه.. أجل هذا ما يقوله صمت شفتيه المبتسمتين برضى عميق.. تنفسه هادئ.. شحيح.. كأنه يقتصد باستهلاك الهواء ليتركه للآخرين.. آه.. الآخرون الذين كانوا همّه وهدفه الأول والأخير.. الآخرون الذين لا يرحم نفسه من أجلهم.. كم حَذرته! كم جادلته!.. أترى ثمة من يستحق كل هذه التضحية حقاً؟ إنهم قساة يا عزيزي.. بحر هائج.. موج متلاطم لا يكترث بمن يغرق فيه أو بمن يصطاد ويجني اللآلئ منه ولا بمن يحاول تنقيته من التلوث.. فلماذا تصر على المحاولة حتى توشك على الغرق؟ وما دام الناس هم ذلك البحر الذي لا يعبأ بمن يأخذ منه أو يعطيه، فلماذا لا تكون ممن يأخذون فقط؟ (يتذكر صوته) وبحر الضمير؟.. هه.. بحر الضمير مهما يكن هائجاً فبإمكانك السيطرة عليه لأنه في داخلك.. لا يَخرج عن حدودك أبداً (يتذكر صوته) إن له عواصف تقتلع اقتلاعاً... هذا بالنسبة لك وحدك لأنك تسمعه.. تحترمه في الوقت الذي يتجاهل فيه الآخرون صراخه.. حتى يكادوا لا يتذكرون شيئاً بهذا الاسم.. إنهم ينظرون إليه على أنه موضة قديمة.. ثم ماذا بإمكانك أن تُنقي من خضم هذا التلوث الطاغي الذي يعبث ببحرهم؟.. هذا التلوث الذي لا يَلد إلا تلوثاً.. كم استبدلتَ من نظارات لتلاحق خفوت نور عينيك، وها أنت تخسر قلبك من أجلهم.. قلبك الذي قد تخسر نفسك معه (يغلق الباب) هو الذي كان يهمه أمر كل شيء.. وكأنه المسؤول عن هذا الكون.. الآن لا يهتم أحد بأمره فالشوارع كما هي.. الناس، حركة الطائرات، مواعيد الندوات، الاحتفالات، الأغاني.. مازال الناس يحتشدون في الشوارع والمكعبات الإسمنتية دون أن يحدث أي حادث.. لماذا هذا اليوم بالذات لم تسقط عمارة مغشوشة، أو تتصادم سيارتان على الرغم من أن حوادث الطرق إحدى مشكلات العصر الخطيرة؟.. لماذا لم يُقتَل في هذا اليوم أحد على الرغم من أن حوادث القتل أصبحت تُنهك مراكز الشرطة والمستشفيات؟ لماذا لم ينتحر أو يُشنق أحد هذا اليوم؟.. ألم يصبح العالم على ما يرام إلا في هذا اليوم؟! اليوم الذي أحتاج فيه إلى قلبٍ لإنقاذ أحب الناس إليّ (صمت.. وبصوت أخفض).. هه.. يا للأسف أجدني قد صرت مثل حفار القبور الذي يتمنى ازدياد عدد الموتى ليتحسن عيشه أو ليشتري غسالة ملابس كهربائية.. أنتظِر الموت لآخر لكي يعيش من أُحب دون أن أفكر في أن للآخر من يُحبه..(يصيح) ما العمل إذاً؟؟ فالوقت يضيق دائماً وهذا يعني أن الموت يقترب.. كلما ضاق الوقت اقترب الموت.. والموت نهاية.. حُفرَة مُوصَدة على حَفنة من ظلام بلا ماء ولا هواء ولا سماء ولا أصدقاء ولا.. (يبتسم ساخراً ومُغيّراً نبرته غامِزاً) ولا انترنيت (ثم يعاود جِديته) دُود يأكُل.. تَفَسّخ للخدود في تابُوت مُغلَق تحت التراب (يرتجف) الموت ذلك السيف القادم مع اللحظات ليبتر حياتنا.. ذلك المجهول المخيف الذي يطاردنا منذ آدم.. لقد فعلنا كل شيء من أجل نسيانه؛ ننساه أو ينسانا، أو فهمه أو تدميره.. عَمّرنا الأرض وزيّناها ولم ننسه، اخترقنا الفضاء وتجولنا بين الكواكب كما نتجول في الأسواق ولم نهرب منه.. ارتقينا بالعلم حد تفاصيل أصابع النملة ولم نعرفه، اخترعنا أفظع وسائل التدمير المروّعة ولم ندمر إلا بعضنا (خائفاً) لا.. لا.. أرجوك ابتعد يا سيدنا الموت.. أعرف أنك لا تلين مهما توسلنا وإلا كرسّنا حياتنا للإبداع بالتوسل إليك أن تبتعد، أو لأبعدتك دموع الأمهات، فأنت مُدمرنا جميعاً سواء أكنا بقلوب أو بلا قلوب، بضمائر أو بلا ضمائر، أثرياء أو فقراء.. ملوكاً كنا أو مساجين، وهذا فقط ما يعجبنا فيك.. إنك عادل لا تخاف أحداً في عدلك ولا يبلغ سِرك الجبابرة.. وحدك من لا يُرشى ولا يُغريه جَمال، لا تُخيفه الجيوش ولا يحجبه الحُراس، لا تمنعه الأسوار ولا القلاع ولا الأهرامات ولا البروج والأبراج والبوارج والبرامج والبراجد والبراجِس والبَرجَزَة والتبرجات والبَربجات والاجتماعات المُؤجَّلَة وإذا جاء أجلهم لا.. (يصرخ) لا، ولكنني لا أريدك الآن يا موت وأخافك، لا أُحبكَ لأي إنسان فكيف بي أرتضيك له؟.. لا.. لا أريده أن يموت.. لا.. مستحيل.. لابد من إنقاذه.. فلا أتخيل حياتي دون رفقته.. فما يربطني به هو أشد ما يربطني بالحياة.. الحُب.. هو من عَلمني كل ما تعلمته وهو من يُعطي أضعاف ما أفكر أنا بإعطائه وهو الذي.. (يتذكر) ثم.. ثم أن عيد ميلاده بعد أسبوع.. لابد أنه ينتظره بشوق.. أجل يجب أن أفعل شيئاً.. شيء أفعله بنفسي دون الحاجة إلى الشرطة أو السكارى أو انتظار الحوادث أو..، فلا وقت لذلك (ينظر إلى ساعته) لم تبق إلا ساعة.. الوقت يضيق.. عليّ أن أنقذه بأي ثمن.. نعم بأي ثمن حتى لو كان حياتي (ينتبه) ها.. هي حياتي.. روحي.. قلبي.. أجل قلبي أنا (بتأمل) لقد نسيت أن لي قلباً.. لقد أنساني ذلك حبي له؛ الذي أغرق قلبي حتى أغشاني عن رؤيته، فرُحتُ أستجدي من الناس قلوبهم، أنتظر هشيم السيارات وقلوب المحكومين بالموت.. ياه.. كيف فاتني ذلك؟! فليس أصلح من قلبي له.. إنه يستحق ذلك.. ألم يُضحِ بكل شيء للآخرين؟ وأنا أحدهم بل أقربهم إليه. فلماذا أطالبهم بالتضحية بدلاً عني.. وإلا ما اختلافي عن صاحبته التي كنت أسخر منها..(ينظر إلى ساعته) يا إلهي.. إن الوقت يضيق.. يضيق جداً ويحاصرني، وسيف الموت قادم مع اللحظات فعلى مَن (يشير إلى نفسه) يَدعي بأن له قلباً حيّاً أن يُثبت ذلك، لأن التردد يُفقدنا الكثير الكثير.. وإن أشد ما أفسد علينا حياتنا هو غُربة أقوالنا عن أفعالنا.. علينا إذاً أن نطابق بين ما نقول وما نفعل.. إننا نعرف هذا جيداً مثلما نعرف أنه يعني بأن لا مناص من التضحية أمام الحُب.. أجل إنني أكره الموت، ولكني لن أحُب إذا لم أفعل شيئاً.. الوقت.. الوقت يضيق دائماً (يخلع ساعته ويرميها على الأرض ثم يهرسها بقدمه بقوة).. ليس هناك ما هو أصلح من قلبي له.. ثم.. ثم أن أمي ستحضننا معاً حين يعود إليها (بعذوبة) الله.. فحين تحضنه ستحضننا معاً فيه وسوف يواصل قلبي النبض في صدره ليواصل هو فعل ما أراده..
(يفتش في جيوبه، فيُخرج ورقة وقلماً، ويكتب وهو يقرأ ما يكتبه بصوت مسموع)
ـ أهدي قلبي المتواضع إلى أخي بمناسبة عيد ميلاده، متمنياً له الشفاء العاجل ودوام العطاء.
(ويُثَبـّـت الورقة على قميصه، على الجهة اليسرى من صدره، فوق القلب.. ويُنشِد):

سعيدٌ من لا يَملك شيئاً
ومع هذا يُعطي الناس
يَمنحهم قلبه ليعود
إلى المَنبع بلا وسواس.
(ينادي): دكتور.. يا دكتور.. أسرِع لقد وجدتُ لك ما تَطلب.. دكتور.. دكتور..(وحين يسمع وقع خطى الطبيب قادمة في نهاية الممر يقتل نفسه لكي لا يمنعه).