الثلاثاء، 9 يونيو 2009

مقال/ مانويل رينا/ عن (تمر الأصابع)


رواية (تمر الأصابع)... هدية للمشاعر

جنة الفرات ملطخة بالدماء

مانويل فرانثيسكو ريينا

ترجمة: عبدالله توتي
الشاعر والناقد الأسباني مانويل ريناM. Francisco Reina ومحسن الرملي

بصدور روايته "تمر الأصابع" عن دار El Tercer Nombre لصاحبها إنريكي دي بولانكو يكون محسن الرملي، واحد من أهم الروائيين والشعراء وكتاب المسرح العراقيين، الدكتور في الفلسفة والأدب وفقه اللغة الاسبانية من جامعتي بغداد وأوتونوما بمدريد، والمترجم للعديد من كلاسيكيات الأدب الاسباني إلى العربية، قد دخل الأدب الاسباني من أوسع أبوابه وبدأ يفرض اسمه في المشهد الروائي في إسبانيا. إن عمله "تمر الأصابع" رواية مشحونة بالعاطفة، بديعة باستحضاراتها وحنانها وتمتاز بقدرة كبيرة على رسم التناقضات ونقاط الاختلاف والتلاقي بين ثقافات الغرب والشرق. وهي نقطة يلتقي فيها محسن الرملي مع كبار أدباء العالم العربي المعاصريين وإن كانت شهرته في إسبانيا ما تزال متواضعة بالمقارنة مع أدباء آخرين من طينته أمثال نجيب محفوظ أو معاصره الإيراني سييد هوسانجي ممن طال حبرهم صفحات كل مؤمن بإمكانية تحديث المجتمع التوحيدي المسلم وتطويره إلى نموذج ديمقراطي يعلي من شأن ثقافته، ويفصل في الوقت ذاته بين السلطات، عبر مروره، بحكم الضرورة، من خلال علمنة الدول المسلمة.
تدور أحداث رواية محسن الرملي على مدى عقد من الزمن، يبتدئ بفرار بطل الرواية (سليم) من عراق الديكتاتورية والحروب والعادات والتقاليد العشائرية والدينية الصارمة ليلجأ إلى مدريد حيث سيشتغل موزعاً للجرائد؛ غير أن حياته الهادئة ستنقلب رأساً على عقب، إذ سيلتقي صدفة في يوم من الأيام بوالده الذي كان يعمل في شركة للبترول بالعراق والذي لم يعرف عنه سليم أي خبر لسنوات. هذا الظهور المفاجئ للأب على شكل شخصية مجهولة الملامح يجعل سليم يشك في كل ما له علاقة بأصوله وبقيمه الدينية والأخلاقية التي تلقاها من والده في ذلك العراق البعيد الحاضر دائما في الذاكرة. هذا اللقاء بين الأب والابن يتطلب من كليهما نوعاً من الاستكشاف ومعرفة الآخر وإمكانية التعرف المباشر على الذات والآخر خارج قيود ثقافتهما الأصلية. هذه هي عقدة الروي التي يستحيل الافلات منها بسبب الاستحضار والحنين والذاكرة، وبفضل جمالية الأسلوب عند محسن الرملي الذي عرف كيف يوظف ويساير الرواية الحداثية والذائقة الشرقية معاً، دون تكلف أو تقيد بالفهم السائد للتقليد الأدبي العريق الذي تضرب جذوره عميقاً في ما قبل (ألف ليلة وليلة) لتمتد إلى أحواض دجلة والفرات الملطخة اليوم بدماء الحروب والتي كانت بالأمس، كما يحكى، جنة من جنان الأرض. وفي هذا الصدد، وفي الأيام السابقة للحرب المشؤمة، ولكونه من غير الموالين لصدام دفعه ذلك إلى ترك العراق متجهاً صوب المنفى، تماما كبطل الرواية، وكان الكاتب يقول في إحدى مقالاته المنشورة بالإسبانية: "يحزننا ويغيظنا نحن العراقيين بشكل عام، والمثقفين منا بشكل خاص، أن يتحدث الناس في العالم عن العراق اليوم كما لو أنه يشكل تهديدا. يتحدثون عن العراق على أنه من محور الشر، ويقولون بأنه بلد ديكتاتوري، يمتلك أسلحة دمار شامل وبحرا من البترول.. فيما يندر أن يتم الحديث عن العراق على أنه بلد الألف ليلة وليلة ومهد الحضارات الأول: كسومر وأكد والنمرود وأوروك وآشور ونينوى وبابل. وعن عراق بلاد ما بين النهرين حيث ظهرت فيه الكتابة لأول مرة منذ أكثر من خمسة آلاف عام إضافة إلى أول تقويم للزمن وأول قانون وأول ديانة وأول ديموقراطية وأولى القصائد الملحمية مثل كلكامش. نعم، وكان للمرأة العراقية دور أساسي في الشعر، فقد استطاعت إنخيدوانا (قرن 3 ق.م) أن تجد لها مكانا ضمن الشاعرات الأوائل في العالم ونازك الملائكة باعتبارها من الرواد الذين أطلقوا شرارة الشعر العربي الحديث. وبهذا التأثير المستمر للمرأة العراقية.. لذا يحزننا أن يلخص الناس العراق بشارب الديكتاتور الموحي بمجتمع ذكوري".
كل هذا العالم من التناقضات والنزاعات والأمل والمآسي تعكسه هذه الرواية البسيطة التعقيد، إنها بحق هدية للفكر وللمشاعر حول عالم متغير حيث يتقابل نموذجين متصارعين يستدعيان منا أن نجد لهما مَخرجاً سلمياً لمصالحتهما. إنها رواية تقدم لنا، بطريقة جميلة، إمكانيات التعايش والاستمتاع بالآخر عن طريق المعرفة والقيم الإنسانية والعاطفة باعتبارها عناصر مشتركة تجمعنا، تبقينا على قيد الحياة متفاهمين ومتعايشين.. وتنقذنا دائماً.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* عن الملحق الثقافي لصحيفة (آ بي ثي) الاسبانية.
http://www.abc.es/hemeroteca/historico-06-04-2008/abc/Domingos/cultura-dedos-de-datiles_1641773498674.html
------------------------------------------------------
*نشر في صحيفة (الزمان) العدد 3316 بتاريخ 9/6/2009م.

ليست هناك تعليقات: