الثلاثاء، 25 مايو، 2010

.. عن الفيس بوك / استطلاع: عبدالحق بن رحمون


.. عن الفيس بوك

من استطلاع: عبدالحق بن رحمون

محسن الرملي


صداقات حميمة وعميقة

*في رأيك ماذا أضاف الـ : " فيس بوك " لك وللثقافة العربية؟
ـ أضاف المزيد من التواصل، والتواصل هو العمود الفقري للحياة الاجتماعية والثقافية بل والإنسانية عموماً. أضاف المزيد من المعرفة بالناس وهمومهم وأحلامهم وبالقضايا التي تشغلهم، فأضاءها بشكل لاتوفره وسائل أخرى كوسائل الإعلام التقليدية، كما أنه يتيح المتابعة التفصيلية مباشرة وبشكل يومي، عدا كونه وسيلة إعلام ودعاية مجانية عملية وواسعة، وهناك أعمال وأسماء ظهرت وبرزت من خلاله ووصلت إلى الناس بشكل أسرع وأكثر فاعلية.
*وهل أنت مقتنع تماما بوجود اسمك على هذا الموقع... وماذا أضاف لك على مستوى الكتابة؟
ـ نعم، أنا مقتنع تماماً، بل وشجعت وأحث كل الأصدقاء والمعارف على فعل ذلك، أما على صعيد الكتابة فمن بين ما نفعني به: أنه جعلني على تماس مباشر مع أصدقائي الكتاب ومع القراء الذي تهمهم نصوصي، وحضورهم المباشر هذا بحد ذاته يطالبني ويستدعي مني المزيد والجديد في الكتابة، بحيث لم يعد الكسل السابق مريحاً كما كان. هذا إضافة إلى أنه يصحح لي أو يعينني على تعديل نصوصي قبل نشرها بشكلها النهائي، فقد عمدت أحياناً إلى نشر بعض مسودات نصوصي في الفيس بوك لأرى الانطباع وردود الفعل عليها وملاحظات الأصدقاء قبل أن أراجعها بشكلها النهائي. من الفوائد الأخرى لصالح الكتابة أنه يثري المعرفة التفصيلية بالمواضيع التي أفكر بكتابتها، بل وحتى بإيجاد الشخصيات والمناخات أحياناً.. بشكل عام إضافاته على مستوى الكتابة كثيرة وخاصة فيما يتعلق بمعرفة المتلقي أكثر والتعلم منه لصالح أسلوب وشكل ومضمون النص الكتابي لاحقاً.
*وهل يعتبر الـ : " فيس بوك " تهديدا للثقافة العربية؟
ـ لا أعتقد ذلك، فهو وسيلة وأداة تكنولوجية حديثة حاله كحال أية أداة أو وسيلة أخرى، أي يمكن توظيفه واستثماره لأغراض إيجابية أو العكس. الأمر بنهايته يتعلق بالهدف من استخدامه وبالكيفية، وقد سبق وأن قيل هذا الرأي نفسه عندما ظهر الراديو والتلفزيون والهاتف النقال والإنترنيت وغيرها، لذا فالمسألة تخص كيف نستخدمه، وعليه فيمكن للثقافة العربية أن توظفه وتستثمره لكل ما هو إيجابي، ولاحظت تجارب ناجحة في هذا المجال، وشخصياً لا أظن أن هناك شيئاً ما يمكنه أن يهدد العناصر الأصيلة في ثقافة ما، إلا إذا كانت تلك العناصر في تلك الثقافة هشة في ذاتها أصلاً وفيها ضعف، وتنطوي على مقومات الاستجابة لتهديد معين.
*وهل تأخذ منك متابعتك للـ : " فيس بوك " وقتا كثيرا، أو تتخذ منه فقط اتجاها للجد أم غاية في التسلية والفضول والبصبصة فيما يفعله زملاؤك؟
ـ إنها تأخذ من وقتي ما أعتقد بأنها تستحقه، وبشكل عام فالفيس بوك بالنسبة لي صار بمثابة (صحيفة المساء) أقلبه وأعطيه حقه من الاهتمام في آخر النهار، ذلك أنني في أول الصباح أتابع الصحافة المعتادة لمعرفة الأخبار والجديد، أما في المساء فأتابع ردود الفعل والآراء وما أثار اهتمام الآخرين، ثم الأخبار الشخصية لأصدقائي والتي لاتنشرها الصحف التقليدية بالتأكيد. كذلك أجد أخباراً ونصوص وفيديوات وصور لم أكن لأنتبه لها أو لأعرف بوجودها أبداً لولا أن ذكرها أو علقها آخرون. كما أرى جديد أصدقائي حيث يخبرون أو يعلقون روابط لما نشروه مؤخراً من نصوص وكتب ونشاطات وسفرات وغيرها. فأشعر بالفيسبوك أحياناً بمثابة مقهى ثقافي ألتقي به معهم. وبالتأكيد إنني أتخذه للجد وليس للتسلية، فليس لدي فائض من الوقت لفعل ذلك، كما أنني لا أتفق مع كلمة "بصبصة" لأنها لاتنطبق وهذا الحال، وذلك لأن أي شخص يضع نصاً أو يعلق صورة أو تعليق إنما غايته أن يطلع عليه بقية الأصدقاء ولو كان يريد أن يبقى سراً لما وضعه أصلاً.
*وهل أحسست بتحول وأنت تكتب على جدران الـ : " فيسبوك" ... وكيف اكتشفت عالم الأصدقاء المفترضين... وكيف تختارهم للتواصل معك؟
ـ اعتبر نفسي جديداً على الفيس بوك، فقد انضممت إليه منذ عامين تقريباً بعد أن كنت أمانع وأتردد مثل الكثيرين غيري، ولكن طلابي هم الذين دفعوني للإنضمام إليه، وخاصة أنهم يتعاملون من خلاله أكثر من تعاملهم عبر الإيميل، والذي صار يشبه صيغة الرسائل سابقاً لما يتطلبه من تقديمات وتحيات وغيرها، أما الفيسبوك فهو مباشر كاللقاء الشخصي حيث يمكنك أن تعلق أو تقول رأيك بلا مقدمات، كما أنك تنشر خبراً أو رأياً لمرة واحدة للجميع وليس لكل واحد بمفرده، وبالطبع أن أي شيء تأخذه بجدية سيؤثر بشكل ما على آرائك وعلى أسلوبك في الفهم والكتابة. أرحب على الفيسبوك بصداقة أي شخص أعرفه أو عرفته شخصياً في الواقع أو أعرفه بالإسم كونه كاتباً أو فناناً أو صحفياً مثلاً كما أرحب بمن يعرفني بهم أصدقائي أو أولئك الذين يعرفون بانفسهم، إضافة إلى من أجد بيني وبينه اهتمامات مشتركة وخاصة فيما يتعلق بالثقافة والأدب. وقد تحولت الكثير من صداقاتي التي بدأت بالفيس بوك إلى واقع حقيقي ولقاء شخصي.. بل إلى صداقات حميمة وعميقة. وبفضل الفيسبوك أيضاً وجدت أصدقاء قدامى من أيام الطفولة أو المدرسة والجامعة أو الخدمة العسكرية، أو هم الذين وجدوني، وأعدنا التواصل بعد أن فرقتنا الحياة والظروف ربما لعقود، ومنهم أصدقاء في العراق من مناطق حلت بها كوارث حقيقية، فأسعدني أنهم لازالوا أحياء وأن أرى صور حياتهم وأطفالهم.. وهذا بحد ذاته يكفي لأن أقدم الشكر الكبير للفيسبوك وأتجاوز عن العديد من منغصاته.
*وفي رأيك هل أخرج الـ : " فيسبوك" المبدعين والمثقفين من حالة الانكماش والتقوقع على الذات إلى عالم أكثر فساحة؟
ـ هذا فضاء حر ومفتوح كما تعلم، ومسألة التعامل معه ومن خلاله تعود لذات كل شخص، فمن شاء التواصل والانفتاح أو شكل منه فعل، ومن آثر العزلة فعل، أو يستطيع الانسحاب متى ماشاء، كما أن كل شخص بإمكانه أن يتحكم بصيغة وحدود التعامل الذي يناسبه ويرتأيه. وعرفت مثقفين ومبدعين وفنانيين أجادوا استخدامه وحققوا حضوراً وجمهوراً وتعريفاً جيداً بنتاجاتهم. وأنا شخصياً مع الانفتاح والتواصل ومع السعي للمعرفة والاستثمار الإيجابي لأية تسهيلات تكنولوجية جديدة.
--------------------------------------------
*نشر في صحيفة (الزمان) العدد 3602 الثلاثاء 25/5/2010م.

الجمعة، 14 مايو، 2010

.. عن الزمن الروائي / محسن الرملي


تأملات في الزمن الروائي

مفاهيم متباعدة ومعالجات متعددة

د. محسن الرملي

إن مشكلة الزمن هي إحدى القضايا الفلسفة والعلمية التي لا نتردد بتسميتها؛ معضلة أزلية، أسوة بمشاكل عصية أخرى كالروح والموت والعدم وغيرها، ذلك أن الزمن لم يكف عن أن يكون إحدى أهم القضايا الكبرى التي تعرضت للتأمل الطويل من قبل جموع الفلاسفة والمفكرين منذ بداية التفكير وإلى يومنا هذا دون التوصل إلى حل.. أو بالأحرى إلى تعريف أو فهم نهائي ومقنع. وهكذا سيتواصل التساؤل والتفكير فيه. وقد اعتبر باشلار أن تحديد حقيقة الزمن هي التي توضح العلاقة التي تربط أصناف المعرفة بعضها ببعض ومميزات الفعل الأخلاقي أو حتى معنى الخلق الأدبي، مشيراً إلى أن "المعرفة في جوهرها عمل زماني"1. وبما أن كلمة الزمن ستبقى مُحيّرة وغامضة فإننا لن ندخل هنا بمناقشة إشكالياتها المتشعبة والتي لن نخرج منها بأكثر مما توصل إليه العقل البشري من قبل. ولكن ما يهمنا منها هنا فقط هو مسألة الزمن الأدبي أو الروائي منه تحديداً، مستندين بذلك على خلاصة المفاهيم السائدة عن الزمن والمتمثلة بتقسيمه إلى زمنين هما: الداخلي والخارجي، أو الخاص والعام، أو الذاتي والموضوعي.. فالأول هو الزمن الخاص بكل إنسان غير مستقيم من حيث طبيعته، وهو أقل تنظيماً ولا يعتمد على مقاييس ثابتة أو مُتفق عليها وإنما يعتمد على علاقته الخاصة مع نفسية الشخص، فيشار إلى لحظات بأنها طويلة أو قصيرة، أو عذبة أو مريرة، أو قاسية.. وإلى أعوام بأنها سعيدة أو فارغة أو مكتظة.. إلى غير ذلك. وهذا النوع هو الذي اهتم به ـ أو حُسب على ـ الفلاسفة المثاليين والأدباء أكثر من غيرهم. بينما الزمن الآخر الخارجي أو العام أو الموضوعي؛ فهو الزمن المتعارف عليه بين الناس، مستقيم من حيث طبيعته، والمتمثل بالسنين والشهور والأيام والساعات والدقائق.. إلخ. والذي نستطيع قياسه وحسابه. وهو زمن مشترك وكوني من حيث شمولية الموجودات به؛ الإنسان والحيوان والأزهار وحركات الكواكب والليل والنهار والضوء وغيرها. وهذا الزمن هو الذي اعتمده ـ أو حُسب على ـ الفلاسفة الماديين الذين وصفوه بكونه ما يُعبر عن تتابع وجود الظواهر، حيث تحل الواحدة محل الأخرى، وقالوا بأن:" الزمان لا يرتد بمعنى أن كل عملية مادية لا تتطور إلا في اتجاه واحد؛ من الماضي إلى المستقبل"2. ورفضوا اعتبار الزمان والمكان منفصلين عن المادة، مستندين بذلك على نظرية إنشتاين النسبية والبعد الرابع، بينما يشير إنشتاين في نظريته ذاتها إلى أن الزمان هو مقدار متغير في الكون وأنه لا يوجد زمن واحد للكون كله ممتد من مبدأ الخليقة إلى الآن، وإنما ثمة العديد من الأزمان، فالزمن المعروف بالساعة واليوم والشهر والسنة ما هو إلا مصطلحات ترمز إلى دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس، أو بشكل آخر "مصطلحات لأوضاع مختلفة في المكان" فالساعة هي دورة الأرض 15 درجة حول نفسها واليوم هو دورة كاملة والسنة هي التفافها الكامل حول الشمس.
وهكذا نأتي إلى الأدب (الروائي) لنجده قد تشعب هو الآخر إلى اتجاهات ومدارس وإبداعات متباينة، مؤكداً بذلك نتيجتين مهمتين هما: أولاً: أن تنوع الإبداع الروائي هو في جوهره تنوع في طرق التعامل مع الزمن الروائي. وثانياً: الاختلاف الدائم في وجهات النظر والرؤية والأفكار حول مفهوم الزمن.. وأن مجرد نظرة عامة إلى عينات من النتاجات المختلفة في مضمار الرواية ستكون كافية لتأكيد ذلك؛ فمثلاً أن زمن رواية (الحرب والسلام) لتولستوي هو خمسة عشرة سنة تقريباً، وزمن رواية (السيدة دالاوي) لفرجينيا وولف هو يوم واحد، بينما زمن رواية (جسر على نهر درينا) لإيفو إندريتش يمتد لثلاثة قرون ونصف، أو تحديداً 343 سنة. مثلما تمتد رواية ماركيز (مائة عام من العزلة) لأجيال عديدة وكذلك (أولاد حارتنا) لنجيب محفوظ.
أما كأمثلة على تقسيمات الزمن التي سبق ذكرها فنشير إلى جيمس جويس وفرجينيا وولف والآخرين من كتاب تيار الواعي أو ما يسمى أيضاً بالتداعي، وهم الذين تعاملوا مع الزمن النفسي أو الداخلي، فرواية (السيدة دالاواي) تعتمد على التداعيات التي تمد يدها لتطوق زمن الرواية بيوم واحد، وهو الزمن الذي تحدث خلاله أفعال الشخصية الرئيسية وما يتعلق بها من أحداث ترويها الكاتبة. ولكننا نجد أن الزمن الحقيقي لهذا العمل يمتد إلى حياة كاملة تقريباً؛ فكل لحظة معينة أو حدث ما.. أو أي شيء آخر يصادف الشخصية سيكون له امتداد أطول: فساعة (بك بن) ـ مثلاً ـ تُذكر البطلة بحدث ما يُساهم في بناء الرواية، لذلك نجد الكاتبة تصف دقاتها وتعاقب ساعاتها، فتربط ذلك بانتقالة إلى الرجل الذي يبعث الرسائل من الهند. وحالات أخرى كانتقال عينيها والتقاطاتها في الشارع أو السوق. أما بالنسبة لرواية (دابادا) للعراقي حسن مطلك، المشابهة لها من حيث قصر الزمن ومختلفة عنها في أسلوب التناول فإن زمنها الروائي هو ثلاثة أيام بلياليها ونهارتها، ولكن الزمن الحقيقي للرواية يمتد لأطول من ذلك بكثير. واختلاف الكاتب هنا يكمن في كونه لا يعتمد على طريقة التداعي التقليدية وإنما يلجأ إلى ابتكار طريقته الخاصة، ذلك لأن المأخذ على طريقة التداعي الحر يكمن في أن الكاتب قد يخرج عن حالات القصة المفترضة أو الحدث الذي يرويه الكاتب، ويكون خروجه بمجرد أن يرى البطل شيئاً معيناً بطريقة الاستبصار أو السمع أو الشم وغيرها. يبدأ بالحديث عن هذا الشيء بشكل موسع أو مصحوب بالذكريات التي قد تجر معها ذكريات أخرى، مع أن هذا الحدث قد لا يدخل ضمن سياق الثيمة الأساسية للعمل الروائي، ولكن الطريقة التي اتبعها حسن مطلك في (دابادا) تختلف من حيث أنه يأخذ الحدث كما هو.. أي فقط الأشياء التي تؤثر في الحدث سواء أكانت زمانية أو مكانية وتناول العلاقة.. أو الأدق نوع العلاقة بين العالم والوعي، والانتقالات قد تكون مناسبات لغوية أو تراتبية أحداث ومعاني.
هذا ومن مشاكل الرواية الأخرى في هذا المضمار ـ إذا أردنا تصنيفها كما سبق ـ فهي عند الطبيعيين كأميل زولا وعند جماعة الواقعية الاشتراكية كالروس وغيرهم، هؤلاء جميعهم يقولون بوجود حدث و(زمن) موضوعي.. وهذا لا يتيح لهم الولوج في دواخل نفسيات أبطالهم على اعتبار أن الكاتب لا يستطيع ـ منطقياً وواقعياً ـ أن يعرف جميع أبطاله ونفسياتهم ويتصرف كأنه إله.. أو ليس من حق الكاتب أن يعرف كل أبطاله بدقة من حيث الداخل والخارج، وإنما جزءً من السلوك الخارجي للبطل والظروف الخارجية وتقاطع العلاقات وما يتعلق بها. فبهذه الطريقة ـ الوصف الخارجي ـ يستطيع الكاتب أن يكشف عن حالات البطل الداخلية من خلال سلوكه بشكل محاذر وبعيد؛ أي على العكس من الجماعة الأولى؛ أصحاب الزمن الداخلي أو التداعي الذين يفجرون الداخل.. أي يبدأون من الوعي وينطلقون إلى العالم الخارجي، كأن يتم ذلك عبر وقفة أو بجلسة أمام شباك كما هو الحال عند فرجينيا وولف. أو بالنظر من ثقب في الجدار كما فعل هنري باربوس في (الجحيم). أو ربما عبر حالة سؤال تتحول إلى سلوك كما في (الغثيان) عند سارتر.. وغيرها.
ثمة جماعة أخرى ثالثة؛ وهم أصحاب ما سُميّ بالرواية الجديدة المتمثلة بروائيي فرنسا في أواخر القرن العشرين كآلان روب غرييه، كلود سيمون، ناتالي ساروت، روبير بونجيه وميشيل بيتور الذين اقتصروا على الإسهاب في وصف الأشياء وإبرازها بأكبر قدر ممكن من التفاصيل مصحوباً بإلغاء للإنسان ووجوب الاعتراف بحقائق الأشياء التي قد تكون مخفية نوعاً ما، ثم ضرورة السبق الدائم للتطور المادي، ولكننا نجد هذا التيار ـ بشكل ما ـ بعيداً عنا كقراء؛ حيث نلاحظ غياب الإنسان وعلاقاته وهمومه، وجفاف مشاعره وغياب الزمن.. وقد تكمن الإشكالية هنا في اعتقاد الروائيين؛ أنهم وبمحاولاتهم الجادة للإحاطة بوصف الأشياء والمكان إنما يقومون بتصوير كلية الزمن الخارجي تاركين الزمن الداخلي ليكون انعكاساً وصدى لهذه الصورة لينتج بذلك التعبير عن تشتت الإنسان وغياباته بين الزمنين. وبالطبع فإنها تعتبر محاولة جادة وإضافة ثمينة إلى تجارب ومسيرة الرواية.. أما ما نراه فهو؛ أن الرواية لا يفترض بها الاستمرار بأخذ هذا المنحى أو ذاك وإنما عليها الاستفادة من نتائج كل هذه التجارب والاتجاه إلى الأخذ بالعلاقة المتبادلة.. فثمة نقطة يُستحسن الانطلاق منها في الكتابة الروائية، وهي نقطة خاصة بحساسية الكاتب، ألا وهي خصوصية رؤية تقاطع العالم الخارجي مع الذات.. فلنبدأ منها، ونعني بذلك أن تصبح للأشياء قيمة ذاتية عبر إعطاء الأشياء الموضوعية معنى ذاتياً؛ فالمنضدة مثلاً؛ تعطي معنى آخر غير الذي هي موجودة عليه ـ كما هو ـ في العالم الخارجي، وكذلك لحظة الشعور بالذنب تأخذ معها حالة شيئية ـ شيء في العالم الخارجي ـ من خلال فكرة معينة أو سلوك معين أو علاقة معينة أو شيء معين من العالم الخارجي. وبهذه الطريقة نستطيع اصطياد اللحظات الروائية.. وهنا ـ بالطبع ـ ستختلف حساسية الروائي من كاتب إلى آخر، فالرواية هي حالة إبداعية وليس لها قانون يحدد أو ينظم عملية كتابتها، فالمطلوب امتلاك الكاتب لرصيد معين من التجربة والخبرة إلى جانب رصيد لغوي يكونهما من خلال حياته وقراءاته.. كل ما يبقى إذاً هو كيفية إيصال هذه الخبرة التي هي انعكاس العالم الخارجي في الذات وبعد ذلك رد فعل الذات أو فعل الوعي تجاه العالم الخارجي، ومن ثم كيفية إيصال رد الفعل هذا بواسطة اللغة التي تناسبه بحيث لا تناسبه وسيلة أو طريقة أخرى غيرها للتعبير بشكل ينطبق مع ما في ذاته.. أي توصيل الأشياء كما يحس ويشعر بها.. وهذه هي لحظة الصدق في الكتابة. وهنا قد يدفعنا ما توصلنا إليه إلى تكرار ما قاله بروتاغوراس، من أن الإنسان مقياس كل شيء، وما أكده أرسطو حول قياس الزمن حين قال:" لا وجود للزمن من دون روح تعده". فهذه اللحظة ـ التي أشرنا إليها ـ تكاد تكون لحظة طويلة تمتد لتغطي كل زمن الرواية وذلك عن طريق انعكاسها أو تمثلها في الأسلوب، حيث تصاغ عملية السرد أو الروي بشكل شمولي وامتزاج متناغم ومتجانس بين أطراف وتفاصيل المرويات.. أي السعي ـ قدر الإمكان ـ إلى تحويل العبارة أو الفقرة الروائية إلى عجينة تشترك في خليطها كل مكونات الرواية من فكرة وشكل وتناغم ومكان.. والزمان.. الذي يشكل بالأساس جوهر الإبداع في التقنية الروائية، إذ يُفترض هنا توفر الصيغة التي بيّناها أو ما يطلق عليها (التكامل الزمني).. أي أن نحزم معاً مفهوم الحاضر وذكرى الماضي وما نتوقع من مستقبل في حزمة واحدة من تنظيم مشترك. هذا التنظيم الذي يسميه فرانك كرمود3 بفرصة الروائي؛ فرصة تحويل التتابع المحض إلى تجربة حب، إلى وعي عشقي يجعل من الشخص العادي إحساساً سماوياً مُرضياً، وبهذا سيجد الروائي ـ الساعي إلى اتباع هذا التركيب الزمني بجدية وحساسية إبداعية عالية ـ إن الشخصية في الرواية تصاغ بصورة ذاتية تقريباً وتتجسد بشكل يكاد يكون متكاملاً وحاضراً في كل لحظة.. ذلك أنها انصاعت في تشكلها إلى تركيب الزمن الذي أشرنا إليه، وهكذا تقترب الشخصية الروائية كثيراً إلى جل صفات الواقع الكامل والشامل.. فنحن حين نجلس أمام شخص نعرفه نجد أنفسنا نتعامل مع وحدة (مُرَكَّب) ما عرفناه عن ماضيه وما هو عليه الآن واحتمالات ما سوف يكون عليه مستقبلاً، وبذلك سيرمز المرء الموجود أمامنا إلى عجينة أو كل شخصيته المتكونة من وحدات الحالات الزمنية (الماضي، الحاضر والمستقبل) وبالتالي يتحدد سلوكنا معه وفق هذه النتيجة.. هذا الواقع الموحد الشامل والمفتوح هو ما أسماه حسن مطلك بـ(الواقعية المطلقة) والتي نتحسس تبلورها في العديد من المحاولات المتفاعلة التي نشهدها في الساحة الأدبية والثقافية العالمية..
--------------------------------------------------------
1 غاستون باشلار، حدس اللحظة، ترجمة: رضا عزوز وعبدالعزيز زمزم، بغداد، ص24.
2 الموسوعة الفلسفية، مجموعة العلماء الروس، ترجمة: سمير كرم، بيروت 1979.
3 فراك كرمود، الإحساس بالنهاية، نرجمة: د.عناد غزوان وجعفر الخليلي، بغداد 1979. ص54.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في صحيفة (تكست) الثقافية بتاريخ 15/3/2010 البصرة.

الثلاثاء، 11 مايو، 2010

زاوية (جداريات) / عن زوربا.. نظرة مختلفة


عن زوربا.. نظرة أخرى
د.محسن الرملي

ليست هذه أول مرة تخبرني بها فتاة عربية بأنها تحب مثقفاً وتسميه (زوربا)، وحين أسألها عن سبب التسمية تقول بأنها لا تريد البوح باسمه الحقيقي حالياً، وكأنها لو قالت لي بأن اسمه عبدالله أو أحمد سوف أعرفه من بين الملايين!! لكنها سرعان ما تعترف بأنه هو الذي يحب أن يسمي نفسه (زوربا) بعد أن حدثها عنه ونصحها بقراءته. بالطبع عرفت الكثيرين أيضاً من مثقفينا ممن يحبون القول، في لحظة زهو دونجواني، بأنهم مثل زوربا. فلماذا زوربا حي عندنا على هذا النحو بحيث بلغت ترجمة طرابيشي الطبعة العاشرة هذا عدا الترجمات والطبعات الأخرى ومنها التجارية؟ فيما لم ألمس هذا الاهتمام الكبير به في الغرب؟
كنت مثل كثر غيري قد قرأت (زوربا) منذ عشرين عاماً تقريباً، وبهرتني الشخصية وتأثرت بها مثل الآخرين وتحت تأثيرهم. كما أني كنت أتمثله وأدعي تشبهي به في بعض الحالات، وبالطبع قرأت تباعاً أعمال كازانتزاكيس تحت حالة التأثر العامة عندنا، أي بإعجاب مسبق.
هذه الأيام، وبعد أن أخبرتني صديقة أخرى بأنها تحب (زوربا) آخر، وبحكم عادتي بإعادة القراءة ـ وما أهم وأغنى أن نعيد قراءة ما قرأناه ـ قرأت (زوربا) وأعدت مشاهدة الفلم الذي أبدع فيه أنطوني كوين.
ما حدث هو استغرابي لشعوري وانطباعي، حيث انهارت نظرتي السابقة تماماً ووجدت نفسي أرى في زوربا شخصية: فَضَّة، ساذجة، أنانية وخالية من سمات التهذيب والتحضر، بل أنه لا يطاق، ولو أني عرفته في الحياة لما احتملته، ولم تعجبني مواقفه وسلوكياته المتعالية وخاصة تجاه النساء الضعيفات كالأرملة. وجدته (جلف) ولم أعد إلى نظرتي السابقة التي تبرر تصرفاته. يرقص في مأتم ابنه بحجة أنه لو لم يرقص سيموت!! ويقطع اصبعه بحجة العمل! سخريته من الكتب والقراءة!، يبذر كل المال الذي منحه له معلمه بثقة للمشروع لمجرد أن غانية رفضته ثم يبرر بأنه قد "دافع عن كل الرجولة في العالم"!، كما يقول بأن:" المرأة الحقيقية تتمتع باللذة التي تمنحها أكثر من تمتعها باللذة التي تأخذها من الرجل"!!.. وغيرها من المواقف الخرقاء التي يسوغها بمبررات أخرق منها. بعبارات منمقة توحي بالتفلسف فيما هي في الحقيقة عموميات هشة لا تصمد أمام أي تمحيص فكري جاد. ولا غرابة أن يستاء أبناء زوربا ـ الشخصية الحقيقية البسيطة التي اسمتدت منها الشخصية الروائية ـ وانزعاجهم من تصوير كازانتزاكيس لوالدهم كمتشرد، زير نساء خائن لزوجته، كحولي وشبه مخبول يكثر من التلفظ ببذيء القول.
بالطبع لست بغافل عن القيمة الأدبية للرواية وخاصة ضمن إطار مرحلتها التاريخية قبل نصف قرن وقدرة مؤلفها على نحت الشخصية وإيصال الرؤية، فأنا لا أتحدث عن العمل هنا كأدب بقدر حديثي عن الشخصية نفسها والتساؤل عن أسباب إبهارها لنا نحن بالتحديد! كلنا يعرف الإشكالية المحورية في جل ما كتبه كازانتزاكيس والمتعلقة بالتأرجح بين الروحي والمادي، بين التدين والإلحاد، بين اليمين واليسار.. ألهذا السبب نشعر بقربها من ذهنيتنا فيما الذهنية الغربية قد انتهت من هذه الإشكالية منذ زمن بعيد؟ هل لأنها تبرر لنا، ولو شِعرياً، ظواهر شائعة لدينا كاعتداد الجاهل بنفسه، ادعاء الفحولة، طغيان الحس الذكوري والتبرير الروحي له؟ لماذا لم نسمع، مثلاً، امرأة تشيد بشخصية زوربا وتدعي تبنيها رؤيته وتشبهها به؟ وفيما راجعها أمادو بشكل آخر في روايته (زوربا البرازيلي) وكتب اليوناني فيليبو (موت زوربا اليوناني) التي يقلب فيها صورة زوربا بشكل مضاد تماماً. لماذا لم نقرأ مراجعة أو نقداً تحليلاً وحقيقياً لأثر هذه الشخصية في ثقافتنا؟ وسر استمرار وجودها حياً ومبهراً بيننا كأنها من المسلمات؟.
----------------------------------------------------------
*نشرت في زاوية (جداريات) في الملحق الثقافي لصحيفة (الثورة) السورية بتاريخ 11/5/2010 العدد 691