الجمعة، 28 أغسطس، 2009

من طرائف الأدباء والمثقفين

تُصبِحون على قَلَق


من طرائف الأدباء والمثقفين!

محسن الرملي



*مزرعة الحيوانات:
حدثني الصديق المهندس عيسى أحمد العزاوي قال: أيام حكم عبدالرحمن عارف للعراق ـ والذي كان الناس يلقبونه بـ (الخَروف) ـ كان لنا صديق مثقف، يجيد الإنكليزية وقد درس في الخارج وهو الدكتور قرني دورمجي، من أوائل العراقيين الذين حصلوا على الدكتوراه بالطب البيطري. ولأنه مهتم بالأدب قام بترجمة رواية جورج أورويل (مزرعة الحيوانات) إلى العربية، وبعد نشرها أرسل نسخة منها، كهدية، إلى ديوان رئاسة الجمهورية، فجاءه بعد أيام كتاب شكر من ديوان الرئاسة؛ يشكره فيه على اهتمامه بالحيوانات وجهوده من أجل تطوير الثروة الحيوانية في العراق..!!.

*شرب وجوائز:
في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، عندما كنت طالباً في جامعة بغداد وأسكن في الأقسام الداخلية الكائنة في منطقة (القناة)، وكنت في بداياتي في كتابة القصة، عرَّفني الصديق عبدالمحسن صالح على قاص كان يقيم معنا في القسم الداخلي وقصصه تنشر في الصحف، لا يحضرني اسمه الآن فهو قد توقف عن الكتابة منذ زمن طويل. وفي اللقاء الثاني حملتُ إليه محاولاتي الكتابية كي يعطيني رأيه فيها، ولكنه قبل أن يتناولها سألني: أنتَ تشرَب؟. قلت له: لا. فقال: إذن لن تصبح كاتباً. ولم يأخذ أوراقي. قلت له: لو أن كل من يشرب يصبح كاتباً لصار عدد الكتاب أكثر من عدد القراء في العالم، وإذا كان الشرب شرطاً للكتابة فإنني أفضل أن أكون كاتباً خارجاً على شروط الكتابة. بعد فترة أعلَنت صحيفة (الطلبة والشباب) عن مسابقة في القصة، اشتركَ هو فيها، واشتركتُ أنا أيضاً، وفي اليوم الذي أُعلِنت فيه نتائج المسابقة، حيث لم تظهر قصته هو ولا حتى ضمن الجوائز التقديرية، بينما فازت قصتي (حادث غُش) بالجائزة الأولى مناصفة مع قصة للصديق عبدالهادي الزيدي، وبينما كنت أتناول غدائي في مطعم القسم الداخلي، كالعادة (يابسة: فاصولياء ورز)، مَر هو من أمامي وقال: ها شفت؟.. لو كنت تشرَب كنت فزت بالجائزة كلها لا نصها.
وتكرر هذا الأمر معي بعد ما يقارب العقد والنصف من الزمن، هنا في مدريد سنة 2002، حيث زارنا صديق كاتب يقيم في ألمانيا، وكانت في حينها، الترجمة الإنكليزية لروايتي (الفتيت المبعثر) قد فازت بجائزة جامعة أركنسا، كنا في إحدى الكافتريات، وسألني الصديق: هل تشرَب؟. قلت له: لا. قال: شفت؟.. لو كنت تشرب لكتبتَ رواية أضخَم من هذه.

*كبار في الحمّامات:
من بين أهم الأسماء العالمية في الأدب التي التقيتها مباشرة، هناك خمسة كان لقائي الأول بهم في الحمّامات، ولو لم يتكرر الأمر معي على نحو متشابه لما استحق الانتباه مني وذكره هنا. المشهد ذاته تكرر خمس مرات؛ أنا وهو نقف متجاورين ممسكين بأعضائنا ونبول، ينظر أحدنا إلى الآخر.. ونبتسم!!. حدث هذا في لقائي الأول مع عبدالوهاب البياتي في إحدى سينمات شارع غرامبيا في مدريد سنة 1988، كنت صغير السن والبياتي كان يمثل لي شيئا كبيراً، فحتى لم أكن أحلم بلقائه، أنا الذي قرأت له وعنه وكان ضمن مناهج الدراسة وما إلى ذلك.. لذا كان للموقف رهبة كبيرة وشعور غريب، حيث امتزاج المثالي بالواقعي إلى هذا الحد.. أنا والبياتي نقف معاً متجاورين ونبول مبتسمين لبعضنا ونتبادل بضع كلمات عن الفلم الذي سنشاهده.. ثم تكرر المشهد ذاته مع ماريو فارغاس يوسا في حمّام سينما أخرى واقعة بين (ساحة الشمس) و(تيرسو دي مولينا)، ومع خوان غويتيسولو وأنطونيو تابوتشي في حمّامات (مركز الفنون الجميلة) وسط مدريد، أما مع كاميليو خوسيه ثيلا (جائزة نوبل 1989)، فقد التقينا في حمّامات (فندق ميغيل آنخيل) عندما ذهبت لرؤية صديقي عبدالهادي سعدون هناك.. لذا أتساءل أحياناً فيما لو كانت الحمّامات مشتركة بين النساء والرجال، ترى هل كنت سألتقي فيها بنساء عالميات أيضاً..!!؟.
وعلى ذكر الأول والأخير (البياتي وثيلا)؛ أذكر أنني أعددتُ أسئلة لإجراء مقابلة صحفية مع البياتي في اليوم التالي، فقال اقرأها لي، وعندما قرأت بداياتها، وكان أحدها بهذا المعنى تقريباً: هل مازال البياتي يعتقد بفوائد الأدب في عالمنا المضطرب والمتسارع اليوم؟.. فقال: (بشرفك هو هذا سؤال.. شنو هالحكي!) طبعاً للأدب فوائد.. وأبسط فوائده أنني دفعت حساب الغداء الذي تناولناه الآن.. اسمع يا محسن، أعِد صياغة الأسئلة وهاتها غداً، واحرص على أن تكون مختلفة وليست مكررة، كسؤال الريادة الشعرية و(طيز لِكَن..) وما إلى ذلك مما مللتُ من كثرة الإجابة عليه.
أما كاميلو خوسيه ثيلا، فله طرفة مشهورة ظهرت على شاشة التلفزيون الإسباني، حيث كان حاضراً إحدى جلسات البرلمان التي كانت تُبث مباشرة على الهواء. فعندما أصابه الملل لطول المناقشات والسجالات بين ممثلي الأحزاب والحكومة أو بسبب امتعاضه منها، توسد الطاولة أمامه وبدا كأنه نائم، فناداه رئيس البرلمان عبر الميكروفون: يا سيد ثيلا إنك تنام. فرد عليه ثيلا على الفور: لا يا سيادة الرئيس، أنا أتـناوَم وليس أنام، فهناك فرق بين أن تقول؛ (إنك تُـناك) و(إنك تَـتَـنايك). فضج البرلمان بالضحك.

*عادة سرية للفنانين:
ذات حديث متشعب، أخبرني صديق مسرحي عراقي قارب الستين من العمر، بأنه (يَضرُب جُلُق) أي يمارس العادة السرية، وحين وجدني أضحك غير مُصدق، كونه كبير في السن ومتزوج وأولاده متزوجون وله أحفاد، قال: لا تضحك أنا أتحدث إليك بشكل جاد. (وِلَك هاي شبيك تضحك؟.. والله كَاعِد أحجيلَك صُدُكَـ).. ثم أوضحَ: هذا ما علمني إياه أستاذنا في المسرح إبراهيم جلال، وقال أنه يمارس العادة السرية دائماً، لأن له رأي مفاده: إذا وصل الفنان إلى درجة يعجز فيها خياله الخاص عن إثارته هو نفسه، فكيف سيستطيع إثارة الجمهور والتأثير فيه؟.. لذا فإن عجز خيال الفنان حتى عن تقويم عضوه، فعليه، إذاً، أن يعتزل الفن..

*ترجمة القرآن:
عندما كنت في بدايات تعلمي للترجمة، قرأت مقالاً عن ترجمات (القرآن الكريم)، لا أذكر اسم كاتبها بدقة الآن، ربما كان عبدالحميد العلوجي أو الشيخ جلال الحنفي، من بين ما ذكره فيها أن إحدى الترجمات التركية قامت بترجمة (إن الله لا يستحي من الحق) هكذا: (إن الله أدبسِز حقجي) و(أدبسِز) في العامية العراقية تعني؛ سيئ الأخلاق. وهناك ترجمة فرنسية قامت بترجمة (أنتم لباس لهن وهن لباس لكم) هكذا: ( أنتم بنطلونات لهن وهن بنطلونات لكم).. من يومها وأنا أشك في كل ترجمات القرآن وأحاذر ترجمة النصوص الدينية.

*تصبحون على قَلق:
في الأردن كنت أقيم في مدينة إربد في الشمال، وبين حين وآخر نذهب صديقي الباحث في الأدب العربي خالد المصري وأنا إلى عَمّان لنمضي نهاية الأسبوع فيها، نحضر أمسية أدبية ما، نلتقي بعض الأصدقاء من المثقفين ونرى جديد المكتبات وما إلى ذلك. كنا نذهب صباح الخميس ونعود مساء الجمعة، أما الليلة فكنا نمضيها مع اثنين من إخوة خالد، يعملان في عمان، ويسكنان في غرفة صغيرة يستأجرانها، وهي جـزء من بيت صغير ومتواضع لأحد أقربائهم، يغص بحركة الأطفال وصياحهم. وذات ليلة باردة ممطرة من شتاء عام 1994، دخل علينا في (مقهى الفينيق) الصديق الشاعر سلامة خليل بصحبة أحد أصدقائه وقد تعتعهما السُكر، جلسا معنا، ومن بين ما كنا نتحدث به هو ضرورة أن يكون المبدع قلقاً بشكل دائم ولا يركن إلى الرضى، أن ينام ويصحو على قَلق، لأن القلق إحدى سمات الإبداع ومحركاته.. إلخ، وهكذا وجدنا سلامة وصديقه يتخذان من مفردة (القَـلَـق) لازمة للضحك، مثل أن يطلبا من النادل كأساً من القلق ويضحكان، أو حين يغادر أحد المعارف الموجودين قائلاً: تصبحون على خير، يجيبانه: تصبح على قلق. ويضحكان. المشكلة التي أدركناها لاحقاً بأنهما كانا دون مكان يؤويهما تلك الليلة، فقد سألانا عن المكان الذي كنا سنبيت فيه وأفصحا عن رغبتهما في المبيت معنا أينما كان المكان وكيفما كان حاله. كانا قد أفلسا تماماً تلك الليلة، وكان علينا أنا وخالد أن نتملص منهما لاستحالة اصطحابهما إلى الغرفة الصغيرة كونها وسط بيت لعائلة وكونها لا تتسع لهذا العدد وليس فيها فرش كافية. فتغامزنا ونهضنا للمغادرة، دفعنا ثمن ما احتسياه في (الفينيق)، وقلنا لهما: تصبحان على خير. فيما صاحا هما: تصبحان على قلق. وتعالت ضحكاتهما وسط دهشة الجميع. وكنا قد فكرنا بأن نتأخر في الذهاب للنوم كي نتسلل إلى حجرة إخوته تسللاً دون معرفة العائلة المؤجرِة، فهذا ما اتفقنا عليه معهما. ولأن البرد كان شديداً وبدأ الثلج يهطل بغزارة، كنا ننتقل من مقهى إلى آخر.. كلها متقاربة، لكن المصيبة أننا كلما جلسنا في مقهى يفاجئنا، بعد دقائق، سلامة مع صاحبه بدخولهما ضاحكين وهما يقولان: تصبحان على قلق، ويقهقهان.. وهكذا كنا ننتقل من مقهى إلى آخر وهما يتبعاننا.. حتى بدايات الفجر، وكنا قد اقتربنا من كراج (العبدلي) فقررنا العودة إلى إربد وقد أتعَبنا السهر والمشي والبرد وثيابنا تبلّلت تماماً، وما أن وقفنا تحت إحدى سقائف الكراج بانتظار الباص حتى فاجأنا سلامة وصاحبه، وقد تبلّلت ملابسهما وتلطخ بعضها بالطين ربما لسقوطهما، ويبدو أن أحدهما قد داسَ على غائط، رأينا آثاره على حذائه وفاحت رائحته أكثر عندما اقتربا منا ووقفا معنا وهما يضحكان ويصيحان: تصبحون على قلق. عندها صاح بهما خالد الذي نفذ صبره وهو يشير إلى الحذاء الملطخ بالغائط: بَس.. خلاص يا جماعة، فقد أصبَحنا على خَـرا..
-----------------------------------------------------------
*رسوم الكاريكاتير (محسن الرملي) بريشة الفنان العراقي عبدالكريم سعدون.

------------------------------
*نشرت هذه المادة في العدد 19 من مجلة (ألواح) سنة 2005 مدريد.

الأحد، 16 أغسطس، 2009

حوار / أجرته: منال الشيخ

محسن الرملي.. لمجلة (بغداد) :

أنتمي إلى العراق المسالم والمتنوع والمتعايش بكل أطيافه
ولا أنتمي إلى عراق ترسمه مصالح السياسة

حاورته: منال الشيخ

أن تحاور أديباً من نوع خاص، له في كل لون أدبي بصمة يشهد لها منجز، يجعلك تحار في انتخاب جملة أسئلة من كم هائل يريد أن يندفع إلى مخاطبه دفعة واحدة، حواري اليوم مع محسن الرملي الأديب والمترجم العراقي الذي يأخذك بملامحه العراقية الخالصة إلى فضاء تساؤلات دافقة، تستفزك فيه سمة حنين بادية في وجهه الطافح بحياة وأسى في آن؛ هو من يمنحك الفرصة لاكتشاف مبدعين من زوايا متعددة.
أحاور هذا الفتى الكاتب والمترجم القادم من قرية (سديرة) في شمال العراق، ورأسه مليء بمعارف منها ما اكتسبها في الحياة وأخرى من جهده الشخصي الذي مكنه من نيل شهادة دكتوراه من جامعة مدريد (أوتونوما)/ كلية الفلسفة والآداب، قسم اللغة والآداب الإسبانية، وثالثة من إصداراته العدة في المجال الإبداعي بين قصة ورواية وشعر، بلغتين ـ العربية والإسبانية ـ كما قدم الكثير من ترجمات بالإسبانية، اللغة التي يعدّها جميلة ومهمة، فضلاً على إسهامه في تقديم مشاهد من الأدب العربي عموماً والعراقي خصوصاً إلى الثقافة افسبانية. ومهما حاولت أن أبتعد في حواري معه عن المألوف فإن ثمة مألوفاً يجرني إليه كما درجت العادة بي وأنا أحاور أدباء عراقيين مغتربين؛ ذلك هو الحديث عن الوطن وسنوات الاغتراب ـ ما لها وما عليها ـ واشتغاله الدؤوب في تقديم صورة المبدع والباحث العراقي للآخر، لنبدأ إذن هكذا:

لا أحن إلى أجواء الحروب والقسوة

*الحنين وفقدان الشعور بالانتماء ثنائية متناقضة، تغدو اليوم المشترك الأوضح بين المثقفين العراقيين، من هذه النقطة أسألك: ما أولويات حنينك وهل وصلنا فعلا الى طريق اللاعودة بخصوص الانتماء؟
ـ كي أكون أكثر وضوحاً بالتعبير عما أعتقده، أود الإشارة أولاً إلى أنني شخص لايؤمن بالإطلاقيات وإنما أؤمن بالنسبي والمتعدد والمتنوع، وهي صفات تخص الكائن البشري أكثر من غيره، فالإنسان ربما هو الكائن الوحيد القادر على الجمع بين المتناقضات، وعلى ضوء هذا الفهم، فلو نظرنا إلى مفهوميّ (الحنين) و(الشعور بالإنتماء) على أنهما نسبيين وبأنهما أجزاء من كل وليس كل منهما حالة مطلقة، فإننا لن نجد تناقضاً، بل على العكس سنرى فيهما ثراء. وأنا شخصياً لا أحن إلى العراق بكل مافيه بشكل مطلق وطقوسي حد العماء، فمثلاً أنا لا أحن إلى أجواء الحروب والقسوة فيه ولا إلى أشكال التشدد والعنف والتعصب كالتعصب للعرق أو المنطقة أو المذهب أو القبيلة أو الحزب مثلاً، ولكنني أحن إلى ما هو جميل وإنساني فيه، إلى الطيبة والثقافة ودفء وحميمية العائلة والجيران والأصدقاء وذكريات ومناخات معينة وإلى أحلام ولدت فيه ولم تتحقق حتى الآن. وبالشكل نفسه فأنا أنتمي تماماً إلى هذا العراق الغني بتاريخه، المتميز بإنسانه، العميق بحزنه، الطيب في معشره، الكريم في علاقاته.. أنتمي إلى العراق المسالم والمتنوع والمتعايش بكل أطيافه ولا أنتمي إلى عراق ترسمه مصالح الساسة أو عراق القتل والتعصب والمفخخات والعنف.. أما عن العودة فدائماً ثمة طريق وإمكانية للعودة مادامت هناك حياة لأن الأمر الوحيد الذي تستحيل العودة منه هو الموت.
*محسن الرملي اسم يشعر راصده بفخامة من نوع ما، وهو وصف نسمعه كثيرا في الابداع والثقافة، هل ثمة فخامة بهذا المعنى وما فهمكم لـ(الفخامة الأدبية)؟
ـ توحي لي كلمة (الفخامة) إلى حد ما بأنها فضفاضة ومن بين ما تشير إليه هو البهرجة، الغنى المادي، الراحة، البدانة والسلطة.. وأنا شخصياً ليس لدي أي شيء من ذلك. وعادة ما يتم استخدامها لوصف محلات تجارية، آثاث، سيارات ومناصب كالتي يشغلها الزعماء والرؤساء.. لذا فلنتركها لهم ولفخامتهم، فأنا شخصياً لا أحبذ أن نصف بها المثقفين والمبدعين وإنما أفضل بدل عنها مفردات أخرى مثل: الرصانة، الجدية، الأهمية، الصدق، العطاء وما إلى ذلك. أما عن نفسي فأقول بأنني أسعى لأن أجمع كل ذلك وأوله الرصانة والصدق، فلا أسعى مثلاً للكتابة لمجرد الكتابة وحضور اسمي في كل المنابر وإنما أعمل أكثر على نوعية وقيمة ما أعمله أكثر من حرصي على تواجد أو حشر اسمي، كيفما كان، بين المتزاحمين.
*الاغتراب والمنفى والمهجر مفردات تحولت إلى مصطلحات اليوم تتداخل مفاهيمها وأحيانا تتخارج، على أن ثمة من يصر على أن ما هو أصلح بينها هو (المنفى) الذي يشمل ظلال المفهوم المقصود كلها، تحت أي مصطلح ترى نفسك أكثر التصاقا، وما معيارك في التمييز بين المصطلحات الثلاثة؟
ـ إن هذه المفردات/المصطلحات قديمة قدم الإنسان واللغة وسوف تبقى موجودة بوجودهما. وفي رأيي أن مفهوم (المهجر) يمكنه أن يتعلق بما هو مؤقت ويرتبط بشكل أكبر بالمكان وبما هو ملموس، و(المنفى) هو الآخر قد يكون مؤقتاً ويتعلق أكثر بالمكان والزمان وما هو محسوس، فيما (الاغتراب) فهو يوحي بالدوام ويتعلق بالمكان والزمان والملموس والمحسوس والوجودي، وهو أشمل وأعقد من (المهجر) و(المنفى) لذا نجد أن الإنسان عموماً والمثقف أو الواعي على خصوصاً قد يكون (مغترباً) أو يشعر بالاغتراب حتى وهو يعيش في مسقط رأسه وبين أهله، وأحياناً يصل به الأمر لأن يشعر بالاغتراب مع ذاته وعنها.. غربة قد تكون تجاه المحيط أو الذات أو الحياة والعالم أو كل ذلك وكل شيء.. إنها نوع من الإشكالية الوجودية أوسع وأشمل وأعمق وأشد تعقيداً من (المنفى) و(المهجر).. وأنا شخصياً لاتهمني الأمكنة كثيراً أو ليس لدي معها مشكلة، وإذا كان لي أن أصف نفسي بأحد هذه المفردات فأرى أن الذي ينطبق علي أكثر هو (الاغتراب).

الطموحات كثيرة وتحتاج إلى مزيد من الوقت والجهد والصبر والدعم

*لمشاريعك الأدبية والثقافية صفة الثراء، ولنبدأ بمجلة الواح او مؤسسة الواح، ما الذي قدمته من خلال مشروعك هذا وما الذي في الأفق، وما أقصى الطموح؟
ـ كل اشتغالي، على تنوعه، هو ضمن الإطار الثقافي، وفيما يخص مشروع (ألواح) مجلة ودار نشر فقد كان حاجة وضرورة ومسؤولية، فحين وصلنا إلى إسبانيا صديقي عبدالهادي سعدون وأنا لم نجد فيها أي نشاط ثقافي جاد ومهم وندرة في تواجد المثقفين العرب هناك، فكان علينا إيجاد شيء من هذا القبيل، عدا ذلك سعينا لاستثمار مناخ الحرية حيث طرحنا في أعداد مخصصة مواضيع كان يصعب التطرق إليها في العالم العربية مثل: الإيروتيكية والبحث عن الإله وغيرها. وكنا ننشر نصوصاً لأصدقائنا الذين كانوا محاصرين في الداخل ولبعضهم بأسماء مستعارة. أقمنا جسراً ليربط بين عدة جهات ثقافية: بين الداخل والخارج العراقي، بين الجديد في المغرب العربي ومشرقه وخاصة العراق، وبين جديد الثقافة الإسبانية والعربية. وأعتقد أن (ألواح) قد أدت دورها المطلوب في تلك المرحلة. أما الآن فنحن نتجه إلى الجهة المقابلة، أو الوجه الآخر من هذا الدور الثقافي، حيث أن أغلب عملنا ونشاطنا الآن هو باللغة الإسبانية ومن ذلك ترجمة ونشر أدب عربي بالإسبانية.. أما الطموحات فهي كثيرة وتحتاج إلى المزيد من الوقت والجهد والصبر والدعم ولا زلنا نفعل كل ما بوسعنا.
*يتفق كثيرون على أن أدب الخارج ينشط أضعاف نشاط أدب الداخل العراقي، سؤالي هو: هل منحنيات الاغتراب هي العنصر الأساس في هذا التنشيط المتسارع أم هو ترف المهجر ربما ومنحنياته الثقافية والفكرية المختلفة، أم لسبب ثالث ربما لم أدركه؟
ـ لا أظن بأن ما يُنتج داخل العراق هو أقل مما ينتج خارجه من حيث الكم والنوع ولكن الأمر يتعلق بظروف كل منهما، فالذي بالخارج قد يتوفر على أمان وحرية وسبل أفضل لنشر نتاجه فيما الذي في الداخل لم يجد هذا الاستقرار المناسب حتى الآن. بالطبع هناك عوامل أخرى تجعل مما ينتج في الخارج أكثر وضوحاً للعيان ومنا اتساع مساحة تواصله مع الآخرين، كما أن احتكاكه بثقافات أخرى وهمه في استقراء هويته الخاصة وسط محيط مختلف يزيد من كمية ونوعية اشتغاله. إلا أنني لا أتفق أبداً مع وصف المبدعين في الخارج على أنهم يعيشون في ترف وبحبوحة، فأنا شخصياً لا أعرف أي كاتب عراقي يعيش ويكتب في فندق خمس نجوم كما يصف البعض، بل أحياناً أجد أن ظروفه تنطوي على صعوبات كثيرة ومنها مسألة الأوراق القانونية والسعي إلى تأمين لقمة العيش، وجعه الدائم لما يحدث لبلده العراق، قلقه وشوقه على اهله ووطنه وحرصه على مساعدة ذويه بما يستطيع، بعده عن الأجواء التي يحبها، جهده في معرفة المحيط الذي يعيش فيه من حيث اللغة والثقافة والمنظومة.. وإشكاليات أخرى تتعلق بمن كونوا عوائل جديدة في الخارج.. وغير ذلك. نحن الاثنان العراقيان مثقف الداخل ومثقف الخارج لدينا من الهموم والصعوبات ما لايحسدنا عليها أي مثقف من اية ثقافة أخرى، فلا أرى موجب للتحاسد أو تبادل التهم بيننا وإنما علينا أن نستثمر فرصة هذا التنوع ونتعاون لنخلق منه طيفاً رائعاً لثقافتنا.

لدينا غنى هائل يمكننا توظيفه

*يقال أن ثمة محاولات تجري الآن لتغيير ملامح الثقافة العراقية تغييرا جذريا أو شبه جذري في ضوء المتغيرات المتسارعة التي مر بها البلد، هل ترى بدءا أن محاولات من هذا النوع ترمي لهدم ملامح بالية مثلا وإعادة إنشاء ملامح وركائز بناءة، وإن اتفقت معي، فهل تجد نفسك طرفا أساسا في اعادة البناء هذه؟ وإلى أي حد يمنكنك أن تسهم، سيما وأنك "متورط" في التغيير ما دمت أسما ووجودا أدبيين؟
ـ أولاً، أنا شخصياً لا أعتقد بوجود شيء يمكن تسميته تغييراً جذرياً وخاصة فيما يتعلق بالثقافة، هذا أمر مستحيل وغير منطقي ولا عملي وليس صحيح، لإنه لا يمكن إلغاء ثقافة متجذرة لأي شعب كان واستبدالها بأخرى، فدائماً ثمة جذور، وعليه فالذي أراه هو أن يتم تصحيح وإعادة قراءة موضوعية وعملية لما هو موجود ومعالجته وتوظيفه وتصحيحه، وقد دعوت إلى ذلك في أكثر من مناسبة ومقال مشيراً إلى تجربة المثقفين الأسبان وخاصة في جيل الـ 98 الذي أعاد التساؤل عن هوية إسبانيا ومن هو الإسباني وما هي ملامح شخصيته وعقليته وذائقته وخصوصيته ومستخلصين إجابات من الأعمال الكبرى في إرثهم الثقافي كالدون كيخوته مثلاً وليس الانسياق وراء تطبيلات الخطاب السياسي المرحلي الزائل. أما عني شخصياً فقد فعلت ولا زلت ومستعد لأفعل كل ما بوسعي من أجل صالح ثقافة بلدنا كي تستعيد دورها الكبير والفاعل في تعريف الإنسان العراقي بنفسه ومن ثم تعريف الآخر به، وأرى بأننا جميعاً سواء الذين في الداخل أو الخارج يمكننا العمل سوية كل حسب تجاربه وإمكانياته للقيام بمسؤولياتنا هذه، فلدينا غنى هائل يمكننا توظيفه، فقد تعلمنا من تجاربنا الخاصة في الداخل وكذلك من تجاربنا في الخارج خلال معايشة الثقافات الأخرى، ولدينا مبدعين ومثقفين متواجدين في كل بلدان العالم تقريباً وهذه ثروة حقيقية.
--------------------------
لا لتحرير العراق مني،
وإذا أردنا الخلاص من العنف فعلينا العمل على اقتلاعه من الثقافة أولاً

تواصل مجلة بغداد في عددها 16 الصادر بتاريخ 21 آذار 2009 نشر القسم الثاني من الحوار مع الروائي والكاتب محسن الرملي، وكنا قد توقفنا في القسم الأول من الحوار عند حديث الرملي عن وجود غنى ثقافي كبير في العراق فضلاً عن تنوع التجارب الثقافية عبر معايشة وحوار الثقافات الأخرى.

*تبقى الترجمة الثقافية والأدبية برغم الاعتراضات الكثيرة بوابة لا مناص منها للانطلاق إلى الآخر، وأنت ولجت هذه البوابة، فماذا اضافت لك ترجماتك؟ ماذا قدمت للثقافة العراقية ومن ثم العربية؟
ـ بالتأكيد، فالترجمة لا يمكن الاستغناء عنها ويفترض الاهتمام بها بشكل أكبر مما هو عليه الحال الآن وأن تضعها الثقافات والدول ضمن برامجها وخططها الاستراتيجية بل وحتى تسميها باسمها وتخصص لها جزءً من الميزانية العامة للدولة، سواء أكان ما يتعلق بما نترجمه عن اللغات الأخرى أو إليها، والعديد من الدول الأوربية تفعل ذلك بشكل ما.. لكنني أتمنى أن يأتي اليوم الذي حتى تخصص فيه وزارة اسمها وزارة الترجمة شأنها شأن وزارة التجارة وغيرها فهذه أيضاً تجارة وتبادل سيدر على البلد عقولاً وأموالاً طائلة مع الوقت. المؤسف أن الذي يحدث لدينا هو في أغلبه جهود فردية ومؤسسات محدودة. أما عني شخصياً فقد ترجمت مئات النصوص الإسبانية إلى العربية ومئات النصوص وخاصة العراقية إلى الإسبانية، ولازلت أخصص جزء كبير من جهدي في مجال الترجمة.
*من المؤكد انك تتابع الترجمات الحالية، هل لك من مآخذ عليها أو على بعض منها، ثم قل لي ما هي برأيك مواصفات المترجم الجيد؟
ـ أنا مع الترجمة كلها بغض النظر عن مستواها، فأن نقوم بترجمة وإيصال ولو عشرين بالمائة من عمل ما، هو أفضل من أن لانترجم منه حرفاً ولانعرف عنه أي شيء على الإطلاق، والكل يعرف بأن الترجمة الكاملة والمضبوطة مائة بالمائة هو أمر لاوجود له.. بل ومستحيل فكما كان يقول جبرا إبراهيم جبرا بأن الترجمة مستحيلة ولكن لابد منها. وكم كان حتى للترجمات الناقصة أو السيئة من فضل علينا كمتلقين أفراد وعلى ثقافات ومنها ثقافتنا كما حدث في مسألة تحول الشعر الحر لدينا مثلاً. إني أحث كل من يعرف لغة أن يترجم شيئاً ما كما لا أتفق مع أولئك الذين يتصيدون أخطاء المترجمين كلمة هنا وتعبير هناك، وإنما ليقوموا هم بأنفسهم بتقديم ترجمة أخرى بدل إضاعة جهدهم في تصيد هفوات الغير. أما عن مواصفات المترجم الجيد فهي معروفة منذ الجاحظ وما قبله كمعرفة المترجم الجيدة باللغتين والثقافتين، وأرى أن على المترجم أن يحاول معرفة كل مايستطيع بشأن العمل الذي يترجمه وبكاتبه وأهميته وثقافته، عندها سيقدمه بشكل واثق وأفضل حتماً.
*أسهمت جهودك في أن تعيد الى الذاكرة العراقية اسما لم يكن يعرفه جيل من الشباب برغم غناه- أنا شخصيا من هذا الجيل، وتعرفنا عليه أول مرة من خلال (الواح)، حسن مطلك ماذا يعني لك أنسانا، ماذا يعني لك مبدعا، ماذا يعني لك غائبا حاضرا؟ وهل برأيك ثمة اسماء غابت بوزن حسن مطلك تسحق إحياءها؟
ـ حسن مطلك هو أخي وصديقي ومعلمي وأهم إنسان في حياتي، وفقده هو أكبر كارثة في حياتي، وعنه كإنسان وكمبدع فإنني وبعد أن عرفت شخصياً الكثير جداً من الشخصيات والمبدعين والأدباء من مختلف ثقافات العالم فإنني لم أجد حتى الآن من هو مثله يعيش ويتكلم ويتصرف ويتنفس أدباً، كانت الثقافة والأدب تحديداً هو كل حياته إلى الحد الذي تشعر بأنه هو نفسه شخصية أدبية أكثر من كونه إنساناً من لحم ودم. حسن مطلك خسارة كبيرة للإبداع العراقي وأرى أن يتم إلقاء المزيد من الضوء على شخصه وأعماله ومواقفه، إنه نموذج رائع وأصيل للثقافة والمثقف في عراقيته وإنسانيته، وعلينا أن نعمل على إبراز رموزنا هذه، أن نعرف ونُعرف بها أكثر في الداخل والخارج، فنماذج مثله ومثل السياب وغائب طعمة فرمان وجواد سليم وغيرهم الكثير يجب أن تتوفر أعمالهم في مناهج التدريس وفي المكتبات والأكشاك والإعلام والمؤسسات الثقافية كما تفعل بقية دول وثقافات العالم مع رموزها. وهذا سيعزز من وحدتنا ومعرفتنا بأنفسنا ويزيد من فخرنا بثقافتنا، وفي رأيي فإن حتى السياب نفسه لم يحظ بكل الحضور والاهتمام الذي يستحقه لأنك ليس من السهل أن تجد أعماله في أية مكتبة أو أن الجميع يعرفه كما يعرف الأسبان لوركا مثلاً، وبالطبع هناك أسماء مهمة كثيرة في ثقافتنا من الأموات والأحياء لم تحظ بما تستحق من تسليط الضوء الوافي عليها وأسمائهم لم تتعدى في وصولها محيطنا نحن المهتمين بالثقافة، لم تصل إلى عامة الناس عراقيين وغير عراقيين.
*من اللغات لغة تتمتع بموسيقية وأخرى متوحشة وثالثة موحشة ورابعة عصية على تقبل سياق النغم وخامسة خفيفة، اليوم انت ناطق بلغتين الاسبانية والعربية، ما وجه أو أوجه المقارنة بين اللغتين؟
ـ اللغة الإسبانية لغة جميلة جداً، ومهمة أيضاً فهي تأتي الآن بالمقام الثاني عالمياً بعد الإنكليزية، وأوجه الشبه بينها وبين العربية كثيرة، من حيث اللفظ والكتابة ومن حيث تركيبة الجملة، وفي الإسبانية هناك أكثر من 2400 كلمة من أصول عربية. أحياناً يمكنني التفكير بالعربية والحديث والكتابة بالإسبانية، أي مجرد القيام باستبدال كلمة بأخرى لأن تركيبة الجملة متشابهة إلى حد كبير، أحياناً أجد الحديث والكتابة بالإسبانية أسهل علي من العربية فمع العربية، عدا الانفصال بين الفصحى والعامية، أشعر بالقلق عند الكتابة وعند الحديث أمام الجمهور من ارتكاب أخطاء في النحو والقواعد والإملاء بينما لا يحدث هذا بالإسبانية فأتمكن من الحديث براحة أكبر دون الخشية في أخطاء لغوية وحتى وإن حدث فهذا يبرره الجمهور بكوني أجنبي. لكنني بالتأكيد أحب العربية أكثر وأجد نفسي فيها أكثر وستبقى هي لغتي الأم والرئيسية في كل ما أكتبه.
*كيف تنظر إلى ما يسميه البعض بظاهرة العنف الثقافي، هل تتفق على أنه عنف فعلا أم لك رأي آخر فيه؟
ـ نعم أرى بأنه عنف، وأعتقد بأن كل أشكال العنف هي بالإساس منطلقة من جذور ومفاهيم ثقافية معينة، فهناك نوع من الثقافة يولد عنف مثلما يولد عنف ما ثقافة ما. وإذا أردنا الخلاص من العنف فعلينا العمل على اقتلاعه من الثقافة أولاً، وأعتقد بان هذه المهمة هي من أولويات ما يجب علينا فعله الآن.
*العزلة التي يلجأ المثقف لها، أهي برأيك ناجمة عن عجز المثقف عن التواصل مع محيطه الإنساني، أم تراها ركيزة ضرورية، ثم متى برأيك سيكون للمثقف دور فاعل يسبق دور السياسي في بناء مجتمع متعاف؟
ـ المثقف ليس بعاجز عن التواصل مع محيطه الإنساني أبداً، بل أن أصل ومادة وهدف اشتغاله كله هو الإنسان، أما العزلة فهي ضرورة أحياناً وجزء من أدواته للعمل مثل الورقة والقلم والكلمات فهو يحتاجها لتأمل وهضم وإعادة إنتاج ما يتمخض عن معرفته المتأتية من خلال تواصله مع المحيط به. أما عن دوره فللأسف أن دور السياسي هو السباق والفاعل والحاضر أولاً ولكن الفرق الذي علينا الانتباه له دائماً هو أن دور وتثير السياسي آني ومؤقت وزائل بينما دور الثقافي أبطأ وأعمق وأكثر دواماً وأهمية وهو الذي يؤسس للأفكار والظواهر ويطبع الثقافة العامة بألوانه. السياسي يتعامل مع السوق بينما المثقف يتعامل مع الإنسان، وبناء الثقافي هو الأبقى والأهم من بناء السياسي مهما بدا لنا العكس في حياتنا اليومية.
*كلما ظهر اسم نسوي في محيطنا الثقافي العربي يتعالى لغط كما لو أن الاسم النسوي واللغط تربطهما علاقة طردية، كيف تصف هذه الظاهرة أو لنقل الحالة، أهي إشكالية مثلا أم نتاج نظرة ما تزال متعالية تجاه المرأة؟
ـ لا أعتقد بأن الأمر يتعلق بنظرة تعالي بقدر تعلقه بظاهرة جديدة، فظهور الأسماء النسوية على هذا النحو والكم الذي نراه هو ظاهرة جديدة في محيطنا العربي، ومن الطبيعي أن يترافق اللغط والجدل مع أية ظاهرة جديدة إلى أن يتم، مع الوقت، استيعابها وفهمها وهضمها لتتحول إلى شيء طبيعي، وأرى أن هذا الحراك وما يرافقه من نقاش هو أمر طبيعي وصحي ونافع للجميع نساءً ورجالاً وذهنية، ففي نهاية الأمر سيتمخض ذلك عن هضم أحسن لهذه الظاهرة الجديدة والجميلة والمهمة، وقد حدث ذلك مع ظواهر ثقافية أخرى كالشعر الحر في بدايته وقصيدة النثر في العقود الأخيرة مثلاً.
*يفقد المبدع أحيانا إحساسه بجدوى الكتابة، ما سبب أو أسباب ذلك الفقد المؤقت، وأحيانا الدائم لدى البعض؟ هل للكتابة جدوى عندك وقصد ؟ ما ركائز هذه القصدية إن وجدت؟
ـ هذا الإحساس هو طبيعي أيضاً وصحي، وهو لا يخص الكتابة وحدها وإنما يتعلق بمختلف النشاطات والفعل الإنساني في مختلف المجالات، وبالطبع تكون له ظروفه النفسية والاجتماعية والفكرية وغيرها، ولكنه فرصة جيدة بل وضرورية أحياناً ليراجع الإنسان قناعاته في جدوى ما يفعله من خلال ذلك التساؤل عن وجوده ذاته، وعلى هذا النحو فإن الذي يكون لديه فعل الكتابة عميقاً وأصيلاً ومرتبطاً بمعنى وجوده ودوره فإنه سيواصلها وبشكل أفضل، وبالنسبة لي فإني أجد هويتي ونفسي وإعطاء معنى لوجودي في القراءة والكتابة، عدا كوني لا أصلح لمهنة أو اختصاصات أخرى، وشعوري بأن أفضل ما يمكنني أن أفعله وأصلح له أكثر من غيره هو في المجال الثقافي.
*كم بقي فيك من العراق وكم بقي في العراق منك؟
ـ إننا مرتبطان ببعضنا إلى الأبد، شئنا أم أبينا، بحيث صار اسم العراق مثل لقب لي، فلا يمكنني أن أعرف بنفسي دون أن أقول بأني عراقي، ولا يتم تقديمي أبداً إلا وجاء اسم العراق مرتبطاً باسمي، وأشهر نص شعري لي يحمل عنوان (لا لتحرير العراق مني) وقد ترجم إلى لغات كثيرة، وأقول فيه: "أنا العراق وأعرف ما أريد". وفي كولومبيا عند مشاركتي في مهرجان الشعر العالمي كان الناس يهتفون لي عندما يرونني في الشارع بهذه العبارة "أنا العراق" وكتبت صحافة عن ذلك بالإسبانية والإنكليزية. العراق هو بلدي وأهلي وجرحي وحلمي في حياتي ومماتي.
*سؤال يروادك دائما، اترك لك حرية صياغته وحرية الرد عليه.
ـ متى سينعم العراق بالسلام؟؟ والجواب: لا أدري.
---------------------------------------------
*نشر هذا الحوار في مجلة (بغداد) على قسمين في الأعداد: 15 و16 في شهر مارس/آذار 2009 العراق.
http://issuu.com/baghdadmag.com/docs/baghdadmag_issue_15?mode=embed&layout=http%3A%2F%2Fskin.issuu.com%2Fv%2Flight%2Flayout.xml&showFlipBtn=true


الشاعرة والإعلامية منال الشيخ