الاثنين، 28 نوفمبر 2016

الرملي يفتت أحلامنا / نواف خلف السنجاري

الرملي يفتت أحلامنا على شواطئ الحزن
نواف خلف السنجاري
أربع ساعات متواصلة قضيتها وأنا أقرأ رواية "الفتيت المبعثر" لمحسن الرملي، اختزلَتْ أربعة عقود من الظلم والمعاناة في ظل الدكتاتورية. هذه الرواية القصيرة أنيقة بحزنها، عميقة بصدقها، متينة بحبكتها، صبّها الكاتب في قالب من الإبداع الجميل.
كنتُ أقرأ وأنا أتخيل قريتي وجيراني، وكأن محسن الرملي كان هناك معنا، يرصد أحاديثنا، ويصوّر ما نقوم به بكاميرا شعوره الشفّاف ليحوّل كل ذلك الى كلمات مكثّفة في غاية الروعة، ورغم ما تكتنز به من حزن إلاّ انها لا تخلو من السخرية اللاذعة.
في هذه الرواية يؤكد لنا المؤلف أن طول الرواية لا يعني جودتها بالضرورة، ولا قِصرها يعني رداءتها، فكثير من الروايات الطويلة لا تحمل بين صفحاتها غير الحشو، وأخبار الصحف، والحوارات الطويلة الفارغة، بينما في "الفتيت المبعثر"، هذه الرواية الصغيرة بحجمها والكبيرة في معانيها وطرحها، تجبرنا أن نتساءل: من يقبل ان يستبدل سبيكة من الذهب مع أطنان من الحديد الخردة؟!
"يريدون اقناع الشعب
كم هو على خطأ،
 وأن نظرة القائد هي المصيبة..
إنها مصيبةٌ حقاً"... قاسم حداد
 بهذه الكلمات الساخرة يُمهّد محسن الرملي الدخول الى روايته، وكشف عالمها الغرائبي المدهش. ولأن "الحكايات الحزينة صارت مملّة في العراق لكثرتها، ولكل انسان هناك مصيبته التي كفّ عن حكيها لأن للسامع مصيبته أيضاً"، لذلك يلجأ الناس الى النكات، أو ترديد الأغنيات كأغنية "مات اللمبجي .... فطّومة" ليوسف عمر وغيرها، للتخفيف عن بعضهم ونسيان مآسيهم ومعاناتهم.
تدور أحداث هذه الرواية في قرية صغيرة وادعة، حيث البساطة، والبراءة، والنقاء، فتتبادل النسوة الأخبار حول تنانير الخبز، وعلى موائد الإفطار والعشاء، ولا يتركن فضائح صغيرة أو كبيرة تحدث في القرية الاّ ويتداولنها بمرح وسخرية وأحياناً بخبث جميل. هذه القرية التي "أبوابها مفتوحة وكلابها لا تنبح الا على الغرباء"، وللناس فيها أكثر من أسم يلتصق بصاحبه كما الوشم!
تتمحور رواية الفتيت المبعثر حول عائلة عجيل "نَشِنَن" الرجل الوطني، وأولاده السبعة: "قاسم الفنّان، محمود لا شيء، وردة الجميلة، أحمد القاضي، سعدي الشاذ، عبّود المجنون، وعبد الواحد الاجتماعي"، هذه العائلة الكبيرة القروية تمثل العراق بتنوعه وأطيافه وتعقيداته.
وبحرفية وذكاء كبيرين يدسّ المؤلف - بين الأحداث البسيطة، والشخصيات البريئة الساذجة - أهوال الحرب ووحشية الدكتاتور، فتزداد بشاعةً فوق بشاعتها! ويمزج محسن الرملي كرسّام مقتدر بين ألوان الواقع والخيال والسخرية والحزن ليخلق لوحة حياة متكاملة، وصورة وطن!
الخيط الرفيع من الدم الذي سال من بلعوم الفتى عجيل بفعل إبرة قنفذ، يعود بعد أكثر من سبعين عاماً ليسيل من جديد. ومع توالي انتصارات القائد المزعومة تتسع مقبرة القرية، ولا يشفع لـ "عجيل نَشِنَن" مآثر جدّه الذي قَتَلَ ضابطاً انكليزياً، ولا بطولة ابنه عبد الواحد الذي قُتِل في الجبهة، فيقوم أزلام النظام باعتقال ابنه البكر "قاسم الفنّان"، واعدامه وسط القرية ومطالبة أهله بدفع بثمن الرصاصات! لرفضه الاشتراك في مهزلة الحرب العبثية القذرة.. ويستمر نزيف الدم، وتتوالى الحروب، ويصير الشعب فتيتاً مبعثراً!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في صحيفة (طريق الشعب)، العدد 216 السنة 80 بتاريخ 22/6/2015م بغداد
http://tareekalshaab.iraqicp.de/index.php/2013-03-06-12-09-21/2013-03-15-17-11-50
نواف السنجاري

الأحد، 27 نوفمبر 2016

محسن الرملي: لاعِق التَمر/ مختار سعد شحاته

محسن الرملي: لاعِق التَمر

مختار سعد شحاته
الحياة المكتوبة، وكتابة الحياة:
منحني الشعر عبر ليال مهرجان طنطا الدولي للشعر في دورته الأولى (30 أكتوبر حتى 2 نوفمبر) العديد من المتعة الشخصية مضافًا إليها متعة اكتساب أصدقاء جُدد، وعُدت محملا بأفكار حول الشعر والشعراء، زادت في وضوح الفكرة التي تترسخ تباعًا في عقلي، حول الكتابة بشكل عام، وهو ما توازي مع عودتي من مؤتمر أدبي وأنثربولوجي له علاقات ما بفكرة الكتابة بشكل عام، وعليه بدأت تتضح أبعاد المصطلح الذي أرى أنه لابد من طرحه حول الكتابة وهو "الحياة المكتوبة" والذي يتراتب عليه مصطلح جديد آخر وهو "كتابة الحياة"، وهما في حقيقة الأمر إشارة إلى نوع كتابي جديد بدأ يتشكل وتتضح ملامحه بقوة في العالم الغربي، وهو معني بكتابة الحياة اليومية وتفاصيل الحياة بشكل إبداعي وجديد، وبصور غير حصرية على شكل ونمط واحد، وهو ما حفزني لقراءة رواية محسن الرملي "تمر الأصابع" باعتبارها نموذجًا رصينًا لهذا النوع الكتابي الجديد.
هنا لا أود حرق المصطلحين قدر ما أتمني التعريف بهما، وأظنني بما أعددته من دراسة حول هذين المصطلحين، وقدمته إلى من يهمه الأمر، أضمن للمصطلحين –ولنفسي- مغبة حرقهما قبل الأوان، وسأتابع بنشر تفاصيل أكثر عن هذا الأمر فيما بعد.


رواية تمر الأصابع:
صدرت الرواية عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة، ويتصدر صدر الرواية رقم الإيداع بدار الكتب (15187/2013)، في قطع متوسط بين دفتيه (191) صفحة ، مع غلاف بسيط للغاية له لون "بترولي" ولا يحمل أي لوحة فنية على غلافه لتصدير الرواية، فقط اسم الرواية وصاحبها في شطر الغلاف الأعلى، وفي أسفل الغلاف يقبع شعار الهيئة العامة بجلال الكاتب القرفصاء.
أظن الغلاف على بساطته هرب من اتهامات تطال هيئات أخرى معنية بالنشر في مصر –حكومية وخاصة- يكون فيها تصميم الغلاف من السوء إلى درجة خجل أصحاب الإصدارات من تصميمها، ونسفًا لقاعدة "العنوان عتبة النص الأدبي الأول"، وعنوان الإصدار –في ظني- هو غلافه وتصميمه، إذ يمكن أن تعرف عن المؤسسة الناشرة والكاتب في وقت واحد، وهو أمر له شجون كثيرة في صناعة الكتاب المصري مقارنة بصناعته في العالم. 

صاحب صفحة الإهداء:
جملتان تتواتران في صفحة الإهداء، كاشفتان عن الكاتب وصاحبه، والمتخرج في جامعة مدرير بدرجة الدكتوراه في كلية الفلسفة والآداب، برسالته (تأثير الثقافة الإسلامية على الكيخوته 2003)، ويعمل بجامعة "سانت لويس الأمريكية" بمدريد، ويكتب الشعر والرواية والمقال، ويقيم في أسبانيا منذ العام 1995 وحتى الآن. ترجمت أعماله للغات منها الإنجليزية والألمانية والفنلندية والإسبانية والتركية وغيرها...
تقول جملة الإهداء الأولى ".. إلى العراق، مهد طفولتي ومهد الحضارات"، تردفها الجملة الأخرى ".. إلى إسبانيا محطتي للسلام بعد طريقي المكتظ بالحروب". والجملتان هنا تسدعيان قول الصديق الدكتور "طارق الطيب" حين يعرف عن نفسه وحياته في فيينا وأنه رجل يعيش بين ثقافة الميلاد والنشأة وبين ثقافة المكان الذي يعيش فيه منذ عقود، ويبدو الأمر مثله عند الرملي إذ تكشف رواية تمر الأصابع لا عن صراع ثقافتين قدر ما تعرض من توافق الرجل من خلال بطله "سليم نوح" الذي عاش بين الثقافتين العربية العراقية الإسلامية والإسبانية الغربية، فحمل قيمهما حتى صار "سليم نوح" بكل تفاصيله التي عرضتها الرواية. ويفض محسن الرملي هذه النقطة الشائكة ربما لنفسه على لسان بطله في حوار بين سليم نوح، ووالده "نوح المطلق" في شقته بإسبانيا حين يحدث الابن والده عن مفهومه للوطن.

الحكي في تمر الأصابع:
اعتمد الرملي في حكايته على راوٍ عليم، هو "سليم نوح" الذي يتصدر الحكاية منذ لحظتها الأولى، فيفتتح لنا بجملة تقربنا إلى كتابة السيرة الذاتية للبطل، حين يقول في مفتتح الرواية مستخدمًا ضمير المتكلم "ماكنت لأكتب قصة أهلي وأفضحهم لولا تشجيع أبي لي وهو يحلق شعر رأسي في مرقصه المدريدي......." ص7. إذن سيحكي لنا "سليم نوح" حكايته الشخصية وحكاية أهله، وذلك ما يعيدني إلى مفتتح المقال عن مصطلح "الحياة المكتوبة"، فالرملي هنا قرر منذ جملته الأولى أن ينقل لنا من سيرة حياة أبطاله الشخصية، معتمدًا على لغة شفيفة وبسيطة في آن، وسنرصدها فيما بعد، ليظل طوال الرواية وحكايتها المتضافرة يكتب حياتهم، ويطورها من مجرد سيرة ذاتية إلى تلك الكتابة الإبداعية البديعة، وهو هنا يمارس الكتابة –في ظني وفهمي- حسب المصطلح الذي أشرت له "الحياة المكتوبة"، حتى إذا ما انتهى الرملى من حكاية "آل المطلق" ولقطات حياتهم التي ضفرتها الرواية، لتصبح بين أيدينا –نحن القُراء- "الحياة المكتوبة". أي أن الكاتب حين يحكي ويكتب فهو بصدد "الحياة المكتوبة" تلك التي يتتبعها بكتابة إبداعية تأتي الحكاية والرواية واحدة من صور التعبير عنها، وفيها يتورط الكاتب في كل التفاصيل، حتى إذا ما خرجت للُقراء توقف دور الكاتب وصارت "الحياة المكتوبة" تلك التي نقرأها أو نشاهدها أو نسمعها من الكاتب أو عبر كتاباته.
تمر الأصابع ليست مجرد حكاية عن مهاجر عراقي وفقط، وهنا لا أحب حرق أحداث الرواية كما يفعل بعضهم في قراءاته إذ يلخص لنا بطريقة مدرسية ساذجة الحكاية والأحداث اختصارصا مخلًا، ويصر على تقديم تلخيصه باعتبار نقدي، وهو عجب الأعجب منه أن يتصدر الصحف والمجلات الثقافية باعتباره نقدًا أدبيًا.
إذن فماذا حكي الرملي؟ وكيف حكي؟
الرملي أظنه يحكي عن العالم العربي وأزمة الحكم فيه بشكل عام، وعن عراق صدام حسين، والذي أسماه على لسان الوالد "نوح المطلق" بالديكتاتور، ووصف حكمه بالديكتاتورية في مشهد يأتي في نهايات الرواية بين الأب والابن –نوح وسليم- وإن كان تمّ تبطينه طوال الحكاية عن أزمة قبيلة "المطلق" التي حولها النظام إبان الحرب العراقية الإيرانية إلى "القشامر" –مفردها "القشمر- وهو ما كان سُبة في حق عشيرة المطلق.
الرملي يقرر أن الحكاية الأهم هي مقاومة كل ديكتاتورية يمكن أن تنشا على الأرض ولو كانت مثالية أو تحاول، إذ يبدأ في تفكيك مفاهيم مثل الأبوة والدين والوطن والشرف والعرض، والتي يراها الرملي من خلال بطله –كما أفهم- أهم المناطق التي تؤكل منها إنسانيتها بفعل تسلطها على الإنسان بشكل عام حين يتم استغلالها لخدمة مصالح السلطة، وليست سلطة الحاكم بل كل السلطات وجميعها، والتي تحول دون تحرر الإنسان تلك الحرية المأمولة المرجوة بكل مسئولياتها. بل إنه يجعل من الحب سلطة جديدة يقع تحتها الإنسان وتتحكم فيه.
تفكيك محسن الرملي لتلك الثوابت يطرحه عبر تساؤلات تأتي على لسان "سليم" أو لسان الأب "نوح"، بل تلملمها طوال الرواية بالمباشرة الصريحة مرة وبالتعريض مرات، وهو نفكيك يتقنه الرملي من خلال تلك الصراعات التي امتلأت بها جنبات الرواية، وهي صراعات بعضها طبيعي جدًا وبعضها مخلوق ومحدث.

من أشكال الصراع في الرواية:
لم يكن خط الصراع الممتد في رواية تمر الأصابع مقتصرًا على صراعات المجايلة وتراتبها، ما بين الجد مطلق صاحب السلطة النافذة بين العشيرة من خلال سنه وقيادته أو من خلال تدينه باعتباره الإمام والقاضي والحاكم، وهو صراع كان يمكن أن يحمل الرواية على عاتقه دون تململ وله أن يتحمل روايات وروايات، ولكن الرملي يطور هذا الصراع ويبدأ من خلاله تفكيك ثوابت المجتمع العشائري، فيفكك مفهوم السلطة والأب والدين، وحتى الحب، ويجعل من هذا الصراع الأبوي بينه وبين أبيه، وبين أبيه وبين الجد، صراعًا أوسع حين يتحول إلى صراع العشيرة ضد سلطة وأبوية الحاكم، ومفاهيم المواطنة والوطن، مفككًا بعض الثوابت المحوكمة للعلاقة بين الأجيال أو بين السلطة الحاكمة والمواطن المتمثل في عشيرة آل المطلق، وكيف يمكن لهذا الصراع أن ينتهي بنهايات السوء كما حدث مع العشيرة في رحلة تهجيرهم الطواعية الأولى، وقسم الجد بالانتقام وقسم الأب نوح بالانتقام، بعد ما اعتبره هزيمة لرجال العشيرة على يد شرطة تكريت في بدايات الرواية، تبع ذلك رحلة هروب "سليم" التي انتهت إلى إسبانيا دون سرد لتفاصيل الرحلة، عكس ما فعل مع "نوح" والده حين استفاض في سرد بعض محطات سيرة هروبه من القرية مرورًا بتكريت والموصل ثم بغداد واخيرًا إسبانيا قبل برلين في فصل الختام، لأجل انتقامه من الديكتاتورية، وللوفاء بنذره وقسمه على القرآن الكريم. وهنا يفكك أيضًا سلطة ما خفية أخلاقية بما يفرضه الوفاء بالوعد واحترام الوالدين وطاعتهما.
تأمل مثلا حال الأب مع الجد حين يسأل نوح سليمًا عن جده. يقول الرملي على لسان راويه العليم –سليم نوح- حين يحكي عن والده: "أبي لم ينظر في عيني جدي أو حدق حدق في وجه على الإطلاق، دائمًا ينظر إلى الأرض مستمعصا إلى كلامه بانتباه، تجاوز الأربعين عامصا وهو يقول إنه يستحي من النظر إلى وجه أبيه. وسألني ذات يوم قرب شاطيء النهر، بنبرة تشبه الفضول والتوسل: كيف تنظر أنت إلى وجهه؟ هل نظرت في عينيه؟ .. هل نظرت في عينيه؟" ص "20".
ولا يفوت بجملة الصراعات صراع سليم نوح مع أسئلته التي تأكل رأسه وأهمها عن سؤال والده هل قتل الجد؟ ولماذا رغم كل هذا الإجلال، وهو سؤال يأتي منذ ص 23 "أريد أن أسأله هل قتل جدي حقًا؟"، وهو تساؤل يستمر طوال الرواية دون إجابة. وكذلك جملته في مشهد الجيش حين تذكر عالية وجسدها الغارق في الماء ونتوء حلمتيها، وكيف ساعده ذلك على ما أسماه سليم "الرعشة السرية" وكيف يشعر بالذنب والندم كونه يشوه صورتها وهي ميتة أمام ناظر خياله، وهو مشهد يحمل من المفارقات والتناقضات الكثير وهو من أروع المشاهد في الرواية بأسرها مثله مثل مشهد الغرق ودلالاته وتأويلاته.

الشخصيات في تمر الأصابع:
على عكس البعض ممن يتخم روايته بالشخوص متعبرًا أنه مزية ودلالة على إبداعه، يجيء محسن الرملي ببساطة ليحكي حكاية تتمحور حول شخوص تُعد على أصابع اليد، دون حاجة إلى ضوضاء وزحمة، مكتفيًا بهذا القليل الذي حمل الرواية بنبل منذ البداية حتى النهاية، وكلها شخصيات بناها محسن الرملي عبر روايته بشكل مذهل حين بدأ في عرض تفاصيل كل شخصياته عبر تضفير بين الأحداث، فلا شخصية كاملة منذ البداية إلا بنهاية الرواية وجملتها الأخيرة، وهو بناء يشبه تجميع قطع "البازل" استطاع الرملي تعشيقها بمهارة عبر لغته البسيطة والبعيدة عن التعقيد، ومن دون مبالغات فجة.
فمثلا شخصية الأب نوح، والذي نظن أنه بعد مشهده الأخير في مرقصه مع ابنه سليم وفاطمة وروسا، نظن أننا عرفناه واكتملت قطعته الأخيرة من "بازل" شخصيته، لكن الجملة الأخيرة في الرواية تدهشنا بالجديد، إذ اعتقدنا أنه تخلى عن قسمه وانتقامه "المجنون والمتخلف" على حد تعبير سليم في حوار سابق مع نوح، وبعد مشهد مهاتفة نوح لمكتب القنصل العراقي في إسبانيا فنجد تلك الجملة في آخر سطور الرواية: "بعد ثلاثة أيام غادر أبي وروسا إلى ألمانيا... بعد ثلاثة أيام أخرى علمت بان ذلك الدبلوماسي قد نُقل إلى السفارة العراقية في برلين قبل أسبوع".
كذلك شخصية "عالية" التي نتورط في محبتها بعد مشاهدها مع سليم وقصة حبها وكيف كانت نهايتها، ثم نكتشف جانبًا جديدًا منها حين يقارن بينها وبين "فاطمة" بعد أن يقرا على فاطمة بعض أشعارة التي كتبها في "عالية"، لنكتشف بعدًا جديدًا عنهما، بل وبعدًا جديدًا عن هذا الحب الأول وكيف يكون مندفعًا ومشفوعًا بالكثير، مما إن قبلناه وقتها، فأننا سنراجعه لاحقًا ونقارنه بما سواه حين ننضج. وهو ما فعله الرملي طوال الرواية مع كل الشخصيات.
لم يقتصر هذا البناء التراتبي للشخصيات على الشخوص من اللحم والدم بل يمتد إلى شخوص اعتبارية أخرى، وإن جاز لي تسميتها مثل "شخص الوطن، وشخص الحب، وشخص الدين"، وكلها قدمها وفككها محسن الرملي بشكل رائع، ولعل جملة سليم المباشرة مع والده عن أنه رجل بلا وطن فككت لنا شخصية الوطن وأضافت لها بعدًا جديدًا من خلال وصفه لمفهوم الوطن. كما نجده في مشاهد الأب وسليم وكلامهما عن الوطن وعن تدينهما الأول، كما نجده في مقارنات سليم بين عالية وفاطمة، وتفكيك شخصية الحب الأول عبر الحديث عن الحلم والشعر وموقف عالية وفاطمة منهما.

التأويلات والدلالات واللغة:
اعتمد الرملي على دلالات كثيرة عبر روايته، وتأويلات أساسية، جاء بعضها مباشرًا ومفهومًا، والبعض الآخر مراوغ للغاية، ولا أجد مثالاً أكثر دلالة من طريقة اختيار الأسماء التي استنها الجد للعائلة، بل وعن اختيارات تلك الأسماء ودلالاتها على شخصيات الرواية، واحتماليات التأويلات لها، واظنها كلها تحتمل ذلك.
إذ يمكن أن تأول شخصية الجد بأشياء عديدة كالسلطة والقهر والديكتاتورية الدينية والأبوية وغيرها، كما يمكن تأويل شخصية الأب وشخصية الأخت "استبرق" ومرضها وهذا السائل الأصفر، والحبيبة "عالية" وبساطتها ولهفتها حتي غرقها يحتمل دلالات وتأويلات.
ولعل من أعظم ما يمكن تأويله وتحميله بالرمز والدلالة في الرواية، هو اسمها "تمر الأصابع"، وعلاقة هذه العائلة المتشابكة مع التمر عبر الجد مطلق والأب نوح والابن سليم. ويضاف إلى ذلك شقة سليم في مدريد واحتلالها بالصور وقصاصات الجرائد.
لكن، يبقى سؤال حول هذه التأويلات وعن كثرتها التي ربما أرهقت العمل في جملته، حيث تشغلك عند القراءة بل وفي لحظات تفسد متعة السير في خط سرد الحكاية الطولي، بمحاولات ترجمة هذه الدلالات بعد ان اختار محسن الرملي لنفسه هذا المنهج الكتابي المتطور بما يشبه كتابات السيرة الذاتية للأبطال الروائيين، وبما أفلح فيه من لغة بسيطة وطيعة للغاية.
لعل لغة الرواية وبساطتها وبعدها عن تعقيدات المعجم وألفاظه مما لم يعد دارجًا يجعل من لغة تلك الرواية بطلت مضافًا إلى أبطال الرواية، إذ يعتمد السارد محسن الرملي على لسان راويه العليم لغةً طيعة بسيطة، واضحة التركيب وآنية غير كلاسيكية، بها من بلاغة عصرها وتراكيبه الكثير مما يضفي جمالاً خاصًا مضافًا للوحة الجمال التي رسمتها الرواية عبر الأحداث والشخوص، وللحقيقة هي لغة منضبطة للغاية، وفي هذه الطبعة كادت تخلو من الأخطاء الطباعية في الإملاء والنحو، وهو ما يبدو شقًا أصيلاً من شخصية الرملي نفسه الأكاديمية والإبداعية، ويُضاف إلى الرواية وكاتبها هذا الانضباط وكذلك إلى ناشرها. والحقيقة أنه وعبر اللغة لا يمكن ما يقوله أبطال الرملي في تمر الأصابع أمرًا اعتباطيًا أو صدفيًا، إذ تكتشف بعد ذلك ان لكل تركيب دلالته والحاجة إليه، وهو لعبة شديدة الخطورة لعبها باحتراف الرملي في صنعته الكتابية، إذ تكمن خطورتها في اكتشافها السريع، فيتعرى الكاتب وقتها أمام قارئه كتابيًا.
ومن جملة التأويلات جملة كررها الرملي مرتين عن سخرية ما طالت "صراط" ابن عمه، وتساؤلممن نسخر "الناقش أم المنقوش"، والذي يمكن تأويله بأكثر من زاوية للدلالة على صراعات شخصية وإنسانية بل وزمانية حول فكرة التدين والبشرية، وهو تكرار له شبيه آخر في جملة الجد التي تعلمها نوح عنه صغيرًا، وحين سُأل قال: "نبح علي الكلب فلم انبح عليه، ولكنه عضني فعضضته". وهي جملة تتكرر كأنها قناعة ما لأبطال الرواية إلا الابن سليم.

حشف بين التمر:
إن قطر تمر أصابع محسن الرملي عسلاً ولذة للقراء، إلا أنه طاله –في قراءتي- بعض الحشف، وهو قليل، لم يفسد القراءة بل أفسد ديمومة عسل التمر المتواصل عبر الرواية، ومنها:
أن بعض المشاهد جاءت مباشرة تمامًا كانها كتابة اولى تحمل من نبرة الخطابية ما يقترب بها من الكتابة القيمية المدرسية الزاعقة، والتي يضيع أثرها بمجرد سكوت صوت الزاعق بها فلا يبدو لها أثر، وربما أبرر لها بزمن الحكاية وصراعات أبطالها، او لكون الرجل كان منشغلا برصد التفاصيل بحقيقتها كما يحكيها واقع أبطاله، وهو ما جعلني أميل إلى ان الرواية مثالا رائعًا للحياة المكتوبة، بل ويمكن الاعتماد عليه في طرحي لهذا المصطلح. فمثلا في ص 102، حين يتحدث الأب نوح عن الألمان وحلم الحرية وبناء بلدهم بعد دمار الحرب العالمية، والذي جاء خطابيًا للغاية، إلا أن الجميل فيه وإن كان ضالع في بئر الانبهار العربي بالغرب، دون التدقيق في الكثير، إلا أنه يكفي محسن الرملي هنا كونه خرج من تلك العباءة التي يلتحفها كُتاب كثير من العرب ممن لم يعيش يومًا في الغرب، ولا يكف عن التنظير والكتابة حول فحولة جنسية للعربي وشبق لا يتوقف للغربيات حول العرب، وهو ما نسفه الرملي من خلال علاقته بفاطمة بل وفضحه في علاقته بعالية، ثم بعلاقة  نوح وأورسا الذي جعله الرملي رغم الفحولة البدنية عاجزًا جنسيًا.
ويبدو أن ثمة فخ وقع فيه أبطال الرملي وهو التدين الشعبي الأولي، والذي حاول جعل نهاية القصة تشبه "يوتوبيا" ما، إذ صدر لنا طوال الوقت ثمة صراع ما مع سلطة الدين، والمتمثلة في الجد، وفي التساؤلات التي تثيرها الرواية، وكيف تلبس المرء في تناقضات جمة، وخذ مثلا لهذا التلبس بردفه لواده على الحمار وفي سجادة الصلاة التي لا يحافظ عليها، وعن علاقته بوالده في مدريد وقبلها، لكن للحقيقة تدارك ذلك بالجمل الأخيرة من الرواية يشفع له.
كذلك سيطرة بعض المباشرة الصريحة التي تجيء على لسان الشخصيات رغم بنائها العميق، ولعل مشهد نوح مع الجد المطلق في المسجد، حين رأه ولده سليم يؤكد تلك المباشرة والخطابية، وإن كان يمكن ان يشفع له التاويل باعتباره محاكمة لسلطة الدين والأب معًا.

بقى أن:
أعترف بان الرواية بسيطة وسر بساطتها هو تمكن الكاتب وموهبته كشاعر وروائي، وهو ما يجعلني أقول ان سر روعة هذه الرواية في أناقة تلك البساطة  التي نسج بها محسن الرملي روايته، والتي لمثلها فليجتهد الروائيون.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في (مركز النور للدراسات) بتاريخ 6/11/2015م
*ونشرت في (كتابة) بتاريخ 6/11/2015م

*مختار سعد شحاته."bo mima" روائي وباحث أدبي، مصر/ الإسكندرية.
مختار شحاته ومحسن الرملي

الذكورية والسلطة في رواية محسن الرملي /د.جنيفر جاندلر

محسن الرملي.. كتابة عالقة بمعطف الحرب
تمثيلات الذكورية والسلطة في رواية (الفَتيت المُبَعثَر) لمحسن الرملي
د.جنيفر جاندلر
ترجمة: أحمد مختار المالكي
تقديم
نالت الباحثة البريطانية جنيفر جاندلرJennifer Chandler شهادة الدكتوراه من جامعة مانشستر سنة 2012 عن أطروحتها التي حملت عنوان: (الأرض الحرام: تمثيلات الذكورية في رواية الحرب الإيرانية-العراقية No Man's Land: Representations of Masculinities in Iran-Iraq War Fiction)، والتي قامت من خلالها بتقصي موضوعة الذكورية في بعض الروايات العراقية والإيرانية التي تناولت الحرب بين البلدين (1980-1988) كثيمة رئيسية. حيث بينت بأن تمثيلات الذكورية في رواية الحرب الإيرانية -العراقية تُظهر عرضاً عميقاً وأحياناً متناقضاً، فبينما يتمرد الجزء الأساسي من رواية الحرب على الهيمنة ويعيد تشكيل أنماطها القياسية للرجولة، فإنه ينسجم في بعض الأحيان مع أنماطها القومية المتطرفة (الشوفينية) وأحياناً لنماذجها القمعية لسلوك الذكور. وكان هدف الدراسة من ربط الأعمال الروائية بالسياق الاجتماعي والسياسي الأوسع هو لإدراك وتمييز الفرق في العلاقة بين تمثيلات الذكورية وبيان الوصف الأدبي للأمة في وقت الحرب.
ارتكزت نظرية هذه الدراسة على إعادة تشكيل مفهوم الهيمنة الذكورية، متأثرة بطروحات الباحث جوزيف مسعد، إضافة إلى محاولة تشكيل السياق لجزء كبير من الرواية التي وظفت تمثيلات الذكورية في قصص رمزية ذات بعد سياسي واجتماعي أوسع. وتعاملت هذه الأطروحة مع الذكورية كظاهرة معقدة مليئة بالتناقضات الثنائية تعمل ضمن سياق تاريخي وسياسي خاص والذي يمَكن أو يقمع شخصياته بمعيار متساو. وقد سعت، عبر ربط تمثيلات السياقات الاجتماعية الواسعة، إلى تمييز وإدراك الفروق في العلاقة بين تمثيلات الذكورية والدور الذي تلعبه الأمة في الأدب ولا سيما عندما تصبح الحرب هي الموضوع السائد والمسيطر. حيث نجد بأن سياق الحرب، الذي يُفترض أن يكون مفهوم الذكورية فيه سهلاً جداً، يصبح أكثر تعقيداً عندما تتداخل فيه عناصر العمر والطبقة الاجتماعية وكذلك الانتماءات السياسية التي تتحول إلى عوامل معرفة للهيمنة وبالتالي تشكل الهيمنة الذكورية.
وتكشف الدراسة، من خلال تحليل الأدب الوطني لأمتين شاركتا في الصراع نفسه، عن وجود حراك اجتماعي وسياسي بين الجنس والأدب تم تشكيله على أنه "واقع" الأمة المتوخى من الأدب تمثيلها. وبالتالي فإنها تعرض وتحلل جزءاً أساسياً من الأعمال التي تحدثت عن النظام الأدبي الأوسع، والذي تم تجاهله في دراسات الأدبين الفارسي والعربي. حيث تتناول السرديات الاجتماعية والسياسية للجنس تحت نظامي (حزب البعث) في العراق و(الجمهورية الإسلامية) في إيران، أزمة الذكورة وانتكاس الأمة في رواية الحرب الإيرانية–العراقية، وتستكشف التمثيلات الذكورية في السياقين العراقي والإيراني من خلال قراءة معمقة لثمانية أعمال روائية طُبعت ما بين 1982 و2003، وفي باب (تحدي الدولة الأبوية في رواية ما بعد الحرب) قامت بتحليل روايتين إيرانيتين هما: (السفر باتجاه 270 درجة) لأحمد دهقان و(فأل الدم) لداوود غفارزادهكان، وروايتين عراقيتين هما: (إعجام) لسنان أنطون ورواية (الفتيت المبعثر) لمحسن الرملي، ونحن هنا نقدم ترجمة لبعض أهم ما جاء في طرحها حول الأخيرة. 

تمثيلات الذكورية والسلطة في رواية (الفَتيت المُبعثَر)
تروي رواية (الفتيت المبعثر) لمحسن الرملي، والتي طبعتها دار مركز الحضارة العربية في القاهرة سنة 2000، سيرة عائلة فلاحية في قرية عراقية ابان الحرب بين إيران والعراق. وسارد الراوية المجهول (الراوي)، مِثل كاتب الرواية نفسه، يعيش كمغترب في إسبانيا حالياً. ويزعم السارد بأنه غادر العراق للبحث عن ابن عمته المفقود (محمود) والذي هرب من بلاده إلى مدريد، غير أن البحث عن ابن العمة لا يشكل، على أية حال، محور الرواية، وانما أفراد عائلة (محمود) المقربين أثناء الحرب بين إيران والعراق. حيث تتحول قراءات الخطاب الذكوري إلى حكاية رمزية وطنية ونقد سياسي، كما تركز نماذج الأبطال وخصومهم الذكور على ملامح فهم الذكورية. فتظهر الدولة مرتبطة بنمط ذكوري مفرط وشاذ يقابله ذكورية أخوية يمثلها إبداع وذكاء بطل الرواية (قاسم). وعلى الرغم من انتصار النمط الأبوي للدولة على النمط الذكوري الأخوي في النهاية، فإن الرواية توجه النقد للدولة ونمطها الذكوري وتسمح لظهور نقد قوي مبني على الجنس، ويتم إدراك انتصار الدولة أساساً كانتصار للسلطة الأبوية ولكنه مرتبط أيضاً بانتصار الجنسانية الذكورية المنحرفة والتي تظهر للقارىء من خلال الطبيعة اللاأخلاقية لنظام البعث وكيف أصبح بمقدوره تهديم النماذج الذكورية المثالية.
يدور محور الرواية حول العلاقة بين البطل (قاسم) وأبيه (عجيل) ذو المشاعر القومية المؤيدة للحرب والداعمة للنظام الحاكم، والذي يفشل في التمييز بين مفهوم الدولة الفاسدة ومفهوم أرض العراق كوطن، فيبدوا الأمر لأول وهلة وكأن مفاهيم الخطاب الأبوي للسلطة قد انتصرت على نموذج البديل الذكوري المثقف. بيد أن تخلي (عجيل)، وهو والد (قاسم) والداعم الكبير للدولة، عن سلطته الابوية عندما يقع في أزمة وينتكس بعد أن يدرك الطبيعة الفاسدة للدولة، مما يجعل الأمر يظهر وكأن الدولة قد انتصرت على كل الرجال في العراق.
والمأساة التي يكشف السرد عنها النقاب، هي أن الحرب التي كان (عجيل) يدعمها بحماس ودون بصيرة قد فككت شمل عائلته. حيث يُعدَم (قاسم) بسبب هروبه من الجيش ورفضه القتال في حرب لا يؤمن بها، وهو الحدث الذي يقود في النهاية إلى تبعثُر شمل العائلة، حيث يطلع القارىء في آخر الرواية على النهايات الحزينة والجزاء المجحف لشخصياتها. أي أن هذه الرواية المأساوية هي قصة الحرب والدكتاتورية المفروضة على المجتمعات الصغيرة. وكما اختصرت لين روجرز هذه الأحداث في تقريرها عن رواية (الفتيت المبعثر) : "تبدأ الرواية المختصرة كقصة ساخرة عن الحياة في قرية عراقية تحت طاغية غير معروف، ولكن من السهل تمييزه، فهي تقدم تشخيصاً ذاتياً وعميقاً للعجز الجنسي والمنفى. فالرواية، وعلى خلاف العديد من الروايات، تتعلق بالعجز في المنفى دون أن تغفل رواية (الفتيت المبعثر) تقديم صورة للأحوال المروعة في الوطن المسلوب".
وترتبط الرواية في الموضوع مع روايات أمريكا اللاتينية التي تناولت الدكتاتور كشخصية رئيسية. حيث تُظهر بأن الدكتاتور كشخص "موجود في كل مكان وقادرة بكل الوسائل على فرض سلطته والتحكم بكل شيء من خلال اسخدام الكلمات التي تبدو منشورة في كل مكان وبطرق مخفية ومعلنة." يعاقِب دكتاتور (الفتيت المبعثر) قيم الحضارة والحياة الطبيعية والوطنية ويكافىء الانحراف والجشع. حيث يسوق الرجال المحترمين إلى حتفهم تحت عنوان خدمة البلد، كما هو الحال في شخصية أحد الأخوة (عبد الواحد) الذي يُقتَل أثناء أدائه للخدمة العسكرية في الخطوط الأمامية للقتال. كما يعاقب أولئك الذين يتمسكون بمادئهم ويفضلون الموت على خيانة فكرهم مثل الفنان (قاسم). وهناك أيضاً شخصية (سعدي) المفتقد لأية مبادىء أخلاقية أو اجتماعية والذي يترقى إلى المناصب العليا في النظام. فتعرض الرواية في جوهرها عالماً مقلوباً رأساً على عقب، يموت فيه البطل وينتصر فيه الشرير.
تبرز التمثيلات الشاذة والمنحرفة للذكورية التي تروج لها الدولة في رواية (الفتيت المبعثر) جانباً مهماً من جوانب الأنظمة الجنسية والتي تتشكل في الرواية لتكون كحالة للرفض. حيث تعمل الرغبات المنحرفة والانماط الجنسية الشاذة في هذه الرواية، كحكاية رمزية وأخلاقية لإظهار المشاكل الاجتماعية والسياسية الأوسع. فالنموذج المرجعي للذكورية التي يمثلها (قاسم) على سبيل المثال تشير إلى نمط من ذكورية الطبقة الوسطى الموجودة في الأمم والدول الديمقراطية. وقد قابلت الرواية هذا النمط مع الذكورية الداعية للحروب والأبوية التي تروج لها الدولة. أي أن نمط الرموز الذكورية الأبوية مرتبط بالدكتاتورية ومرتكبي الظلم والاستعباد والتي تشكل دعوة حماية الدولة من خلال الحروب أحد أهم سماتها. وعلى الرغم من أن محسن الرملي يعارض وبوضوح الهيمنة السياسية والاجتماعية، وهي إشارة إلى رفضه للشكل الثاني من الذكورية، فإن هذا الأمر لم يتحقق دائماً من خلال نماذج الجنسانية التي يوظفها ويمثلها كمؤشر على الكارثة التي حلت بالوطن.
كما أن العلاقة المندمجة بين الغلبة والانحراف، وهما مصطلحان متناقضان تقريباً في أي سياق آخر، تسلط الضوء على الدولة المهيمنة والمنحرفة. وأحد سمات هذه الملامح هي أن سلطة الدولة والتهديد باغتصاب الذكور متلازمتان. فيهدف استخدام الدولة لاغتصاب الذكور ضمن مؤسساستها، وفي السجن على وجه التحديد، إلى ترميز ورسم الحدود الدقيقة للسلوك الاعتيادي والسلوك المنحرف والذي يتم إرجاع إشارته إلى الدولة لاحقاً. وتستخدم رواية (الفتيت المبعثر) تمثيلاً جنسانياً بهذا السياق لتوضيح نقاط سياسية أكبر. وكما لاحظ الباحث جوزف مسعد؛ فإن هذا الأمر لا يشكل مفاجأة، وذلك لأن الادب العربي بعد الثمانينات أصبح مليئاً بالتمثيل الجنساني ولاسيما الجنسانية المنحرفة، والتي تتجلى وتتحول إلى قصة رمزية ذات نتائج اجتماعية وسياسية واسعة عن نظام الحكم البغيض: "وقد أضافت الرغبات والأفعال الجنسية -ولاسيما العديد من النماذج المنحرفة التي كانت تعد ولحد نهاية الستينات مفقودة، في الرواية العربية، بشكل كبير مع وجود استثناءات بارزة- عمقاً وتفاصيلاً أكثر إلى السرد وتحولت إلى قصة رمزية اجتماعية مميزة تمثل حالة المجتمع في فترة التسعينات وبعدها".
تمثل شخصية مدير السجن في رواية (الفتيت المبعثر) الوجه الشرير للنظام، والذي يستخدمه ويتغاضى عما يقوم به من عمليات اغتصاب للذكور. وتفسد طريقة التحكم التي شرعتها الدولة لمواطنيها الأسوياء بإشغالهم بقضية مثلية جنسية مخالفة للفهم الحديث لما هو "طبيعي". فيستخدم عميل الدولة القضيب والمؤخرة كنقاط للتحكم عندما يتطلب الأمر فرض وانتزاع السلطة من الرجال.
فالدولة كمغتصِب ترمز إلى الخطر الجنسي الشاذ في الفضاء الذي تتحكم به وبالتالي فان الاغتصاب والمثلية الجنسية يصبحان مصطلحين مندمجين ومرتبطين بالدولة الوحشية. وتكشف تجربة شخصية قاسم في السجن في رواية (الفتيت المبعثر) عالماً تتحكم به الدولة، حيث لا يُمنح لقاسم فيه الخيار البديل عن التعذيب والموت إلا بسبب إقامة أخاه (سعدي) لعلاقة جنسية مع مدير السجن:"... وكان الحراس أول من يرسمهم قاسم وأول من يفترشوا سعدي. وحين علم المدير بالخبر، أمر قاسم بأن يرسم صورة لـ "القائد" فلم يستطع فعزله، وأمر سعدي بأن يكف عن تَسهير السجناء فلم يستطع فعزله، إلا أن سعدي كان يخلع سرواله ويصعد على صفيحة الفضلات في زنزانته، واضعا مؤخرته في النافذة الصغيرة، التي تفصل بينه وبين سجناء قاعته ليصعدوا هم بدورهم وينالونه من هناك.
حين علِم المدير بذلك، أظهَر غضباً عارما، ونقل سعدي إلى حجرة خاصة ملاصقة لمكتبه تتوفر فيها سبل الراحة!!".
تطلب الرواية من قرائها تحدي ومساءلة نظام القيم الذي تنشره الدولة وتقوم الرواية بتوضيح هذا الجدل من خلال قصص رمزية للاعتداء الجنسي وخطر المثلية الجنسية. كما تشرك الرواية الشخصيات الذكرية في نظام القيم والسعي لتوجيه النقد له من خلال تأكيد الذكورية المثالية المبنية على العلاقة الجنسية السوية. وعلى الرغم من أن الرجال، في هذه الرواية، يسعون الى تحرير أنفسهم من نظام الحكم المهيمن والقامع، فإن البديل لهذا النظام هو إعادة تأكيد النموذج الديمقراطي الوطني والحر والنمط الاعتيادي للعلاقات الذكورية كنمط مهيمن. وهذا يساعدنا في فهم عدم إعادة رسم تمثيلات النساء والذكورية الصامتة، ولاسيما تلك المتعلقة بهويات مثلية جنسية عندما يتوقف الاحتفاء والمباهاة بالنظام الأبوي. وتصبح هذه المجموعات التقليدية الخاضعة أكثر حرية ببساطة لشرعنة الهيمنة الذكورية الاعتيادية سوى في النصوص التي يكون فيها نمط الذكورية أخوياً بدلاً من النمط الأبوي، ويصبح شرف الذَكَر في هذه الحالة مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالجنسانية الفعالة والمتعلقة بالذكورية السوية (وبالتالي الرجوع إلى الثنائية التي تنص بأن من يخترق هو الذكر فيما يُؤنث من يتعرض للاختراق وبالنتيجة يُحتَقر).
إن الدولة في دورها كمغتصِب تنتهك المثال الجنسي السوي الذي تم تأسيسه كقيمة جوهرية للذكورية المهمينة. كما تستبعد الدولة بذلك من أي فهم أو تطلع لجهة كي تكون المهيمنة وتساهم بدلا من ذلك في تكوين فهم الهيمنة والغلبة، والذي ميزه آر دبليو كونل في كتابته عن الهيمنة الذكورية. حيث يوضح كونل: "إنه لمن الصعب رؤية كيف تكون الهيمنة ذات علاقة إذا كانت عناصر الفئة الغالبة هي الانتهاك والاعتداء والتعلق بالذات. حيث أن هذه الصفات قد تعني الغلبة  ولكنها بالكاد تشكل هيمنة وهي فكرة تتجسد في بعض مفاهيم القبول والمشاركة للمجموعات الكامنة والصامتة".
ولاتسعى الدولة، في هذه الرواية، إلى أن تستمد الشرعية من هؤلاء الذين تقمعهم، وإنما تسعى بدلاً عن ذلك إلى الغلبة أكثر من سلك السلوك الاعتيادي والتطلع الشرعي للهيمنة. وهذا هو جوهر الرسالة التي يحاول الكاتب توصيلها من خلال تصويره العراق أثناء الحرب بين إيران والعراق. يشكل قبول الدولة للانتهاك الجنسي وتحطيم القيم القياسية للسلوك الجنسي السوي مخالفة لمفهوم النص عن الذكورية الحديثة كنتاج للسلوك الجنسي السوي. ويتجلى خطر الجنس المثلي للدولة في شخصية سعدي في رواية (الفتيت المبعثر)، حيث يعمل سلوكه الجنسي المنحرف كمؤشر مهم على فساد نظام الحكم. وتم تعزيز هذه الجنسانية المنحرفة وتجريدها من الحسية الشبقية لجعلها محرمة (تابو). فميول سعدي التي تحطم الممارسة الجنسية السوية تتضمن دوراً سلبياً في عملية الجنس المثلي والاغتصاب والحيوانية وكذلك سفاح المحارم والولع الجنسي بالأطفال. وأعاد السارد ذكر تفاصيل التحرش الجنسي الذي مارسه سعدي معه:"كنت أصغر من سعدي، وألهاني اللعب معه عن النوم والشمس، حتى فاجأني بمد يده إلى خصيتيّ، فأجفلني الحدث وتراجعت حتى التصق ظهري بزير الماء المهمل في الركن المعتم، بينما ظل وجه سعدي بلا انفعال، صورة ثابتة. كما هي ابتسامة بلهاء وملامح ميتة... أخذ يقترب مني ببطء، فوددت لو أستطيع الصراخ كي أوقظ أهلي، أو أنبّه كلبنا اللاهث في الظل، لكنني كنت أشعر بالاختناق.. وحين فكرت في رفسه والانقضاض عليه ضربا، ثم الخلاص... تأكدت لحظتئذ أنه يكبرني كثيراً، فقد كان جسده يسدّ مربع ضوء الباب من ورائه.
وضع كفه على كتفي فارتعدتُ، ثم نفضتها عن كتفي حين تذكرت بأنني في بيتنا، وليس في بيتهم أو أي مكان آخر... همس لي: "لا تخف.. أريد أن نلعب لعبة الدجاجة والديك، العروسة والعريس، النعجة والكبش، الكلبة والكلب، الحمارة والحمار... وهكذا مثل كل شيء وسوف تكون أنتَ الديك والعريس والكبش والكلب والحمار".
ووجدتني أطرح عليه التساؤل الذي كان ينتابني حين أسمع عنه: "ولكن أنت حمار وأنا حمار... أقصد أنتَ ولَد وأنا ولَد؟" فأجاب بثقة: "لا عليك سأعرف كيف أكون حمارة."
كان صوته دبقاً، شهوانياً، مقززاً وأنفاسه تفعم جو المخزن رطوبة ولزوجة، فهززت رأسي رافضاً. قرّب فمه من أذني/ قَرَف/ وقال:
-"إن لم تفعل سأقول لخالتي أمك بأنك تريد أن تفعل بي مثل الحمار والحمارة."
يوحي الانطباع المتحصل من هذا المشهد باحتقار وازدراء الجنس الشرجي ولاسيما عند الذي يشارك به بأدوار جنسية خنثية، فبينما تستحوذ الإثارة الجنسية على (سعدي) يطرح عليه السارد خيار وضع اصبعه بدلاً عن القضيب. وعندما سحبه من مؤخرة (سعدي)، وكان مغطى بالغائط، فإنه يؤشر بوضوح ويجرده من أدوار الذَكَر الحسية السلبية من الشبق الجنسي. والتجربة في الحقيقة شنيعة إلى الحد الذي تجعل السارد ينهي المشهد بالتقيوء، حيث لا يمكن أن يتساءل المرء عنها: هل أن وصف التجربة بهذه الطريقة المثيرة للغثيان سيكون كذلك فيما لو كانت مع امرأة؟.
وعندما يُرقي نظام الحكم الدكتاتوري (سعدي) إلى أعلى المراتب الرسمية كرئيس لـ (رابطة أحباب القائد) فإن القارىء يدرك بأن سلوك (سعدي) يصبح ممثلاً لنظام الحكم. وأن (سعدي) مِثل نظام الحكم؛ منافق ومثير للاشمئزاز ولهذا فأنه يسعى إلى إضعاف الرجال برعاية النظام الشمولي ولاسيما "الرجال الذي يعارضون النظام المستبد أو يحاولون إظهار الفردية في وجه السلطة الدكتاتورية التي تهدف الى تحييد ومحو أي علامة تمرد، من خلال مصادرة الجسد". وبينما يُعدِم نظام الحكم (قاسم) لهروبه من الجيش، وهو القرار الذي التزم به ليحافظ على كرامته ونزاهته الشخصية، فإنه يَقبل (سعدي)، الهارب أيضاً، في كنفه. حيث يتم الصفح عن ذنوبه وجرائمه وكذلك هروبه من الجيش عندما يصبح جزءاً من نظام الحكم. كما يُظهر أن الناس الذين لا يكنون الحب للوطن، وهم في الحقيقة يسعون لإرضاء رغباتهم الشخصية، سواء الجنسية منها أو السياسية، يحصلون على السلطة لحكم الأمة من خلال دولة فاسدة. فسلطة الدولة، والتي تظهر بوضوح من خلال حب الأمة، مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بجنسانية الذَكَر. حيث تصبح غائية الدولة مرتبطة بنتاج الرغبة الذكورية. وتترك النهاية السعيدة لـ(سعدي)، في (الفَتيت المبعثَر)، القارىء يشعر بأن النتائج الجنسية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالنتائج الوطنية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في مجلة (إبداع)المصرية، في فبراير/شباط 2015م، العدد رقم 32

السبت، 26 نوفمبر 2016

حوار مع محسن الرملي /أجراه: صفاء ذياب

محسن الرملي: تاريخ الرواية هو تاريخ للأوجاع والدراما الإنسانية أكثر منه تاريخاً للمسرات
يرى أن أحداث العراق تجعل الواقع يطغى على الخيال
بغداد ـ «القدس العربي» من صفاء ذياب:
لم يكن خروج الكاتب محسن الرملي من العراق متجهاً لإسبانيا بسبب الهرب أو الهجرة بحثاً عن العمل أو المال، بل كان سفره ثقافياً بامتياز، هوايته للغة الإسبانية جاء من عشقه لماركيز وعوالمه السحرية، فأراد أن يقرأ أعماله بلغتها الأم، غير أن هذا العشق دفعه للاشتغال على محاور عدَّة، أدبياً وأكاديمياً، فحصل على الدكتوراه، بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف من جامعة مدريد (أوتونوما) بكلية الفلسفة والآداب عن أطروحته (تأثيرات الثقافة الإسلامية في الكيخوته) في العام 2003.
قدَّم الرملي أعمالاً في القصة والشعر والرواية والمسرح، فأصدر أربع مجموعات قصصية: «هدية القرن القادم»، «أوراق بعيدة عن دجلة»، «ليالي القصف السعيدة»، و»برتقالات بغداد وحب صيني». ومسرحية «البحث عن قلبٍ حيّ». أما في الرواية، فقدَّم: «الفَتيت المُبَعثَر»، «تمر الأصابع»، و«حدائق الرئيس». وكانت له في الشعر أربع مجموعات: «كلنا أرامل الأجوبة»، «نائمة بين الجنود»، «خسارة رابحة»، و«كلنا أرمل الأجوبة».
في حين كانت الترجمة عالماً آخر من عوالم الرملي، فترجم من الإسبانية إلى العربية، «المسرحيات القصيرة» لميغيل دي ثربانتس، «مختارات من الشعر الإسباني في العصر الذهبي»، مختارات من القصة الإسبانية في العصر الذهبي»، «دراما شعرية (طالب سالامانكا)» لخوسيه دي إسبرونثيدا»، «كاتدرائيات مائية» رواية لخوان ماسانا، «مائة قصيدة كولومبية، مختارات من الشعر الكولومبي المعاصر»، وغيرها الكثير، فضلاً عن ترجمته أعمالاً عربية عدَّة للغة الإسبانية.
حصل الرملي على عدد من الجوائز، نذكر منها: جائزة الطلبة والشباب للقصة القصيرة في بغداد العام 1988، وجائزة الطلبة والشباب للقصة القصيرة في بغداد العام 1989، وجائزة مجلة الشرق الأوسط للقصة القصيرة في لندن في العام 1996، وجائزة أركنسا الأمريكية في العام 2002 عن الترجمة الإنكليزية لروايته (الفتيت المبعثر).
في كتابك الأخير (الأدب الإسباني في عصره الذهبي) حاولت أن تقدم نماذج مختلفة من هذا الأدب، كيف يمكن فهم النماذج التي يختارها محرر أي كتاب، وما الذي يدفع مترجم لاختيار نص دون غيره من أدب كبير مثل الأدب الإسباني؟
إن الفهم الأفضل لأي حدث أو أي نص هو النظر إليه ضمن سياقه وخاصة السياق الزمني، وبما أن هذا الكتاب يتناول الأدب الإسباني في العصر الذهبي، أي القرنين السادس والسابع عشر فهذا يعطي فكرة أساسية لكيفية قراءتها وتلقيها والتعامل معها، أما عن اختيار نص دون سواه.. فبالفعل هذا أمر ليس بالهين، لكنه كان أسهل، بالنسبة لي، لأن النصوص التي ترجمتها كانت قد فرضت نفسها أولاً بدليل أنها بقيت حيّة ووصلت إلينا على الرغم من مرور قرون على كتابتها مما يؤكد أهميتها ونجاحها، يضاف إلى ذلك توافر أنطولوجيات كثيرة لهذه النصوص قام باختيارها مختصون، فما كان دوري إلا أن أقوم بالاختيار من بين هذه المختارات.. وبالطبع استبعدت بعض النصوص التي لها سياقات ومواضيع وأحداث لا تعني القارئ العربي أو ليس لديه معرفة سابقة بها، وتلك التي عجزت عن ترجمتها ترجمة تقنعني.
كان ماركيز سبباً لاختيارك اللغة الإسبانية أولاً، ولسفرك لإسبانيا ثانياً… كيف غيَّر هذا البلد من حياة وأدب الرملي؟ وما الذي أضافته لك لغة جديدة؟
نعم، اندهاشي برواية (مائة عام من العزلة) بترجمتها العربية، مثل كل أقراني في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، والتساؤل: ترى كيف هي إذاً بلغتها الأصلية؟ دفعني لدراسة الإسبانية، على الرغم من أن دراستها يعني أن ليس لك أي مستقبل مهني في العراق، وهكذا بدراسة هذه اللغة انفتح أمامي عالماً ثقافياً هائلاً غيّر حياتي كلها، تبعها تغيير بلد الإقامة والعيش وبالتالي تغير كل شيء في تفكيري وحياتي وكتابتي. إن معرفة لغة أخرى والعيش في مناخها وثقافتها بحب وانفتاح عليها سيصبح جزءاً أساسياً من هويتك الشخصية، وحتماً سينعكس هذا على ما تنتجه… لقد أضافت لي اللغة الإسبانية الكثير جداً حتى صارت بعضاً مني.. الآن فعلاً أشعر بأن نصفي عراقي ونصفي إسباني ونصف عائلتي عراقي ونصفها الآخر إسباني ونصف تفكيري واهتمامي وحديثي وكل شيء. نصفان متكاملان كلفني تعايشهما بانسجام داخلي كثيراً لكن النتيجة مرضية.. بل رائعة.
في أغلب أعمالك الروائية لا تنفك تشتغل على الموضوع العراقي، ابتداءً من الحرب العراقية- الإيرانية وليس انتهاء بدخول القوات الأميركية وما بعدها… ما الواقع الذي تحاول طرحه تغييره؟ وكيف يتداخل الواقعي بالمتخيل في الأعمال الروائية الحديثة؟
هذا صحيح، كان وما زال العراق محور رواياتي، ذلك أن العراق أوجعني كثيراً وما زال يوجعني، جراحه التي أحدثها في روحي وحياتي لم تشف بعد وما زال يضيف عليها جراحاً جديدة، ويبدو أن الألم يسبق أي شيء آخر في فرض نفسه وأولويته على من أراد أن ينتج شيئاً في حقل الإبداع، كما أن الحزن أعمق وأطول تأثيراً فينا من الأفراح والمسرات، وقد كتبت عن هذا الأمر مسرحيتي (النائحة.. أو دفاعاً عن الحزن). أما عن الواقعي والمتخيل، ففي أعمالي وأغلب الأعمال الحديثة؛ تطغى نسبة الواقع على الخيال، وذلك لكثرة وفخامة وهول الأحداث الواقعية وكم المعلومات وتأثيرها وسرعة تتابعها بحيث لا نجد وقتاً كافياً حتى لتأملها جيداً أو وقتاً للاسترخاء والتأمل وتشغيل الخيال… أسلافنا كان لديهم فائض من الوقت وقِلة في المعلومات مما جعل أعمالهم الأدبية مفعمة وخصبة بالخيال.
يرى البعض أن التنقل بين أكثر من جنس ونوع أدبي يذهب الجدية والمشروع الأدبي لأي كاتب، ما مدى صحة هذه المقولة، وقد أصدرت أنت كتباً شعرية وقصصية وعدداً من الأعمال الروائية؟
لا أتفق مع هذا القول، لأنني لا أظن بأن كاتباً جاداً سيكتب عامداً أي نص وهو ليس جاداً في كتابته، ونجاحه في جنس أدبي معين لا ينفي عنه الجدية في آخر ما دامت مسألة النجاح نسبية، وإلا ماذا نسمي نجاح أعمال وإخفاق أخرى في الجنس نفسه للكاتب نفسه؟ وليس هناك أي كاتب في العالم كل أعماله ناجحة بالمستوى نفسه بما في ذلك ثربانتس وديستوفيسكي وماركيز وساراماغو ونجيب محفوظ وسواهم، عدا ذلك فإن الحدود الفاصلة بين الأجناس الكتابية لم تعد كما كانت، وانفتحت النصوص بتقنياتها ومواضيعها ولغتها على بعضها.. وفي النهاية، كلها من مادة واحدة وهي (الكتابة)، يبقى بعدها أن الموضوع أو الفكرة هي التي تفرض الشكل الأنسب لها. وعن تجربتي الشخصية، فليس لدي وقت فائض كي أكتب نصوصاً لست جاداً بها، وكل نص كتبته في حياتي ثمة شيء معين أردت قوله من خلاله.. شيء ألحَ وفرض عليّ قوله. ولو لم يكن الأمر جاداً لما تأخرت أعواماً بين إصدار عمل وآخر في الجنس الكتابي نفسه. وفي نهاية الأمر.. لو افترضنا عدم الجدية في أعمال معينة أو مشروع إبداعي، معين وأنه مجرد لعب.. أليس الأدب في مجمله هو أعظم وأجمل لعبة إبداعية اخترعها الإنسان، وكان للعبته هذه الدور الأكبر في أن جعلته أكثر إنسانية ورقة وتهذيباً؟
أكدت في أكثر من مرة بأن الرواية العربية مقبلة على ثورة في البنية والشكل، وأنها سوف لن تبقى مجرد حكاية.. بعد الماراثون الذي دخله الكتاب العرب والعراقيون في كتابة الروائية، هل ثمة ملامح لهذا التغيير، في الوقت الذي يؤكد فيه الكثير من النقاد أن الرواية ما زالت أسيرة السيرة الذاتية للكاتب؟
نعم، وما قصدته هو الرواية بمجملها في كل العالم وليس في العالم العربي وحسب، ذلك أنها تحولت في مفهوم الجميع، بما في ذلك كتابها أنفسهم، إلى أنها مجرد حكاية وقل الاهتمام بالنواحي الفنية الكثيرة الأخرى ومنها الفكرية والتقنية واللغوية، بينما الحكاية هي مجرد عنصر واحد من عناصر الرواية العديدة. صرنا نقرأ كل الروايات في كل مكان وهي مكتوبة بلغة الحكي اليومية العادية ولا تختلف سوى في حكاياتها، وعليه فإذا كان الأمر باقٍ على مجرد الحكاية.. فهذه صارت متوفرة في كل الوسائل الأخرى ومنها الصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها، كما أنها ليست سيرة ذاتية بالضبط وإلا لكتب كل روائي رواية واحدة هي سيرته وينتهي الأمر، عدا أن السير الذاتية للناس صارت متاحة بالصوت والصورة وبتفاصيلها اليومية في صفحاتهم في وسائل التواصل الاجتماعي.. فما الذي سيقوله لنا لا نعرفه عن سيرته بعد ذلك؟ من هنا أقول بأن الرواية لابد وأن تجد آليات تجديد وثورة من داخلها كي تواصل حياتها وهويتها، وهذا ما حدث عبر مسيرتها، فرواية (دون كيخوته) مثلاً كانت رواية فروسية ضد شيوع روايات الفروسية في عصره، و(مدام بوفاري) انطلاقة الواقعية في مواجهة الرومانسية، وتوالت بعدها التجديدات الفنية طبيعية زولا وتيار وعي فرجينيا وولف وجويس وشيئية آلان روب غرييه وكلود سيمون وسحرية أمريكا اللاتينية.. وغيرها. فكلما ساد تيار أو لون معين لفترة ما أوصل الرواية إلى سكون ممل، ومن سنن الإبداع ومن صلب فعله واسمه أن يتجدد أو يموت، لذا لا أعتقد بأن حال الرواية على ما هي عليه اليوم من أنها مجرد حكاية بلغة الحكي العادية سيستمر طويلاً.. أنا القارئ المهتم شخصياً وطوال حياتي بالرواية صرت أمل من قراءتها لأن الجميع يكتب للجميع بلغة الجميع.. فأين خصوصيتي وذائقتي واحترام وقتي وفكري من كل ذلك؟
ما زال المهاجر العراقي يعيش في تناقض واضح، بين بيئة تربى عليها وتشكلت هويته وشخصيته من خلالها، وبيئة جديدة يسعى لمعايشتها والعمل على أن يكون جزءاً منها… كيف يمكن تفهم هذا التناقض لدى الكاتب عموماً والروائي على وجه الخصوص، في الوقت الذي لا ينفك من تكرار موضوعات حياته العراقية والأسس التي لا يريد الخروج عنها؟
ليس بالضرورة أن تكون تسمية ذلك تناقضاً.. وإلا لو بحثت عن التناقضات واختلاف الأفعال وردود أفعال فيمكنك أن تجدها حتى في أبسط تفاصيل حياتك اليومية حتى وإن كنت موجوداً في بلدك نفسه أو بيتك نفسه أو حتى معزولاً في غرفتك، لذا يمكن تسميتها أيضاً: تنوع، تلون، تعدد، انشطار، قلق، حيرة، بحث، ثراء.. وغيرها.. أو هي ألم وهموم، وكما ذكرت لك سابقاً، فالألم يفرض نفسه أولاً، وتاريخ الرواية هو تاريخ للأوجاع والدراما الإنسانية أكثر منها تاريخاً للمسرات، إنها حاملة وحاضنة الأوجاع الإنسانية، وتعيننا على رؤية وهضم همومنا.. وبالتالي تقوينا على مواجهتها والتعامل معها أو تخطيها، لذا نشعر بعد قراءتها بمسرة ما.. إنها تشبه الحياة وانعكاساً لها، ولم أقرأ في حياتي رواية واحدة تتحدث كلها عن الفرح والسعادة، فللتعبير عن ذلك هناك أجناس فنية أخرى منها الرقص.. إذا فالروائي العراقي ليس هو الذي لا يريد الخروج من موضوعاته العراقية، ولا يعني الأمر بأنه لا يحب البلدان الأخرى التي يقطنها أو أنه غير قادر على الاندماج والتفاعل مع ثقافتها.. وإنما المواضيع العراقية هي التي تفرض نفسها عليه لأن الأولوية للتعبير عن الألم، أنا شخصياً لي تجارب عديدة وفي بلدان عديدة وفيها ما يصلح لروايات، وأتمنى أن يشفى العراق من أوجاعه كي أشفى أنا من أوجاعه كي أستطيع الكتابة عن الموضوعات الأخرى. الأمر، باختصار، يشبه الحكاية المعروفة لذلك الذي سألوه: أي أبنائك أحب إليك؟ فقال: مريضهم حتى يُشفى وغائبهم حتى يعود وصغيرهم حتى يكبر.. وهكذا فإن العراق الآن هو أحب البلدان إلى أرواحنا وكتاباتنا… وستبقى له الأولوية إلى أن يتجاوز كل محنه الحالية: المرض والغياب والضعف.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر في صحيفة (القدس العربي) بتاريخ 6/6/2015م لندن