السبت، 26 سبتمبر 2026

فحوصات ثقافية/ لنعد إلى المقاهي الثقافية/ محسن الرملي

 فحوصات ثقافية

لنعُد إلى المقاهي الثقافية

 

بقلم: الدكتور محسن الرملي

لم أُصبح من رواد المقاهي الثقافية إلا في مدريد. فأنا ابن قرية تخلو حتى من مقهى عادي، لأن أهلها يرون بأنه لمن المعيب أن يُدفع المال مقابل قدح شاي أو فنجان قهوة، وعوضاً عن ذلك، توجد في بعض البيوت مضافات أو ديوانيات، يجتمع فيها الناس ضيوفاً، يتداولون شؤون القرية وأخبارها، والسياسة و(الدنيا) عموماً، ضمن مفهوم "المجالس مدارس" وهو صحيح.

هناك تنبهتُ إلى أولى اهتماماتي الفنية. كان أبي يصطحبني، طفلاً، إلى تلك المجاس، فأُقلد مشية بعض الحاضرين، فيسليهم ذلك، يضحكون ويُكافئونني، فتولَّدت رغبتي في أن أكون مُمثلاً. قدَّمتُ مسرحيات مدرسية، واستمر اهتمامي بالمسرح إلى اليوم، وهناك أيضاً، تشكل مَيلي إلى أن أبدو أكبر من عمري.

لاحقاً، في بغداد، التي عُرفت بمقاهيها الثقافية الحيّة، ذهبت إليها مرات عدة، لكنني لم أُصبح من مرتاديها، ولا أدري لماذا بالضبط! وفي الأردن كان ارتيادي أكثر، للقاء الأصدقاء ولا سيما المثقفين العراقيين المهاجرين. أما في إسبانيا، فإن المقاهي عموماً، هي مظهر جوهري من مظاهر الحياة والثقافة، ومن أكثرها جاذبية، حتى قيل: "بين كل مقهى ومقهى، مقهى". واللقاء فيها بالمثقفين والأصدقاء شائع، بل مُفضّل على اللقاء في البيوت.

كانت ذروة ازدهار المقاهي الثقافية عالمياً، خلال عقدي الخمسينيات والستينيات، واستمر حضورها وتأثيرها حتى نهاية القرن العشرين. اشتهر العديد منها، وأصبح جزءاً من تاريخ الثقافة في بلدانها؛ ففيها تبلورت حركات وتيارات وبيانات وأجيال ومجاميع إبداعية وثقافية. وإلى جانب تلك المقاهي العريقة، كانت بعض المقاهي تخصص، ولو يوماً واحداً في الأسبوع، لنشاط ثقافي: أمسية أدبية، قراءات شعرية، تقديم كتاب، جلسة نقاش ثقافي وأدبي. وفي بعضها شهدنا ولادة جماعات جديدة، ودور نشر صغيرة، ومجلات، وأنطولوجيات، ومعارض تشكيلية، وحتى عروضاً مسرحية. كانت لقاءات تجمع مختلف الأعمار والأذواق، تتيح معرفة المزيد من الجديد، وتفتح أبواباً لنقاشات أخرى وأصدقاء جدد، يقودونك بدورهم إلى مقاهٍ وتجمعات أخرى، وهكذا. فتخرج دائماً بشيء جديد؛ أبسطها أن ينبهك أحدهم إلى كتاب مهم، ربما ما كنت ستنتبه إليه أبداً.

أعترف بأن لقاءات المقاهي الثقافية قد صَحَّحت لي الكثير من أفكاري ونصوصي، وزودتني بالكثير من المعارف، وعرّفتني إلى خيرة الأصدقاء... وما أكثر الأعمال الأدبية التي تدور في المقاهي وكُتبَت عنها وفيها.

أما اليوم، فقد اِنحسر كل ذلك، ويتم التعويض عنه بصفحات ومجموعات في وسائل التواصل الاجتماعي، وهي، بلا أدنى شك، لا تعوّض أبداً عن أهمية اللقاء الشخصي والإنساني الحميم وعذوبته: لقاء الإنسان بالإنسان، والأفكار بالأفكار، والأحلام بالأحلام... أوليس هذا هو أحد أهداف الثقافة، وبعضاً من دورها وفعلها؟

المفارقة، أن المقاهي سابقاً، كانت صغيرة، بسيطة، عتيقة، معتمة، وحتى غير نظيفة، بينما نجدها اليوم عكس ذلك تماماً. تتنافس في سِعتها وديكوراتها وإضاءاتها ونظافتها وتنوع الشراب والطعام فيها، لكن من النادر أن تجد فيها حِراكاً ثقافياً. وهذا يحز في النفس، لأن العِبرة بالإنسان لا بالمكان، وكما يقول محمود درويش: "إن أعادوا لك المقاهي القديمة، فمن يعيد لك الرفاق!؟"... هل هذا حنين؟ نعم، ولكنه أيضاً، تذكير، وتنبيه، وأمل، ودعوة إلى إعادة تفعيل المقاهي الثقافية في حياتنا. لسنا بحاجة إلى مقاهٍ أجمل وأغلى، بقدر حاجتنا إلى مقاهٍ أكثر حيوية وحياة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشرت في مجلة (كتاب)، العدد 96 اكتوبر 2026 الشارقة

https://sibf.com/ar/publications/kitab-magazine

الأربعاء، 2 سبتمبر 2026

المرأة في روايات محسن الرملي / دعاء أبو رغيف

 

قراءة

المرأة في روايات محسن الرملي 

دعاء أبو رغيف

يقدّم الكاتب محسن الرملي المرأة في رواياته عبر صورتين مختلفتين. تتمثل الصورة الأولى في المرأة المتحفظة التي عرفها في بيئته الأولى، العراق بصورة خاصة، والبيئة العربية بصورة عامة. أما الصورة الثانية فتتمثل في المرأة المتحررة التي عايشها خلال غربته، والمنتمية إلى ثقافات وجنسيات غربية متعددة. 

ويبدو أن الشخصيات النسائية المرتبطة بالبيئة الأولى لا تحظى بمساحة واسعة من النمو والتطور السردي؛ إذ غالبًا ما تظهر في أدوار مختزلة وقرارات مصيرية ثابتة، كما في شخصيات الأم والأخت وابنة العم والزوجة. في المقابل، يمنح الكاتب الشخصيات النسائية المرتبطة بعالم المنفى حضورًا أكبر، فيسهب في وصفها ويشركها في الأحداث بصورة أوسع، ويظهر أمامها الراوي أو البطل أكثر تحررًا وثقةً بنفسه.

ويمكن تفسير هذا التباين من خلال الصورة الذهنية الراسخة للمرأة في وعي الكاتب، بوصفها أصل المنظومة الأخلاقية والاجتماعية التي تشكلت داخلها شخصيته. لذلك يبدو أكثر تحفظًا في تمثيل المرأة القادمة من بيئته الأولى، فلا يكاد يقترب من المساحات الحساسة في علاقتها بالرجل إلا في حالات استثنائية، مثل علاقة ابنة العم أو العشيقة التي يلتقيها في المقبرة، وهو اختيار مكاني يمكن قراءته بوصفه انعكاسًا لشعور بالذنب أو الخوف من سلطة الأعراف الاجتماعية.

وعلى الرغم من انفتاح الكاتب على نماذج نسائية أكثر تحررًا في المنفى، فإنه لا يتعامل معها بوصفها شخصيات منحطة أو فاقدة للقيمة الإنسانية، بل يمنحها أبعادًا جمالية وفنية وإنسانية. ومن هنا يبدو أن انتقاله من الفضاء المحلي إلى الفضاء العالمي لم يلغِ جذوره الأولى، بل ظل مرتبطًا بالصورة التقليدية للمرأة التي أسهمت في تشكيل وعيه.

ولهذا، حين يصور الحب العميق أو العلاقة الأكثر صدقًا، نجده يعود غالبًا إلى المرأة العربية أو إلى المرأة التي تحتفظ بخصوصيتها العاطفية. وبذلك تبقى المرأة الأولى حاضرة في عالمه الروائي، سواء عاد إليها في ذاكرته أم عادت هي إليه عبر شخصياته، كما يعود سرب القطا في قصيدة قيس بن الملوح رمزًا للحنين إلى القرية الأولى والجذور الأم.

شَكوتُ إِلى سربِ القَطا إِذ مررنَ بي

فَقلتُ ومثلي بالبُكاءِ جديرُ

أَسربَ القطا هل مِن مُعيرٍ جناحهُ

لعلّي إِلى مَن قد هوَيتُ أَطيرُ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشرت في صحيفة (صباح ذي قار) العدد 189، بتاريخ 31/8/2026م