الأربعاء، 2 سبتمبر 2026

المرأة في روايات محسن الرملي / دعاء أبو رغيف

 

قراءة

المرأة في روايات محسن الرملي 

دعاء أبو رغيف

يقدّم الكاتب محسن الرملي المرأة في رواياته عبر صورتين مختلفتين. تتمثل الصورة الأولى في المرأة المتحفظة التي عرفها في بيئته الأولى، العراق بصورة خاصة، والبيئة العربية بصورة عامة. أما الصورة الثانية فتتمثل في المرأة المتحررة التي عايشها خلال غربته، والمنتمية إلى ثقافات وجنسيات غربية متعددة. 

ويبدو أن الشخصيات النسائية المرتبطة بالبيئة الأولى لا تحظى بمساحة واسعة من النمو والتطور السردي؛ إذ غالبًا ما تظهر في أدوار مختزلة وقرارات مصيرية ثابتة، كما في شخصيات الأم والأخت وابنة العم والزوجة. في المقابل، يمنح الكاتب الشخصيات النسائية المرتبطة بعالم المنفى حضورًا أكبر، فيسهب في وصفها ويشركها في الأحداث بصورة أوسع، ويظهر أمامها الراوي أو البطل أكثر تحررًا وثقةً بنفسه.

ويمكن تفسير هذا التباين من خلال الصورة الذهنية الراسخة للمرأة في وعي الكاتب، بوصفها أصل المنظومة الأخلاقية والاجتماعية التي تشكلت داخلها شخصيته. لذلك يبدو أكثر تحفظًا في تمثيل المرأة القادمة من بيئته الأولى، فلا يكاد يقترب من المساحات الحساسة في علاقتها بالرجل إلا في حالات استثنائية، مثل علاقة ابنة العم أو العشيقة التي يلتقيها في المقبرة، وهو اختيار مكاني يمكن قراءته بوصفه انعكاسًا لشعور بالذنب أو الخوف من سلطة الأعراف الاجتماعية.

وعلى الرغم من انفتاح الكاتب على نماذج نسائية أكثر تحررًا في المنفى، فإنه لا يتعامل معها بوصفها شخصيات منحطة أو فاقدة للقيمة الإنسانية، بل يمنحها أبعادًا جمالية وفنية وإنسانية. ومن هنا يبدو أن انتقاله من الفضاء المحلي إلى الفضاء العالمي لم يلغِ جذوره الأولى، بل ظل مرتبطًا بالصورة التقليدية للمرأة التي أسهمت في تشكيل وعيه.

ولهذا، حين يصور الحب العميق أو العلاقة الأكثر صدقًا، نجده يعود غالبًا إلى المرأة العربية أو إلى المرأة التي تحتفظ بخصوصيتها العاطفية. وبذلك تبقى المرأة الأولى حاضرة في عالمه الروائي، سواء عاد إليها في ذاكرته أم عادت هي إليه عبر شخصياته، كما يعود سرب القطا في قصيدة قيس بن الملوح رمزًا للحنين إلى القرية الأولى والجذور الأم.

شَكوتُ إِلى سربِ القَطا إِذ مررنَ بي

فَقلتُ ومثلي بالبُكاءِ جديرُ

أَسربَ القطا هل مِن مُعيرٍ جناحهُ

لعلّي إِلى مَن قد هوَيتُ أَطيرُ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشرت في صحيفة (صباح ذي قار) العدد 189، بتاريخ 31/8/2026م