الخميس، 22 أكتوبر 2009

قصة / محسن الرملي

قص


التلفزيون الأعور

محسن الرملي


ما أن بدأت السنة الثالثة عشرة من عمري حتى بدأت الحرب العراقية ـ الإيرانية، وقبل أن تكمل عامها الأول قُتل أخي الكبير وأُسر أحد أبناء عمومتي، فصرت أسمع أبي يشتم (السيد الرئيس) كلما وجد نفسه منفرداً مع أمي في البستان أو في المطبخ وغرفة النوم أو وهي تحلب أبقارنا في الزريبة، فأصاب بحيرة لا أعرف لها حلاً بين هذه الشتم البذيء وتلك الصور والأناشيد الجميلة التي يعلموننا إياها في المدرسة مدحاً بالقائد، المعلم الكبير، البطل، الشجاع، العبقري، القوي، الضَرورة والمُلهَم.. إلخ من قائمة أسماء وصفات طويلة بكلمات كبيرة لم نكن نفهم معانيها كلها آنذاك، ومع ذلك صرنا نحلم أن نراه ولو في المنام ـ وكان بيننا من يدعي أن ذلك تحقق له ـ أو أن نكون أمثاله حين نكبر. كما سمعت أبي يشتمه بعد منتصف الليل حين كنت أستيقظ لأشرب ماء أو لأبول وأمُر من قربه جالساً في الصالون مع أمي وعمتي والدة الأسير التي كانت تجيء إليه بعد أن ينام الناس في القرية كي تستمع معه سراً إلى إذاعة طهران العدوّة التي كانت تبث برنامجاً يومياً لرسائل الأسرى إلى ذويهم، وما أن ينتهي دون ذكر ابنها حتى تنفجر بالبكاء وتشاركها أمي. عندها يبصق أبي على الأرض خلفه بحنق ومرارة، وأحياناً يسحب نعله ويروح يضرب بصقته بحقد كأنها عقرب، ويطلق شتائم قذرة وهو الذي كان يعاقبنا على مجرد نطق أحدنا بكلمة نابية.. وهذه حيرة أخرى من كثيرات أوقعتني بها شخصية أبي. لكنني لا أنكر مدى فخري به كونه الوحيد الذي كان يملك صندوقاً صغيراً يتكلم ويغني اسمه (راديو).. وإن كان لا يدعه يغني أبداً، فبمجرد سماعه لموسيقى سرعان ما يبحث عن أخبار أو قراءة قرآن، فهو يجيد تقليب خيطه الأحمر ويعرف محطاته ومواعيد برامجها، لذا كان محور المجالس والنجم اللامع في مقهى القرية صباحاً حيث يلتف الرجال حوله يسألونه عن أخبار الدنيا البعيدة، وعن رأيه، فيجيد صياغتها بأسلوبه الخاص وهم منبهرون بسعة معرفته وفصاحته ويقدمون له أقداح الشاي وفناجين القهوة على حسابهم. وهذا أمر أثار حسد جليل الحداد فصنع صندوقاً حديدياً شبيهاً لكنه لم يتمكن من إنطاقه. اشترى أبي هذا الراديو إثر ذهابه إلى نينوى لبيع محصول الطماطم الوفير في أحد المواسم. وظل يمنع الجميع من لمسه. يخبئه في صندوقه الخاص ذو القفل الكبير، ولا أذكر أني قد لمسته إلا مرة واحدة حين قال لي وهو يخرج مسرعاً من البيت: احمله إلى أمك وقل لها أن تقفل عليه جيداً. ذلك حدث لا ينسى في حياتي. تفحصته بين يدي برهبة وألصقت عيني على ثقوبه كي أرى ما بداخله.. فتخيلت أكثر مما رأيت.
كانت قريتنا صغيرة لا يتجاوز عدد بيوتها الخمسين، بينها مسجد ومدرسة، وكلها مبنية من الطين والصخر، حيث تقع في فسحة سهل ضيق محصور بين جبل (مكحول) ونهر (دجلة)، لذا كان السفر منها وإليها نادراً. كلنا أقارب، نتزاوج فيما بيننا، نتعاون في البناء والحصاد والمآتم والأعراس، ونتخاصم حد القتل أحياناً لأسباب قد تتعلق بدجاجة أو ببيضة دجاجة، لكننا سرعان ما نتصالح. الوحيدة من أهل القرية التي تسكن بعيدة عنها في إحدى المدن منذ أعوام هي السيدة ليلى التي عشقت بائع عطور متجول مر مع بغله بقريتنا، ورفض أهلها تزويجها له لأنه غريب، فهربت معه وتزوجا، وحُكم ذلك في تقاليدنا هو أن يتم قتلها من قِبل من يراها من أقاربها على مدى سنتين، أما إذا مر هذا الوقت دون أن يحظى بها أحد، فعند ذلك يمكنها العودة ويتم الاعتراف بزواجها. وهذا ما حدث، حيث صارت تزور القرية في الأعياد مع زوجها العطار وهما يرتديان ثياباً جميلة التصميم والألوان وتفوح منهما روائح تسحر الجميع. وكانت زياراتها هي أفضل ما تجلبه الأعياد أو ما ننتظره فيها، فعدا ذلك كنا نكتفي بأكل الحلوى واحتساء الشاي وزيارة المقبرة وتكرار تبادل عبارات التهنئة المُكَرَّرَة. جميع العائلات كانت تتسابق لدعوتها إلى العشاء، فعدا عطرها ورنين ذهب أسوارها وقلائدها فهي تشد أسماع الناس بحكاياتها عن المدينة وقصص أخرى غير تلك الحكايات التي اعتدنا على سماعها قبل النوم من جداتنا عن السلاطين والأميرات والجن والملائكة والسحرة والحيوانات الناطقة والأفاعي الطائرة، فحكاياتها تتحدث عن أناس، بشر مثلنا وليس فيها خوارق ومعجزات ولكنها تشدنا بطبيعة تشابك علاقاتهم وسلوكياتهم، فتسهر القرية ملتفة حولها في صالون أو باحة بيت مُضَيِّفها الذي يدور باسماً على الجميع بالشاي والكيك المنزلي المعجون بالتمر والسمسم. كانت ليلى بالنسبة لنا هي العيد نفسه. وتطلب منها النساء النصح في كسب قلوب الرجال، والرجال في كسب قلوب النساء، ويتقرب منها الأطفال لأنها دائمة التقبيل والمسح على رأس القريبين منها في الجلوس. فيما بعد عرفنا سر هذا الحنان وهذه الحكايات. إنها عاقر لا تنجب فتمضي جل وقتها أمام التلفزيون فيما زوجها غائباً يجول مع بغله بين القرى، عرفنا ذلك في العام الثاني من الحرب حين أهدى (السيد الرئيس) تلفزيوناً لكل عائلة لا تملكه وذلك بعد زيارة له إلى قرية كردية، وهرب الناس منه حين حطت طائراته الهيلوكبتر في ساحة القرية، وعندما جلب له حمايته بعض الهاربين سألهم بتعجب: أنا السيد الرئيس القائد.. ألا تعرفوني؟!. فزاغت عيونهم خائفين وهازين رؤوسهم بالنفي. عندها أصدر قراره هذا كي يراه ويعرفه كل أبناء الوطن، وجاءت التلفزيونات مكتوباً على إطارها بالألمنيوم الفضي عبارة تشير إلى أن هذه هدية من السيد الرئيس القائد، واسمه وصورة صغيرة له وعلم العراق وشعار الجمهورية، ونُسخ من كراسات خطاباته بدل الكتلوغات التي تتعلق بالجهاز نفسه. ومن أجل التلفزيونات أمر بإيصال الكهرباء إلى كل القرى، بل وحتى إلى خيم البدو في الصحراء التي كنا نراها بعيدة في الأفق وراء الضفة الأخرى من النهر. ولأنهم رُحَّل فقد أهداهم مولدات كهرباء يحملونها معهم على ظهور جمالِهم هي والتلفزيونات أينما رحلوا. عندها تغير كل شيء.. كل شيء، وارتاحت شعور رؤوسنا من حرق الفوانيس لها حين نحضر واجباتنا المدرسية حولها مصارعين الحشرات والفراشات الحائمة حول نورها، وتخلصت أنوفنا من دخان فتائلها الخانق. ضوء الكهرباء أطفأ ضوء ليلى وإلى الأبد حيث اكتشفنا أن الحكايات التي كانت تُسمرنا بها لم تكن سوى الأفلام التي تراها في التلفزيون، فلم يعد لزياراتها طعم العيد، وخاصة أن الحكومة تبث لنا أجمل الأفلام والأغاني والرقصات في الأعياد، فيما تكثر في الأيام الأخرى من بث زيارات وخطابات السيد الرئيس وصور من المعركة وأفلام الحروب، جثث الأعداء ووجوه أسراهم الخائفة وأعلام الوطن ترفرف على قمم تلال في أراض مهجورة وموحشة. وراحت الحكايات القديمة تنطوي آيلة إلى النسيان ومن ثم إلى المقبرة مع العجائز. مات أبي بعد شهر من دخول التلفزيونات إلى قريتنا، وأمي تقول:" لقد قتلته الحسرة". ولا ندري ما الذي تقصده بنوع هذه الحسرة تحديداً!. أهي الحسرة على مقتل أخي وأَسر ابن عمتي؟ أم لكونه صار يشاهد صور السيد الرئيس بعد أن كان لمجرد ذكر اسمه أو سماع صوته في المذياع يشتعل بالحنق والغضب والبصاق؟.. أم لأنه هو الآخر قد فقد بريقه وأهميته بعد أن صار كل الناس يستمعون إلى الأخبار بل ويشاهدونها مصورة في بيوتهم ولم يعد يسأله أحد عنها في مقهى الصباح؟. في كل الأحوال، أمي لم تكف أبداً عن اصطحاب الراديو معها في كل زيارة إلى قبر أبي. أذكر أيضاً أن جارنا أبو حسون وبعد أن شاهد برنامجاً عن (عالم البحار) ومخلوقاتها الكثيرة العجيبة ومن ثم في الأخبار مظاهرات ضد الحرب لملايين الناس في شوارع عواصم العالم، جحظت عيناه وفغر فمه وقال: أي مزاج لك يا الله.. فما أكثر الكائنات والبشر الذين خلقتهم!! فأنا لا أحتمل أولادي بل ولا حتى نفسي أحياناً.. فكيف تحتمل كل هؤلاء؟!. ثم استغفر عما قال واعترف لله بأنه فعلاً كبير وعظيم ويستحق أن يكون الرب مادام يحتمل كل هؤلاء الأوادم وهذه المخلوقات الصاخبة. وسارع إلى تغيير الموضوع بالسؤال: مادام كل هؤلاء الناس ضد الحرب، فلماذا يتحاربون إذاً؟!، وحين انتبه إلى أهمية سؤاله حمل عكازه وعباءته وذهب إلى إمام المسجد، فأجابه الإمام: إن الحروب ليست بين الناس يا أبا حسون، إنما هي بين رؤوسهم. وحين وجد أن أبي حسون لم يفهم قصده، راح الإمام يشرح له منذ ما بعد صلاة العصر وحتى صلاة المغرب قائلاً بأن الأمراض في الرؤوس وليست في الأبدان وأن الرؤساء رؤوس أيضاً وهم الذين يشعلون الحروب وما هؤلاء الناس إلا مجرد حطب لها.
إن الذي لمع نجمه حقاً مع وصول التلفزيون هو إمام المسجد، الذي صار يناصب الجهاز العداء ويكرس كل خطب الجمعة ضده، بحيث أربكنا جميعاً في طروحاته حتى اليوم. فمرة يقول بأن هذا الصندوق هو النافذة التي تدخل منه سموم جهنم، ومرة يقول إنه الشيطان بعينه، وبأنه خراب للعقول وللعوائل وللبلاد، وأخرى يقنعنا بأنه (المسيح الدجال) والدليل أنه، كما تصفه الكتب القديمة، أعور وبعين واحدة، يغوي الناس بيسر نحو الفساد، وخاصة النساء، ومن هنا صار يسميه (المفسديون) فحتى اللغة العربية الأصيلة لغة القرآن الكريم تنزهت أن توجد له اسماً فظل يحمل اسمه الأجنبي (تلفزيون). البعض يدعي أنه (الرائي).. أي رائي هذا يا ناس! إنه المُعمِي الذي يعميكم عن رؤية بعضكم وأنفسكم والحقيقة والسراط المستقيم. كيف ترضون لأنفسكم أن يقودكم أعور وأنتم تبصرون؟!. عندها صار الجميع يطلق اسماً خاصاً على تلفزيونه الخاص أي مثلما يُوجِد اسماً لأحد أبنائه أو لكلبه أو بقرته، وذلك من أجل تجنب تسميته باسمه الأجنبي الغريب على لغتنا. وبالمقابل صار التلفزيون أيضاً يسمي أطفال القرية الجدد بأسماء لم تكن شائعة من قبل، ومن ذلك أن جليل الحداد المعروف بقوة عضلاته وعنفه مع الناس كعنفه مع الحديد ولعناده نصفه بصاحب المخ الحديدي، حين أنجبت له امرأته توأماً ذكرين أسماهما: رامبو وطرزان لشدة إعجابه بقوة هؤلاء. ولكنه حين أخذهما إلى المدينة لتسجيلهما في دائرة الأحوال المدنية، اعترض الموظف قائلاً له بأن القانون يمنع الأسماء الأجنبية وخاصة أن هذه أسماء لشخصيات من العدو الأمريكي. فغضب جليل وأصر على الاسمين وأصر الموظف على الرفض، عندها قام الحداد بتمديد طفليه على الطاولة أمام الموظف وأخرج من جيبه سكيناً وضعه على رقبة طفل قائلاً: إما أن تسجلهما بالأسماء التي أريدها أو أذبحهما هنا وأترك جثتيهما لك، فأنا أبوهما وأنا حر بتسميتهما وبأن أفعل بهما ما أشاء. فرضخ الموظف لطلبه. وهكذا صار عندنا في القرية رامبو وطرزان اللذين كانا في صباهما من أشد الأولاد مشاكسة وأبرعهم في سرقة البيض والدجاج وتين البساتين. وجليل هو نفسه الذي قال لطرزان، بعد أن قلب ذات مساء كل قنوات التلفزيون فكانت كلها تبث أفلاماً وثائقية عن الحيوانات في غابات أفريقيا: اذهب يا بني وانظر فيما لو كان الهوائي قد سقط في زريبة الدواب!.
في اليوم الأول درنا نحن الصغار حول هذه الصناديق وتحتها باحثين عن أرجل المذيعين وبقية أجسادهم، فيما كان الأهل يهددون الأصغر منا ويخيفونهم بالفرق السمفونية بكونها عصابة متجهمة الوجوه تحد سيوفها وتحمل عصيها، تصدر ضجيجاً غريباً ينخفض ويتصاعد فجأة، وإذا ما رافقها مغني أوبرا فالأمر أشد إخافَة بهذا الصراخ القوي، فيرتعبون ويطيعون؛ يبولون وينامون.
عمتي صارت تحدق بكل الوجوه التي تظهر على الشاشة ويخفق قلبها كلما رأت أحدها يشبه وجه ابنها الأسير. وكانت تعامل التلفزيون ببراءة معتبرة إياه كائناً حياً فتقدم له الطعام وتتحدث إليه، فما دام يتكلم ويتحرك فهو حتماً يسمع أيضاً. وكانت تدثره في البرد وتغسله بالماء ومسحوق الغسيل حتى تعطل.
أما زوجة الإمام المتدينة الخجولة المحتشمة فكانت إذا دخلت الصالون الذي فيه التلفزيون تغطي وجهها بالبرقع قائلة: من العيب أن أجلس مع رجال أغراب، وكل عائلة التلفزيون موجودين. تقصد المذيعين والممثلين، وكانت حتى لا تميز بين أناس التلفزيون أو الضيوف لأنها تتجنب النظر إليهم وتكتفي بالاستماع، لذا فهي ترد أحياناً على التلفزيون ظناً منها أن أحد الجالسين هو الذي خاطبها.
أما الشابات فقد كففن عن سؤال ليلى عن كيفية كسب قلوب الرجال وصرن يقلدن نساء التلفزيون في لبسهن وكلامهن ومشيتهن، وكانت الحوامل منهن يضعن كأساً من الماء فوق التلفزيون عندما يخرج مذيع أو ممثلة جميلة ثم يشربن الماء على أمل أن يكون المولود بجمال هذا الذي ظهر. بعضهن كن يقدمن باقات الزهور أمام الشاشة كلما غنى مطربهن المفضل، وأغلبهن قد خيطن من بقايا أوصال ثيابهن القديمة غطاءاً جميلاً مطرزاً ليدثرن به التلفزيون بعد إطفائه. ويعتنين به أكثر من عنايتهن بشؤون بيوتهن وأزواجهن، والفتيات يتغنجن ويتحدثن عن الحب وليس عن الزواج وصار الناس يجدون بعض الشباب في الزوايا ليلاً أو في البساتين وهم يقبلون بعضهم في الفم وهذا أمر لم يكن الناس يعرفونه من قبل أبداً، أو على الأقل في الظاهر. وهكذا تصاعدت حملة إمام المسجد ضد عدوه (المفسديون) رمز الخراب والفساد، هذا (المسيح الدجال)، الذي يغوي أولادنا ويحرفهم عن الأخلاق الحميدة، لذا أخذ يحث الآباء على التعجيل بتزويج أبنائهم وبناتهم، وازداد عدد الرجال المؤيدين له في حملته، فذهبوا إليه طائعين وقالوا: إننا نستغفر الله ونتوب إليه يا شيخ، فماذا نفعل؟.

طال التداول في الأمر وتعددت الاقتراحات على مدى أشهر حيث كان الجميع يعصر تفكيره لإيجاد سبل للتخلص من هذه المصيبة. البعض قال: نلقي بها إلى النهر. فأجابه البعض بأن ذلك سيفسد الماء الذي نشرب منه نحن وحيواناتنا، ويفسد أسماكه وضفادعه وحتى ثمار بساتين الشاطئ. قال آخر: نحرقها. فأجاب الإمام بأن العقوبة بالحرق هي من شأن واختصاص الله وحده وليس من حق أي كائن أو مخلوق أن يعاقب بالنار مخلوقاً أو كائناً آخر فالله وحده الذي يعاقب بالنار والجحيم، وفي هذا الصندوق كائنات تنطق وتتحرك وإن كنا لا نعرف ماهيتها ومن أية مادة مخلوقة، أي أنها أمم أخرى مثل الملائكة والجان والشياطين. قيل فلنكسرها إذاً بالعصي ونرجمها بالحجارة، لكن البعض حذر من ذلك لأن الحكومة لو علمت بالأمر فسوف تأخذنا جميعاً إلى السجن أو تعدمنا أو تقصفنا بالطائرات لأن هذه التلفزيونات مكتوب عليها اسم السيد الرئيس وفيها صورته. آخرون قالوا فلنبعها إذاً أو نهبها لأهل المدن. لكن الاعتراض كان هو أننا وفي عرفنا وأخلاقنا أن "الهدية لا تُهدى ولا تُباع"..

استمرت الحيرة والجدل إلى أن تم التوصل إلى الاتفاق بتفويض الأمر إلى الإمام كي يناجي ربه ويصلي صلاة استخارة عل الله يهديه إلى الحل الصحيح.
وتأخر الإمام أيضاً في إبلاغنا بالحل وهو يجيب سائليه على أنه مازال يدعو الله، يُكثِر من الاعتكاف والصلاة وقراءة كتب الدين ويطيل النوم أيضاً فالحلول التي يلهمها الله لمستخيريه إما أن تأتي في المنام أو تحل فجأة في العقل والرأي بوضوح تام.
ثم جاء يوم الفتوى حيث جمع الإمام الناس في المسجد وقال لهم: لقد جاءني الإلهام ليلة أمس والحمد لله، فكما سبق وأن أخبرتكم إن هذا هو (المسيح الدجال) الذي سيجعل الفساد يعم في الأرض كلها، ومن بعد عهده سيبعث الله (المُخَلِّص) الذي سيحاربه وينتصر عليه ويجعل الخير يعم في الدنيا كلها وإلى يوم قيام الساعة. إنها إرادة الله إذاً ومن علاماته، لذا فليس لنا إرادة أو خيار أمام الإرادة الإلهية وخيارها إلا أن نستسلم لها، لذا ابقوا على (مفسديوناتكم) كي يعجل الله بقرب مجيء المخلص وتتحقق إرادة الرب. المؤمن مُبتَلى وهذا امتحان للمؤمنين، ولو شاء الله لما مَكَّن عقل الإنسان من اختراع هذا الشيء. له في ذلك حكمة. ثم ختم خطبته بإحدى عبارات السجع التي عودنا عليها:" لكَ بها إرادة يا خالق الجرادة".
وهكذا دخل صخب الدنيا إلى عزلة بيوتنا وصار التلفزيون رفيقنا الدائم إلى اليوم، نحدق فيه ليل نهار، بل أن البعض قد وضع أكثر من جهاز؛ في كل غرفة وفي المطبخ والحمام كي لا ينقطع البث أو لا تفوته لقطة، وكي يُعَجِل بظهور (المُخَلِّص). وبفعل كثرة المشاهدة والاستماع وقلة الحديث تغيرت علاقاتنا ببعضنا وبأنفسنا وبحيواناتنا وأشجارنا ونهرنا، وصارت عيون الناس جاحظة بنظرات بلهاء وخارجة من محاجرها مثل مصابيح التراكتورات، وآذانهم تطول كآذان الحمير وألسنتهم تقصر كألسنة العصافير ومؤخراتهم تتربع لكثرة الجلوس. وإن كانت زوجة الإمام الأولى، والتي كانت تخجل من التلفزيون في البداية، قد سربت ـ فيما بعد ـ سراً بين النساء تسرب بدوره إلى الرجال في أسرة النوم، وبالطبع أداروا رؤوسهم وناموا قائلين إنها تفتري على الإمام، هذه مجرد غيرة نساء. وهي تقسم على صدق قولها وإن كانت لا تنكر دافعها للانتقام من زوجها الذي تزوج عليها بثانية منذ دخول التلفزيون فسامحته، وتزوج بثالثة فسامحته لأنهما أقل منها عقلاً وجمالاً، كما تقول، ولكنها الآن وبعد أن تزوج برابعة صارت الأولى مهمشة كون الأخيرة هي الأصغر والأجمل وتشبه نساء التلفزيون وتستأثر به وبلياليه بينما هي لا تجد لها أنيساً سوى التلفزيون في لياليها. قالت لجارتها: اسمعي يا أختي هو لم يحلم بشيء ولا بطيخ، ففي الليلة التي ادعى بأنه قد حلم بالإلهام لم ننم فيها أصلاً، لأننا بقينا أنا وهو ساهرين أمام المفسديون وشاهدنا أشياء أخجل من وصفها، أنت تعرفينها، وإثر الذي شاهدناه عشنا ليلة مجنونة. ليلة لم نذق مثل حلاوة عشقها ولا حتى في أيام شهر العسل، ولا أظن بأننا سنتذوق مثلها ما بقي لنا من حياة.. وبعدها أصابه هوس الزيجات. لقد أخذه التلفزيون مني فأخذتُ التلفزيون منه.

-----------------------------------

*كتبت ونشرت أولاً باللغة الإسبانية في مجلة (إنيه) المختصة بالقصة.
*وبالعربية نشرت في صحيفة (الأديب) العدد 148 بتاريخ 1/8/2007م بغداد.

الخميس، 17 سبتمبر 2009

قصة / محسن الرملي

قصة
الشاعر الشَجَرة
محسن الرملي

الاستمتاع بإغاضة الآخر؛ من صفات الصغار.. كنا صغاراً إذن، نتراهن على من يستطيع القفز بارتفاع قامة كريم ووضع حصاة في جيبه أو التمكن من قطف شعرة من صدره مفتوح القميص في حر المناخ العراقي. وكلما كان الاستفزاز أكثر إزعاجاً، ازدادت المتعة. ولم تكن تقافزاتنا هذه لتغضبه بقدر ما تفعل مناداتنا إياه بـ (شجرة). حَسّان كان يغني من خلف سياج المدرسة. "الطول طول النخلة ... والعقل عقل السَخلة" وما أن يلتفت إليه كريم حتى يختفي الرأس وراء الحائط وتتعالى القهقهة.
تبقى هذه الصفة الصبيانية ترافق بعض الناس مدى الحياة، ويظلون يستمتعون بإيجاد الطرق لاستفزاز الآخرين، والغالبية تتجاوزها وتخجل منها ثم تنساها. أما كريم فلم يكن من هذا البعض ولا مثل هذه الغالبية.. ربما لأنه كان ضحية لهذا السلوك. فكل ما يبدو ليس عادياً، ولو بقليل، يصبح هدفاً لهذا الشغب المراهق. ومن قدره أنه طويل القامة بشكل غير عادي، الأمر الذي جعلنا نناديه دائماً (يا شجرة) حتى كاد الجميع ينسى اسمه الحقيقي، لكن الذي ليس عادياً فيه أيضاً هو هذه الطِيبة اللامتناهية والهدوء وندرة الكلام. ربما لم يكن يكثر الحكي من باب التهذيب كي لا يضطر الآخرين إلى طي رقابهم إلى الخلف والتطلع باتجاه وجهه السابح في الغيم، ربما لأنه يعيش متوحداً هناك في الأعالي وثمة كائنات عليا يراها هو ولا نراها نحن ولهم لغة تخاطب تخصهم ولا نسمعها. ربما أن نظراته كانت حزينة.. لسنا على يقين من ذلك، لأننا لم نحدق في عينيه مباشرة بحكم بعدهما عن أفق نظرنا. كان باستطاعته أن يأخذ القافز منا، إلى جيبه أو صدره، بيده العملاقة، يحمله ويلقيه مثل خرقة تافهة وراء سياج المدرسة، ومع ذلك لم يفعل، مكتفياً بنفضنا عنه بكفه الواسعة كمن يطرد ذباباً مزعجاً، ويواصل قراءته في الظل مستنداً بظهره على برودة الجدار الحجري. لكن الخلاص غير المتوقع الذي أنقذه من كل ذلك وسحب البساط من تحت دوافع استمتاعنا باستفزازه هو قراره بتقبل أن يُسمى (شجرة)، بل ويصر على تقديم نفسه هكذا وينتشي لمناداة الآخرين له به. حدث ذلك فجأة بعد أحد دروس الإنشاء الذي صادف في يوم عيد الشجرة وخصصه معلمنا الشاعر للحديث عن الشجرة فقط؛ معانيها، وصفاتها، وجمالياتها، وطيبتها، ورموزها، وكرمها وهي تأكل الضوء وتهدي الأوكسجين، ومنحها الثمر لمن يرميها بحجر، وتحوّلها إلى سقف أو عمود يحمل سقفاً يأوي عائلة فقيرة، وتحولها إلى زوارق وكراس وورق وأسِرَّة وأقلام وحطب لنار الخبز والتدفئة، وصبرها وكرامتها واقفة حتى الموت بتعال، رأسها في السماء وجذورها في الأرض كأنها مسمار يربط بينهما... والشجرة يا أبنائي الأعزاء كلها خير وجمال ومنفعة. يصعب قول شيء ضدها أو قول كل شيء عنها في درس واحد، فليزرع كل منكم ولو شجرة واحدة في حياته، واليوم هو عيد الشجرة فصفقوا لها بقوة. صفقنا، وصفقنا على إيقاع قوافي الأبيات الشعرية المتغنية بالشجر التي يحفظها المعلم... حتى ختم كلامه قبل انتهاء الدرس بتذكيرنا أن نكون أعزاء النفوس والكرامة كالأشجار ولا نموت إلا بشجاعة (فالأشجار تموت واقفة).. حينها تمنينا كلنا لو نصبح أشجاراً.. إلا أن كريم هو الوحيد الذي كان مؤهلاً لذلك.. وهكذا كان.
صادف عيد الشجرة ذاك كآخر درس ليوم خميس، وفي الدرس التالي بعد عطلة نهاية الأسبوع، التي لم نر فيها كريم في ملاعبنا، كالعادة، باعتباره أفضل مراقب للخطوط أو لأعلى شبكة كرة اليد من مس اللاعبين. قال كريم للمعلم أنه قد كتب، هذه المرة، قصيدة لدرس الإنشاء، فسُرَّ المعلم وطلب منه أن يقف أمام الفصل ويقرأها. كانت المفاجأة أن عنوانها "أنا شجرة" فقهقهنا بخبث مُخبأ وزجرنا المعلم. أعلن كريم في قصيدته عن اعتزازه بطول قامته كالأشجار وأنه قد قرر اتخاذ اسم (شجرة) لنفسه وعلى الجميع أن يناديه بهذا الاسم، وأنه يغير الاحتفال بعيد ميلاده ليكون في يوم عيد الشجرة وعلى من يحبه أن يقدم له الهدايا في هذا اليوم فقط، لأنه لن يقبلها في غيره. فكان الأمر عَجباً لنا جميعاً وصفق المعلم لأول مرة آمراً إيانا بالتصفيق. أثنى على القصيدة وموضوعها مانحاً لكريم عشر درجات في الإنشاء، ومن يومها لم يكف عن كتابة الشعر، فيما خسرنا نحن لعبتنا بالتحرش به لأنه صار يفرح بدلا من أن ينزعج حين نناديه: شجرة، وأخذ يكثر من لبس القمصان الخضراء والمُشجرة. وبدل أن يستند إلى برودة حجر جدار المدرسة حين يقرأ، راح يلجأ إلى ظلال أشجار الحديقة مسنداً ظهره إلى جذوعها. شَعرنا بأن الحزن، الذي كنا نظنه قابعاً في نظراته، قد تحول إلى ضوء بهيج، ربما كنا نخمن طبيعة نظراته من خلال طريقته اللقلقية في المشي لا أكثر. ولأن اسمه الجديد الذي أصبح يُرفق بكلمة (الشاعر) أخذ يسطع في المدرسة والحيّ، وخاصة بعد نشر عددا من قصائده وصورا له في صفحات القراء في بعض الجرائد والمجلات، ولأن البنات لم يعدن يرين قامته وإنما شِعره وحسب. شرع أكثرنا بالتودد إليه محاولين كسب صداقته. كنا نكبر ويكبر معنا الحرص على تسميته (شجرة) وإرسال البطاقات والهدايا إليه في عيد الشجرة. لكنه ظل كما هو طيباً، قليل الكلام.. ويزداد انطواءً على نفسه وعلى الكتب والأشجار.. إلى أن قرر، ذات يوم، أن يغادر البلد لأن الصحف أقرّت الامتناع عن نشر أية قصيدة لا تمدح (القائد!) وحروبه، ولأنه لم يعد يحتمل أن يسرق الجنود لون الأشجار ومساحاتها بشكل متزايد كلما امتدت أعوام الحرب، وأن تُحوّل الحكومة الحقول الخضراء والغابات إلى معسكرات ومخازن للجيش، وأن تقطع أشجار الشواطيء في المدن وفي الجزرات الوسطية في الشوارع لتنصب مكانها تماثيلاً سوداء برونزية متشابهة للقائد ببدلته العسكرية، على حصان أو دونه، رافعاً ذراعه كالسيف فوق الرؤوس بحجة التحية. وكان ثمة تماثيل أخرى تشبهها، ولكنها أصغر قليلاً، لضباط وجنود قتلوا في الحرب. ويعلق كريم: إنهم يقطعون ما هو حي وينصبون ما هو ميت. إلا أن الذي أوصله إلى اتخاذ هذا القرار بشكل نهائي هو رؤيته لمشهد قاس جرح قلبه، في التلفاز والصحف. أحزنه حد البكاء: آلاف وآلاف من أشجار النخيل الجنوبية وقد بُتر سعفها أو احترق بفعل كثافة القصف والنيران المتبادلة بحيث تحولت إلى غابات موحشة لا نهاية لها من الجذوع السوداء فقط، كأنها أعمدة كهربائية عتيقة أو مسامير أسطورية أو متاهة في الدرب إلى كوخ ساحرة شريرة في حكايات الأطفال. مسح دمعه بكم قميصه الأخصر وردد:"الأشجار تموت واقفة".. ثم انطلق متسللاً مع المهربين إلى تركيا، ومنها عبر سُبل مغامِرة سَلَّله مهربون آخرون إلى ألمانيا، وكان على امتداد درب الفرار يعزز شجاعته بتكرار "الأشجار تموت واقفة.. الأشجار واقفة.. الأشجار.. جار..". ويقول في إحدى قصائده: "سأمشي في الطريق الأخضر نحو البلاد الخضراء. سأمشي أخضر القلب والقميص، ولن أموت إلا واقفا"ً. وهناك ادعى أنه بلا وثائق، كأغلب الهاربين طلباً للجوء وبحثاً عن الحرية، وهكذا تمكن من أن يجعل اسمه في وثائقه الرسمية "شجرة" كما أراد، واشتغل في مشتل لنباتات الزينة والورد وفي حراسة الحدائق أو ري المتنزهات وتنظيف عشبها من نفايات المتنزهين، مؤمناً بكون النباتات وحدها التي لا تُشعرك بأنك أجنبي ولا تستشعر منها أية عنصرية. لكنه ظل حزيناً طوال أعوام منفاه، يعلق في صالونه صورة كبيرة للوحة جواد سليم (الشجرة القتيلة) ويسكر حد البكاء كلما تذكر مشهد النخيل العراقية مقطوعة الرؤوس.. ويغني أحياناً "نخل السماوة يقول طرتني سمرا.." حالماً بان ينتهي زمن الدكتاتور ليعود ويفعل كل ما بوسعه لزرع الأشجار أكثر من كتابة القصائد، قائلاً: ستكون قصائدي للوطن أشجاراً وتكون مواطنتي خضراء شِعرية.. خضراء.. خضراء..".

------------------------------------
*نشرت في صحيفة (الأديب) العدد 173 بتاريخ 13/8/2008م بغداد.
http://www.al-adib.com/DisplayPDF.aspx?file_path=c:\domains\al-adib.com\wwwroot\Issues\issue_173_13_8_2008\P10.PDF

الثلاثاء، 15 سبتمبر 2009

رأي / لمن نكتب ؟!


سؤال المبدع دائما.. لمن نكتب: لذواتنا.. أم للمتلقي؟

استطلاع: خلود الفلاح

تاريخ الأدب هو رؤية للتاريخ كتطور فى شكله الايجابي والسلبي وما يتضمنه هذا التطور من آراء تثير الفضول وتحفز للمزيد من البحث فيما وراءها، أي تلزم بعدم أخذها كأحكام مطلقة. وأمبرتوايكو حين قال: الكتابة هى دائما فعل حب وفى الحب هناك دائما شريك وألا فليس هناك حب وهو بذلك يشير إلى من يدعى انه يكتب لنفسه ولا وجود لما يمكننا تسميته قارئا أومستقبلا للرسالة الإعلامية. بحثنا عن آخرين قد يتفقون مع ايكو وقد يختلفون مع.. ليس هذا ما نسعى إليه، أننا فقط نبحث عن أشياء تضيف لتاريخ الأدب. وتقدم رؤياها الخاصة.

*الكاتب والأكاديمى العراقي محسن الرملي:

ثمة مَن يكتُب لأسباب وجوديّة
ـ
بالنسبة لي شخصياً، ومنذ عرفت الكتابة، وقبل أن أعرف أُمبرتو إيكو، فإنني لم أزعم أبداً بأنني أكتب لنفسي، وقد أوضحت ذلك فى مناسبات أخرى، حيث أنني لا أحتاج الكتابة لنفسي ما دمت أعرف ما في رأسي وما الذي أريد قوله. لكنني فى الوقت نفسه لا أملك ثقة وجرأة إيكو لاتهام غيري بالكذب حين قال ذلك، وربما لا أتفق معه فى إطلاقيته لهذا الحكم ـ هذا إذا كان قد أطلقه فعلاً ـ فبمجرد أن نحيد قليلاً عن المعنى السطحي والمباشر لهذا القول سنجد أكثر من تبرير له.
فالكتابة بالأصل هى عمل فردي ذاتي وأول وأكبر تأثير لها يكون على الذات الكاتبة أولاً، وهناك من يكتب لنفسه فعلاً مثلما أن هناك أناسا يقرأون لأنفسهم ولمجرد متعة فعل القراءة بحد ذاته. ثمة من يكتب لنفسه لأسباب نفسية بتوصية من طبيبه النفسي، وثمة من يكتب من أجل المال فقط ـ وبالطبع المال لنفسه هو ـ وثمة من يكتب لنفسه كى يعرفها أكثر أو لصالح نفسه اجتماعياً، أو كما يقول غارثيا ماركيز: "أكتب لكى يحبنى أصدقائى أكثر". وثمة من يكتب لنفسه لأسباب وجودية تتعلق بطبيعة فهمه ورؤيته لمعنى الوجود ووجوده الفردي ذاته الذى قد لا يجد له معنى آخر سوى فى الكتابة.
حسن مطلك مثلاً يقول: "أنا والكتابة شيء واحد". إن الإنسان بطبعه كائن تعبيري وحاجته للتعبير عن نفسه أساسية لذا فهو يعبر عنها بمختلف الوسائل والسبل والأساليب بما فى ذلك العمارات والصناعات والألبسة والرقص والكلام وغيرها، والكتابة أحد أساليبه الرائعة للتعبير، وفى كل الأحوال يبقى فعل الكتابة بحد ذاته أمرا عظيما ومهما وضروريا وصحيا وإيجابيا سواء أكان للشخص نفسه أو لآخر قريب أو لآخرين لا نعرفهم، وبالطبع ستكون المنفعة أكبر كلما اتسعت دائرة التلقي. وهكذا فالكتابة يمكنها أن تكون للذات وللآخرين، وكل له دوافعه وأسبابه وحق اختيار هدف كتابته، وليس من حقنا أن نتهمه بالكذب جزافاً.. هل شَقَقت عن قلبه؟!..
----------------------------------------
*نشر في صحيفة (العرب) بتاريخ 4/4/2007م لندن.

السبت، 12 سبتمبر 2009

عن لغة الصحافة وحقوق الإنسان


عن لغة الصحافة وحقوق الإنسان

محسن الرملي
Muhsin Al-Ramli
الرباط 2002

أولاً أود أن أشكر معهد إبالمو IPALMO وكل المشرفين على تنظيم هذه اللقاء، حيث أبدو جودة عالية في التنظيم وجدية في التعامل، ثم أشكر الأخوة المغاربة على حُسن الضيافة.. والشكر أيضاً لكل السادة الحضور من مختلف البلدان.
أنا لست متوسطي الأصل لأنني عراقي، ولكنني كصحفي وكمواطن فأنا أعيش وأعمل ضمن نطاق المتوسط، في إسبانيا. وفي هذا الوقت يجبرني قلقي وخوفي على أهلي وبلدي الأصلي أن أتحدث ـ ضمن إطار لقاءنا هذا والمتمحور حول الصحافة وحقوق الإنسان ـ عن دورنا كصحفيين تجاه ما يبدو أنه قد أصبح قراراً محسوماً، ألا وهو شن الحرب على العراق..
وكمدخل لربط ذلك بالمتوسط، أقول بأن الطائرات التي ستقوم بضرب بلدي ستنطلق من قواعد أمريكية في أراضي بلدان المتوسط أو ستطير في أجوائه لتعبر إلى هناك، والبارجات الحربية ستمر عبر مياه المتوسط كي تلوث مياه دجلة والفرات.. وعلية أرجو منكم جميعاً الحرص على مواصلة التمسك بأحد أدوار الصحافة وهو أن تكون صوتاً لمن لا صوت لهم.. أرجو أن ترفعوا أصواتكم مع صوتي كي نصرخ جميعاً بما لا يستطيع الشعب العراقي أن يصرخ به.. فأنا معكم أشعر بالقوة وبدونكم أشعر بالوحدة والحزن.. فشكراً لأنكم أنتم عائلتي الآن.. وأصواتكم هي بديل عن أصوات أصدقائي الصحفيين الذين خنقتها الدكتاتورية، لذا، إذا ما وقعت الحرب، آمل الانتباه إلى دورنا جيداً كي لا نتحول كصحفيين إلى مجرد قناة تردد الخبر نفسه، تطلقه دون تفحص لأهداف مصدره، وأن يسعى كل صحفي إلى وضع لغته الخاصة ومفرداته في طبيعة نقل الخبر كي لا نتحول إلى مجرد أبواق نردد ما يمليه علينا البيت الأبيض عبر الوكالات المشتراة. وهنا وبمناسبة هذا اللقاء.. أطرح وأسألكم، في الوقت نفسه، عن إمكانية وكيفية وشرعية تحويل أو إعادة صياغة لغة الخبر (ولا أقول مضمونه) وإنما لغته، إذا كان ذلك الأمر لصالح الجانب الإنساني؟.. كي لا نقع في ارتكاب خطأ أن نسمي الجلاد ضحية والضحية جلاداً، ولكي لا نضفي قدسية وشرعية على القرارات والقوانين المفتعلة التي نعرف جميعاً دوافعها ومصالحها.
وعن هذا الأمر.. أي الانتباه إلى الخبر وتغيير لغته قبل إعادة بثه، والحرص على تنوع أساليب نقله، وتعدد مصادره.. أضرب لكم مثلاً في العراق، بعد حرب الخليج 1991 وحيث كل وسائل الإعلام هناك في قبضة السلطة.. فكانت تكرر علينا ليل نهار ما يمليه عليها النظام، بأننا قد انتصرنا على دول التحالف وأننا هزمنا 33 دولة، فيما كان الناس البسطاء يرون حولهم الخراب والحرائق والدخان والجثث وبطونهم خاوية.. حتى قيل أن امرأة بسيطة وكبيرة بالسن اقتربت من من صحفي وسألته بصدق وببساطة، باعتباره صحفي يعرف أكثر مما تعرفه هي، وقالت متأثرة: يا بني، أنا حزينة على الأمريكان. فقال لها: لماذا؟. فقالت: إذا كنا نحن المنتصرون في هذه الحرب قد حدث كل هذا الدمار بنا.. فكيف حالهم الآن وهم الخاسرين.. يا للمساكين!.
أعني من هذا أن أمر التكرار الواحد دون تمحيص للخبر ومصدره قد يُحدث رد فعل مغاير.. وابتعاد عن الحقيقة.. بل وأرى فيه نوعاً من المشاركة في الجِناية.. هنا أيضاً وضمن هذا السياق أود تنبيه الذين يكررون الآن ليل نهار ويرددون اسطوانات البيت الأبيض متحدثين عن حقوق الإنسان والديمقراطية والحرية التي تعد بها أمريكا الشعب العراقي.. فقد يصاب العراقيون بالخيبة من هذه الوعود التي ينتظرونها حين ينظرون من حولهم مرة أخرى فيرون الحرائق والخراب والجثث فيقولون: أهذه هي الحرية والديمقراطية؟.. لقد كانت الدكتاتورية أكثر رحمة!.
إنها مسألة مهمة أيها الأخوة آمل الانتباه إليها كنموذج حدث وقد يحدث لما قد يسببه الصحفي الببغاوي الذي يكتفي بمجرد النقل، وهمه الانتهاء من أداء وظيفته وقبض راتبه كيفما كان الأمر.. دون أن يدرك بأن ثمن ذلك سيكون باهظاً جداً لأناس آخرين.
إن الصحفي يساهم في خلق الضمير الإنساني والتاريخي العام.. ومثال ذلك أنني شخصياً ـ وأعتقد بأن هناك الآلاف مثلي ـ أشعر بجرح دائم في إنسانيتي بسبب الحربين العالميتين وبسبب القنبلتين النوويتين على اليابان. على الرغم من أن ذلك قد حدث قبل أن أُولد أنا أصلاً.. فيما أشعر بالفرح والفخر بالأمريكان الذين خرجوا رافعين الأصوات ضد استمرار الحرب في فيتنام.. فأرجو من كل الزملاء الصحفيين أن يحرصوا على ألا تصاب إنسانيتنا بجرح آخر.. وأن نحاول أن نترك إرثاً لأولادنا وأحفادنا، إرثاً من الفخر ونموذجاً من الاحتجاج يفرحون به ويواصلونه.. وألا نترك لهم في الإرث مزيداً من الجراح في إنسانيتهم.
أقول.. إننا نحن الصحفيون مَن بيدنا قناة الكلمة.. ومثلما (في البدء قد كانت الكلمة) فبعد موتنا الفيزيائي ستبقى كلماتنا فقط.. بل أرى أن هوية أحدنا الشخصية، وشهادته الإنسانية هي كلماته.. وهكذا ففي نهاية الأمر أن صورة حياته هي الكلمات.. وفي الأدب يُقال: بأن الإنسان هو الأسلوب.. وبالتالي فهو الكلمة.. أي اللغة، نوعية وطبيعة كلماتنا.. هذا ونحن لا نملك غير هذا السلاح كوسيلة للدفاع.. فأرجو الانتباه إلى نوعية ما نسمع وما نقول.. لذا فلنقم بنقل الخبر، بنقل الكلمات بعد تمريرها من خلال ضمائرنا الإنسانية.. من خلال مرورها بالوعي والقلب أيضاً.
ضمن لقائنا هذا تم الحديث أيضاً عن ضرورة وجود دولة قانون من أجل إيجاد حرية صحافة.. لذا تخيلوا كيف هو حال زملائنا في الصحافة العراقية.. إنهم ليسوا متوسطيون، لكن يُفترض أن نذكرهم عندما نتحدث عن الصحافة وحقوق الإنسان، لأنهم صحفيون وأناس، إنهم ليسوا متوسطيون لكن حضاراتهم بابل وسومر وأكد ونينوى وأور وآشور .. قد كانت أماً مؤسسة للكثير من حضارات المتوسط.. واليوم هناك أكثر من نصف مليون عراقي لاجئون يعيشون في دول المتوسط، فاسمحوا لي أن أنقل لكم شكوى إخوانكم في الإنسانية وفي المهنة.. صديقي الكاتب حاكم حسين تم إعدامه بحجة تغيبه عن أداء الخدمة العسكرية، أخي الكاتب حسن مطلك أُعدم شنقاً سنة 1990، صديقي ضرغام هاشم رئيس تحرير مجلة، تم إعدامه سنة 1991 ويقال بسبب جملة واحدة وردت ضمن إحدى مقالاته، لي صديق آخر هو حميد المختار يعيل أسرة كبيرة ولديه أربعة كتب مطبوعة تم سجنه 8 سنوات وقيل لأنه كان قد وزّع استنساخ (فوتوكوبيا) كتاب ممنوع على أصدقائه.. والقائمة تطول.. هنا في الرباط لي صديق كاتب وصحفي هو ضحية أخرى لأنه رفض الانتماء للحزب الحاكم إنه علاء الدين محسن.. هل أناديه أمامكم كي تروا ما حل به منذ هروبه من العراق عندما كان عمره أقل من عشرين عاماً؟.
هناك الأخبار تأتي من رئاسة ديوان الجمهورية، وحتى خطب الجمعة تذهب إلى المساجد مكتوبة، ومن قال كلمة أخرى مضافة عليها أو خارجة عنها فسوف يتم إخراجه من الحياة بسبب خروجه عن النص.
نقطة أخرى.. أرى، أن على الصحافة أن تعمل يد بيد وتتعاون مع منظمات حقوق الإنسان والمنظمات المدافعة عن المهاجرين.. أن نزيد ونوسع من التعريف بهؤلاء العاملين في مجال حقوق الإنسان وننقل أصواتهم وتغطية نشاطاتهم ونشر أخبارهم. وما نبهني إلى هذه النقطة هو هذا اللقاء، حيث عرفت هنا سيدة جامعية مغربية تعمل في هذا المجال وأنها وزملائها قد قدموا الكثير من الاحتجاجات من هنا إلى الحكومة العراقية وجمعوا آلاف التواقيع وبذلوا كل الجهود مطالبين بمعرفة مصير أحد مثقفينا الذي اختفى منذ عشرة أعوام تقريباً.. وهو الكاتب والمفكر عزيز السيد جاسم.. فلماذا لم أقرأ عن ذلك خبراً كهذا في الصحافة؟.. لذا علينا أن نفرد مساحة أوسع لهؤلاء المتطوعين الإنسانيين، لكي يكون ذلك اعترافاً بجهودهم ودعماً لمساعيهم.
كذلك علينا أن نُفرد مساحة أكبر للمهاجرين وقضاياهم من حيث الوجه الإنساني، وننتبه إلى طبيعة مفرداتنا اللغوية في ذلك، وعدم الوقوع في خطأ تكرار الحديث عنهم كأرقام وكقضية اقتصادية وكموضوع تستخدمه الأحزاب في الإنتخابات.. ولنتذكر بأن من حقوق الإنسان احترام العرق والمعتقد الآخر. في إسبانيا عندما تحدث جريمة سرقة أو قتل وما إلى ذلك يقوم بها شاب من أصل أجنبي يشار إلى أصله، وإن لم يكن مسيحياً يشار إلى دينه أيضاً، بينما لو كان مرتكب الحادث إسبانياً يقال فقط: شاب عمره كذا ومن سكان منطقة كذا.. ثم يتم اللقاء بجيرانه ليقولوا بأنه قد كان ملاكاً في سلوكه، بينما يقول جيران الأجنبي إنهم كانوا يروه غريباً في تصرفاته وغير مُريح!!.. لذا علينا التفكير أيضاً بإعداد صحفيين من داخل المهاجرين أنفسهم لأنهم سيكونون أكثر تفهماً لقضاياهم وثقافاتهم، وأكثر دقة في التعبير عنهم.
هذا وضمن إطار المهاجرين، علينا الانتباه أيضاً إلى المنفيين كجزء له خصوصيته من بين المهاجرين.. المنفيون لهم هموم ومشاكل مختلفة عما للمهاجر الباحث عن وضع اقتصادي أفضل.. لأنهم أصحاب قضايا تدخل في صلب حقوق الإنسان ويحتاجون إلى التفهم الخاص لقضاياهم ودعمهم في سعيهم لتحقيق أهدافهم.
ومن هؤلاء تكون الغالبية من المثقفين أو العاملين في حقل العلوم والنظريات الاجتماعية والسياسية والتقدمية ومنظمات حقوق الإنسان.. بينهم أيضاً العاملين في حقل الأدب.. الأمر الذي يستدعي ترجمة أصواتهم وأعمالهم في البلدان التي يقطنون فيها والتعريف بهم عبر الصحافة بشكل جيد.
لا أريد أن أطيل، فقد كانت لدي نقاط أخرى كثيرة تتعلق بتناول المهاجرين في الصحافة وبتجارب صحف المغتربين ومعاناتها، وعن تجربة مجلتنا وأمور غيرها.. لكن العراق الآن يؤلمني كأنه عضو من أعضاء جسدي.. كأنه القلب.. فاعذروني وشكراً لكم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*مداخلة في ندوة (الصحافة وحقوق الإنسان) التي عقدت في الرباط/المغرب في 18 ك1/ديسمبر إلى 23 سنة 2002، ونظمها معهد إبالمو الإيطالي.
http://www.ipalmo.com/eng/index.htm

الجمعة، 11 سبتمبر 2009

قراءة / سلمان زين الدين


الروائي محسن الرملي ينتصر للتسامح في العراق

سلمان زين الدين

« ما كنت لأكتب قصة أهلي وأفضحهم لولا تشجيع أبي لي...». بهذه الكلمات تبدأ رواية «تمر الأصابع» الثانية بعد أولى هي «الفتيت المبعثر» للكاتب العراقي محسن الرملي (الدار العربية للعلــوم ناشـرون ومنشــورات الاختلاف).
وهو بهذه البداية التي يضعها على لسان السارد يعطف الفضيحة على الكتابة في نوعٍ من المعادلة الضمنية بينهما وفي ظل تحرّر من السلطة الأبوية بما هي معادل للقيم القمعية في المجتمع على أنواعها، وكأنّ الكاتب أراد أن يقول إن الكتابة لا تتحقق إلا في مناخٍ من الحرية تغدو معه نوعاً من الفضح والتعرية «والحفر» تحت طبقات الممنوع التي تتراكم عبر السنين، فهل يحقّق الكاتب في روايته تلك المعادلة الاستهلالية؟
قصة الأهل التي يتصدّى السارد لكتابتها تتناول حكاية أسرة عراقية على مدى ثلاثة من أجيالها، في علاقتها الملتبسة بالسلطة السابقة. وهي تمتد زمنياً من الجد الى الحفيد/ السارد، وتتوزع مكانياً بين العراق واسبانيا، ويتواكب هذين الامتداد والتوزع تطوّرات درامية للأحداث وتحولات في الشخصيات، وانقلابات مفاجئة في سلّم القيم، يصوغها الرملي بِحرفيّة واضحة وبكفاءة روائية ملحوظة.
تشكّل حادثة تحرّش ابن أحد المسؤولين ببنت إحدى الأسر بصفعها على مؤخرتها الشرارة الأولى للاصطدام بين قيم الأسرة/ العشيرة المحافظة وقيم السلطة المستهترة، المستبدة. ويتخذ هذا الاصطدام تمظهرات كثيرة في الرواية تدفع فيها الأسرة أثماناً غالية في ظل عدم تكافؤ القوى بين الطرفين، ويكون على الأسرة أن تتخلى عن بعض قيمها في نهاية المطاف خصوصاً قيمتي الثأر والانتقام، الأمر الذي يمكن رصده بتلمّس الاختلافات بين شخصيات الجد والأب والحفيد الذي يقوم بعملية السرد في الرواية متنقلاً بين زمن العراق أو زمن الجد/ الأب بما فيه من ذكريات وزمن اسبانيا أو زمن الأب/ الحفيد بما فيه من وقائع.
من خلال هذه العملية، يتبيّن أن الجد مطلق هو شخصية قوية، ذكورية، متديّنة. صاحب القول الفصل في شؤون الأسرة، أمره مطاع، وكلمته نافذة، يحيطه أفراد الأسرة بهالة من القداسة، فلا يجرؤ أحد على النظر في عينيه أو مناقشته، متطلّب في تربية أولاده، يتعالى عن الواقع ويدفع ثمن تطرّفه. ولذلك، عمد الى قطع سبابة زوجته الأولى حين شهرتها في وجهه، ورفض دفن جثث الأسرة قبل الثأر لها، وألزم ابنه القسم على الانتقام والثأر.
إزاء هذه الحدود القصوى في شخصية الجد، تتموضع شخصية الأب نوح في منطقة وسطى بين الجد والحفيد، الابن. فهي شخصية ازدواجية تعيش صراعاً داخلياً بين قيم الجد المتطرّفة بما فيها من صرامة وتزمّت وبين قيم الإنسان العادي بما فيها من ميل الى البساطة والواقعية: فالأب خلافاً للجد الذي كان موضع تأليه وتقديس من أسرته الكبيرة يبدو محايداً وبشرياً وصديقاً لأولاده. لذلك، يصارح ابنه بوسطيته وازدواجيته: «فقد كنت وما زلت يا سليم منقسماً الى اثنين في داخلي... واحد مقتنع مطيع مؤمن بالمقدس الذي يمثله أبي ومرتبط بالعمل للآخرة، وآخر مرتاب متمرد شكاك بشري ومرتبط بالدنيا، يحب الضحك والنساء والغناء والشعر والتمرد والخطيئة...» (ص 117)
هذا الاعتراف المتأخر أسهم في تبديد حيرة الابن/ السارد التي شكلت مادة أساسية في الرواية حيث شغلته تحوّلات الاب وراح يبحث عن تفسير لها. فالابن لم يعرف من شخصية أبيه في العراق سوى الجانب الأول المنتمي الى الجد، ولــذلك، شغــله أن يكتشف في أبيه في اسبــانيا جانباً آخر ينــتمي اليه هو.
وحين علم أن الأب موجود في اسبانيا للبرّ بقسمه والثأر من ذلك الصبي الذي أصبح ديبلوماسياً هاله الأمر وراح يعمل ليحرّر الأب من انتمائه للجد المتطرف والتزامه ازاءه ويدخله في الحقل المنتمي اليه هو يزاول حياته الطبيعية بعيداً من قيم الثأر والانتقام، فيقرر السفر مع صديقته الألمانية دوسا الى بلدها للزواج والإقامة فيه غير أن القدر يكون بالمرصاد فيتم نقل الديبلوماسي من مدريد الى برلين، فهل يفسد القدر ما أصلح الإنسان؟ الرواية تنتهي هنا ولات جواب.
هذه الحكاية كتبها محسن الرملي بلغة روائية سلسلة، طليّة، يطغى عليها السرد ويقطعها الوصف احياناً. ومارس فنّية واضحة في خطابه، فكسر خطية الزمن، وأطاح بالتدرج والتسلسل بين الأحداث، وراح ينتقل بسهولة ويسر بين الواقع والذكريات ولم يكن ليستنفد الواقعة أو الذكرى حين يأتي عليها بل يتناولها في غير مكان من النص على أن انتقاله لم يكن مجانياً ومن دون مبرر بغضّ النظر عن قوة المبرر، وبالتالي، هو انتقال تلقائي طبيعي على شكل تداعيات يأخذ بعضها برقاب بعض.
محسن الرملي ينثر خيوط الحكاية ببراعة واضحة ويترك لك تلمسها ونسج الشبكة الروائية. و(تمر الأصابع) نص روائي يمكنك أن تأكل «تمره» وأن تلحس «أصابعك» بعد الأكل/ القراءة.
------------------------------
*نشرت في صحيفة (الحياة) بتاريخ: الاربعاء، 02 سبتمبر 2009م لندن.

الثلاثاء، 8 سبتمبر 2009

حوار / أجرته: خلود الفلاح


الروائي العراقي محسن الرملي

لم تعد للمكان أهمية في طبيعة رؤيتي للحياة

حاورته: خلود الفلاح

محسن الرملي روائي وقاص ومترجم عراقي، هذه المكونات تتداخل مع بعضها لحظة الكتابة لتستفيد كل واحدة منها من الأخرى. في كتابه (ليالي القصف السعيدة) يرى العالم في حالة تأهب دائم للقصف وفي رواية (الفتيت المبعثر) الحائزة على جائزة أركنساس الأمريكية عام 2002 بعد ترجمتها للانجليزية يصف حالة شعبه في ظل ظروف الحرب العراقية ـ الإيرانية.
وفي (تمر الأصابع) الصادرة بالاسبانية والعربية الدائرة أحداثها بين العراق وإسبانيا فتتطرق إلى ثنائيات عدة كالحب والحرب والدكتاتورية والحرية والهجرة والتقاليد والحداثة والشرق والغرب. لذلك قال عنها الكاتب الإسباني رافائيل ريج بأنها: رواية تطرح علينا أسئلة نخشى طرحها على أنفسنا وتكشف لنا ما نجهله عن أنفسنا نحن الإسبان وهي في الوقت نفسه بمثابة رحلة للتعرف على الذات من خلال التعرف على الأب.

*ما هي الرواية؟.
ـ هذا سؤال كبير وواسع كما ترين، لذا فإن الكثير من الكتب والدراسات قد سُطرت عنه وبمختلف اللغات بحيث أنه يصعب حتى حصر التعريفات الخاصة بالرواية لكثرتها، ولكن، إذا كان لابد من إجابة موجزة تعبر عن رأيي في وصف الرواية فأعتقد بأنها: كتاب يهدف إلى منح المتعة والمعرفة عبر حكاية مروية بشكل جيد.

*كان لكل جيل روائي ما يميزه، كانت هناك أزمات جماعية وأحلام. الرواية اليوم عمل صرفي فردي، أنها خارج التاريخ العام للشخصيات والكاتب. هل هذا ما يحدث فعلاً؟.
ـ الرواية كشغل وكعمل إبداعي، نعم هي عمل فردي ولكنها ليست خارج التاريخ العام للشخصيات والكاتب أبداً مهما أغرقت بالفردانية أو الفانتازيا أوالترميز أو التجريب.. بل هي انعكاس أو نتاج يتمخض عنهما. أما الأزمات الجماعية والأحلام فهي موجودة دائماً طالما وجد الإنسان، وبالفعل تبقى هناك بعض السمات المشتركة التي تميز أعمال كل جيل سواء أكان ما يتعلق منها بالشكل أو بالمضمون وإن اختلفت الرؤى والأساليب من كاتب إلى آخر وأحياناً من كتاب إلى آخر للكاتب نفسه.


*يقول بورخيس " أن الكتب الحقيقية تحتاج إلى زمن طويل كي تقرأ من جديد؟ هل تتفق مع هذا القول؟.
ـ بورخس ذكي وبارع في إطلاق العموميات وصياغة الأقوال المتفلسفة بحيث تبدو كحكمة، ولكن هذا لا يعني بأن كل ما يقوله صحيح ومطلق وقطعي في أحكامه، فمن ذا الذي يستطيع الجزم بأن كتاباً ما هو حقيقي والآخر ليس كذلك؟! وما معنى (الكتاب الحقيقي) إذا كنا أصلاً حتى لم نتفق على مفهوم واحد للحقيقة؟!. إن الكتب تقرأ في كل زمن ومنذ صدورها، وكل قراءة لكتاب يقوم بها شخص آخر هي قراءة جديدة بما في ذلك قراءة المتلقي الواحد نفسه إذا ما أعاد القراءة. لكل كتاب الحق في الوجود، بغض النظر عن نوعه ومستواه، مثلما أن لكل إنسان هذا الحق، وفي الكتب تعبير عن آراء وعما يريد قوله الإنسان، والواجب أن تكون حرية القول والتعبير عن الرأي مكفولة للجميع، ومثلما يصعب علينا تصنيف الناس بكون هذا إنسان حقيقي وهذا لا، فكذلك هو الأمر مع الكتب.

*روايتك" ليالي القصف السعيدة" تأملات فلسفية في وجودنا الإنساني أكثر منها سرد لحكاية. مارايك؟
ـ كتابي ليالي (القصف السعيدة) ليس رواية بالضبط وإن كان يمكن عده كذلك لأنه بمجمله يتمحور حول مفردة واحدة هي (القصف) يتأملها، يؤولها، يقلبها على وجوه معانيها ويتعمق فيها بحيث يتخذ منها نافذة للنظر إلى العالم، وهذه ليست بتجربة جديدة في الآداب العالمية، فهناك أكثر من عمل بالإسبانية والبرتغالية من هذا النوع.. نعم في هذا الكتاب تأملات فلسفية تتعلق بوجود الإنسان وفيه حكايات وقصائد ومعلومات تاريخية وجغرافية ولغوية وصحفية وغيرها. حاولت فيه أن أستثمر بشكل أوسع بعض الإمكانات الغنية التي يتيحها لنا فن السرد ومن ذلك أنني استخدمت تقنيات الكولاج السردي، أسلوب اليوميات، الاعترافات، المحاججة وفن القصة القصيرة وسواها. أتمنى لو يتم تسليط المزيد من الضوء على هذه التجربة.

*رواية "تمر الأصابع" الصادرة مؤخرا بنسختها العربية حدثني عن أجواءها الإبداعية؟.
ـ تدور أحداث هذه الرواية بين العراق وإسبانيا؛ في البلدين اللذين أنتمي إليهما وأحمل جنسيتيهما ويتقاسمان محبتي وهمومي وحياتي، وعليه فإن في هذه الرواية صدى كبير لجوانب من تجربتي الشخصية ومشحونة بالثنائيات التي منها: الشرق والغرب، الحرية والدكتاتورية، المعاصرة والتقاليد، الدين والعلمانية، الشخصي والعام.. وغيرها. كما تحاول وصف التحولات في المفاهيم تجاه قضايا كهذه على مدى ثلاثة أجيال وذلك عبر شخصيات الجد والأب والإبن. كان الاستقبال لهذه الرواية بالإسبانية إيجابياً ومرضياً بالنسبة لي وآمل أن يكون الأمر كذلك بالعربية أيضاً.

*لديك مجموعة أعمال مترجمة من الاسبانية إلى العربية. هل يمكننا اعتبار الترجمة نوع من أنواع الكتابة ؟ وهل يمكن لعملية الترجمة ان يكون لها انعكاس في طبيعة ما تنتجه من أعمال إبداعية؟.
ـ نعم، بلا أدنى شك، فالترجمة تكاد تكون إعادة كتابة أو كتابة ثانية للنص، وكما وصف محمود درويش مترجمه بأنه شريك له بكتابة الكتاب باللغة الأخرى. فالمترجم يعمل ويقف طويلاً عند المعاني والمفردات والصياغات ويجتهد بالبحث عن الأدق منها والأنسب، بشكل يشابه جهد الكاتب الأصلي أحياناً. وحتماً أن ممارسة كهذه سيكون لها انعكاسها المؤثر على النتاج والأسلوب الشخصي في الكتابة.. وقد اشتركت في أكثر من ندوة أو مؤتمر بهذا الخصوص ومنها ما تمحور حول مسألة (مبدعون مترجمون أو مترجمون مبدعون) الذي نظمته جمعية الكتاب والمترجمين الأسبان ضمن نشاطات معرض الكتاب في مدريد قبل أعوام، فكنا جميعاً ومن مختلف الجنسيات والثقافات متفقون على أنه يكاد يكون من المستحيل أن يفلت عمل إبداعي لمترجم من التأثر باشتغاله بالترجمة، ولدينا في ثقافتنا العربية الكثير من الأمثلة التي فيما لو تفحصنا أعمالها بدقة لتمكنا من تشخيص أثر الاشتغال بالترجمة عليها، وأذكر من بين هذه الأسماء على سبيل المثال: جبرا إبراهيم جبرا، حسب الشيخ جعفر، صلاح نيازي، عبدالهادي سعدون.. وغيرهم.

*روايتك " الفتيت المبعثر" تسرد الحياة اليومية لشعب بأكمله من خلال شخصية قاسم، عجيل، محمود، وردة والراوي. ما الذي تريد ان تقوله الرواية عن إنسان وعالم اليوم؟.
ـ حاولت في روايتي (الفتيت المبعثر) أن أعبر وأصف حال الشعب العراقي من خلال اتخاذ عائلة كعينة منه ورمزاً له، وخاصة في عقد الثمانينات في ظل ظروف الحرب العراقية ـ الإيرانية، إلا أنني عمدت إلى عدم تسمية ذلك بشكل مباشر ولم أجعل أحداث الرواية تدور في أرض المعركة مثلما أنني لم أصف نيران الحرب مباشرة وإنما حاولت وصف انعكاساتها على الإنسان فرداً وعائلة ومجتمع، الأمر الذي أعتقد بأنه يجعلها صالحة للتعبير عن هموم أي إنسان في عالمنا عندما يكون واقعاً تحت ظروف حرب خارجية وقمع داخلي، إنها رواية تدين الحرب والقمع بالتأكيد وفيها حس تحريضي ضدهما، وإنه لمن المؤسف جداً أن البشرية لا زالت تتعامل بمنطق الحروب حتى اليوم على الرغم من كل ما وصلت إليه من درجة عالية من الوعي والتحضر. أريد أن أقول لإنسان وعالم اليوم بأن الحرب فعل همجي ولا تليق به.. فحتى المنتصر فيها هو خاسر في صميم إنسانيته.

*كثيرا ما نسمع ان الغربة هي المنفى. محسن الرملي كيف يصفها؟.
ـ شخصياً، وبحكم تنقلاتي وعيشي بين أمكنة عديدة، لم تعد للمكان أهمية كبيرة في طبيعة رؤيتي للحياة، وإنما الزمن والحس الوجودي الإنساني هما الأهم بالنسبة لي، فالزمن هو حياتي، هو أنا، والإنسان هو أنا.. أما المكان فهو شيء مادي وخارج عن ذاتي مهما كان نوعه أو تأثيره، لذا فإن أحدنا قد يشعر بالغربة بل وبالنفي أحياناً حتى وهو يعيش في بلده وبين أهله وعائلته. أما فيما يتعلق بالأمكنة أو البلدان فقد صرت أرى بأن أهم ما أحتاجه منها هو أن يتوفر فيها شَرطيّ: الأمان والحرية.
----------------------------------------
*نشر في صحيفة (العرب) بتاريخ 9/9/2009م لندن.
أو
الشاعرة والإعلامية الليبية خلود الفلاح

السبت، 5 سبتمبر 2009

أقاصيص / محسن الرملي

أقاصيص

محسن الرملي

قصة قصص
مثل أي كاتب آخر تنتابني فترات سبات أعجز فيها عن الكتابة لذا أتبع نصائح الكبار وأحمل دفتراً صغيراً في جيبي أدون فيه الأفكار التي تطرأ لي أثناء دبيبي العبثي وسط استهلاك المعيشي لي، فأكتفي أحياناً بوضع عناوين لقصص، مجرد عناوين أظن بأنها ستكون كفيلة بتذكيري بالقصة التي أنوي كتابتها. أحياناً أخرى أدون العَظم الحكائي بأسطر قليلة (حلوة كلمة العَظم هذه!).. وأحياناً أخرى أجدني أكتب مقطعاً سردياً دون فكرة مسبقة أو حكاية معينة فتروح الكلمات المنثالة تجر بعضها البعض بخيوط علاقاتها اللغوية مُشَكلة مشاهد سردية أحار لاحقاً بكيفية تأطيرها. استطعت أن أنجز البعض من ذلك كنصوص: (برتقالات وشفرات حلاقة في بغداد) و(حب صيني) و(مختلسَات من رأسي الهذرام) فيما مر على غالب هذا الفتيت من المدونات أعواماً، ألقي عليها نظرة بين الحين والآخر ثم أطويها وأعيدها إلى الدرج.. حتى طرأت لي اليوم فكرة أن أتركها هكذا كما هي، أو أن أضعها أمام القارئ مع بعض الإشارات الصريحة لحالي معها ـ وإن كان في هذا الأمر فضحاً لكسلي. ولكن لماذا لا أقول للقارئ الحقيقة؟ (أية حقيقة تقصد؟.. فالحقائق كثيرة، هذا إذا كانت ثمة حقائق أصلاً!).. ثم إذا كان سيشاركني بالقراءة فلأجعله يتورط بالكتابة أيضاً.. أو كما يُقال؛ أرمي الكرة في ملعبه هو (هذه عبارة صارت مُستَهلَكَة) بدل أن أبقيها في ملعبي كبيضة عجزتُ عن منحها الدفء الكافي لتفقس وأخشى من أن يفسدها طوال الركود ـ يعني أن أتحدث عن قصة القصص، بصراحة (حقيقية!) كالتي نرتكبها أمام الأشخاص الحميمين إلى أذهاننا..


المركب اليَغرَق


رُز بالحليب مخلوطاً بالشيكولاتة في باخرة مهدَّدة بالغَرَق بعد أن ظن الراكبون فيها هرباً من حرائق الغابات المقتربة من بيوتهم في أطراف المدينة بأنهم سينجون بهذه الطريقة. وحده الطفل الواقف أمام النافذة، ناظراً إلى صخب البحر مثل لعبة مغرية، يأكل الرز بالحليب مخلوطاً بالشيكولاتة. كان حيادياً هادئاً غير مدرك لهول الخوف العاصف بالمحيطين به. الشيخ الجالس خلفه على كرسيه المتحرك وعكازه في يده يبتسم هو الآخر برضى وطمأنينة وهو ينظر إلى طمأنينة الطفل ويفكر بالتفسير؛ أن الأكثر حياة هم أولئك الأكثر خوفاً في الحياة أو أننا الطفل وأنا (الراوي) اللذان أقرب زمنياً من الموت: هو (الطفل) قادم منه أو من العدم قبل قليل وأنا الذاهب إليه بعد قليل، وحدنا ندرك صدفة الحياة ومجانيتها.. أو حتى عبئيتها، وهي المارقة بسرعة كطائفة من الإعلانات التلفزيونية الخادعة، سريعة، مؤقتة، براقة، مغرية.. لكنها خادعة في الأصل، فيما الموت أو العدم هو الأساس.. الأطول.. الأبدي أو الغامض الحقيقي.. أو النوم الذي لا يعني جريان الإعلانات أثناءه شيئاً.. فلماذا الخوف؟. وما الذي سيجنيه الخائفون؟.. التنافس، الحروب، مباريات كرة القدم، التكالب، توفير الأوراق الرسمية وزيادة الأرصدة وإشارات المرور.. النظام، الأنظمة.. ردد (الشيخ) الكلمتين الأخيرتين مرتين وانفجر بالضحك ملقياً برأسه إلى الخلف. التفتَ إليه الطفل، وحدق هو بالنوارس الحائمة وهي تبتعد.. فيما تواصِل الباخرة ترنحها والموج يلطم، يلطم.. ويلطم.


مُهاجِـر


ها هما الشرطيان ذاتهما: خوان السمين وخوسيه الضعيف، يأتيان به للمرة الرابعة خلال هذا الأسبوع. يُجلسانه أمامنا: المحقق وماريا المذهلة في سرعتها بصف الكلمات على الآلة الكاتبة وأنا المترجِم.
تعتعه السُكر فبدا مثل كيس محشو بالورق يؤرجحه التحرك حد السقوط، لذا وقفا خلفه يمسك كل منهما بأحد كتفيه مثبتاً إياه على زاوية الكرسي.. وهكذا رأيت كفيهما بمثابة قرّاصتين ضخمتين من مشابك حبل غسيل، وخالد التونسي كأنه قميص حريري يتمايل بسلاسة بينهما. منفوش الشعر. رأسه يتدلى على صدره وتنزل منه على ساقيه وعلى ما بينهما خيوط لعابه. يجاهد بين برهة وأخرى برفع رأسه، ويكلفه الجهد ذاته فتح عينيه والنظر إلينا بهما ثقيلتين. يتوقف أحياناً عند تحديقه بي فيلوك كلماته بصعوبة:
ـ أنا أعرفك.
فأبتسم قائلاً له:ـ وأنا، كذلك، أعرفك.. أنت خالد التونسي.
يقول:ـ نعم.. صحيح يا أخي.. وأنت عبدالرحمن.. من أين؟.. لا أدري.. غير مهم.. من بلاد الرحمن العربية.
دائماً يتكرر هذا المشهد بتفاصيله، هو من ذاته يسميني عبدالرحمن ولم أهتم بأمر التصحيح له.
يسأل المحقق الشرطيان:ـ ماذا فعل هذه المرة؟.
يجيب خوان السمين بروتينية وابتسامة:ـ مثل المرات السابقة سيدي.. قبضنا عليه في أحد المحلات وهو يحاول السرقة.
هز المحقق رأسه وقال قبل أن ينصرف: إذاً فقوموا بالإجراءات الروتينية.. مثل المرات السابقة.
وعندما أصبحنا لوحدنا اقتربت منه وقلت: لماذا تفعل ذلك بنفسك يا خالد؟.
قال: ماذا أفعل إذاً يا أخي؟.. أنا بلا عمل وجائع. لم أسرق في حياتي ولم أشرب خمراً لذا حين أفكر باللجوء للسرقة أرتعد وأخاف، فأشرب كي أتشجع.. لكنني أسكر.. فلا أدري ما الذي يحدث بعدها حتى أنتبه إلى نفسي هنا.. وهكذا..


رسالـة

وصلتني رسالة، ترجوني الرد بسرعة، من عنوان مجهول.. لذا لا أعرف كيف أجيب عليها، وهذا هو نصها كما جاءت:
أخي العزيز..
لدي مشكلة، وهي في والدة خطيبي، إنها إنسانة تعتقد أن أفكارها هي الصحيحة فقط، وان جميع الناس يتكلمون بالخطأ ولا يفهمون شيئا.. حتى أنها تقول عن نفسها: إنها والدة قليلة عقل!. لا أعرف لماذا؟. وهي تتهمني بأنني أريد أن أطلقها من زوجها، وذلك لأنني أتكلم مع ابنته من زوجته الأولى، على الرغم من أنني لم أر هذه الفتاه إلا مرتين فقط. ولكنها هي، والدة خطيبي، تحب أن تمسك أي نقطة ضعف على البني آدم، وتروح تُعيّره بها طوال الوقت، وتعيد عليه الموضوع الاسطوانة كل يوم، وهي، للعِلم، لا يوجد لديها صديقات ولا تذهب لأحد خوفا من أن أحداً سيأخذ زوجها منها، أو أن يظهر كلام ما أمام بناتها فيقلل من هيبة شخصيتها. وهي تزرع في قلب خطيبي ـ ابنها ـ الشَك بالتحدث عني بكلام يسيء لسمعتي.. ولا أعرف كيف أتصرف معها!. أريدها أن تهدأ قليلاً، ولكن بلا جدوى. والدليل على كلامي هذا، هو أنها تريد أن تُزوج أبنائها من جنسية آسيوية، أي من الفليبين، كي لا تفقه حديثهم، ولكي لا يعرف زوجها أو أية واحدة من بناتها سبيلاً للكلام معهم.. فهل هذه إنسانة سليمة العقل.. أم ماذا؟؟. ارجوا الرد، وهي اسمها عطيات واسم والدتها صبيحة واسم والدها عبدالعظيم.. فهل انتم تعالجون بالكرامة؟.. ارجوا مساعدتكم وبسرعة.


الولَد المُشاكس عِـراق

أهله يقولون: هو هكذا؛ يُتعبنا منذ ولادته ونحبه. يضرب أولاد الجيران ونحبه. يلقي بنفسه في المهالك ونحبه. يبني لنا قصور الرمال ويهدها علينا ونحبه. يُصلح العاطل من أجهزة البيت ثم يعطله ونحبه. تتكسر عظامه في المغامرات ونحبه.. لكنه في الأعوام الأخيرة صار حزيناً شاحباً يذبل..
ـ اهدأ يا ولد.. هل فيك دودة لتتسلق شجرة الثمار الممنوعة؟!. قالت ذلك إحدى العجائز الطيبات بعفوية، فتلقفوا قولها بمثابة اكتشاف. لقفوا الولد وانطلقوا به صوب القرى البعيدة بحثاً عن السَحَرَة والشيوخ الحكماء والصالحين من أصحاب الكرامات الذين يعالجون الأمراض العصية. فقد نفض الأطباء أيديهم عن علاج الولد المشاكس عراق، ليس لعجزهم ولكنهم كانوا يتحدثون جميعاً عن حسابات وتكاليف مالية باهظة حين يذكرون ضرورة إجراء عملية، فقال المهمومون من الأهل عنهم: إنهم حاسِبوا مصالح وحسب، لهذا كلما رأوا عبر أجهزتهم الحديثة الدودة في جوفه يكتفون بزم الشفاه قائلين: أنتم السبب لأنكم تأخرتم في معالجته حتى كبرت الدودة.
الدودة الخبيثة تأكل الولد من داخله يا جماعة. ونحن نتوجع.. نتوجع لأننا نحبه.
الصالحون من أصحاب الكرامات اكتفوا بقراءة الأدعية وتعليق القصائد كرقيّ في زنديه ورقبته. والدودة تكبر وتنهش دواخل الولد المشاكس الذي لا يهدأ: اهدأ يا ولد.. اهدأ يا بُني.
الشيوخ الحكماء سقوه حليب الحمارة الحساوية وعصير العلقم وجرعوه سم الأفاعي. والدودة تكبر وتنهش دواخل الولد المشاكس الذي لا يهدأ: اهدأ يا ولد.. اهدأ يا حبيبي.
فجاء السَحَرَة وقالوا؛ أن الدودة التي فيه هي عفريتاً لذا عليكم بضرب الولد حتى تطردونها من داخله. فانهال الجميع بكل قواهم ضاربين نحالة المشاكس باحتفالية قاسية، يبكي ويضربون، سالت دماءه ويضربون، تحطمت جسور عظامه ويضربون.. يضربون.. ويضربون حتى رأينا جميعاً الدودة شعثاء دامية تنتق منه وتفر إلى جحر فئران. فيما بقي الولد المشاكس عراق طريحاً يتلوى من شدة آلامه.
ـ اهدأ يا ولد.. اهدأ يا عراق.. اهدأ يا حبيبي.


دارمِـي

شفتُ الضوء من بعيد فقلت: احترَقنا.
ولما وصلتُ البيت وجدتُ حبيبي عندنا.

---------------------------------------------

*نشر بعضها في مجلة (النبأ) العراقية، العدد 76 .
http://www.annabaa.org/nbahome/nba76/aqasees.htm