الثلاثاء، 23 مارس 2010

زاوية (جداريات) / عن المقاهي الثقافية


عن المقاهي الثقافية

د.محسن الرملي

لم أصبح من رواد المقاهي الثقافية إلا مؤخراً في مدريد. فأنا ابن قرية تخلو حتى من مقهى عادي لأن الناس فيها لازالوا يرون بأنه لمن المعيب أن يُدفع المال مقابل قدح شاي أو فنجان قهوة، وما فيها هو مقهى مجاني صباحي، عادة مايكون في بيت المختار (ديوانية أو ديوان) يجتمع فيه كبار السن ضيوفاً ويتداولون شؤون وأخبار القرية و(الدنيا) والسياسة عموماً. وهناك انتبهت إلى أولى اهتماماتي الفنية فقد كان أبي يصطحبني طفلاً، وكنت أقلد مشية كل واحد منهم فيسليهم ذلك ويضحكون، لذا أردت في يفاعتي أن أكون ممثلاً وعملت مسرحيات ولازال اهتمامي بالمسرح يرافقني إلى اليوم. من هنا أيضاً تولد في نفسي الإحساس الدائم بالرغبة في أن أبدو أكبر من عمري. لاحقاً في بغداد، التي عُرفت بمقاهيها الثقافية الحيّة، ذهبت عدة مرات لكنني لم أتحول إلى مرتاد مداوم عليها، ولا أدري لماذا بالضبط، إلا أنني لم أجد في نفسي رغبة حقيقية بأن أكون جزءاً منها وأن تكون جزءاً مني. في الأردن كان ارتيادي أكثر حيث اللقاء بالأصدقاء وخاصة من المثقفين العراقيين هناك. أما في إسبانيا فإن المقاهي عموماً هي مظهر جوهري في الثقافة الإسبانية بل وربما هو أبرز مظاهرها وأكثرها جاذبية بحيث يقال أن بين كل بار وبار يوجد بار. وبالطبع إن اللقاء فيها بالأصدقاء لهو أفضل حتى من البيت.
ومثلما هو الحال في عموم العالم كانت ذروة ازدهار المقاهي الثقافية في عقد الستينيات وعُرفت العديد من المقاهي التي أصبحت جزءاً من تاريخ ثقافة كل بلد، إلا أنها انحسرت لاحقاً مثلما انحسرت معها التجمعات والتيارات والأجيال والمجاميع الثقافية الجديدة عموماً. حالياً، وربما بفضل أو بحكم تأثير الأزمة الاقتصادية وأزمة الشِعر، ثمة عودة لافتة لهذا الأمر، لذا نجد الكثير من المقاهي ـ إضافة إلى تلك العريقة ـ صارت تخصص ولو يوماً واحداً في الأسبوع للنشاطات الثقافية وغالباً ماتكون أمسية أدبية لقراءات شعرية أو تقديم كتاب أو جلسات نقاش ثقافي وأدبي.. وما إلى ذلك. وفي بعضها صرنا نرى ولادة جماعات جديدة ودور نشر صغيرة ومجلات ومعارض تشكيلية وحتى عروض مسرحية. وهناك لقاءات وتجمعات لمختلف الأعمار والأذواق. وبحكم الأصدقاء أذهب إلى العديد منها بشكل يكاد يكون منتظماً، للقائهم ومعرفة المزيد من الجديد، حيث يقود ذلك بدوره إلى معرفة أصدقاء جدد يقودونك بدورهم إلى مقاهي وتجمعات أخرى وهكذا. ودائماً تخرج بمعرفة شيء جديد، أبسطها أن ينبهك أحدهم إلى كتاب جيد ربما ما كنت ستنتبه إليه أبداً. أعترف بأن لقاءات المقاهي الثقافية هذه قد صَحَّحت لي الكثير من أفكاري ونصوصي وزودتني بالكثير من المعارف، عدا أهمية وعذوبة اللقاء الشخصي والإنساني الحميم.. لقاء الإنسان بالإنسان، الأفكار بالأفكار والأحلام بالأحلام.. أوليس هذا هو أحد أهداف الثقافة وبعض من فعلها؟.
مع ذلك، ففي قرارة نفسي، أُذكر نفسي بضرورة عدم الإدمان، كما هو حاصل عند الكثيرين، مما يصبح لاحقاً على حساب الوقت وعلى حساب العزلة التي هي ضرورية لأي منتج إبداعي ولمراجعة الذات أو لمجرد الراحة، وخاصة في زمن سريع الإيقاع تتسع فيه الأسواق ويتكثف العمل وتزداد المتطلبات الحياتية فيما يتقلص الوقت بحيث يوحي بشعور دائم بأزمة في الوقت. أنا الآن من رواد المقاهي الثقافية وآمل تنامي عودتها إلى حياتنا الثقافية فهي مدارس من نوع آخر، وحقول خصبة للنقاشات ومهد لولادة الكثير مما هو جديد، وبرأيي أننا بحاجة ماسة إلى تفعيلها الآن أكثر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر في زاوية (جداريات) في الملحق الثقافي لصحيفة (الثورة) السورية بتاريخ 23/3/2010 العدد 684
http://thawra.alwehda.gov.sy/_thakafi.asp?FileName=101909640320100323112639

*ونشر في صحيفة (القبس) الكويتية بتاريخ 4/2/2010 العدد 13178
http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pages/2010/02/04/32_page.pdf

الأربعاء، 17 مارس 2010

نقد /عن: تمر الأصابع / فهد توفيق الهندال


«تمر الأصابع»: ثورة الأنا بين إرث الماضي وثأر الحاضر

فهد توفيق الهندال


«ما كنت لأكتب قصة أهلي وأفضحهم لولا تشجيع أبي لي وهو يحلق شعر رأسي في مرقصة المدريدي قائلا: «اكتب ما تشاء فلن يحدث أسوأ مما حدث.. هذا العالم جايف». ص 7
بهذه العبارة السردية، يبدأ سارد الرواية (سليم) أولى جمل استهلالها بعد عنوانها ذي دلالة شعرية (تمر الأصابع)، ليلحقها بإهداء ذاتي والمحدد جغرافيا من قبل الكاتب إلى العراق واسبانيا، فالأول «مهد الطفولة ومهد الحضارات «والثاني» محطتي للسلام بعد طريق طويل مكتظ بالحروب» ص 5، بما يوحي التوظيف المقصود من الكاتب في عنونة الرواية التي تؤدي دورا ايحائيا /وصفيا - بحسب مفهوم جينيت – يربط المتلقي بالعمل وفق عقـد شعري تمثل بسمة العنوان الرمزية، ثم تحديد الإهداء الذي سيؤدي وظيفتين: دلالية لمن يرتبط بهذين الموقعين وفق علاقات عديدة، وتداولية لمضمون العمل إنسانيا وثقافيا مع كل من تقع بين أصابعه هذه الرواية، مما سيفتح آفاق التلاقي مع العالم الروائي للعمل، وتلاقيه مع سياق عام تدور فيها أعمال لها رمزية واحدة، مع تعدد الأساليب والرؤى.

جدلية الماضي والحاضر
فتمر الأصابع ليس العمل الوحيد الذي يحكي تلك العلاقة بين الإنسان والوطن، الماضي والمستقبل في غربة الحاضر السارد. ولعل الإهداء، كان مفتاحا لجغرافية السرد المتراوح بين العراق واسبانيا. ليتمثل الحاضر كجدلية بين الأمس والغد، وقد تمثل الأمس وزمنه الماضوي بشخصية الجد مطلق، والحاضر بالأب نوح، والمستقبل بالابن سليم. فشخصـية الجد ومن دلالة اسمها يمثل ذلك الارث المقـدس بكل أطيافه: الدينية، الاجتماعية، الأخلاقية، والسياسية. وقد تجسد ذلك كله في حضور الجد كشيخ عشيرة، وكبير العائلة التي ينعـم على الجميع ببركاته، بدءا باختياره لأسماء المواليد من أبنائه وكل المنتسبين له، مما ولّد لدى الجميع قناعة تامة بـ«ان الله هو الذي اختار أسماءكم وليس أنا» بحسب قول الجد، ص 29. إضافة إلى تأثر الجد سابقا في صباه بمقولة رجل الدين وقبلة حكمته ملا عبدالحميد لبعد أنت عالجه من عراك مع كلب اعترض طريقه – الجد - في صغره أثناء توجهه للمسجد، وقد هزم الكلب بعضة هي رد ودفاع عن نفسه، مما جعل شيخه الملا يكرم عليه بلف ساقه المجروحه بعمامتـه، ثم وهبه حفنة من التمر مع مقولته التي بقيت ترن بذهنية الجد: «إذا نبح عليك الكلب فلا تنبح عليه، ولكن إذا عضك فعضّه» ص 9. لتصبح هذه المقولة العابرة شعار ثورة الجد لاحقا ضد انتهاك حرمتهم وكرامتهم، مما جلب على المنطقة وأهلها غضب السلطة وسخطها بقتل واعتقال الكثير منهم، وتغيير اسمهم من (المطلق) إلى (القشامر)، ليقرر الجد الرحيل من منطقتهم بعد ذل السلطة والاسم الذي أصر – الجد - على أن يكون اسم منطقتهم الجديدة، رغبة ببقاء هاجس الثأر، ليتغذى أكثر على الإرث المقدس والذي اقتبس على هيئـة شخصية الجد، فيزداد نوح خضوعا لأبيه مطلق، ويقسم له بأخذ الثأر.

جيل جديد
وبرغم الحضور المقدس للجد، لكن أبناء الجيل الجديد بدأوا يتمردون قليلا على ناموسه، كسخريتهم من اسم أحدهم (صراط)، والعلاقة السرية بين (سليم) وابنة عمه (عالية)، كذلك في تغير حال الأب (نوح) بعد خروجه من العراق إلى اسبانيا، الذي اعتقده سليم ثورة على إرثه الإيماني والأخلاقي، برغم بقاء رصاصة واحدة في ميدالية مفاتيحه - الأب - وهي التي بقيت من ثلاث رصاصات انتزعها نوح من مسدس ذلك الشاب الذي اعتدى على كرامتهم وكان سببا في نكستهم وهوانهم. لتبقى أسئلة سليم حول ثورة الأب الظاهرية محاصرة له، وهو يستذكر بالسرد اللاحق أحداث قريتهم، وقسم والده لجده بأنه سيثأر من النظام بأكمله الذي أذلهم ونفاهم عن كرامتهم، وتحقيق حلم الجد بتغيير اسم القرية القشامر إلى الكرامة.
في حين نجد المسافة قصيرة بين سليم ووالده «نوح» والعلاقة الحميمية بين الاثنين خلاف علاقة نوح الخاضعة لوالده/الجد «مطلق»، بما يوحي بقوة العلاقة بين الحاضر والمستقبل، في عالم جديد يمثل أملا وسلاما بعد طريق شائك مليء بالحروب والعداوات والمأساة على الجانب الشخصي لسليم ولو أنه احتفظ في ذاكرة المكان الجديد/اسبانيا صور العراق.. الحضارات، التاريخ، الطبيعة، المكان الأول، والذكريات والطفولة، وهو ما كان سببا في تغيّر الموقف بين الاثنين عندما تفجر غضب الأب من صور تمثل له ماضيه عندما نهر سليم: «كنت أظن أنك أعقل من هذا.. وألا تقع في الحنين المَرَضي الذي يقع فيه جل المغتربين حين يصورون لأنفسهم أن كل شيء جميل في بلادهم التي غادروها.. بما في ذلك الخراب والمزابل..» ص 149. ليشهد الموقف حوارا بين الاثنين، ينطلق فيه الأب من كراهية ماض لم يصنعه أو يختاره، بل صنعه الآخرون (الطاغية / الجد) - وإن لم ينطق صراحة باسم الثاني. وانطلاقة رفض الأب لهذا الماضي، قابلهـا رفض الابن/سليم لانهيار الصورة الجميلة التي يمثلها له الوطن وكائناته الجميلة، أهمها عشق الطفولة عالية، ليرد بسرد مختصر عن ذهول محبوس من تغير حالة الأب، ليقتحم ثورة الأب الغاضبة من الماضي بثورة على سوداوية الماضي وخديعة الحاضر: «تخدع أمي وتهجر عائلتك، وتخدع روسا وتستغلها، ثم هذا الانقلاب الراديكالي على كل إرثك الشخصي والأخلاقي والديني.. كل ذلك من أجل هدف سخيف!؟» ص 150.
فيدخل الاثنان في خلاف حول رؤية كل منهما للعالم المحيط بهما، وموقفه مما يحدث في وطنهم المنسي، كما في نبرة سخط الأب: «أين هي حضارة وقوانين هذا العالم الحقير، الجايف، المنافق، النذل؟.. وهو يرانا نساق كالخراف إلى المجزرة بلا ذنب..» ص 151.

ثورة كامنة
رغم هذا الاختلاف بين جيلي اليوم والغد حول إرث الماضي، وثأر الخاضر، فإن نتيجة المعادلة بقيت ثورة كامنة في داخلية الأب الذي وإن أبدى تسامحه مع نفسه، إلا أنه لم ينس ثأره مع الماضي وإرثه المقدس وصوره المستعبدة، وما مثّله من اذلال له، ليحقق رؤيته وثورته الكاملة ليس على المستوى الشخصي، بل بصورة واسعة شاملة وابعد من ذلك. وهو ما يختلف فيه سليم مع والده، وقد قرر العيش بسلام وهدوء مع فاطمة.
بقي أن نشير إلى أن الروائي العراقي محسن الرملي، استطاع في عنوان رواية «تمر الأصابع» أن يضع في ذهنيتنا دلالة ورمزية العلاقة بين التمر والأصابع، وهو ما يمكن أن نفسره بأن التمر يمثل الحلاوة التي تسكن جانبا جميلا فينا، ونريد نتذوقـه.. نسكر به حسا وإحساسا، ليس في ذكريات الماضي، بل ولحظات الحاضر والمستقبل، شريطة أن تكون بصنعنا، وبأصابعنا!
ربما خرجت الرواية من قائمة البوكر القصيرة لهذا العام، إلا أنها لم تخرج من قائمة الملتقى العربي القصيرة أيضا، والمقتصرة على أعمال أدبية ذات حضور سردي استثنائي ولغة فنية متعددة المستويات، مفتوحة العوالم، قادرة على خلق جادات أدبية وفكرية جديدة، تحرك الساكن والساكت فينا حول مشهد العالم أمامنا.
--------------------------------------------------
- تمر الأصابع: محسن الرملي، الدار العربية للعلوم ناشرون ومنشورات الاختلاف 2009 بيروت.
(*) فهد توفيق الهندال: كاتب وناقد كويتي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في صحيفة (القبس) الكويتية بتاريخ 17/3/2010م العدد 13217


http://www.alqabas.com.kw/Temp/Pages/2010/03/17/40_page.pdf

الثلاثاء، 9 مارس 2010

زاوية (جداريات) / عن كتابة الكاتب لأخباره بنفسه



عن كتابة الكاتب لأخباره بنفسه

د.محسن الرملي

يُعيب بعض مثقفينا على بعض آخر وينتقدونهم (وراء ظهورهم) طبعاً، أي يغتابونهم، بكونهم يُروجون لأنفسهم ويكتبون أخبارهم الشخصية وأخبار نشاطاتهم وإصداراتهم بأنفسهم ثم يبعثون بها إلى الصفحات والمنابر الثقافية. ومن أخف تعبيراتهم التي يستخدمونها في (نقدهم) هذا هي كلمة (عيب!) فيما تتصاعد حدة التعبيرات الأخرى حد التجريح والتتفيه. وفي رأيي أن هذا السلوك هو ظلم آخر يأتي من زميل الفن والهم مضافاً إلى صنوف الظلم الأخرى الواقعة على مبدعينا سواء ما كانت متعلقة بهدر حقوقهم وتهميشهم وصولاً إلى قمعهم وابتزازهم واضطهادهم من قبل التاجر والسياسي ورجل الدين والناشر والمُعرِض عن القراءة وغيرهم بما في ذلك العائلة أحياناً ومن أصحاب مهن وأفعال مخجلة. والغريب أن هذا يكاد يحدث مع المبدع أو المنتج الثقافي أو الأديب دون سواه من بين آلاف الاختصاصات الأخرى، فلا أحد يعيب على السياسي الترويج لسياسته وأخباره حتى (السوفوية/.. من سوف!) أي التي لم تحدث حتى الآن وربما لن تحدث أبداً، ولا على رجل الدين الترويج والدعوة لأفكاره ولا مطرب لأغانيه ولا طبيب لعيادته ولا أي تاجر لبضاعته. فما العيب إذاً في أن يسعى الكاتب للترويج لبضاعته التي هي الكتابة؟ مادام الناشر لم يُحرك ساكناً بعد أن استلم تكلفة الطباعة سلفاً ربما، وما دام الناقد لا يبحث بنفسه وينتظر أن تصل إليه نسخته مجاناً مع عبارات التبجيل، وما دمنا نفتقر في وسائل إعلامنا إلى صحفي متخصص ومحترف لتغطية أو متابعة أو (مطاردة) الخبر الثقافي، فيذهب إليه بنفسه ويعمل الأعاجيب كي يأتي بالخبر من قلب الحَدث كما يفعل بقية الصحفيين من ذوي الاختصاصات الأخرى بما فيهم المختصين بالحروب وبالبورصات وبالجرائم أو فضائح (النجوم!) فيما يجلس (الصحفي) المسؤول عن الصفحات الثقافية في مكتبه وينتظر أن تأتيه الأخبار لينتقي منها لاحقاً ما يتناسب ومزاجه أو حجم الفراغ الباقي في الصفحة. ولأكثر من مرة شاهدت الكتب التي يبعث بها أصحابها إلى مكاتب مسؤولي الصفحات الثقافية تتراكم على المكتب والكراسي وعلى الأرضية تحت قدميه وفي الزاوية قرب سلة المهملات أو فيها، دون أن يكلف نفسه مجرد تصفحها وأحياناً لا يقرأ الإهداء حتى. فيكتفي بنشر تلك الأخبار التي صاغها صاحب الكتاب أو ناشره وأرفقها مع النسخة. هذا أيام الورق، أما الآن فإن لم تصله الأخبار مصفوفة وجاهزة على (الووردWord /..مثل الوَرد) فلن يكلف نفسه حتى بنقلها من الورقة، وسيكتفي بقطع ولصق أي خبر آخر يجده في صفحات الإنترنيت. إذاً كيف نعيب على كاتب يخبرنا بأنه قد أصدر كتاباً، وهو قد أمضى بالاشتغال عليه لأكثر من عام في أقل التقديرات؟! لماذا من حق أصحاب المهن الأخرى أن يرفعوا الأصوات ويستخدموا الإعلانات بل ويوقفونا في السوق ليخبروننا عن بضاعتهم، فيما ننتقص من الكاتب الذي يصيغ خبراً قصيراً، وأحياناً حتى على استحياء، عن كتاب أصدره؟ أليس من المفروض أن نرفع أصواتنا مع صوته وأن نهنئه ونشجعه أو على الأقل تقديم الشكر له على ما فعل وعلى إخبارنا عما فعله؟ أما إذا بخلنا عليه حتى بكلمة الشكر هذه، فعلى الأقل، لنقل خيراً أو لنصمت.
أصدقائي وزملائي الكُتاب أرجوكم أن تخبروننا بما تنتجون وعن جديدكم من الكتابة والإبداع، ولكم الشكر مضاعفاً على وقتكم وجهدكم في الكتابة ومن بعدها جزيل الشكر على إخبارنا بذلك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر في زاوية (جداريات) في الملحق الثقافي لصحيفة (الثورة) السورية بتاريخ 9/3/2010 العدد 682

الأربعاء، 24 فبراير 2010

حوار مع: د. محسن الرملي / عن الكيخوته


حوار مع.. د.محسن الرملي:
يتحدث فيه عن أثر الثقافة الإسلامية في دون كيخوته

أجرت الحوار: (ايزابيل سانجث) ونشر في مجلة (ميل استورياس) الإسبانية سنة 2005م
ترجمة: شيماء محمود سهيل

د.محسن الرملي، كاتب وشاعر ومترجم عراقي، ولد عام 1967 في قرية تابعة لمدينة الشرقاط/ شمال العراق، يقيم في مدينة مدريد منذ عام 1995، حصل على شهادة الدكتوراه في اللغة الاسبانية من جامعة أوتونوما في مدريد عام 2003، موضوع أطروحته كان عن (آثار الثقافة الإسلامية في دون كيخوته). يُعد محسن الرملي العربي الوحيد المتخصص بثقافة ثربانتس حتى يومنا هذا، يصدر حالياً مجلة (الواح) الثقافية وهو أكاديمي ويعمل كأستاذ في الجامعة الأمريكية في مدريد (سنت لويس). هذا حوار معه:

*متى وكيف كانت بداية معرفتك برواية دون كيخوته، وماذا يعني لك هذا الاسم؟
ـ عندما كنت في السادسة عشرة، قرأت أول مرة رواية دون كيخوته، أعطاني إياها أخي، ومنذ ذاك الحين تواصلت على قراءتها وربطت الكثير من الأحداث والمعارف في حياتي بهذا العمل الأدبي الرائع، حتى قررت في النهاية، تتويج أطروحتي به وأهديتها أولاً إلى ناسي المرتبطين بهذا الانجاز الأكاديمي، قائلا:
إلى عائلتي التي تنتظر عودتي من هذه الرحلة الكيخوتية منذ سنوات طويلة، وإلى أول روح (كيخوتية) عرفتها في حياتي، شقيقي وصديقي الروائي (حسن مطلك) الذي كان أول من قدم لي رواية دون كيخوته ونصحني بقراءتها وفهم روعتها.. لقد كان (كيخوته) طوال حياته،حتى حين وجد نفسه أعزلاً بمواجهة دكتاتورية عسكرية وراح يناضل من أجل الحرية الإنسانية بيديه وكلماته حتى أُعدم عام 1990.

*ما الذي دفعك للبحث عن آثار الثقافة العربية الإسلامية في دون كيخوته؟
ـ أولاً: لأن دون كيخوته تعد قمة الأدب المكتوب باللغة القشتالية وهي اختصاصي، وثانياً: لأنني ابن الثقافة العربية الإسلامية، فكنت أرغب فعلاً بمعرفة مدى مساهمة ثقافتي الإسلامية في هذا العمل الأدبي العالمي. فقد سمعت وقرأت آراء كثيرة ومنوعة عن هذا الموضوع، لكن بين المئات من الدراسات عن ثربانتس، لم أجد ما يقنعني بشكل تام، على الرغم من أن آثار الثقافة الإسلامية واضحة في دون كيخوته. وبقصد دراسة هذا الموضوع، تحمست في هذه الأطروحة لإبراز هذه الآثار في هذا العمل الأدبي الرائع لثربانتس، لأنها تعبر عن النموذج الأفضل لنتاجه الادبي. وأن هذه الدراسات عن دون كيخوته جعلتني أختار واتبحر في أحد الجوانب الأقل ذِكرا حتى اليوم، وهذا ما حدث، فعلاً.

*كيف تَعرَّف ثربانتس على الثقافة العربية الإسلامية؟
ـ على مدى خمس سنوات تقريباً من أسره في الجزائر، كما كان لثربانتس، بطريقة أو بأخرى، طوال حياته اتصالاته المستمرة بالثقافة العربية الاسلامية وما يرتبط بها، إذ تعرف على الأشخاص، ونشر جوا سياسيا وتاريخيا ودينيا وثقافيا، وشارك في معركة (ليبانتو) وزار أماكن عدة وعاش فيها، ارتبطت نوعا ما بالثقافة الاسلامية ومنها المدينة التي ولد فيها (قلعة هنارس) والمدينة التي مات فيها (مدريد)، وان تسعين في المائة من الأماكن التي قضى فيها حياته، تنتمي أو لها علاقة بشكل ما بهذه الثقافة، أذكر على سبيل المثال: قلعة هنارس، بلد الوليد، قرطبة، اشبيلية، مدريد، الجزائر، بلنسية، وهران، لشبونه، اسكيبياس، غرناطة، والمناطق حول اشبيلية وغرناطة وقاديش وطليطلة. كان ثربانتس ولازال يعد نموذجاً جيداً للتعايش بين الثقافات المختلفة واحترام الغير، وعَرف كيف يدمج عناصر الثقافة الأخرى في ثقافته الخاصة، فهناك أكثر من دليل منطقي يؤكد ان ثربانتس كان يتحدث اللغة العربية قليلاً، كانت له معارف قيمة عن هذه اللغة، مما سمح له بالتفاهم مع العرب والتواصل معهم. والدليل الآخر على ذلك هو أن روايته كتبت بالكامل بعد عودته من الأسر في الجزائر. ففي كل عمل من أعماله الأدبية نجد عناصر تتضمن نوعاً من الأثر أو الإشارة المرتبطة بالثقافة العربية الإسلامية.
وفي سنوات أسره كانت له اتصالات مباشرة مع أناس هذه الثقافة، الأمر الذي أتاح له اكتساب معارف مفصلة عنها. إن المعاناة والسجن لم يجعلاه يرفض هذه الثقافة، بل على النقيض من ذلك، جعلاه أكثر ارتباطاً بها وتواصلاً معها، ودليلاً على ذلك وعلى معرفته الكبيرة بالثقافة الإسلامية هو عودته متطوعاً في مهمة استخبارية الى وهران بعد وقت قصير من إطلاق سراحه. وبعد سنتين من الطرد النهائي للموريسكيين من الأندلس بين عامي (1609و1614)، توفي ثربانتس عام 1616 مما يعني بأنه قد عاش طوال حياته مع وجود للمسلمين في اسبانيا، وليس لدينا أدنى شك بأن هذه المعرفة العميقة والاتصالات التي لا تعد ولا تحصى بالثقافة الإسلامية، قد خلفت اثاراً مسجلة في مجمل عمله الأدبي، وهي آثار كثيرة وعميقة، أكثر مما قد تبدو للعيان في الوهلة الأولى.

*هل نستطيع التحدث عن أهم آثار الثقافة الإسلامية في دون كيخوته، وما هي أهم صفات تلك الآثار وملامحها الأكثر أهمية في اطروحتك؟
ـ نعم، بكل تأكيد، إن للثقافة العربية الإسلامية آثاراً مهمة جداً في هذا العمل الأدبي الإنساني، وربما لا أبالغ إذا قلت بأن تأثيرات الثقافة الإسلامية فيه هي أكثر من أية ثقافة من الثقافات الأخرى، عدا الثقافة الاسبانية طبعاً، لأنها ثقافة المؤلف الأساسية، إلى حد أن احداً مثل (غونتر غراس) الفائز بجائزة نوبل في الآدب، قال: لولا الثقافة العربية لما تمكن ثربانتس من إيجاد طريقته الروائية.
فبعد مراجعتي للمظاهر الأكثر تميزاً في دون كيخوته التي أشرتُ فيها الى تأثيرات تتعلق بالميادين السياسية والدينية والاجتماعية والتاريخية في زمن ثربانتس، ومشكلة الموريسكيين، ومحاكم التفتيش، وأسره في الجزائر، وتحليل الروابط المشتركة بين دون كيخوته والظرف التاريخي الذي ظهرت فيه، فاستطيع أن اؤكد بأن الجديد في اطروحتي هو تجديد جذري وخاصة فيما يتعلق بالبحث عن تاريخ الفروسية، وأشرت فيها الى الاختلافات بين الفروسية الغربية وفروسية الثقافة العربية الإسلامية وتأثيرهما ببعضهما. وبعد هذا التحليل استطعت التوصل والاكتشاف بأن نموذج الفارس دون كيخوته يمكن رؤيته في الفروسية الثانية أكثر من الفروسية الأولى، هذه الخلاصة فتحت مجالاً للبحث بشكل أوسع: فقد ذكرت النقاط الأساسية التي تبرهن بأن دون كيخوته هو تابعاً لنموذج الفارس في الثقافة العربية الإسلامية. بحثت أيضا عن الآثار الأدبية والدينية واللغوية في دون كيخوته، فاستطعت أن أحصي أكثر من ثلاثين شخصية من الثقافة العربية الإسلامية وأكثر من عشرين مثلاً من الأمثال العربية، وأكثر من مئتي كلمة من أصل عربي موجودة فيها، إلى جانب محاولتي تقديم قراءة أو رؤية مختلفة عما هو سائد حيال نظرة ثربانتس عن الإسلام وعن الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم).

*ما هي المفاتيح الضرورية التي بدأت بها لتقديم تلك القراءة الغنية والمختلفة لدون كيخوته؟
ـ ان واحدة من روائع دون كيخوته هي بامكان أي شخص قراءتها وفهمها وترجمتها بطريقته الخاصة، ويجد كل ما يبحث عنه سواء كانت القراءة للمتعة أم للمعرفة. وبالنسبة لي فإن ما أشرت اليه كان من أجل تقديم هذه القراءة الأخرى والمختلفة، وقد استثمرت في ذلك كوني مسلم ومطلع جيد على الثقافة الإسلامية وتاريخها ولغتها العربية وآدبها ودينها.. الخ.
*ما الذي تستطيع ان تخبرنا به عن شخصية سيدي حامد بن انجيلي؟
ـ على الرغم من كل ما قيل عن سيدي حامد بن انجيلي، حتى يومنا هذا، فاعتقد بأنه لا زال هناك الكثير لنتحدث به عن هذه الشخصة، لكن سأقتصر هنا على تذكر ما قاله عنه روجيه غارودي وهو: ان ثربانتس ومن خلال ابتداعه لشخصية سيدي حامد كراوي أول، إنما يحتفي ويذكر بالنبع الأول لهذا الفن الأدبي والذي هو في اللغة العربية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر في صحيفة (التآخي) بتاريخ 28/1/2010 بغداد
http://taakhinews.org/?p=33877

*النص الأصلي لهذا الحوار بالإسبانية، على هذا الرابط:
http://muhsinalramli.blogspot.com/2008/11/entrevista05.html


الثلاثاء، 9 فبراير 2010

زاوية (جداريات) / .. عن النقد والنقاد

.. عن النقد والنقاد

د.محسن الرملي

ربما يكون النقد هو أكثر الأجناس الكتابية التي تتعرض للنقد، فنادراً ما يتم الرضى عنه مثلما لا يمكن الاستغناء عنه، أي أنه (مأكول مذموم). وحين نصفه بكونه جنساً كتابياً أو أدبياً فذلك لأن هذا الأمر قد أصبح من المسلمات منذ أن قال بودلير بأن النص النقدي هو نص مستقل بذاته، أو حتى منذ ما قبل ذلك.
وبشكل عام فإن حال النقد العربي لا يختلف الآن كثيراً عن أحوال النقد عموماً في الثقافات الأخرى، لذا أرى أن نكون أكثر إنصافاً عند حديثنا عنه وأن نتعامل مع واقعه بموضوعية وتفهم إشكالاته وهمومه وتنوع تصنيفاته التي من بين أقطابها الرئيسية ما يسمى بالدراسات النقدية الأكاديمية والنقد الصحفي. فهو في كل الأحوال يعد نقداً وإن تنوعت مناهجه وأساليبه وخصائصه ومستوياته التي تتكيف مع طبيعة واشتراطات الميادين والمنابر التي تتم ممارسته فيها أو من خلالها. وقد آن لنا أن نقر بأهمية النقد الصحفي والاعتراف به كواحد من أذرع النقد المهمة، إن لم يكن أهمها حضوراً وفاعلية في الوقت الراهن، بدل أن نبدد المزيد من الجهد والوقت في المعارضة أو الوقوف أمامه ومقاومة الاعتراف به كما سبق وأن حدث لنا مع الشعر الحر ومن بعدها مع قصيدة النثر مثلاً. فقد صار للنقد الصحفي محترفيه وأساليبه وشروطه التي من بينها على سبيل المثال؛ أخذ الناقد بعين الاعتبار مسألة الموازنة بين المعرفة النقدية والمعرفة الصحفية، وبكونه يعرض ويُسوق المعلومات أكثر من سعيه للحكم، حرصه على الإيصال بما يتناسب وطبيعة منبر النشر ونوعية القارئ المتلقي له.. وبالتأكيد دون التهاون بالعناية برؤيته وأسلوبه الخاصين. كما تبقى من المواصفات الجوهرية للناقد، أي كان تخصص اشتغاله، مسألة عدم الكف عن المتابعة أو على الأقل ألا يفقد هذا الهاجس وهذا الحس بواجب المتابعة الدائمة لكل ما هو جديد. وفي كل الأحوال فإنه لمن الاستحالة تحييد الذائقة الشخصية للناقد مهما حاول إخفائها أو أن يبدو حيادياً فعادة ما يخلص القارئ إلى انطباع عام يفهم منه انطباع الناقد عن النص المنقود مدحاً أو قدحاً.
يشار أحياناً إلى أن أفضل نقاد الشعر هم شعراء مثلما أن أفضل مترجمي الشعر هم شعراء ويقال عن ناقد النثر، الذي لا يعجبنا رأيه، بأنه كاتب فاشل، وعن الناقد الصحفي بأنه ينحاز لمصالحه وعلاقاته الشخصية ولا يتبع المناهج، وإلى الناقد الأكاديمي بأنه متحجر معزول في مختبراته الجامعية يضحي بالنصوص على مذبح مباضع المناهج النقدية التي ماتت.. وقيل ويقال وسيقال الكثير دوماً عن النقد والنقاد، فالنقد يغري بالمزيد من الحديث عنه سلباً وإيجاباً، بشكل لا ينتهي، وهذه المزية تحسب له كونها دليل آخر على غناه وأهميته، ومهما ادعى مبدع ما بأن النقد لا يهمه فعلينا أن نضع قوله موضع الشك، فالكلمة تحتاج إلى الكلمة كحاجة الإنسان للإنسان.
وإذا كنا نتحدث أحياناً عن موت جنس أدبي معين فإننا أبداً لا نجرؤ على الحديث عن موت النقد، هذا الضروري دائماً والحي القادر على التكيف وعلى تجديد نفسه وتنويع أشكاله وأساليبه ووسائله إلى ما لانهاية.. فتحية وشكر له ولكل المشتغلين فيه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر في زاوية (جداريات) في الملحق الثقافي لصحيفة (الثورة) السورية بتاريخ 9/2/2010 العدد 678

الجمعة، 5 فبراير 2010

ما بعد الحرية في الأدب النسائي


ما بعد الحرية في الأدب النسائي .. شرقاً وغرباً


د. محسن الرملي


"يا سيدي..
لقد تحول القفص إلى عصفور
.. وطار.
لقد تحوّل القفص إلى عصفور
فما الذي سأفعله بالخوف".
أليخاندرا بيثارنيك


مدخل:
في البداية أود الإشارة إلى أنني لن أخوض هنا طويلاً في إعادة مناقشة إشكالية المصطلح وفروقاته: أدب نسائي، أدب نسوي، أدب أنثوي، أدب المرأة، الأدب الذي تكتبه المرأة.. إلخ. إذ كُتِبَ عنه الكثير، بل وربما أكثر مما يجب شرقاً وغرباً دون الإفضاء إلى اتفاق قطعي بهذا الشأن، فانقسم المناقشون إلى فِرق عديدة يمكن إجمالها بين مؤيد ومعارض، وعادة ما نجد أن الغالبية تميل إلى اعتبار نوعية النص وقيمته هي الأهم بغض النظر عن جنس كاتبه.
إلا أنني وبحكم الالتزام بمحور موضوع الندوة ونية الحديث عن الأدب الذي تكتبه المرأة لا أرى ضيراً في هذا التصنيف باعتباره أمراً إجرائياً تفرضه الآلية الموضوعية والعملية حين يتم الشروع بالتأمل أو البحث في أي ميدان كان، أي يتم تحديد منطقة البحث وموضوعتها وإن كانت جزءاً من كلٍّ أشمل لكي لا يتم تشتيت الجهد في إعادة تعريف وسوق تعريفات لعموميات أصبح لدينا الكثير من ركام تعريفات لها. وعليه فإنني أفترض وآمل وأطلب أن يتم تجنب الحساسية المعتادة وخاصة من قبل النساء المبدعات كلما تم الحديث عن هذا الأمر أو تم اللجوء الإجرائي إلى هذا التصنيف، وهي حساسية مفهومة ولها ما يبررها أحياناً إلا أنها تسقط، في أحايين أخرى، فيما يمكنني أن أسميه بحساسية إسقاطية تربط الأمر بقضايا المرأة الأخرى لأنها تخشى سوء النية في استخدام هذا الاصطلاح التصنيفي.
إذاً فلنحاول هنا استبعاد هذه الحساسية ولنستند على أرضية حُسن النوايا كي تشكل المناقشة إضاءة إضافية تصب في مصلحة الأدب الذي تكتبه المرأة والذي هو في المحصلة أدبنا جميعاً ويهمنا جميعاً بالدرجة نفسها، إنه نتاج إنساني عن الإنسان ولأجله.
ووفق هذه الروحية الإيجابية لنحاول أن ننظر إلى هذا الأمر من زاوية أخرى، زاوية إيجابية أيضاً ترى في اللجوء إلى هذا التصنيف الاصطلاحي أو الاصطلاح التصنيفي الإجرائي ما يمنح النص الذي تكتبه المرأة أهمية أكبر وخصوصية تعلي من شأنه وتشير إلى غناه وعظمة دوره وضرورته ودوره الجوهري الذي بغيابه أو تغييبه يصبح الفهم ومجمل دور الأدب في حياة الإنسانية عاجزاً عن السير بفاعلية على ساق واحدة وحسب.
هذا عدا كوني ممن يميلون صوب قناعة أن لنص المرأة خصوصيته وما يميزه عن نص الرجل حتماً، وخاصة في طبيعة الحس والرؤية، فلا يستطيع الرجل مثلاً مهما كان بارعاً أن يصور بالحساسية، نفسها شعورها ضد التمييز الذي تمارسه الثقافة الذكورية وإحساسها اليومي بأنها مهمشة في البيت والعمل وبكون الثقافة نفسها لم تغير نظرتها تجاهها كلياً، وكذلك مسائل أخرى تخص طبيعة تكوينها كالحمل مثلاً ومؤثراته النفسية والبايلوجية ولا يتعامل الرجل بالحساسية نفسها تجاه مواضيع كالعنوسة والزواج والطلاق والجنس والترمل والثكل وغيرها، ومثلما أن للجنسية، والعرق، والمرحلة التاريخية، والدين، والثقافة، والأيديولوجيات، والمهنة، واللغة.. وغيرها تأثيرها وأثرها في إبداع أي مبدع فللجنس تأثيره أيضاً، لأن هذه الثمرة من هذه الشجرة، وهنا فأنا لست ممن يتفقون مع أطروحة موت المؤلف وأرى بأن نظرية موت المؤلف هي التي ماتت، وأن معرفة أية معلومة إضافية عن المؤلف ستعين على إضاءة وإغناء وفهم وتلقي النص بما في ذلك هذه المعلومة الأولية في كون المؤلف رجلاً أو امرأة.
توافق المرأة وتطالب بالتقسيم والفصل في أشياء وميادين كثيرة بما فيها العطور والملابس والحمّامات العامة احتراماً واعترافاً بخصوصيتها الطبيعية فيما تنزعج من مجرد تسمية نصها بأنه منتج نسائي!.
ولا يفترض بالتصنيف أو التقسيم المنسجم مع الطبيعة أن يؤثر في مفهوم المساواة أو ينقص منه، ويجب فهم التعامل مع المساواة بأنها أيضاً مساواة في الاختلاف.. أن المرأة وما تنتجه ليست أقل أو أكثر، أفضل أو أسوأ.. وإنما هي مختلفة، تماماً مثلما يتم التمييز بين تيار أدبي وآخر وكاتب وآخر وبين نص وآخر للكاتب نفسه.
أما الأمر الآخر الذي أود الإشارة إليه فيما يتعلق بما سأقوله لاحقاً، فهو أن كل ما سوف يتم تناوله والحديث عنه هنا إنما هو موجز، إجمالي، ومن باب التأمل والملاحظة والعام والنسبي والافتراضي والاستشرافي، وأنه يقصد إلى صياغة أسئلة أكثر من سعيه لإعطاء إجابات، وهذا مما أعتقد بأنه بعض من دور الثقافي والفني والأدبي في كونه رائداً في الاستشراف ومحاولة السبق، ولو عبر الافتراض والطليعية.
وعلى هذا النحو فإن ما نناقشه هنا إنما هو بقصد المزيد من فتح الأبواب على مديات أفق أوسع لإغناء النقاشات والتي هي بالنتيجة قد تنفع بالمزيد من تسليط الضوء والتنبيه.

عن الحرية:
دون شك، إننا نعني هنا حرية القول والتعبير، والتي تعد من أولويات حقوق الإنسان وأساسياتها وخاصة أنه كائن تعبيري يميزه النطق واللغة عن سائر المخلوقات وتشكل سمة جوهرية من سمات وجوده.
لقد عانت الإنسانية شرقاً وغرباً على مدى قرون طويلة من قمع بعضها لحرية رأي وقول البعض الآخر، ولا زال بعضها يعاني ذلك في بعض مناطقها وميادينها، إلا أنها وفي كل الأحوال، وبعد نضالها الشاق والعظيم والطويل قد وصلت اليوم إلى مرحلة يمكننا وصمها بأنها قد امتلكت ناصية حرية القول والتعبير بشكل عام. ولننطلق من هذه الملاحظة أو هذا الافتراض لإنها وإن لم تضمن حرية القول الكاملة في كل مكان وميدان حتى الآن فلا يمكن إنكار ما حققته من انتصار كبير في هذا الشأن وإذا بقي ثمة نقصان فيها فإنما هو الأقل وفي طريقه إلى الزوال، عدا ذلك فإن الأدب ومسألة اختيار ممارسة الأدب بحد ذاتها هي ممارسة للحرية، فلا أحد يجبر أحداً على أن يكتب أدباً تحت الإكراه وإن حدث ذلك فللأدب قدراته اللامحدودة على تسريب كل ما يريد قوله من خلال الإبداع الفني والتي من أبسطها اللجوء إلى الترميز والإيحاء وطبيعة الاشتغال اللغوي ذاته، الأمر الذي يمنحه قوة أكبر في أغلب الأحيان، والروائع الأدبية التي تم إنتاجها تحت ظروف عسيرة قامعة عبر التاريخ يصعب حصرها وقد تكفي الإشارة بهذا الصدد إلى أم الرواية الحديثة، ألا وهي رائعة ثربانتس (دون كيخوته دي لا مانتشا) والتي شرع بكتابتها في السجن وفي أوج مرحلة تسلط محاكم التفتيش، سانتا تيريسا وسور خوانا اللتان كتبتا من داخل البيت الكهنوتي ذاته والشاعرات الجواري.. وغيرهن.
كثر هم المبدعون والمبدعات الذين دفعوا حياتهم من أجل حرية القول، وكثر هم المبدعون والمبدعات الذين كتبوا بأسماء مستعارة، رجل باسم امرأة أو امرأة باسم رجل، منهن من استخدمن أسماء أزواجهن أو أن أزواجهن هم من استخدموا نتاجهن بأسمائهم.. ففي كل الأحوال يمكننا القول بأن أساليب التعبير وإيصال التعبير غالباً ما تجد لها حلاً ما دامت الأهمية الأساسية هي للقول ولإيصال القول بذاته أو أنها الهدف الرئيسي والغاية من دافع صياغته.
تستطيع المرأة أن تقول من خلال الأدب ما لاتستطيع قوله بشكل مباشر وعلني في الحياة العامة. ولكن بحكم ثنائية الموقف النسائي ومرواحته عموماً بين التقاليد والتيارات الحديثة فقد فضل الصمت عادة، إلا أن المرأة وبشكل عام قد تمكنت في نهاية الأمر من إسماع صوتها الخاص بوضوح.
اليوم وها نحن في عصر التكنولوجيا بحيث أن من يشاء يستطيع أن يقول ويكتب ما يشاء بمطلق الحرية وينشره على الملأ، لم تعد الرقابات ذلك الحاجز أو القيد المستعصي على الكسر، وأي إنسان أينما كان، وخاصة إذا كان مبدعاً، فإنه لن يعجز عن إيجاد أو إبداع وسيلة لإطلاق قوله وإيصاله.. إذاً وبشكل ما، يمكننا القول، أو على الأقل الافتراض، الذي له ما يبرره واقعياً، بأن الحرية أو سبل الحرية صارت متوفرة أو متاحة لمن يشاء أن يقول ويكتب ما يشاء وإن كان يسر توفرها أو طبيعة بعض الصعوبات التي تواجهها تختلف من مكان إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى، إلا أنها ولحسن الحظ متوفرة أو أنها أيسر في الغالبية الأكبر من بقاع الأرض.. وهنا، وبعد هذا الطرح أو حتى هذا الافتراض يأتي علينا دور التأمل والتساؤل عما بعد هذه الحرية، وعن نوعية وبعض سمات هذا المنتج شكلاً ومضموناً، دافعاً وغاية، والذي يهمنا منه هنا، بالطبع، الأدب الذي تكتبه المرأة.

ما بعد الحرية:
لم يعد اليوم أمراً مستهجناً أو نادراً أو غريباً أن تجد في المكتبات كتباً بمختلف الأصناف والأجناس الإبداعية تحمل اسم امرأة كمؤلف لها. لقد أصبح أمراً طبيعياً وعادياً في كل الثقافات. إلا أن الملاحظ وما يتبادر إلى ذهن المتلقي عند رؤيته ذلك هو ما يمكن أن نصفه أو نحيله إلى جملة خصائص خاصة بأدب المرأة تمت بلورتها بالتدريج والتراكم وللمرأة دورٌ كبيرٌ في هذا، ومن هذه الخصائص بشكل عام:
1-أن المرأة لا تزال تتمركز وتكتب عن المرأة وعن كل ما يتعلق بمواضيعها أكثر من تناولها لمواضيع أخرى خارجة عن ذلك ويتم تبرير هذا من قبل الكاتبة بكون أن مشاكلها الخاصة والداخلية لم تحل لحد الآن لذا فهي لا تنشغل بالقضايا الكبرى أو بتلك البعيدة عنها، وعليه فإنها حتى وإن كتبت عن أو في مواضيع أخرى كالحرب والسياسة والخيال العلمي أو كما يحدث الآن من موضة الرواية التاريخية فغالباً ما تكون الشخصية المحورية أو الشخصيات الرئيسية هي شخصيات نسائية.
وعادة ما تنطلق من الحس والمواضيع التي صارت تقليدية إلى حد ما، كعدم المساواة، والظلم من قبل الرجل، والغدر، وكونها ضحية، وسوء فهم الرجل لطبيعتها ومشاعرها وذهنيتها، إشكالية العلاقات الشخصية والحب والجسد، إبراز ذكائها وتصوير ذاتها كونها متفوقة ومدهشة في حدة الذكاء، تحمسها وتبريرها ودفاعها عن كل ما هو نسوي، ومن مواضيعها الأثيرة أيضاً، العزلة، والخوف، والصمت، والفقد والألم.. وبشكل عام فغالباً ما تكون الدوافع وما يطغى على نصوصهن صبغتي: الإدانة والشكوى.
2-على الرغم من بداهة توافر الرؤية والحساسية الخاصة بالمرأة إلا أنها لا تزال تكتب وهي تحاول الالتزام بشروط الرجل في الكتابة واستعارة أدواته وأساليبه وحتى لغته وخطابه أحياناً. لذا فهي لم تبتكر لحد الآن تقنية بعينها أوجنساً أدبياً يمكن الإشارة إليه على أنه جنس كتابي نسائي بامتياز، كما أنها لم تتمكن من ابتكار كم من الشخصيات الأدبية النموذجية سواء أكانت رجالية أو نسائية كالتي أوجدها الأدب المكتوب من قبل الرجل، على سبيل المثال: شخصية الدون كيخوته لثربانتس، مدام بوفاري لفلوبير، آنا كارنينا لتولستوي، غريغوري لكافكا.. وفي الأدب العربي شهرزاد ألف ليلة وليلة، مصطفى سعيد للطيب صالح وسيد عبدالجواد لنجيب محفوظ.. وغيرهم، ويتم تبرير ذلك بكونها قد تمكنت من المشاركة في الكتابة بوقت متأخر عن الرجل ولذا فهي تستخدم أدواته كخطوة أولى لتبرهن على قدرتها إلى أن تتمكن لاحقاً من تمييز صوتها الخاص أو إيجاد أدواتها وأجناسها الأدبية الخاصة بها، فالأدب النسائي لم يمر بمراحل طفولة ونمو وشباب ونضوج خاص به، وإنما دخل الميدان كما هو، الأمر الذي يدللن به أيضاً على سرعتهن في التعلم.
3-كانت المرأة هدفاً وموضوعاً أو مادة للأدب ومنه الشعر بشكل خاص حيث يصوغها الرجل وفق رؤيته وما يريد هو أن تكون عليه، أما الآن فإنها تسعى لكسر حواره الداخلي الخاص عنها وأن تتحدث هي عن نفسها بنفسها إلى الحد الذي بالغت فيه أحياناً بنقد كل ما يرسمها برومانسية ونقد الحب الرومانسي، وعلى هذا النحو يمكننا تلمس عدة ردود فعل ومنها، أولاً: ميلها نحو الواقعية بشكل أكبر فتهتم بالأحداث والمنطق والتصوير الواقعي، وثانياً: أنها في تعمدها لتغيير أو حتى لقلب المعادلة، أي أنها تحولت من هدف لكتابة الرجل ومادة لها إلى أن يكون الرجل هدفاً ومادة لكتابتها، تحولها، كما يتم الوصف: من مفعول به إلى فاعل. فجاء هذا الأمر بصيغتين أيضاً، إحداهما: أنها راحت تمارس حياله ما انتقدته فيه، أي أنها تعاملت معه وصورته بالرومانسية التي تريد. أما الصيغة الثانية، وهي الواقعية، والتي فيها ما يشبه رد الفعل، فقد عمدت إلى تحجيمه أو حتى السخرية منه وتصويره على أنه سطحي، سهل، ضعيف، بدائي، ساذج أو حتى غبي أحياناً. وبشكل عام لم تتمكن الكتابة النسائية حتى الآن من الغور عميقاً في تحليل وتفكيك الطرف المقابل/الرجل وبالمستوى الذي فعله هو حيالها.
4-حرصها على التوضيح وطغيان الأساليب المباشرة وتوظيف اللغة اليومية والتقنية اليومية، وقصدية استخدام المفردات والتسميات الصريحة والمباشرة، وخاصة تعمدها أحياناً لاستخدام تلك التي ترى تراها الذهنية العامة غير مهذبة، أو على الأقل لا يُتَوَقَّع أو يفترض أن تتلفظ بها المرأة. وهذا أمر لم نكن لنلاحظه سابقاً في النصوص النسائية الأقدم والتي كانت تكتب في ظل ظروف أصعب ومناخات أقل تحرراً وحرية.. وصعوبات دخول وتواجد المرأة في الميدان والوسط الثقافي، لذا كانت تشتغل على نصوصها بجهود مضاعفة الأمر الذي كان يجعلها أكثر عمقاً وثراءً وقابلية في فتح آفاق تعدد التأويلات بما تنطوي عليه من تورية وغموض وترميز وإيحاءات ونسج لغوي مصاغ بعناية وحذر ووعي مدروس.
نلاحظ أيضاً بأن المرأة توظف الحدس كثيراً في أسلوبها وترى أنها متفوقة فيه عادةً وبأنه مما ينسجم ويناسب الأدب بشكل كبير. هذا إلى جانب أنها تلجأ إلى السخرية أحياناً وإلى الشعرية في أحايين كثيرة.
5-أثر واستجابة الكتابة النسائية لاشتراطات ومتطلبات السوق بشكل يفوق أحياناً طبيعة استجابة الرجل لها. يدرك الناشرون عموماً بأن نسبة القراء من النساء تفوق نسبة الرجل بحيث يقدرها البعض بكونها تصل 70% تقريباً مما يؤثر ذلك حتماً في حساباتهم فينشرون أكثر لنساء يكتبن عن مواضيع نسائية، وتلك التي تكتبها النساء وتهم أو تثير فضول معرفة الرجل لها. وبالطبع يجب التمييز أيضاً بين ما تكتبه النساء للنساء من أجل السوق، والروايات الرومانسية، أو الجنسية من أجل البيع وغيرها، حيث اتسع سوق النشر للكتابة النسائية وتعدد وتنوع بشكل كبير، فنجد الكتب الخاصة بالنصائح لكيفية العيش السعيد، كتب الصحة، والجمال، والأمومة، والعائلية، والطبخ، والأزياء، والحب، والجنس، والنفسية، والعمل، والفضائح، والتنجيم.. وغيرها هذا عدا مختلف الأجناس الأدبية. حتى أن برزت ظاهرة وجود نشر متخصصة بشأن معين وأخرى خاصة بأدب النساء، ومنها حتى ما تخصص بأدب السحاقيات.
وبشكل عام فقد صار النشر للنساء الآن أسهل بكثير مما كان عليه، بل يبدو إلى حد ما بأنه أيسر من النشر للرجال. وأحياناً حتى لأسباب خارجة عن مقاييس الجودة واشتراطات الفن الأدبي. الأمر الذي أدى إلى استسهال الكتابة أيضاً.
كما كثرت ظاهرة المجلات والجوائز الأدبية الخاصة بالكتابة النسائية وما إلى ذلك مما يعمد السوق إلى ابتكاره وتستجيب له المرأة مواصلة استغلالها لشعار "النسوية" كسلاح من أجل تحقيق مكاسب أكثر، مناقضة بذلك طروحاتها التي ترفض تصنيف الأدب على أساس الجنس، فهي باستجابتها لمتطلبات السوق تقوم بممارسة ما كانت ولا زالت تنتقد الرجل عليه، كمسألة توظيفها لجسدها في الكتابة والإعلانات والإغراء، فنجدها صارت تكتب بشكل أكثر مباشرة وفضائحية من الرجل ذاته فيما يتعلق بجسد المرأة وتعمد إلى مواصلة استخدامها "لجنسها كمؤنث" من أجل الإثارة والحصول على مزيد من لفت الانتباه والمكاسب ومواصلتها للكتابة تحت مغريات أو اشتراطات السوق، فتكتب الشرقية وفق الصورة النمطية في الذهنية الغربية عن المرأة الشرقية لتتم ترجمتها، وتكتب الغربية عن الجنس وعن تجاربها ومغامراتها الجنسية.. وهكذا في العديد من المواضيع دون أن تتردد باتهام الرجل باستعراض فحولته وبالذكورية، بكل بساطة، فيما لو كتب على هذا النحو، بحيث صار الأمر فيه من المحاذير ما يشبه محاذير الحديث عن الهولوكاوستو، أي أن أي قول لا يتطابق مع ما تم تنميطه وترسيخه سيعد ويتهم، بكل بساطة، بأنه معاد للسامية. من هنا تبدو حساسية التعامل أو حتى مناقشة ما يسمى بالأدب النسائي كونه يشبه السير في حديقة ورد كي لا أقول كالسير في حقل ألغام.
إذا كانت المرأة الكاتبة تنزعج من تصنيف أدبها بالنسائي فلماذا تعمد أو ترتضي بنشر أنطولوجيات خاصة بالأصوات النسائية مثلاً، فإذا كان لهذا الأمر ما يبرره فيما يتعلق بكاتبات وشاعرات خمسينيات القرن الماضي ومن سبقنهن، فلم يعد اليوم من مبرر له مادامت المرأة قد حققت الكثير من الحرية والمساواة وهي نفسها تطالب أن تعامل النصوص على قدم المساواة بغض النظر عن جنس كاتبها!!
6-عندما تكتب المرأة عن مواضيع أخرى غير مواضيع المرأة كالروايات البوليسية وروايات التشويق والجريمة والخيال العلمي فإننا نجدها تكتب كالرجال وكأنها تتعمد إخفاء أية بصمة خاصة بها وبمكونات فطرتها الطبيعية.
7-من المواضيع الأخرى والجديرة بالاهتمام من حيث عمقها وجديتها تلك التي تتعلق بكشفها لخيوط ما يمكن تسميته بخدعة المساواة وخدعة الحرية، فقد حققت المساواة في تكافؤ الفرص والعمل والقوانين وما يترتب فيها من مساواة في الحقوق والواجبات إلا أنه بقي عليها خارج ذلك عبء كونها زوجة وأم وربة بيت بكل ما ينطوي عليه ذلك من تفاصيل العمل المنزلي والالتزامات الاجتماعية والعائلية. من هنا تتطرق أيضاً إلى شائكية أو حتى سوء العلاقات الشخصية بين الحبيبين أو الزوجين، فتطرح صعوبة أو حتى استحالة الحب الحقيقي في العصر الحديث في ظل الحرية وفي الوقت نفسه تحت وطأة المشاكل الاقتصادية المعاصرة، وكذلك نجد بعض الكاتبات ممن تشغلهن قضية تدهور القيم الأخلاقية والحضارية والإنسانية أو حتى فقدانها أحياناً.
تفضح الكتابة النسائية سطحية الشعارات والمفارقة بين القول والفعل، بين ما هو مكتوب ومنصوص عليه وذاك المسكوت عنه أو ازدواجية المعايير كمطالبتها بأن تعمل وتنتج كالرجل في ميدان العمل وفي الوقت نفسه مطالبتها بأن تكون بالصورة النمطية في العلاقات العاطفية والعائلية. وتشير إلى أن الذهنية العامة شرقاً وغرباً لا تزال تتعامل مع المرأة بمرتبة أضعف والدليل أنه وحتى الآن تفرض نسبة الحصص "الكوتا" المخصصة للنساء في الكثير من البرلمانات لأنها لو تركت لحرية الانتخابات فإن الذهنية العامة ستصوت لها بشكل أقل، وعلى صعيد المؤسسات الدينية فإن الرجل هو الذي لازال يحتكر الأمر والخطاب ويحلل أو يحرم حتى في المواضيع التي تخصها هي كمسألة الإجهاض والعلاقات الجنسية خارج إطار الزواج وغيرها.
كما نلاحظ بأن المرأة أكثر قدرة على البوح الداخلي والاعتراف الحميمي من الرجل، إلى جانب سعيها أيضاً لأنسنة العولمة بشكل أكبر بدل هيمنة السمة المادية عليها.
8-ثمة انقسام عام بين نساء لازلن متحمسات وينشطن بإفرط حد التعصب ضمن طروحات "الحركة النسوية" التي انطلقت مع عقد سبعينيات القرن الماضي، وقسم آخر منهن لايتفقن معها ويرين بأنه لم يعد لها ما يبررها الآن وبأن الموضة قد تجاوزتها، بحيث نجد أحياناً ما يشبه حنين إلى عودة معاكسة تريد منها أن تعامل كامرأة، كائن رقيق عائلي حساس رومانسي وسيدة للبيت متجنبة خشونة التصادمات وقسوة العمل في الخارج. على خلاف القسم الأول الذي يرى بأن الذكورة قد فقدت هيمنتها إلى الأبد، كما أنها لم تعد منفردة بحيازة أي تيار أو اخترع جديد في العصر الحديث، وبأن الخطاب والنص الذكوري هو الذي قد تجاوزته الموضة، ويطالبن بمراجعة مجمل الخطاب بما في ذلك إعادة تأويل الخطاب الديني، فيقلن في المسيحية، ماذا لو كان الرب أماً وليس أباً؟ عندها لن يعمل أو لن يسمح بقتل ابنه.. وهكذا لتغير التاريخ والذهنية الإنسانية بمجملها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*ألقيت في ندوة (الحرية في الأدب النسائي) التي عقدت في تشرين الثاني 2009 طرابلس – ليبيا.
*نشرت في مجلة (شؤون ثقافية) العدد 26 السنة الرابعة، ديسمبر 2009 ليبيا.
*ونشرت أيضاً في الملحق الثقافي لصحيفة (الثورة) بتاريخ 8/12/2009م دمشق.

http://thawra.alwehda.gov.sy/_archive.asp?FileName=70410602020091208121147







الأربعاء، 13 يناير 2010

زاوية (جداريات) / .. عن الجوائز


لا الجوائر كثيرة ولا الحديث عنها بكثير

د.محسن الرملي

في أغلب المقابلات والمقالات التي قرأتها مؤخراً في منابرنا الثقافية لاحظتُ رأياً يتكرر، ومفاده: أن الجوائز العربية قد أصبحت الآن كثيرة وأن ما يكتب وما يقال عنها كثير. إلا أنني شخصياً أجد نفسي مخالفاً ولا أتفق مع هذا الرأي. بل أرى بأن العكس هو الصحيح. ففي بلد واحد فقط مثل إسبانيا نجد أن الجوائز الأدبية بالآلاف، عدا الكم الهائل المخصص للفنون الإبداعية الأخرى. ويصدر بها كتاب يشبه دليل أرقام الهواتف سنوياً يحتوي على المعلومات الخاصة بأكثر من ثلاثة آلاف جائزة أدبية، تتراوح مكافآتها بين رمزية تقديرية لا تمنح سوى الشكر واسمها وميدالية والتكفل بنشر النصوص والاحتفاء بها إلى أخرى تربوا على الستمائة ألف يورو. وتتنوع الجهات المنظمة بين مؤسسات رسمية وأخرى خاصة وجوائز تقيمها بلديات المدن والقرى والأحياء والجامعات والمعاهد والبنوك والشركات والمكتبات والجمعيات والنوادي والصحف والمجلات والإذاعات والمواقع الألكترونية ودور النشر صغيرها وكبيرها.. بل وحتى الكثير من المقاهي العادية. جوائز لكل أجناس الإبداع الأدبي وداخل هذه الأجناس تصنيفات أخرى تتعلق بالموضوع أو الشكل. جوائز تحمل أسماء مدن وقرى وأنهار ومؤسسات وشركات وآثار وأحداث وكُتاب وشعراء ومبدعين أموات أو أحياء ومنها ما يحمل اسم عمل أدبي بعينه كالكيخوته مثلاً... وهكذا، مما يصعب تعداده وحصره، فاستحداث الجوائز والإكثار منها ضروري وحيوي لأية ثقافة، وهي إيجابية بكل شيء، تنفع من يفوز بها بما ينال وتنفع من يشارك ولا يفوز ولو بكونها حافزاً لما أنتج ومن ثم سبباً للتنفيس عن نفسه بنقدها بل وشتمها حتى أو بدفعه للإطلاع على ما فاز بها كي يقارن نصه معها ويراقب الفروقات فيحلل أو يبرر. كما أنها تنفع منظميها ومحكميها بالمزيد من القراءة والاطلاع والدعاية وتنشيط منظومتهم مثلما ينشط دم الإنسان بعد التبرع بشيء منه. ودور النشر توسع من شهرتها وتجد بين يديها أعمالاً كثيرة تختار منها ما تريد، كما تنتفع مادياً بما تتفق عليه معها المؤسسات والبلديات وغيرها حول الطباعة والنشر، وبالتأكيد تنفع المتلقي بالفرز والحث على الاطلاع.. وهكذا. وكم من جائزة مدرسية بسيطة ورّطت طفلاً بعد فرحته بها كي يكرس حياته من بعدها للأدب فتكسب الثقافة مبدعاً آخر قد يكون مستقبلاً من رموزها وقممها. أتحدث عن وجود آلاف الجوائز في إسبانيا وحدها وبالطبع هناك بلدان أخرى تفوقها، أما لو حاولنا إحصاء الجوائز الخاصة بما هو مكتوبة بلغة معينة كالإنكليزية أو الفرنسية أو الألمانية أو الإسبانية التي يتحدث بها أكثر من عشرين بلداً فيبدو أمر حصرها أشبه بالمستحيل. فيما نحن أكثر من عشرين بلداً، وبلغة واحدة لازالت جوائزنا محدودة ويمكن عدها بيسر.
إذاً فلا الجوائز عندنا كثيرة ولا الحديث عنها بكثير، وعلينا أن نعمل على تفعيل هذا التقليد الثقافي قدر المستطاع وعلى كافة الأصعدة وفي كل الميادين، فالثقافة لا تقتصر على كاتب وناشر ومكتبة وإنما هي شأن الجميع. علينا أن نكثر من الحديث عنها والمطالبة بها أو استحداثها بأنفسنا، حتى وإن اقتصرت جائزة على مجرد اسمها مرفقة بكلمة شكر وتقدير، فالجائزة هي بالفعل مسألة شكر وتقدير.. ومن ذا الذي لايريد أن يتلقى ذلك على عمل يقوم به. فهذا واحد من أبرز كتاب أمريكا والعالم الأحياء (بول أوستر) يأتي إلى بلدة نائية في إسبانيا على الرغم من انشغالاته وفي غمرة أعياد الميلاد ليتسلم جائزة لا مادية ومجهولة، اخترعها مجموعة أصدقاء محبين للأدب، فهو لم يأت لطلب شهرة أو مال بالتأكيد.. وإنما جاء تقديراً لهذا التقدير.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر في زاوية (جداريات) في الملحق الثقافي لصحيفة (الثورة) السورية بتاريخ 12/1/2010 العدد 674