الثلاثاء، 24 فبراير 2009

مقال / حمزة الحسن


الروائي محسن الرملي ـ الحرب والفتيت المبعثر

حمزة الحسن

يثير فوز الكاتب والروائي العراقي محسن الرملي بجائزة جامعة أركنسا لهذا العام على روايته(الفتيت المبعثر) أكثر من قضية أدبية في آن واحد.
أول هذه القضايا وأهمها هو التكريم القادم من الخارج للروائي العراقي أو العربي، وعادة ما يأتي من قارئ لم تكن هذه الروايات موجهة إليه أصلا عند لحظة الكتابة، بل إلى قارئ محلي ظهر بالتجربة انه لا يقرأ شيئا، وإذا قرأ فإنه يقرأ بناءً على خبرته القديمة في الرواية التقليدية والتي لا يعرف أن الزمن تجاوزها بكثير وان هناك تيارات جديدة في هذا الفن لم يعد باستطاعة حتى الروائي المحترف اللحاق بها أو بمدارسها النقدية.
وثاني هذه القضايا هي علاقة الكاتب ـ أي كاتب ـ بجائزة، أية جائزة. هل تضيف هذه الجوائز أو تحذف شيئا من الكاتب أو الروائي؟ والجواب يتوقف على نوعية الجائزة والأهداف، ونوعية الكاتب ونصه الروائي.
والقضية الثالثة تتعلق بقدرة النص الروائي العراقي على تجاوز حدوده الوطنية وخلق فضاءات أوسع للقراءة من جمهور تشغله وتتحكم به هموم وانشغالات أخرى مختلفة.
والقضية الرابعة التي أثارتها هذه الجائزة هي إلى أي حد يشكل هذا الفوز إدانة أو صفعة أو لطمة للجمهور المحلي أو نخبه الثقافية أو ما يفترض أنها نخب فعلا وحقا وليست شيئا آخر، حين تتعامل هذه النخب أو هذا الجمهور مع الأدب الروائي العراقي بطريقة تتسم بالصبينة أو الغوغأة أو في أحسن الأحوال بالصمت أو التجاهل كأن هذا النص الروائي لا جمهور له في هذه الزمن غير حفنة من البلداء والعاطلين عن الوعي والأميين، مع أن جمهور الروائي العراقي يمتد إلى العالم العربي وهو بحكم اللغة قادر على تجاوز حدود القراءات الهامشية والضيقة إلى جمهور واسع وكبير ومؤثر، وبالتالي فإن فكرة حصار روائي يكتب باللغة العربية هي فكرة لا تصدر إلا من حشاش أو أثول.
هناك جوائز تعرّف بكتّاب، وهناك جوائز تشرّف كتّابا، وجوائز تكشف كتابا، وجوائز تخلق كتابا آخرين. لكن في حالة الكاتب محسن الرملي فإن جامعة أركنسا الأمريكية هي التي فازت به، وهو الذي شرفها، وهو الذي عرف بها، ومحسن الرملي هو الذي كشف عن هذه الجائزة في الوسط العراقي في الأقل.
وإذا كانت هذه الجائزة قد ربحت محسن الرملي، فلا شك أن هذا الكاتب كان قد قدم تضحية ما بقبوله بها خاصة في هذا الوقت بالذات، كما أن الرملي من خلال دار نشر (ألواح) التي يشرف عليها مع الأديب المبدع عبد الهادي سعدون قد قدم خدمات إلى الأدب العراقي والعربي اكبر بما لا يقارن من كل ما قدمته هذه الجامعة وهو قليل جدا ولا يتجاوز ترجمة عدة روايات لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة.
لكن ما هي رواية ( الفتيت المبعثر)؟
هنا محاولة لمعرفة طريقة تكون الخطاب الروائي باعتباره هو حامل كل المضامين الأخرى في النص وهذه محاولة لا شك غير مكتملة لأن هذه الرواية تحتاج إلى دراسة أعمق ومن جوانبها الكثيرة وفي حيز أوسع. الفتيت هو كسرات الشيء، كسرات الخبز، أو كسرات الأيام، أي الأجزاء الصغيرة من الشيء الواحد وقد تفتت. وإذا كان هذا الشيء فتيتا، فماذا يحصل لو تبعثر الفتيت؟!
هذا هو عقد القراءة الأول الذي يقول ضمنا أو تلميحا ومن خلال عنوان يشكل هو الآخر جزءا عضويا من بنية النص وليس ملصقا خارجيا، إننا بصدد قراءة رواية تتحدث عن فتيت تبعثر في كل مكان، وبلغة الرواية في نصها الداخلي تشرد هذا الفتيت.
إننا إذن أمام نص روائي عن التشرد وهذا التشرد ليس مرهونا بالخارج، أي خروج الفتيت إلى الخارج، بل نحن أمام تشرد داخل الوطن، والعائلة والقرية والحقل، والدليل هو هروب شخصيات كثيرة من الحرب في هذه الرواية داخل حدود وطنها وتشردها في الأدغال والمغاور والقبور.
ومقابل هذا الهروب الداخلي، هناك الهروب إلى الخارج حيث الراوي الذي يروي لنا هذه الحكاية عن الحرب والموت والصداقة المقتولة والحب الذي تحتل (وردة) جانبا كبيرا منه في قلوب سكان هذه القرية النائمة على ضفاف دجلة، حتى يمكن القول إن وردة هذه أكبر من امرأة وقد تفسر على أنها وطن حسب التأويل النقدي. يحاول الرملي من خلال مكون لغة شعرية روائية صافية نظيفة إحياء قرية عراقية في زمن حرب الخليج الأولى، وهذه القرية التي يتحدث عنها الراوي الهارب في إسبانيا هي كما في النص كانت الأبواب فيها قبل الحرب(مفتوحة والكلاب لا تنبح إلا على الغرباء. للأشياء هناك أسماء خاصة، الحيوانات والتلال والأواني والأحجار والغيوم..)
وهذه العذرية والبراءة والوداعة تكسرها الحرب وتحطم تلك العلاقات الحميمية التي تشكل هذا العالم النقي والنظيف. إنها ليست رواية عن الحرب، فلا مدافع، ولا قتلى، ولا هجوم أو هجوم مقابل، ولا خنادق حرب، بل أن هذه الرواية تتحدث عن انعكاسات الحرب على قرية وادعة آمنة والتدمير الخطير الذي حصل لها خلال وبعد الحرب.رغم القناع الذي حاول الرملي ان يلبسه وهو يروي هذه الأحداث، إلا أن صوت المؤلف محسن الرملي وحياته كانت موجودة في النص الروائي على نحو خفي أحيانا، جعل منه راويا للأحداث ومشاركا فيها، لكن هذا القناع لا يخفي في كل الأوقات خاصة في محطات عاطفية، وعلى سبيل المثل، إعدام الفنان قاسم في داخل القرية، وهو يذكر بإعدام شقيق محسن الرملي الروائي الشهيد حسن مطلك مؤلف رواية( دابادا) الذي أعدمه النظام خلال الحرب وكان أول روائي عراقي يطرز صدره الفاشيست بالرصاص في حين كانت صدور كثيرة تطرز بالنياشين والأوسمة.
وقناع الراوي هو أحد أساليب الحكي الروائي التي يلجأ إليها الكاتب حين لا يريد أن يكشف عن مدى التطابق بين حياته الخاصة وحياته داخل النص. لذلك لجأ روائيون عرب كثيرون إلى تقنية التخفي أو القناع وفي الوقت نفسه تحدثوا عن حياتهم الشخصية مثل جبرا إبراهيم جبرا وحيدر حيدر وهاني الراهب وغالب هلسا وسليم بركات في روايته(عبور البشروش) وحليم بركات في روايته(طائر الحوم) ونجيب محفوظ في كثير من رواياته.
وظاهرة القرين في النص الروائي إحدى تقنيات القص التي مارسها كتاب كثيرون في العالم خاصة بعد تقدم العلوم النفسية ومن بين الكتاب الذين تخفوا خلف (قرين) هم شارلز ديكنز وديستوفكسي وجوزيف كونراد وإدغار آلان بو، وغيرهم، ومن كتاب الرواية العراقيين الذين استخدموا تقنية القرين هو الكاتب سليم مطر في الرواية التي تحمل عنوان(التوأم المفقود)والتوأم هو القرين حصرا،ورواية سليم مطر في رأيي لا تتوفر حتى على شروط الكتابة الروائية وحماسة البعض لها هي حماسة ليست أدبية بل سياسية أو حزبية في أضيق نطاق.
تقنية القرين أو التوأم أو القناع هي وسيلة من وسائل الكتابة عن الذات من منطقة تختلف عن منطقة السيرة الذاتية التي يهرب منها ويتحاشاها كثير من كتاب الرواية نظرا لكونها تتحدث بلغة مكشوفة وعارية عن أكثر المواقع حساسية في المجتمع والجنس والسلطة وهي انبثاق للأنا المطمورة تحت قواعد وركام وقوانين وعقائد ومحرمات لا حصر لها، خاصة وان النقد التقليدي يركز على حياة المؤلف، في حين يركز النقد الحداثي على حياة النص من داخله بصرف النظر عن كاتبه حتى لو كان مجهولا.
إن نقد الشخص أو المؤلف لا يحتاج إلى موهبة أو كفاءة أو ثقافة أو حس نقدي أو معرفي، بل يحتاج إلى عقل فارغ، أما نقد النص فيحتاج إلى وعي نقدي ومعرفي وحس أخلاقي لذلك يتهرب كثيرون من نقد النص باللجوء إلى تقنية نقد الشخص وهو تعبير عن عجز معرفي ونقص أخلاقي لا يخفى.
السيرة الذاتية ليست إعادة صياغة حرفية للأحداث كما يتوقع بعض القراء العرب خاصة بل هي إعادة صياغة للذات من خلال ذاكرة مستعادة، أي بناء ذاكرة نصية في موازاة أحداث مضت وانتهت. وهذه السيرة تبنى بالتخيل. وكل تخيل هو لعب وخلق وإعادة بناء، وجان بول سارتر في سيرت الذاتية(الكلمات) قال قولا شهيرا عن هذه السيرة (لقد حان الوقت لكي أقول الحقيقة، أخيرا، لكن لا يمكن أن أقولها إلا في عمل تخييلي).
يختار الروائي محسن الرملي أن يروي لنا الأحداث مرة عن طريق الاعترافات الشخصية سواء عن رحلة هروبه أو عن ذكرياته في القرية، وأحيانا عن طريق فسح المجال للشخصيات الأخرى لكي تروي حياتها هي . لكن أسئلة المثقف حول العالم والمصير والخوف والموت والحب تبقى هي أسئلة الكاتب مما يجعل الشخصيات الأخرى صدى لمؤلفها، وهذا يقلص من حرية الشخصية داخل النص التي يفترض إنها تتجاوز حرية المؤلف الذي تحكمه ظروف وأوضاع وحالات.يهيمن السياسي على كل ماعداه(وهذا أمر مفهوم) سوى حكايات عن الحب والأمل والجنس تأتي بصورة عرضية دون أن تضيء المشهد كثيرا، وهذا العرض السياسي للأحداث يقلص هو الآخر من مدى عمق الرؤيا في النص الروائي. لقد قال الروائي ميلان كونديرا عن رواية (1984) لجورج أورويل ـ واسمه الحقيقي أريك بلير ـ رأيا يتسم بالحدة. قال في كتابه خيانة الوصايا (يكمن التأثير السيئ لرواية 1984في تقليصها المهول للواقع وجعله مقتصرا على البعد السياسي فقط، ثم في تقليص البعد السياسي إلى ما هو سلبي. أنا ارفض أن أسامح تقليصا من هذا النوع بحجة انه كان دعاية مفيدة ضد شرور الأنظمة الاستبدادية. إذ أن اكبر الشرور هو تقليص الواقع في الرواية إلى سياسة. إنها تقلص ـ وتدفع الآخرين لتقليص ـ حياة المجتمع إلى قائمة بسيطة من الجرائم).
إن جميع شخصيات الفتيت المبعثر انتهوا نهايات مأساوية محزنة حتى من فر إلى الخارج أو اختفى في الداخل.(إعدام قاسم /غاب أحمد/ غاب عبد الواحد في المقبرة ثم قتل في الحرب/ سفر واختفاء محمود/ مقتل فوزي في الحرب...الخ..).
تنتهي الرواية نهاية عبثية أقرب ما تكون إلى نهايات مسرحية صموئيل بيكت حين يعود الراوي أو المؤلف إلى واقعه الجديد في إسبانيا وهو يخرج من المترو ليشاهد عند زاوية الدرج فتاة يرنحها الإدمان وهي تنزل بنطالها وتبول، وعلى زجاج بوابة يقف شاب بأقراط فضية يوزع عنوان مرقص للتعرية.
إن أحد أساليب الحكي في هذه الرواية هو أسلوب التداعي، أي التذكر، وهو أمر طبيعي لشخص يعيش في منفى لا تبقى بينه وبين الأمكنة الأولى غير الذاكرة، ومن خلالها يحاول استعادة بعض جوانب تلك التجربة التي تختزن في الغالب على ما يخرب الذاكرة ويمنعها من التواصل مع المكان الجديد، وفي هذا التداعي يلجأ الرملي إلى أسلوب التداعي الطويل الأمد.
إن أسلوب التداعي يصنف استنادا إلى طوله، وحسب الروائية الأمريكية نانسي كريس، فإن أصناف التداعي ثلاثة وهي:
أولا: الطويل الأمد.
ثانيا: التداعي المتوسط الطول.
ثالثا: التداعي القصير.
الأول، أي الطويل، حسب الكاتبة، هو الذي يستمر على مدى القصة والرواية ويسمى أيضا بإطار القصة. الثاني، المتوسط، هو اكثر الأشكال شيوعا، يستمر على مدى مشهد واحد أو مشهدين أو عدة فصول. أما الثالث، القصير، فيستفاد منه لإعطاء عمق على الشخصية وتوضيح الوضع.
في رواية الفتيت المبعثر كان التداعي المستعمل هو الطويل الأمد الذي لم ينته إلا في الصفحة الأخيرة تلك النهاية العبثية. وهذه التقنية مناسبة تماما لرواية تدور عن المكان المبعد والمقصي والمستعاد من خلال الذاكرة والكلمات. إن اللعبة الأساسية هنا هي التخيل. والتخيل ليس استعادة حرفية للأحداث والشخوص والوقائع والأماكن، بل هي محاولة لإعادة بناء ذات وقرية خربتهما الحرب والسياسة من خلال ذاكرة رجل منفي، وكل ما وقع للقرية من دمار وقع في نفس الوقت لذات الراوي الهارب. أي أن الخراب يمشي بالتوازي.
لكن هذا الراوي الهارب لم يهرب من الأمكنة القديمة لأنها تعيش في داخله في كل مكان وتحذف من كثافة حضور المكان الجديد الذي يظهر كصورة أو ديكور لحياة رجل كتب عليه أن لا ينجو أبدا من فتيت الذاكرة المبعثر.
يقول اندريه جيد عن خطورة الإقامة في المكان الواحد (ليس هناك شيء اكثر خطورة عليك من عائلتك، من غرفتك،من ماضيك...عليك أن تتركها). لكن اندريه جيد لم يكن هاربا من هذه الأمكنة، ولم ينتزع منها بالقوة، بل تركها بنفسه ولم يأخذ هذا الفراق شكل الحرج أو الإهانة.
هل تستطيع هذه الرواية الجميلة والممتعة أن تعيد بناء وجمع القرية وفتيتها الذي توزع بين المقابر والمنافي والسجون؟.
هل يستطيع الرملي أن يكتب لنا رواية أخرى عن عودة هذه الفتيت إلى مدن وشوارع وقرى محرومة من النوم والخبز والحرية والضحك وزمن الأراجيح؟.
وأخيرا، مبروك لجامعة أركنسا الأمريكية، بفوزها بالروائي محسن الرملي!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*حمزة الحسن: روائي عراقي يقيم في النرويج. http://www.hamza.ws
*نشرت في موقع (الحوار المتمدن) بتاريخ 2003 / 1 / 24

قراءة / د.صلاح نيازي



إعادة تشكيل قرية عراقية.. في مدريد

زمن الحروب والمنافي في «الفتيت المبعثر» المترجمة للإنجليزية

صلاح نيازي

تبدأ رواية «الفتيت المبعثر» بفكرة غامضة مثيرة :«غادرتُ بلدي، متبعاً خطوات محمود، باحثاً عنه، حالماً بأنْ نفعل شيئاً ما، ونصبح رجالاً، يستحقون الاحترام كي تبحث عنا ـ فيما بعد ـ نساء مثل ابنة عمّي وردة التي تنقّلت بين الأزواج حتى انتهت باسماعيل الكذّاب»
مغادرة راوية القصّة، مغامرة بحدّ ذاتها، فمحمود رحل ولكنْ ما من أحدٍ يعرف عنه شيئاً.
السفر مهمّ كذلك، لأنه عن طريقه فقط سيكون «من الرجال الذين يستحقّون الاحترام»، الذي لا يرتبط إلاّ بالنساء، وكأنّ تلك القرية خامدة هامدة، لا ينجح فيها إلاّ مَنْ غادرها. للنساء في هذه القرية، أهمية استثنائية، لأنّهنّ الوحيدات اللواتي يمنحن الاحترام.
لكنْ مَنْ هو محمود؟
«لم يكنْ يعني شيئاً لأحد»، حتى حينما غادر متسلّلاً، لم يفتقده إلاّ أمّه التي يمرّ محمود على بالها بتقطّع.
يتسلّل الراوية ليلاً عبر جبال الشمال متبعاً الطريق الذي اتبعه محمود، مع فارق مهمّ، فالشاحنة التي كانت تقلّ الراوية معطّلة الأضواء، وسائقها سكران.
يقول الراوية في مقطع تالٍ أثناء الرحلة :
«نظرث إلى التماعات ماء عيون الجبال والشلاّلات المتدفقة وسط الصخور والشجيرات المتعلقة بسفوح الجبال كأطفال استمسكوا بظهور أمّهاتهم. وعلى القمم يشعّ الثلج الأبيض مثل قبّعات فضية... فقلتُ لنفسي: إنها جنّة أخرى في العالم».
هذا هو المشهد الأخير الذي رآه راوية القصّة قبل أنْ تتوالى عليه الأعوام، من بلد إلى بلد في المحطات. لا غرابة في ذلك لأنّ المحطات «وجدت للنوم والانتظار والنهايات».
بالإضافة إلى ذلك، فإنّ المقطع أعلاه، يترك في ذهن القارئ، كما ترك في ذهن الراوية، طفولة متشبثة بأمومة (كأطفال استمسكوا بظهور أمهاتهم) وصورة (جنة أخرى في العالم). ما الذي سيكون من أمر هاتيْن الفكرتيْن؟
يجد راوية القصة نفسه في خضمّ لغة أجنبية تحاصره. الهواتف مقطوعة ببلده. الرسائل غير مضمونة الوصول. ما من أخبار. ولكونه وحيداً تستفحل في رأسه تداعيات من الهواجس :«هل شُفِيتْ أختي ربيّة؟ ماذا حدث لابن عمّي المحاصر في الجنوب؟ كيف يعيش جارنا الذي قُطِعتْ ساقه في الحرب؟».
هكذا حمل الراوية من قريته همَّيْن : همَّ المرض وهمَّ الحرب.
يبدو أن اجترار الذات يوماً بعد يوم يوحي بعدم أهمية صاحبها. عندئذ يتقلص وينكمش ويتدنى من منزلة إلى منزلة. يُذِلّ نفسه أوّلاً حتى لا يجد ضيراً في إذلال الآخرين له.
على هذا يتدنى الحوار إلى امراة ووسيطها والمغني يوسف عمر وأغنيته البذيئة «داود اللمبجي». وهذه أمور لا علاقة لها بإسبانيا، ولا يمكن أن تشكّل جسراً من أيّ نوع، بين الوافدين والسكّان الأصليين.
راوية القصة، ربما بسبب عدم معرفة اللغة، ينكمش عمّا يحيط به. يصبح جزيرة خاصة، منفصلة ومتصلة في الوقت نفسه.
بهذه الحيلة الفنّية يُحيي راوية القصة قريته، قطعةً قطعة. فإذا بها قرية، وليست كالقرى، ففيها «نبتت أوّل شجرة سدر وكانت تضيء ليلاً». تقع القرية على نهر دجلة، وفي الضفة المقابلة، قلعة آشور. «في وسط النهر جزيرة صغيرة مكتظّة ببنات آوى والذئاب وأعشاش طيور الدراج وسط أشجار الطرفة حيث يتسللّ الصبية ليلاً لصيدها نائمة على بيضاتها، فيصيدون العشاق النائمين على الرمل ويخبرون القرية».
أعطى الراوية في هذا المقطع بعداً دينياً ـ السدرة، وبعداً تأريخيّاً ـ قلعة آشور. بهذه الوسيلة أصبحنا أمام قرية ذات جذور تميزها عن غيرها. أما لصوص الليل الأبرياء، لصوص بيض الدرّاج، فتقودهم مغامراتهم إلى ما هو أشدّ خطورة في الفضائح من حيثُ لا يعلمون.
قد لا تكون الجزيرة هنا رمزاً قصده المؤلف، ولكنها عالم منفصل متصل كما قلنا، قد يمثّل عالم الغرائز الطبيعية، في الليل في الأقل.
في الليل لا بدّ من شهرزاد. نساء القرية على عكس شهرزاد، يتبادلْن َ الأخبار صباحاً، على تنانير الخبز: «قالت عمشة وهي تنشر فراش نومها المبلّل على سطح الدار : لقد بال عليّ زوجي الليلة أيضاً. ثُمَّ تُضيف على لسانه، بأنّ الأطباء لم ينفعوه، ولا الدراويش». «ابن عدلة العرجاء وجد ابنة العريف عبد الرحمن مع ابن سعيد العطار ليلاً في الجزيرة، والشيخ صالح يأمر بتزويجها وستر عرضها، وابراهيم المغني يؤلّف عنها أغنية يرددها في الأعراس فيكرَّم بعنز بجدييْها». على هذه المثابة، وثمّة تفاصيل أخرى مثيرة للغاية، يُعيد محسن الرملي تشكيل القرية، بينما إسماعيل «يتنبأ بأنّ القرية ستستقبل غداً جثثاً أخرى من أبنائها الذين قُتِلوا في الهجوم الأخير على الجبهات، مع ذلك فالقرية لا تشلّها فجائع الحرب، ففرحان «يفكّر في الزواج من عائشة» وهي الزوجة الرابعة «ليجدّد بها فراشه»، وقد صبغ شيب رأسه ولحيته حال سماعه بمقتل زوجها في الحرب».
يبدو أنّ أهالي هذه القرية، تواطنوا بمرور الزمن، على خلافاتهم الصغيرة، وتآلفوا مع الطبيعة وحيواناتها، إلاّ أنّ شيئاً واحداً طرأ عليها نتيجة الحرب. ذلك ان فئة منهم يموتون «بعيداً عن القرية».
جرتْ على هذه القرية، وهي كأية قرية أخرى منكفئة على نفسها بحكم الظروف، تطورات خاصّة لا يفهمها الغرباء، حيث تتخذ الموجودات الحيّة والجامدة أسماء ودلالات مختلفة. «للناس أسماء كثيرة، منها ما يُطلَق بعد حادثة ما فيشتهرون بها، أو يقال مزحة ويستمر، ومنها ما يظهر فجأة ويختفي عند حلول غيره...».
يبيّت الراوية للقارئ حيلة غريبة لشدّه. إنّها لا أكثر من قنفذ لا حيلة له في الظاهر، إلاّ أن يتكور على نفسه لدى كل طارئ خارجي. كرة شوكية ملمومة على نفسها. أشواكه غير مضمونة إذا انتفض. استقرّت بعض تلك الأشواك في رقبة عجيل. يقول الراوية :«عجيل زوج عمّتي»، الدم ينزف من تفاحة آدم. وبعد حين انقطع النزيف، إلاّ أنّ ذكرى تلك الحادثة لم تنقطعْ حتى حين بلغ عجيل سبعين عاماً.
أمّا قاسم وهو ابن عجيل، فقد «قضم الجرذيّ أذنه، وهو نائم، بعد أن حكّها فور نهوضه من صحن الثريد المنقوع بالسمن الحيواني».
من خلال قاسم نتعرّف على زوجته حسيبة، ابنة عمّه السليطة اللسان، القادرة بشتائمها على تهجير مدينة «لكنْ ما حبّب حسيبة إلى قاسم»، كما يقول: «إنها رائعة... إنها امرأة دائمة الاشتعال، دائمة التحفّز، دائمة الاقتتال، دائمة التوهّج، دائمة الخضرة، وأنا فنّان أحبّ المغامرة، ولا أجد لذّة في الحياة إلاّ في تلك الأجواء الخطرة بجمالها. مثل تسلّق الجبال أو مصارع الثيران، أو مثل لاعب السيرك، فمتعة المشي على الحبل هي المتعة الوحيدة... ومثل مروّض الأسود والنمور، إنّه معرّض للافتراس في أية لحظة... وحسيبة نمرة لا تهدأ. تجعلني أعيش السنوات كتلك اللحظة، باحتراق دائم ...على حافة البقاء والزوال».
هكذا قدّم لنا الرملي بانسيابية محببة شخصية قاسم، فناناً في تلك القرية المنكفئة على نفسها، ومن خلال الأسباب التي قدّمها للزواج من حسيبة، ندرك أننا أمام فنان بعيد عن العفوية. فنان يعرف ما الذي يجعل الفنّ أصيلاً وأعمق تأثيراً.
بالإضافة إلى ذلك، فإنّ ظهور فنان كقاسم في القرية، يعني أن القرية ترتبط الآن من خلال الفنّ، بالعالم الخارجي، وبالتراث والمستقبل. يعني كذلك من وجهة نظر سياسية، أن مصير هذه القرية مرهون بالوضع العام.
بدخول السياسة، اتخذت حتى الاختلافات الطفيفة أبعاداً مخيفة، فالحاج عجيل بدافع وطني خالص، صاح في خطبة له :«إني أعبد وطني. إني وطني»، فإذا بمؤذن الجامع وإمامه يقول بغضب: «إخرسْ، أعوذ بالله منك ومن وطنك الذي تعبد».
قالت له ألسنٌ أخرى :«هل خرفتَ يا رجل! تكفر وأنت في غروب عمرك، قَدَمٌ في القبر وقَدَمٌ في الدنيا..!».
جرّ الفنّ على قاسم، الموت. لقد أُعدم في وسط ساحة القرية لهروبه من الجيش. قال قاسم معللاً سبب هروبه إنّه يرفض الحروب جملةً وتفصيلاً. إنه لا يريد أنْ يَقتل، أو يُقْتَل، وما يحدث مهزلة لا يستسيغها.
يعود راوية القصة إلى محمود ثانية، إلى محمود بحيلة فنّية بارعة.
كان الراوية يعدّد الأبناء، ويصفهم بما عُرِفوا به بين الأصدقاء والأقرباء، وأبناء القرية. ثمّ يصل إلى محمود :«لعلّ أبلغ ما يُقال فيه، ما قاله والده : إنّه لا شيء. هذا الولد لا شيء إطلاقاً. إنّه آدميّ بلا ظلّ، ولكنه رقم في تعداد السكّان». ويقول عنه راوية القصّة:«كأنه بلا انفعال، كأنّه بلا رأس، عاديّ جدّاً، بل أكثر عاديّة من شخص عاديّ...إلخ».
يذكر راوية القصة أنه لا يتذكر محمود، ولا يدري لماذا يبحث عنه في بلاد الأجانب، ألأنه يريد أن يُفرح عمّته إنْ هو جاء به. قال الراوية:«جلّ ما أريده هو نقل عبارة وردة إليه حين ودّعتها في الليلة السابقة لخروجي: قلْ له أنْ يُصبح رجلاً يستحقّ الاحترام».
من غرائب الفنّ أنه إذا ما أُسيئت غايته لا يعود إلاّ بالوبال. كذا كان الأمر بين قاسم وبين أبيه الذي أراد منه أن يرسم صورة كبيرة للقائد، متعللاً أن ابنه استطاع أن يرسم كل شيء حتى الحمار. إلاّ أنّ الابن لا يتمكن، لأنه يكرهه. يستشيط الأب غضباً، لأنّه يؤمن «أن القائد هو الوطن، والوطن هو القائد»، ويعتقد كذلك، أن «المكان أغلى من الإنسان».
هذه المعركة الصغيرة بين الأب وابنه صغيرة فعلاً وعائلية. كيف توسّعتْ فاجتازت جدران البيت، وحدود القرية التي اتسعت «مقبرتها بفضل جثث أبنائها الملفوفة بأعلام الوطن، وأعلام أخرى ترفرف فوق شواهد القبور، بحيث استحالت مقبرتنا القديمة، إلى غابة من الرايات تنوح تحتها الأمّهات كلّ خميس».
بمرور الأيام، وباشتداد المعارك بات الوطن وطنيْن: وطناً ترسمه الحكومة في وسائلها الإعلامية وهو منتصر مؤزر، ووطناً يرسمه الفنان قاسم.
يشهد أبناء القرية مراسيم إعدام الفنّان قاسم.
هل نسينا عند هذا الحدّ أشواك القنفذ التي استقرّتْ واحدة منها في تفاحة آدم؟ انقطع النزيف، انقطع ألمها منذ سنين، إلاّ أنهما عادا من جديد مع سماع عجيل للرصاص الذي انهمر على جسم قاسم :«خيط الدم النازل من تفاحة آدم في عنق عجيل.. ذلك الخيط الذي عاود الظهور بعد أكثر من سبعين عاماً، بعد سماع الإطلاقة الأولى على جسد قاسم. صار عجيل يشعر بإبرة القنفذ تؤلمه على غير ما نسي...».
الغريب كلّ الغرابة، أنه بينما كانت الحياة تموت في القرية، أصبحت المقبرة الآن، ممتلئة بالحياة، اصبحت بمثابة مسرح جديد للأحداث. علاقات اجتماعية جديدة تعقد فيها. تنفيس عن الملل والحزن، وحتى مشاريع غرامية حارة. القرية تتقلص وتعتم، بينما المقبرة تموج وتموج وكأنها متنزّه. أصبحت المقبرة متنزهاً من نوع ما.
الموتى تحت التراب، قوى لا مرئية، ولكنّها تكاد تتحكّم بالمصائر. المقبرة هي المشهد الحيّ الوحيد في القرية تقريباً. ما بين القبور وحواليْها تولد حياة جديدة لم تخطر ببال أحد، من قبل، مثل خروج غصن يانع من لحاء قديم.
لنأخذ المشهد التالي.
إسماعيل، عازف ربابة، ولا شيء آخر. ما الذي حمله للذهاب إلى المقبرة؟ عُرِف بأكاذيبه. ولم يصدقْ إلاّ حينما تنبأ بانتهاء الحرب. يقول راوية القصة، إن عمّته كانت في المقبرة، حينما كانت تنوح بأفجع أنواع الشعر. وردة معها. «ودّ إسماعيل لو كان قد حمل ربابته معه، ليرتل لها أحزانها، وليبثَ معها أحزانه». حزمتان من الفجيعة تداخلتا في أغرب نواح.
إسماعيل يكشف عن خطة جهنمية. إسماعيل وهو داخل المقبرة، يزرع الامل في كلّ جسد وردة. إسماعيل سيثأر من القتلة. إسماعيل «رجل يستحقّ الاحترام»، في نظر وردة. وردة تطلب من إسماعيل الزواج.
كذا في هذه القرية تولد الحياة في مقبرة. القرية ذاتها تموت قليلاً قليلاً في الغربة أيضاً. حاول راوية القصة أن يحييها من جديد بمدريد، لكنه وجدها ميتة نسلاً نسلاً وبيتاً بيتاً. الأفجع حتى الطبيعة لم تعد طبيعة. يقول الراوية :«ساد الكون ظلام وثمة قمر ينير... كان عاديّاً أجرد مثل قطعة معدِنية كالحة ولا شيء فيه. المقبرة مظلمة والحقول، أما ظلام القرية فتثقبه المصابيح المتناثرة..».
مع تعتيم القرية بمدريد تتعتّم عينا عمّة الراوية بالماء الأزرق.
ـ «يا عمّتي انتبهي... سوف يعميك البكاء»
انطفأت الأضوية.
ما الذي يفعله الراوية بجثة هذه القرية في الغربة؟ أين محمود الذي كان يبحث عنه؟ لا جديد عن الوطن في الصحف. لا جديد في المنفى. راوية القصة نفسه بين حصاريْن. الأيام تتشابه وتتشابه.
يقول الراوية :«هنا في الأصقاع القريبة من غرناطة نتقاسم مع الفلسطينيين النحيب، نبكي كالنساء على أوطان لم نعرف المحافظة عليها كالرجال، وكم بصقنا على شواربنا في مرايا الغرب، «تفّو»، ثمّ انتهينا إلى حلاقتها جميعاً..».
تماماً كما انتهت القرية بأصوات متنافرة، قبل رحيله، يجد الراوية نفسه «محاطاً بالاسبان: الثرثرة والكلاب والدخان وأوراق الدعاية. تماثيل جميلة لا تعرف ماذا حدث هناك لعمتي».
راح راوية القصة يتسكع إلى ما لا نهاية، وكأنّ التسكع هو العلامة الوحيدة على أنه ما يزال حيّا بصورةٍ ما.
------------------------------------------------------
*نشرت في صحيفة (الشرق الأوسط) بتاريخ 6 ديسمبر 2006 العدد 10235 لندن

*وفي صحيفة (المدى) بتاريخ 14 كانون الأول 2006 العدد 833 بغداد

قراءة / أحمد العزب



الفتيت المبعثر .. الالتفاف على القانون

أحمد العزب

ـ القاهرة
ـ

صدرت عن مركز الحضارة العربية/مصر .. رواية (الفتيت المبعثر) تأليف محسن الرملي تقع في 93 صفحة من القطع المتوسط، وتتناول هذه الرواية عائلة عراقية في ظل ظروف الحرب والسلطة الدكتاتورية. تتكون من سبعة أبناء؛ ستة ذكور وأنثى واحدة إضافة إلى الأبوين، ولكل من هذه الشخصيات خصوصيتها ورؤيتها وسلوكها المختلف. حيث تحاول الرواية أن ترسم صورة لحال الشعب العراقي عبر عينة منه (عائلة) تمثله بشرائحه المختلفة والمتباينة في المواقف إزاء ما يحدث لها، لهذا نجد شخصية الأب التي ترمز إلى الجيل الكلاسيكي من الوطنيين الذين ظلوا يتحدثون عن مآثر آبائهم في مقارعة الاستعمار، ويرى في السلطة الحالية أنها تمثل الوطن مادامت هي من أبناء الوطن بغض النظر عن أخطائها وقمعها له، فنجد أن هذه الشخصية تموت نزفاً في النهاية بعد أن فقد الأب كل أبنائه؛ مَن كان مع السلطة أو ضدها، لهذا يهتز عنده مفهوم الوطنية الذي كان راسخاً ويرمز بموته هذا إلى موت المفهوم الأعمى والساذج لمعنى الوطنية. أما الأبناء ففيهم الفنان (قاسم) الذي يرفض رسم صورة للقائد ويهرب من الجيش لعدم قناعته بالحرب فيتم إعدامه وسط القرية، فيما يُقتل في جبهات القتال شقيقه (عبدالواحد) لأنه ذهب إلى الحرب مستجيباً لسلوك القطيع، بينما شخصية (سعدي)، الشاذ جنسياً يصبح مقرباً من السلطة، أما الذي يخرج من البلد هارباً إلى الخارج فهو (محمود) الذي يرمز إلى المعارضة التي لا هوية لها ولا قيمة حقيقية أو مؤثرة، وعليه تبدأ الرواية على لسان الراوي ابن خالة محمود وهو يحلم باللحاق به من أجل فعل شيء جاد ومنقذ لكنه في النهاية لا يجده بل أنه يشعر بنفسه في أنه لا يبحث عنه حقيقة. الابن الآخر (أحمد) وهو الناجح في الدراسة إلى أن يصبح قاضياً فينتهي إلى السجن لأنه لا يستجيب لرغبات أقرباء السلطة في مسائل الالتفاف على القانون. الابن الآخر(عبود) وهو الذي يولد جميلاً ثم يصاب بالجنون وتتغير ملامح جماله إلى تشويه خلقي فيعوي كالذئب، وعندما تستجيب عائلته إلى نصائح الدراويش في علاجه بوضعه ليلاً في قبر مفتوح يختفي ولا أحد يعرف مصيره… تبقى الأخت الوحيدة(وردة) الجميلة التي ينبهها أخوها قاسم إلى فداحة ما يحدث حولها ثم تتأكد من قوله عند إعدامه ومن موت زوجها في الحرب فهي تمثل المرأة العراقية التي كانت بعيدة في وعيها عن الاهتمام بما يحدث للوطن، ولكنها أدركت متأخراً فداحة هذا الذي يحدث فتروح حالمة بالتغيير إلى أن تتزوج بشخص عازف وموهوم وحالم أيضاً يعدها بالخلاص ويحدثها عن خططه كل ليلة وهي تحلم معه بالخلاص وينجبون الأبناء الذين يحملون أسماء الموتى.بينما تبقى الأم تنوح بين قبور أبنائها وزوجها تنقل لهم أخبار أطفالهم تبكي وتضحك مع قبورها وعيونها تنطفئ شيئاً فشيئاً بسبب كثرة البكاء.
يتم بناء الرواية داخل تأطير تقني مقصود، حيث تبدأ بفصل يحمل عنوان(صِفر الروي) وتنتهي بفصل يحمل عنوان (صِفر اليدين) بينما تدور أحداث الرواية الأساسية على مدار عشرة فصول تحمل أرقاماً، مما يبدو أن صوت الراوي وهو قريب العائلة يشير إلى حاله كشخصية تؤطر ما حدث عبر الروي ولكنها جزء منه في الوقت نفسه، وتبث حيرتها أمام ما يجب فعله إزاء هذا الفتيت المبعثر الذي صارت عليه العائلة/الوطن. الأمر الذي يجعل من هذا العمل ناجحاً في وصفه للتفتُّت المادي والمعنوي النفسي للإنسان العراقي سواء أكان في داخل العراق أم خارجه.
وتتسم الرواية بلغتها المشحونة والمحتبسة بالصراخ والوجع، ولهذا فإن التكثيف الشديد فيها يساعد على فتح آفاق التأويل، إلى جانب ذلك يحاول الكاتب محسن الرملي شد القارئ بحميمية إليه عبر ضخه المتدفق للإحداثيات والأحداث التي تدور حولها الرواية، ولهذا نجده يتنقل في استخدامه وتعامله مع الزمن حيث يتحدث عن الماضي بصيغة الحاضر أو المستقبل أحياناً، فهو يشير وسط السرد إلى أحداث ستقع لاحقاً، علماً بأن الأحداث قد وقعت كلها في الماضي. إضافة إلى تجسيده لامتداد الماضي عبر وصفه لحاضر الراوي الذي يعاني التمزق بين الحنين إلى الوطن وعجزه عن إيجاد سبيل حقيقي يقوده إلى ما يحلم به لوطنه.الأمر الذي نستطيع القول معه بأن (الفَتيت المُبعثَر) قد حاولت نحت هويتها التجريبية ولم تتخل عن حرصها على العناصر الفنية رغم رسالتها الصارخة حول ما يحدث في العراق وسعيها إلى تسجيل هذه الأوجاع ووصف الكارثة والحث على التفكير في سبيل إلى الخلاص ولو كان بالمقاومة عبر خندق الحلم...
إن رواية محسن الرملي هذه الرواية شهادة حقيقية تسجل ما حدث ومازال يحدث للشعب العراقي وقد كتبها روائي له تجربته الفعلية في الحرب والحصار وقمع السلطة التي شنقت شقيقه الروائي حسن مطلك سنة 1990، إضافة إلى تجربته في الكتابة حيث كان لمجموعته القصصية الأخيرة (أوراق بعيدة عن دجلة) التي حظيت باهتمام كبير لما فيها من تميز في اللغة والرؤية والطرح.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في موقع (محيط) بتاريخ 13/3/2001 القاهرة.

الاثنين، 23 فبراير 2009

قراءة / د.وليد صالح الخليفة


"الفتيت المبعثر"

أكثر من جنس أدبي لأكثر من صوت

د.وليد صالح الخليفة

- مدريد -


صحيفة (الزمان) بتاريخ 8/12/2000 العدد 797 لندن

قراءة / علاء حمد

القاص العراقي محسن الرملي
في رواية " الفتيت المبعثر "
أسئلة متراكمة تمتد بين اللوعة والعذاب والمنافي
علاء حمد
- كوبنهاغن -

صحيفة (بغداد) بتاريخ 19/1/2001 العدد 440 لندن - عمان

قراءة / عيسى حسن الياسري


رواية الفتيت المبعثر


سيرة ذاتية لمحنة الإنسان


عيسى حسن الياسري

صحيفة (الزمان) بتاريخ 16/2/2001 العدد 849 لندن

قراءة / محمد عبدالوهاب الشيباني

"الفتيت المبعثر" لـ محسن الرملي
أسرة يأكلها الفقد والغياب
محمد عبد الوهاب الشيباني
صحيفة (الثقافية)بتاريخ 30/11/2000 العدد 70 اليمن