الثلاثاء، 9 فبراير 2010

زاوية (جداريات) / .. عن النقد والنقاد

.. عن النقد والنقاد

د.محسن الرملي

ربما يكون النقد هو أكثر الأجناس الكتابية التي تتعرض للنقد، فنادراً ما يتم الرضى عنه مثلما لا يمكن الاستغناء عنه، أي أنه (مأكول مذموم). وحين نصفه بكونه جنساً كتابياً أو أدبياً فذلك لأن هذا الأمر قد أصبح من المسلمات منذ أن قال بودلير بأن النص النقدي هو نص مستقل بذاته، أو حتى منذ ما قبل ذلك.
وبشكل عام فإن حال النقد العربي لا يختلف الآن كثيراً عن أحوال النقد عموماً في الثقافات الأخرى، لذا أرى أن نكون أكثر إنصافاً عند حديثنا عنه وأن نتعامل مع واقعه بموضوعية وتفهم إشكالاته وهمومه وتنوع تصنيفاته التي من بين أقطابها الرئيسية ما يسمى بالدراسات النقدية الأكاديمية والنقد الصحفي. فهو في كل الأحوال يعد نقداً وإن تنوعت مناهجه وأساليبه وخصائصه ومستوياته التي تتكيف مع طبيعة واشتراطات الميادين والمنابر التي تتم ممارسته فيها أو من خلالها. وقد آن لنا أن نقر بأهمية النقد الصحفي والاعتراف به كواحد من أذرع النقد المهمة، إن لم يكن أهمها حضوراً وفاعلية في الوقت الراهن، بدل أن نبدد المزيد من الجهد والوقت في المعارضة أو الوقوف أمامه ومقاومة الاعتراف به كما سبق وأن حدث لنا مع الشعر الحر ومن بعدها مع قصيدة النثر مثلاً. فقد صار للنقد الصحفي محترفيه وأساليبه وشروطه التي من بينها على سبيل المثال؛ أخذ الناقد بعين الاعتبار مسألة الموازنة بين المعرفة النقدية والمعرفة الصحفية، وبكونه يعرض ويُسوق المعلومات أكثر من سعيه للحكم، حرصه على الإيصال بما يتناسب وطبيعة منبر النشر ونوعية القارئ المتلقي له.. وبالتأكيد دون التهاون بالعناية برؤيته وأسلوبه الخاصين. كما تبقى من المواصفات الجوهرية للناقد، أي كان تخصص اشتغاله، مسألة عدم الكف عن المتابعة أو على الأقل ألا يفقد هذا الهاجس وهذا الحس بواجب المتابعة الدائمة لكل ما هو جديد. وفي كل الأحوال فإنه لمن الاستحالة تحييد الذائقة الشخصية للناقد مهما حاول إخفائها أو أن يبدو حيادياً فعادة ما يخلص القارئ إلى انطباع عام يفهم منه انطباع الناقد عن النص المنقود مدحاً أو قدحاً.
يشار أحياناً إلى أن أفضل نقاد الشعر هم شعراء مثلما أن أفضل مترجمي الشعر هم شعراء ويقال عن ناقد النثر، الذي لا يعجبنا رأيه، بأنه كاتب فاشل، وعن الناقد الصحفي بأنه ينحاز لمصالحه وعلاقاته الشخصية ولا يتبع المناهج، وإلى الناقد الأكاديمي بأنه متحجر معزول في مختبراته الجامعية يضحي بالنصوص على مذبح مباضع المناهج النقدية التي ماتت.. وقيل ويقال وسيقال الكثير دوماً عن النقد والنقاد، فالنقد يغري بالمزيد من الحديث عنه سلباً وإيجاباً، بشكل لا ينتهي، وهذه المزية تحسب له كونها دليل آخر على غناه وأهميته، ومهما ادعى مبدع ما بأن النقد لا يهمه فعلينا أن نضع قوله موضع الشك، فالكلمة تحتاج إلى الكلمة كحاجة الإنسان للإنسان.
وإذا كنا نتحدث أحياناً عن موت جنس أدبي معين فإننا أبداً لا نجرؤ على الحديث عن موت النقد، هذا الضروري دائماً والحي القادر على التكيف وعلى تجديد نفسه وتنويع أشكاله وأساليبه ووسائله إلى ما لانهاية.. فتحية وشكر له ولكل المشتغلين فيه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر في زاوية (جداريات) في الملحق الثقافي لصحيفة (الثورة) السورية بتاريخ 9/2/2010 العدد 678

الجمعة، 5 فبراير 2010

ما بعد الحرية في الأدب النسائي


ما بعد الحرية في الأدب النسائي .. شرقاً وغرباً


د. محسن الرملي


"يا سيدي..
لقد تحول القفص إلى عصفور
.. وطار.
لقد تحوّل القفص إلى عصفور
فما الذي سأفعله بالخوف".
أليخاندرا بيثارنيك


مدخل:
في البداية أود الإشارة إلى أنني لن أخوض هنا طويلاً في إعادة مناقشة إشكالية المصطلح وفروقاته: أدب نسائي، أدب نسوي، أدب أنثوي، أدب المرأة، الأدب الذي تكتبه المرأة.. إلخ. إذ كُتِبَ عنه الكثير، بل وربما أكثر مما يجب شرقاً وغرباً دون الإفضاء إلى اتفاق قطعي بهذا الشأن، فانقسم المناقشون إلى فِرق عديدة يمكن إجمالها بين مؤيد ومعارض، وعادة ما نجد أن الغالبية تميل إلى اعتبار نوعية النص وقيمته هي الأهم بغض النظر عن جنس كاتبه.
إلا أنني وبحكم الالتزام بمحور موضوع الندوة ونية الحديث عن الأدب الذي تكتبه المرأة لا أرى ضيراً في هذا التصنيف باعتباره أمراً إجرائياً تفرضه الآلية الموضوعية والعملية حين يتم الشروع بالتأمل أو البحث في أي ميدان كان، أي يتم تحديد منطقة البحث وموضوعتها وإن كانت جزءاً من كلٍّ أشمل لكي لا يتم تشتيت الجهد في إعادة تعريف وسوق تعريفات لعموميات أصبح لدينا الكثير من ركام تعريفات لها. وعليه فإنني أفترض وآمل وأطلب أن يتم تجنب الحساسية المعتادة وخاصة من قبل النساء المبدعات كلما تم الحديث عن هذا الأمر أو تم اللجوء الإجرائي إلى هذا التصنيف، وهي حساسية مفهومة ولها ما يبررها أحياناً إلا أنها تسقط، في أحايين أخرى، فيما يمكنني أن أسميه بحساسية إسقاطية تربط الأمر بقضايا المرأة الأخرى لأنها تخشى سوء النية في استخدام هذا الاصطلاح التصنيفي.
إذاً فلنحاول هنا استبعاد هذه الحساسية ولنستند على أرضية حُسن النوايا كي تشكل المناقشة إضاءة إضافية تصب في مصلحة الأدب الذي تكتبه المرأة والذي هو في المحصلة أدبنا جميعاً ويهمنا جميعاً بالدرجة نفسها، إنه نتاج إنساني عن الإنسان ولأجله.
ووفق هذه الروحية الإيجابية لنحاول أن ننظر إلى هذا الأمر من زاوية أخرى، زاوية إيجابية أيضاً ترى في اللجوء إلى هذا التصنيف الاصطلاحي أو الاصطلاح التصنيفي الإجرائي ما يمنح النص الذي تكتبه المرأة أهمية أكبر وخصوصية تعلي من شأنه وتشير إلى غناه وعظمة دوره وضرورته ودوره الجوهري الذي بغيابه أو تغييبه يصبح الفهم ومجمل دور الأدب في حياة الإنسانية عاجزاً عن السير بفاعلية على ساق واحدة وحسب.
هذا عدا كوني ممن يميلون صوب قناعة أن لنص المرأة خصوصيته وما يميزه عن نص الرجل حتماً، وخاصة في طبيعة الحس والرؤية، فلا يستطيع الرجل مثلاً مهما كان بارعاً أن يصور بالحساسية، نفسها شعورها ضد التمييز الذي تمارسه الثقافة الذكورية وإحساسها اليومي بأنها مهمشة في البيت والعمل وبكون الثقافة نفسها لم تغير نظرتها تجاهها كلياً، وكذلك مسائل أخرى تخص طبيعة تكوينها كالحمل مثلاً ومؤثراته النفسية والبايلوجية ولا يتعامل الرجل بالحساسية نفسها تجاه مواضيع كالعنوسة والزواج والطلاق والجنس والترمل والثكل وغيرها، ومثلما أن للجنسية، والعرق، والمرحلة التاريخية، والدين، والثقافة، والأيديولوجيات، والمهنة، واللغة.. وغيرها تأثيرها وأثرها في إبداع أي مبدع فللجنس تأثيره أيضاً، لأن هذه الثمرة من هذه الشجرة، وهنا فأنا لست ممن يتفقون مع أطروحة موت المؤلف وأرى بأن نظرية موت المؤلف هي التي ماتت، وأن معرفة أية معلومة إضافية عن المؤلف ستعين على إضاءة وإغناء وفهم وتلقي النص بما في ذلك هذه المعلومة الأولية في كون المؤلف رجلاً أو امرأة.
توافق المرأة وتطالب بالتقسيم والفصل في أشياء وميادين كثيرة بما فيها العطور والملابس والحمّامات العامة احتراماً واعترافاً بخصوصيتها الطبيعية فيما تنزعج من مجرد تسمية نصها بأنه منتج نسائي!.
ولا يفترض بالتصنيف أو التقسيم المنسجم مع الطبيعة أن يؤثر في مفهوم المساواة أو ينقص منه، ويجب فهم التعامل مع المساواة بأنها أيضاً مساواة في الاختلاف.. أن المرأة وما تنتجه ليست أقل أو أكثر، أفضل أو أسوأ.. وإنما هي مختلفة، تماماً مثلما يتم التمييز بين تيار أدبي وآخر وكاتب وآخر وبين نص وآخر للكاتب نفسه.
أما الأمر الآخر الذي أود الإشارة إليه فيما يتعلق بما سأقوله لاحقاً، فهو أن كل ما سوف يتم تناوله والحديث عنه هنا إنما هو موجز، إجمالي، ومن باب التأمل والملاحظة والعام والنسبي والافتراضي والاستشرافي، وأنه يقصد إلى صياغة أسئلة أكثر من سعيه لإعطاء إجابات، وهذا مما أعتقد بأنه بعض من دور الثقافي والفني والأدبي في كونه رائداً في الاستشراف ومحاولة السبق، ولو عبر الافتراض والطليعية.
وعلى هذا النحو فإن ما نناقشه هنا إنما هو بقصد المزيد من فتح الأبواب على مديات أفق أوسع لإغناء النقاشات والتي هي بالنتيجة قد تنفع بالمزيد من تسليط الضوء والتنبيه.

عن الحرية:
دون شك، إننا نعني هنا حرية القول والتعبير، والتي تعد من أولويات حقوق الإنسان وأساسياتها وخاصة أنه كائن تعبيري يميزه النطق واللغة عن سائر المخلوقات وتشكل سمة جوهرية من سمات وجوده.
لقد عانت الإنسانية شرقاً وغرباً على مدى قرون طويلة من قمع بعضها لحرية رأي وقول البعض الآخر، ولا زال بعضها يعاني ذلك في بعض مناطقها وميادينها، إلا أنها وفي كل الأحوال، وبعد نضالها الشاق والعظيم والطويل قد وصلت اليوم إلى مرحلة يمكننا وصمها بأنها قد امتلكت ناصية حرية القول والتعبير بشكل عام. ولننطلق من هذه الملاحظة أو هذا الافتراض لإنها وإن لم تضمن حرية القول الكاملة في كل مكان وميدان حتى الآن فلا يمكن إنكار ما حققته من انتصار كبير في هذا الشأن وإذا بقي ثمة نقصان فيها فإنما هو الأقل وفي طريقه إلى الزوال، عدا ذلك فإن الأدب ومسألة اختيار ممارسة الأدب بحد ذاتها هي ممارسة للحرية، فلا أحد يجبر أحداً على أن يكتب أدباً تحت الإكراه وإن حدث ذلك فللأدب قدراته اللامحدودة على تسريب كل ما يريد قوله من خلال الإبداع الفني والتي من أبسطها اللجوء إلى الترميز والإيحاء وطبيعة الاشتغال اللغوي ذاته، الأمر الذي يمنحه قوة أكبر في أغلب الأحيان، والروائع الأدبية التي تم إنتاجها تحت ظروف عسيرة قامعة عبر التاريخ يصعب حصرها وقد تكفي الإشارة بهذا الصدد إلى أم الرواية الحديثة، ألا وهي رائعة ثربانتس (دون كيخوته دي لا مانتشا) والتي شرع بكتابتها في السجن وفي أوج مرحلة تسلط محاكم التفتيش، سانتا تيريسا وسور خوانا اللتان كتبتا من داخل البيت الكهنوتي ذاته والشاعرات الجواري.. وغيرهن.
كثر هم المبدعون والمبدعات الذين دفعوا حياتهم من أجل حرية القول، وكثر هم المبدعون والمبدعات الذين كتبوا بأسماء مستعارة، رجل باسم امرأة أو امرأة باسم رجل، منهن من استخدمن أسماء أزواجهن أو أن أزواجهن هم من استخدموا نتاجهن بأسمائهم.. ففي كل الأحوال يمكننا القول بأن أساليب التعبير وإيصال التعبير غالباً ما تجد لها حلاً ما دامت الأهمية الأساسية هي للقول ولإيصال القول بذاته أو أنها الهدف الرئيسي والغاية من دافع صياغته.
تستطيع المرأة أن تقول من خلال الأدب ما لاتستطيع قوله بشكل مباشر وعلني في الحياة العامة. ولكن بحكم ثنائية الموقف النسائي ومرواحته عموماً بين التقاليد والتيارات الحديثة فقد فضل الصمت عادة، إلا أن المرأة وبشكل عام قد تمكنت في نهاية الأمر من إسماع صوتها الخاص بوضوح.
اليوم وها نحن في عصر التكنولوجيا بحيث أن من يشاء يستطيع أن يقول ويكتب ما يشاء بمطلق الحرية وينشره على الملأ، لم تعد الرقابات ذلك الحاجز أو القيد المستعصي على الكسر، وأي إنسان أينما كان، وخاصة إذا كان مبدعاً، فإنه لن يعجز عن إيجاد أو إبداع وسيلة لإطلاق قوله وإيصاله.. إذاً وبشكل ما، يمكننا القول، أو على الأقل الافتراض، الذي له ما يبرره واقعياً، بأن الحرية أو سبل الحرية صارت متوفرة أو متاحة لمن يشاء أن يقول ويكتب ما يشاء وإن كان يسر توفرها أو طبيعة بعض الصعوبات التي تواجهها تختلف من مكان إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى، إلا أنها ولحسن الحظ متوفرة أو أنها أيسر في الغالبية الأكبر من بقاع الأرض.. وهنا، وبعد هذا الطرح أو حتى هذا الافتراض يأتي علينا دور التأمل والتساؤل عما بعد هذه الحرية، وعن نوعية وبعض سمات هذا المنتج شكلاً ومضموناً، دافعاً وغاية، والذي يهمنا منه هنا، بالطبع، الأدب الذي تكتبه المرأة.

ما بعد الحرية:
لم يعد اليوم أمراً مستهجناً أو نادراً أو غريباً أن تجد في المكتبات كتباً بمختلف الأصناف والأجناس الإبداعية تحمل اسم امرأة كمؤلف لها. لقد أصبح أمراً طبيعياً وعادياً في كل الثقافات. إلا أن الملاحظ وما يتبادر إلى ذهن المتلقي عند رؤيته ذلك هو ما يمكن أن نصفه أو نحيله إلى جملة خصائص خاصة بأدب المرأة تمت بلورتها بالتدريج والتراكم وللمرأة دورٌ كبيرٌ في هذا، ومن هذه الخصائص بشكل عام:
1-أن المرأة لا تزال تتمركز وتكتب عن المرأة وعن كل ما يتعلق بمواضيعها أكثر من تناولها لمواضيع أخرى خارجة عن ذلك ويتم تبرير هذا من قبل الكاتبة بكون أن مشاكلها الخاصة والداخلية لم تحل لحد الآن لذا فهي لا تنشغل بالقضايا الكبرى أو بتلك البعيدة عنها، وعليه فإنها حتى وإن كتبت عن أو في مواضيع أخرى كالحرب والسياسة والخيال العلمي أو كما يحدث الآن من موضة الرواية التاريخية فغالباً ما تكون الشخصية المحورية أو الشخصيات الرئيسية هي شخصيات نسائية.
وعادة ما تنطلق من الحس والمواضيع التي صارت تقليدية إلى حد ما، كعدم المساواة، والظلم من قبل الرجل، والغدر، وكونها ضحية، وسوء فهم الرجل لطبيعتها ومشاعرها وذهنيتها، إشكالية العلاقات الشخصية والحب والجسد، إبراز ذكائها وتصوير ذاتها كونها متفوقة ومدهشة في حدة الذكاء، تحمسها وتبريرها ودفاعها عن كل ما هو نسوي، ومن مواضيعها الأثيرة أيضاً، العزلة، والخوف، والصمت، والفقد والألم.. وبشكل عام فغالباً ما تكون الدوافع وما يطغى على نصوصهن صبغتي: الإدانة والشكوى.
2-على الرغم من بداهة توافر الرؤية والحساسية الخاصة بالمرأة إلا أنها لا تزال تكتب وهي تحاول الالتزام بشروط الرجل في الكتابة واستعارة أدواته وأساليبه وحتى لغته وخطابه أحياناً. لذا فهي لم تبتكر لحد الآن تقنية بعينها أوجنساً أدبياً يمكن الإشارة إليه على أنه جنس كتابي نسائي بامتياز، كما أنها لم تتمكن من ابتكار كم من الشخصيات الأدبية النموذجية سواء أكانت رجالية أو نسائية كالتي أوجدها الأدب المكتوب من قبل الرجل، على سبيل المثال: شخصية الدون كيخوته لثربانتس، مدام بوفاري لفلوبير، آنا كارنينا لتولستوي، غريغوري لكافكا.. وفي الأدب العربي شهرزاد ألف ليلة وليلة، مصطفى سعيد للطيب صالح وسيد عبدالجواد لنجيب محفوظ.. وغيرهم، ويتم تبرير ذلك بكونها قد تمكنت من المشاركة في الكتابة بوقت متأخر عن الرجل ولذا فهي تستخدم أدواته كخطوة أولى لتبرهن على قدرتها إلى أن تتمكن لاحقاً من تمييز صوتها الخاص أو إيجاد أدواتها وأجناسها الأدبية الخاصة بها، فالأدب النسائي لم يمر بمراحل طفولة ونمو وشباب ونضوج خاص به، وإنما دخل الميدان كما هو، الأمر الذي يدللن به أيضاً على سرعتهن في التعلم.
3-كانت المرأة هدفاً وموضوعاً أو مادة للأدب ومنه الشعر بشكل خاص حيث يصوغها الرجل وفق رؤيته وما يريد هو أن تكون عليه، أما الآن فإنها تسعى لكسر حواره الداخلي الخاص عنها وأن تتحدث هي عن نفسها بنفسها إلى الحد الذي بالغت فيه أحياناً بنقد كل ما يرسمها برومانسية ونقد الحب الرومانسي، وعلى هذا النحو يمكننا تلمس عدة ردود فعل ومنها، أولاً: ميلها نحو الواقعية بشكل أكبر فتهتم بالأحداث والمنطق والتصوير الواقعي، وثانياً: أنها في تعمدها لتغيير أو حتى لقلب المعادلة، أي أنها تحولت من هدف لكتابة الرجل ومادة لها إلى أن يكون الرجل هدفاً ومادة لكتابتها، تحولها، كما يتم الوصف: من مفعول به إلى فاعل. فجاء هذا الأمر بصيغتين أيضاً، إحداهما: أنها راحت تمارس حياله ما انتقدته فيه، أي أنها تعاملت معه وصورته بالرومانسية التي تريد. أما الصيغة الثانية، وهي الواقعية، والتي فيها ما يشبه رد الفعل، فقد عمدت إلى تحجيمه أو حتى السخرية منه وتصويره على أنه سطحي، سهل، ضعيف، بدائي، ساذج أو حتى غبي أحياناً. وبشكل عام لم تتمكن الكتابة النسائية حتى الآن من الغور عميقاً في تحليل وتفكيك الطرف المقابل/الرجل وبالمستوى الذي فعله هو حيالها.
4-حرصها على التوضيح وطغيان الأساليب المباشرة وتوظيف اللغة اليومية والتقنية اليومية، وقصدية استخدام المفردات والتسميات الصريحة والمباشرة، وخاصة تعمدها أحياناً لاستخدام تلك التي ترى تراها الذهنية العامة غير مهذبة، أو على الأقل لا يُتَوَقَّع أو يفترض أن تتلفظ بها المرأة. وهذا أمر لم نكن لنلاحظه سابقاً في النصوص النسائية الأقدم والتي كانت تكتب في ظل ظروف أصعب ومناخات أقل تحرراً وحرية.. وصعوبات دخول وتواجد المرأة في الميدان والوسط الثقافي، لذا كانت تشتغل على نصوصها بجهود مضاعفة الأمر الذي كان يجعلها أكثر عمقاً وثراءً وقابلية في فتح آفاق تعدد التأويلات بما تنطوي عليه من تورية وغموض وترميز وإيحاءات ونسج لغوي مصاغ بعناية وحذر ووعي مدروس.
نلاحظ أيضاً بأن المرأة توظف الحدس كثيراً في أسلوبها وترى أنها متفوقة فيه عادةً وبأنه مما ينسجم ويناسب الأدب بشكل كبير. هذا إلى جانب أنها تلجأ إلى السخرية أحياناً وإلى الشعرية في أحايين كثيرة.
5-أثر واستجابة الكتابة النسائية لاشتراطات ومتطلبات السوق بشكل يفوق أحياناً طبيعة استجابة الرجل لها. يدرك الناشرون عموماً بأن نسبة القراء من النساء تفوق نسبة الرجل بحيث يقدرها البعض بكونها تصل 70% تقريباً مما يؤثر ذلك حتماً في حساباتهم فينشرون أكثر لنساء يكتبن عن مواضيع نسائية، وتلك التي تكتبها النساء وتهم أو تثير فضول معرفة الرجل لها. وبالطبع يجب التمييز أيضاً بين ما تكتبه النساء للنساء من أجل السوق، والروايات الرومانسية، أو الجنسية من أجل البيع وغيرها، حيث اتسع سوق النشر للكتابة النسائية وتعدد وتنوع بشكل كبير، فنجد الكتب الخاصة بالنصائح لكيفية العيش السعيد، كتب الصحة، والجمال، والأمومة، والعائلية، والطبخ، والأزياء، والحب، والجنس، والنفسية، والعمل، والفضائح، والتنجيم.. وغيرها هذا عدا مختلف الأجناس الأدبية. حتى أن برزت ظاهرة وجود نشر متخصصة بشأن معين وأخرى خاصة بأدب النساء، ومنها حتى ما تخصص بأدب السحاقيات.
وبشكل عام فقد صار النشر للنساء الآن أسهل بكثير مما كان عليه، بل يبدو إلى حد ما بأنه أيسر من النشر للرجال. وأحياناً حتى لأسباب خارجة عن مقاييس الجودة واشتراطات الفن الأدبي. الأمر الذي أدى إلى استسهال الكتابة أيضاً.
كما كثرت ظاهرة المجلات والجوائز الأدبية الخاصة بالكتابة النسائية وما إلى ذلك مما يعمد السوق إلى ابتكاره وتستجيب له المرأة مواصلة استغلالها لشعار "النسوية" كسلاح من أجل تحقيق مكاسب أكثر، مناقضة بذلك طروحاتها التي ترفض تصنيف الأدب على أساس الجنس، فهي باستجابتها لمتطلبات السوق تقوم بممارسة ما كانت ولا زالت تنتقد الرجل عليه، كمسألة توظيفها لجسدها في الكتابة والإعلانات والإغراء، فنجدها صارت تكتب بشكل أكثر مباشرة وفضائحية من الرجل ذاته فيما يتعلق بجسد المرأة وتعمد إلى مواصلة استخدامها "لجنسها كمؤنث" من أجل الإثارة والحصول على مزيد من لفت الانتباه والمكاسب ومواصلتها للكتابة تحت مغريات أو اشتراطات السوق، فتكتب الشرقية وفق الصورة النمطية في الذهنية الغربية عن المرأة الشرقية لتتم ترجمتها، وتكتب الغربية عن الجنس وعن تجاربها ومغامراتها الجنسية.. وهكذا في العديد من المواضيع دون أن تتردد باتهام الرجل باستعراض فحولته وبالذكورية، بكل بساطة، فيما لو كتب على هذا النحو، بحيث صار الأمر فيه من المحاذير ما يشبه محاذير الحديث عن الهولوكاوستو، أي أن أي قول لا يتطابق مع ما تم تنميطه وترسيخه سيعد ويتهم، بكل بساطة، بأنه معاد للسامية. من هنا تبدو حساسية التعامل أو حتى مناقشة ما يسمى بالأدب النسائي كونه يشبه السير في حديقة ورد كي لا أقول كالسير في حقل ألغام.
إذا كانت المرأة الكاتبة تنزعج من تصنيف أدبها بالنسائي فلماذا تعمد أو ترتضي بنشر أنطولوجيات خاصة بالأصوات النسائية مثلاً، فإذا كان لهذا الأمر ما يبرره فيما يتعلق بكاتبات وشاعرات خمسينيات القرن الماضي ومن سبقنهن، فلم يعد اليوم من مبرر له مادامت المرأة قد حققت الكثير من الحرية والمساواة وهي نفسها تطالب أن تعامل النصوص على قدم المساواة بغض النظر عن جنس كاتبها!!
6-عندما تكتب المرأة عن مواضيع أخرى غير مواضيع المرأة كالروايات البوليسية وروايات التشويق والجريمة والخيال العلمي فإننا نجدها تكتب كالرجال وكأنها تتعمد إخفاء أية بصمة خاصة بها وبمكونات فطرتها الطبيعية.
7-من المواضيع الأخرى والجديرة بالاهتمام من حيث عمقها وجديتها تلك التي تتعلق بكشفها لخيوط ما يمكن تسميته بخدعة المساواة وخدعة الحرية، فقد حققت المساواة في تكافؤ الفرص والعمل والقوانين وما يترتب فيها من مساواة في الحقوق والواجبات إلا أنه بقي عليها خارج ذلك عبء كونها زوجة وأم وربة بيت بكل ما ينطوي عليه ذلك من تفاصيل العمل المنزلي والالتزامات الاجتماعية والعائلية. من هنا تتطرق أيضاً إلى شائكية أو حتى سوء العلاقات الشخصية بين الحبيبين أو الزوجين، فتطرح صعوبة أو حتى استحالة الحب الحقيقي في العصر الحديث في ظل الحرية وفي الوقت نفسه تحت وطأة المشاكل الاقتصادية المعاصرة، وكذلك نجد بعض الكاتبات ممن تشغلهن قضية تدهور القيم الأخلاقية والحضارية والإنسانية أو حتى فقدانها أحياناً.
تفضح الكتابة النسائية سطحية الشعارات والمفارقة بين القول والفعل، بين ما هو مكتوب ومنصوص عليه وذاك المسكوت عنه أو ازدواجية المعايير كمطالبتها بأن تعمل وتنتج كالرجل في ميدان العمل وفي الوقت نفسه مطالبتها بأن تكون بالصورة النمطية في العلاقات العاطفية والعائلية. وتشير إلى أن الذهنية العامة شرقاً وغرباً لا تزال تتعامل مع المرأة بمرتبة أضعف والدليل أنه وحتى الآن تفرض نسبة الحصص "الكوتا" المخصصة للنساء في الكثير من البرلمانات لأنها لو تركت لحرية الانتخابات فإن الذهنية العامة ستصوت لها بشكل أقل، وعلى صعيد المؤسسات الدينية فإن الرجل هو الذي لازال يحتكر الأمر والخطاب ويحلل أو يحرم حتى في المواضيع التي تخصها هي كمسألة الإجهاض والعلاقات الجنسية خارج إطار الزواج وغيرها.
كما نلاحظ بأن المرأة أكثر قدرة على البوح الداخلي والاعتراف الحميمي من الرجل، إلى جانب سعيها أيضاً لأنسنة العولمة بشكل أكبر بدل هيمنة السمة المادية عليها.
8-ثمة انقسام عام بين نساء لازلن متحمسات وينشطن بإفرط حد التعصب ضمن طروحات "الحركة النسوية" التي انطلقت مع عقد سبعينيات القرن الماضي، وقسم آخر منهن لايتفقن معها ويرين بأنه لم يعد لها ما يبررها الآن وبأن الموضة قد تجاوزتها، بحيث نجد أحياناً ما يشبه حنين إلى عودة معاكسة تريد منها أن تعامل كامرأة، كائن رقيق عائلي حساس رومانسي وسيدة للبيت متجنبة خشونة التصادمات وقسوة العمل في الخارج. على خلاف القسم الأول الذي يرى بأن الذكورة قد فقدت هيمنتها إلى الأبد، كما أنها لم تعد منفردة بحيازة أي تيار أو اخترع جديد في العصر الحديث، وبأن الخطاب والنص الذكوري هو الذي قد تجاوزته الموضة، ويطالبن بمراجعة مجمل الخطاب بما في ذلك إعادة تأويل الخطاب الديني، فيقلن في المسيحية، ماذا لو كان الرب أماً وليس أباً؟ عندها لن يعمل أو لن يسمح بقتل ابنه.. وهكذا لتغير التاريخ والذهنية الإنسانية بمجملها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*ألقيت في ندوة (الحرية في الأدب النسائي) التي عقدت في تشرين الثاني 2009 طرابلس – ليبيا.
*نشرت في مجلة (شؤون ثقافية) العدد 26 السنة الرابعة، ديسمبر 2009 ليبيا.
*ونشرت أيضاً في الملحق الثقافي لصحيفة (الثورة) بتاريخ 8/12/2009م دمشق.

http://thawra.alwehda.gov.sy/_archive.asp?FileName=70410602020091208121147







الأربعاء، 13 يناير 2010

زاوية (جداريات) / .. عن الجوائز


لا الجوائر كثيرة ولا الحديث عنها بكثير

د.محسن الرملي

في أغلب المقابلات والمقالات التي قرأتها مؤخراً في منابرنا الثقافية لاحظتُ رأياً يتكرر، ومفاده: أن الجوائز العربية قد أصبحت الآن كثيرة وأن ما يكتب وما يقال عنها كثير. إلا أنني شخصياً أجد نفسي مخالفاً ولا أتفق مع هذا الرأي. بل أرى بأن العكس هو الصحيح. ففي بلد واحد فقط مثل إسبانيا نجد أن الجوائز الأدبية بالآلاف، عدا الكم الهائل المخصص للفنون الإبداعية الأخرى. ويصدر بها كتاب يشبه دليل أرقام الهواتف سنوياً يحتوي على المعلومات الخاصة بأكثر من ثلاثة آلاف جائزة أدبية، تتراوح مكافآتها بين رمزية تقديرية لا تمنح سوى الشكر واسمها وميدالية والتكفل بنشر النصوص والاحتفاء بها إلى أخرى تربوا على الستمائة ألف يورو. وتتنوع الجهات المنظمة بين مؤسسات رسمية وأخرى خاصة وجوائز تقيمها بلديات المدن والقرى والأحياء والجامعات والمعاهد والبنوك والشركات والمكتبات والجمعيات والنوادي والصحف والمجلات والإذاعات والمواقع الألكترونية ودور النشر صغيرها وكبيرها.. بل وحتى الكثير من المقاهي العادية. جوائز لكل أجناس الإبداع الأدبي وداخل هذه الأجناس تصنيفات أخرى تتعلق بالموضوع أو الشكل. جوائز تحمل أسماء مدن وقرى وأنهار ومؤسسات وشركات وآثار وأحداث وكُتاب وشعراء ومبدعين أموات أو أحياء ومنها ما يحمل اسم عمل أدبي بعينه كالكيخوته مثلاً... وهكذا، مما يصعب تعداده وحصره، فاستحداث الجوائز والإكثار منها ضروري وحيوي لأية ثقافة، وهي إيجابية بكل شيء، تنفع من يفوز بها بما ينال وتنفع من يشارك ولا يفوز ولو بكونها حافزاً لما أنتج ومن ثم سبباً للتنفيس عن نفسه بنقدها بل وشتمها حتى أو بدفعه للإطلاع على ما فاز بها كي يقارن نصه معها ويراقب الفروقات فيحلل أو يبرر. كما أنها تنفع منظميها ومحكميها بالمزيد من القراءة والاطلاع والدعاية وتنشيط منظومتهم مثلما ينشط دم الإنسان بعد التبرع بشيء منه. ودور النشر توسع من شهرتها وتجد بين يديها أعمالاً كثيرة تختار منها ما تريد، كما تنتفع مادياً بما تتفق عليه معها المؤسسات والبلديات وغيرها حول الطباعة والنشر، وبالتأكيد تنفع المتلقي بالفرز والحث على الاطلاع.. وهكذا. وكم من جائزة مدرسية بسيطة ورّطت طفلاً بعد فرحته بها كي يكرس حياته من بعدها للأدب فتكسب الثقافة مبدعاً آخر قد يكون مستقبلاً من رموزها وقممها. أتحدث عن وجود آلاف الجوائز في إسبانيا وحدها وبالطبع هناك بلدان أخرى تفوقها، أما لو حاولنا إحصاء الجوائز الخاصة بما هو مكتوبة بلغة معينة كالإنكليزية أو الفرنسية أو الألمانية أو الإسبانية التي يتحدث بها أكثر من عشرين بلداً فيبدو أمر حصرها أشبه بالمستحيل. فيما نحن أكثر من عشرين بلداً، وبلغة واحدة لازالت جوائزنا محدودة ويمكن عدها بيسر.
إذاً فلا الجوائز عندنا كثيرة ولا الحديث عنها بكثير، وعلينا أن نعمل على تفعيل هذا التقليد الثقافي قدر المستطاع وعلى كافة الأصعدة وفي كل الميادين، فالثقافة لا تقتصر على كاتب وناشر ومكتبة وإنما هي شأن الجميع. علينا أن نكثر من الحديث عنها والمطالبة بها أو استحداثها بأنفسنا، حتى وإن اقتصرت جائزة على مجرد اسمها مرفقة بكلمة شكر وتقدير، فالجائزة هي بالفعل مسألة شكر وتقدير.. ومن ذا الذي لايريد أن يتلقى ذلك على عمل يقوم به. فهذا واحد من أبرز كتاب أمريكا والعالم الأحياء (بول أوستر) يأتي إلى بلدة نائية في إسبانيا على الرغم من انشغالاته وفي غمرة أعياد الميلاد ليتسلم جائزة لا مادية ومجهولة، اخترعها مجموعة أصدقاء محبين للأدب، فهو لم يأت لطلب شهرة أو مال بالتأكيد.. وإنما جاء تقديراً لهذا التقدير.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر في زاوية (جداريات) في الملحق الثقافي لصحيفة (الثورة) السورية بتاريخ 12/1/2010 العدد 674

الثلاثاء، 29 ديسمبر 2009

زاوية (جداريات) / لماذا لا يعجبهم ما يعجبنا؟



لماذا لا يعجبهم ما يعجبنا؟


من بين التساؤلات العديدة التي تبرز لنا، وخاصة نحن الذين نعيش في الغرب ونتداخل مع أوساطهم الثقافية ونعمل ضمن مناخاتها في الميادين الأكاديمية والفنية والأدبية والترجمة. لماذا لا يعجبهم الذي يعجبنا فيما يعجبنا الذي يعجبهم سواء أكان كلاسيكياً أو حديثاً؟! ومن ذلك، في الأدب مثلاً، لماذا لايحظى المتنبي بالإعجاب الكافي لديهم فيما هو بالنسبة لنا قمة في الشعرية العربية على مدى قرون وأجيال؟ فقد تُرجمت منتخبات من شعره إلى معظم اللغات الرئيسية، ولكنها لم تحظ بأي صدى يُذكر وسرعان مايطويها النسيان. وفي الموسيقى نجد أن كوكب شرقنا أم كلثوم التي لازالت أغانيها تحتل المرتبة الأولى على مدى عقود في عالمنا العربي لا تلقى آذاناً عاشقة لها في الغرب. أي على العكس من مقولة: مطربة الحي لاتطرب. نلاحظ بأن الذي يطرب في حينا لا يطرب في حيهم. وقد عمدت شخصياً لاختبار هذين المثالين في الأوساط التي أعرفها بين مثقفين وشعراء وعلى طلبتي في الجامعة، فما وجدت، بعد مقدمات تعريفية متحمسة وتشويقية، سوى البرود وما يشبه الخيبة في الوجوه المتلقية، وسرعة في دبيب الملل والضجر. وهنا تتبلور (لماذا) كبيرة وجادة تتفرع منها أسئلة شتى، وتتعدد الآراء والإجابات المقترحة والتي هي بحد ذاتها تمثل أسئلة وتفتح أبواب تساؤلات أخرى.
أين تكمن العلة؟ أهي في ضعف وسائلنا الإعلامية وأساليبنا في الترويج؟ أهي في طبيعة وخصوصية لغتنا العربية بحيث يصعب تذوق نتاجها إلا بها، ودليل ذلك أن المستعربين وممن يتعلمها منهم سيعجبه ما يعجبنا ويتذوقه؟ هل يتعلق الأمر بالشكل أم بالمضمون؟ ولكن جل شعر المتنبي يمجد الذات الفردانية وعلو الطموح الشخصي وهو من أبرز سمات الثقافة الغربية!! هل ثمة افتقار معين في الحس الإنساني المشترك والعام في نتاجنا؟ هل أن اهتماماتنا وهمومنا تختلف وذهنيتنا وذائقتنا تختلف عن اهتماماتهم وهمومهم وذهنيتهم وذائقتهم إلى هذا الحد أم أنها لاتهمهم؟ لماذا يعرفون جلال الدين الرومي أكثر من المتنبي؟ أهو بسبب كثرة وتعدد التجمعات الباحثة عن الروحانيات والتصوف مثلاً؟ فلماذا يعرفونه أكثر من الحلاج وحتى ابن عربي الذي ولد في أراضيهم إذاً؟ هل لايعرفون أم كلثوم بسبب إيقاع العصر وتقلبات الموضة مثلاً؟ إذاً لماذا لم تحظ ولو لفترة ما على الرغم من سرعة تقلب الموضات على مدى عقود؟ ألم يصدف أبداً أنها تطابقت مع موضة لديهم في فترة ما فيما لاتؤثر تقلبات الموضة على تصدرها طربنا نحن؟ وكذا الحال مع المتنبي، ألم يصدف أن انسجم ولو لمرة واحدة مع أحد التيارات الأدبية التي ما أكثر ماتنوعت وتقلبت على مدى قرون؟ وبمقابل هذا كله، لماذا نجد أن ماينجح لديهم ويسطع تقبله في ذائقتهم ينجح هو الآخر عندنا؟ والأمثلة يصعب حصرها من رموز ثقافتهم الكثيرة ومما ترجمناه من شعرائهم وكتابهم وفنانيهم. فهل هذا يعني أن ذائقتنا وذهنيتنا أكثر اتساعاً وتقبلاً من ذائقتهم وذهنيتهم فيما نحن المتهمين من قبلهم ومن قبل أنفسنا بكوننا لانتقبل الآخر؟ أم أن الأمر معكوس وهم الذين لايتقبلون إلا ما ينسجم مع ذائقتهم وحسب؟ أي التمركز على الذات وليس أمام الآخر سوى أن يستجيب لسياقاتهم الثقافية؟. هذه مجرد نماذج وأسئلة.. ربما تستحق منا التوقف عندها وتأملها ودرسها. وهذه دعوة لتوسيع أو تعميق النقاش حولها.

--------------------------------------
*نشر في زاوية (جداريات) في الملحق الثقافي لصحيفة (الثورة) السورية بتاريخ 29/12/2009 العدد 672

http://thawra.alwehda.gov.sy/_thakafi.asp?FileName=5584276820091229111724


وعلى هذا الرابط رأي آخر يناقش بعض ما جاء هنا
http://thawra.alwehda.gov.sy/_thakafi.asp?FileName=80737204220100309120943

الثلاثاء، 15 ديسمبر 2009

نقد/ عن.. تمر الأصابع / د.محمد المسعودي



تمثل الذات/ تمثل الآخر بين الملهاة والمأساة

في رواية "تمر الأصابع" لمحسن الرملي

د. محمد المسعودي
تعد رواية "تمر الأصابع"- وهي الرواية الثانية للكاتب والمبدع العراقي د. محسن الرملي بعد رواية "الفتيت المبعثر"- من الأعمال الروائية العربية الجديدة التي انشغلت بهموم الإنسان العربي المعاصر، واشتغلت- في خضم تصوير هذه الهموم- بتقنيات جمالية على قدر هام من البراعة والإتقان قصد تشكيل عوالمها الفنية المميزة. ولا تقف الرواية عند معاناة الإنسان العربي المعاصر فحسب، بل إنها ترصد، أيضا، تراجيدية الإنسان المعاصر الأوروبي/الآخر عبر تصوير ما تعانيه الذات الجماعية/العربية أثناء صراعها في واقعها الحالي بما يتسم به من مرارة وقسوة وعبثية، وبما يخضع له من حال ميلودرامي هو مزيج من المآسي والملاهي. فكيف تمثلت الرواية هذه الذات؟ وكيف تمثلت الآخر؟ وما تجليات المأساة/التراجيدية في تمثل الذات/الآخر؟ وما أبعاد الملهاة/الكوميدية في تصويرهما؟
انطلاقا من هذه الأسئلة ستكون مقاربتنا لهذه الرواية خاضعة لاستراتيجية تبحث عن الأبعاد الفنية أثناء بنائها للدلالة، قصد الوقوف عند تشكلات الصور الروائية وهي تُبرز تمثل السارد للذات وللآخر في سياق توتر درامي قوامه المأساة والملهاة معا.
لعل أول ما يلفت نظر قارئ رواية "تمر الأصابع" منذ فصولها الأولى تركيز السارد على تصوير عادات وعوائد القرية العراقية عبر الإمعان في رصد طبيعة العلاقة الجامعة بين الأسرة والعائلة والعشيرة، وهي علاقة لا تسلم من التباس وتشابك وتوتر وصدام. والبعد المفارق/الساخر في هذا التصوير يكمن في توليد الملهاة من عمق المأساة. إن تجسيد طبيعة علاقة السارد بالأب والجد، وعلاقة هذا الأخير بأولاده وأحفاده تبرز هذا التراوح بين التراجيدية والكوميدية لدى الروائي الذي يمارس لعبته الفنية الذكية منتقدا ساخرا على الرغم من الطابع الجدي الذي تُقدم به الوقائع والشخصيات. وإن المتأمل في الصورة السردية التالية يقف عند هذه اللعبة الفنية الماكرة بوضوح، يقول السارد عن أبيه: « أبي أكبر إخوته لذا وقع عليه العبء الأكبر من العمل ومن ممارسات جدي لتصوراته عن التربية الصارمة وتغذيته بمفهوم الطاعة العمياء للوالدين،" لأن رضا الله من رضا الوالدين". فلم يرفض نوح طلبا أو أمرا لوالده أبدا أبدا. أذكر مثلا، أنه قد عاد ذات ظهيرة تموزية منهكا من عمله في شركات النفط في كركوك، وبما أن من عادته الدخول أولا إلى صالة الضيوف للسلام على جدي الذي يقيم فيها وحيدا مع كتبه منذ موت جدتي، ثم يأتي إلى البيت يقبلنا ويصافح أمي. في تلك الظهيرة أمره جدي أن يذهب لإصلاح مضخة الماء العاطلة في المزرعة، فترك حقيبته هناك وتوجه فورا إلى الحقل دون أن ينعطف إلى البيت ليسلم علينا أو يستحم ويرتاح ويتناول غداءه، كما هي عادته. ولم يعد إلا بعد أن أصلحها عند غروب الشمس. أبي لم ينظر في عيني جدي أو حدق في وجهه على الإطلاق. دائما ينظر إلى الأرض مستمعا إلى كلامه بانتباه، تجاوز عمره الأربعين عاما وهو يقول إنه يستحي من النظر إلى وجه أبيه. وسألني ذات يوم هادئ قرب شاطئ النهر، بنبرة تشبه الفضول والتوسل: كيف تنظر أنت إلى وجهه؟ هل نظرت في عينيه؟ هل نظرت في عينيه؟».(ص.18-19)
يكشف هذا المشهد التصويري عن مفارقة تسم علاقة الجد مطلق بابنه نوح. إن طرق التربية التقليدية التي زرعها الجد في الأب جعلت شخصيته تنمحي أمام الحضور الطاغي للجد الذي يتحكم في كل شئ داخل بيت العائلة الكبير. ويركز السارد على بعد على قدر من الأهمية في الدلالة على المفارقة الساخرة والرؤية النقدية الرافضة لقيم المجتمع الشرقي التقليدي، ويتمثل هذا البعد في عدم قدرة الأب نوح على النظر في عيني والده أو التحديق في وجهه أبدا، وتتبدى السخرية أكثر حينما يطلب من ولده سليم أن يكشف له عن كيفية قدرته على النظر إلى وجه الجد، بل إنه يلح في السؤال عن مدى قدرته على النظر في عينيه. ولعل هذا التصوير الروائي الهادئ لهذا الحدث يكشف، في العمق، عن توتر ومفارقة ستبين الأحداث اللاحقة عن أبعادها في خدمة دلالة النص التراجيدية/ الكوميدية. إن الأب الذي يستحي إلى هذه الدرجة السلبية من الجد ينطوي على جوانب أخرى تعد النقيض التام لما يبدو في هذا المشهد السردي الدال. وهذا ما يجعل السارد/ البطل يستغرب التحول الذي طرأ على أبيه بعدما هاجر إلى إسبانيا، ويبدي حيرته من ازدواج شخصيته الذي يجسد توزع الذات وحيرتها بين هويتين وحضارتين وثقافتين. يقول السارد معبرا عن استغرابه وحيرته من سلوكات الأب: « أفكر بأن أبي في داخله اثنين، هناك كان يخفي الذي يمارسه هنا، وهنا يخفي الذي كان يمارسه هناك... دون أن يتخلى عن أحدهما نهائيا...»(ص. 87)
وهكذا نتبين أن الوضع التراجيدي للإنسان العربي في مواطنه ينطوي على مفارقات وسخريات تجسد انكساره وضعفه وانعدام شخصيته إلى حد يشبه معه الكراكوز، ومن هنا كان التركيز على المواقف الكاريكاتورية والمشاهد المضحكة استراتيجية فنية لتصوير مأساة الذات العربية سواء في الوطن أو في المهجر. ووضع العربي في المهاجر الغربية يتضح من خلال صورة الأب نوح في توزعه بين ماضيه وحاضره، على الرغم من سعيه الدائب إلى نسيان الماضي إلا أن هذا الماضي يلقي بكلكله عليه إلى آخر لحظة في الرواية.
وبهذه التقنية الجمالية التي تقف عند المفارقات وتستخرج اللحظات الساخرة من جذور المآسي التي تمر بها البلاد ينجح السارد في تقديم صورة روائية متكاملة عن واقع القرية العراقية باعتبارها تمثيلا تخييليا لفضاء عربي شاسع يتقاسم الكثير من سمات القرية العراقية التي يصورها.
وإذا كان الروائي يركز على تصوير فضاء القرية العراقية بطقوسها البدوية الإنسانية البسيطة في تناقضاتها ومفارقاتها بنجاح وقدرة فنية بينة، فبموازاة مع ذلك يتمكن من تصوير حياة المدينة الأوربية ومعاناة المغتربين فيها بنفس الاستراتيجية الفنية. في الفصل الرابع من الرواية، على سبيل التمثيل، يرصد السارد طبيعة العلاقة التي تجمع الإنسان الغربي بالمهاجرين، ومن خلال تصوير توتر هذه العلاقة يكشف زيف الحضارة الأوروبية في ادعائها للإنسانية والديموقراطية والتواصل. يقول السارد: « أنا أصغر سكان العمارة سنا، تليني شابة كوبية سمراء تسكن تحتي، أرضيتي سقفها. فيما تحتل الشقق الأخرى عجائز وحيدات إلا من رفقة كلب يخاطبنه ليل نهار أو من مشاهدة أخبار فضائح الفنانين في التلفزيون، وكن ينظرن إلي حين نلتقي على السلم بتوجس وريبة بعد موقفي حول برميل الزبالة. وازدادت هواجسهن حين رفضت الاجتماع مع مجلس الجيران لمناقشة قضية إصلاح قفل الباب الرئيسي، حين قلت للبواب: لا داعي لمضعية الوقت هذه، قم أنت بشراء قفل جديد وبتركيبه، ثم اجمع ثمنه من سكان العمارة. ذلك أنني أدركت بأن فائض الوقت لديهن يجعل من هذه الاجتماعات فرصة للثرثرة والشكوى وإرضاء فضولهن برؤية بقية الجيران عن كثب. قررت ألا أحضر اجتماعات الجيران هذه منذ العام الأول..».(ص.35)
تبين هذه الصورة السردية مفارقة الواقع الغربي الذي يتميز، بدوره، بتناقضات ومفارقات خاصة به. إنه واقع يحتفي بالحيوان على حساب الإنسان، ويعادي الآخر لأنه آخر مختلف ثقافيا وحضاريا وعرقيا. وهو واقع لا يسلم من فضول يصل حد استباحة كل طرق الجاسوسية والنميمة من أجل اقتحام حياة الآخر ومعرفة تفاصيلها. وفي حال الإخفاق تتحول العلاقة إلى نفور وعدوانية بينة. ولعل السارد أمعن في تصوير هذه الأبعاد للكشف عن تراجيدية الإنسان الغربي وكوميدية وضعه الإنساني الزائف الذي لا يسلم من ظاهر يعلن قيم الخير والتواصل والتفاهم والمحبة، ومن مضمر يخفي قيم الشر وانعدام التواصل والتفاهم والكراهية. وقد قدم السارد مشاهد تصويرية عديدة تكشف هذه المباذل الغربية المغلفة بقشور الحضارة الأوربية الحديثة.
ومن خلال ما سلف يمكن القول إن لمحتي السخرية ونقد معتقدات الذات ومعتقدات الآخر ومواقفه من السمات اللافتة للنظر في رواية "تمر الأصابع" دون سقوط في الثرثرة السردية والمباشرة الفكرية في عرض المواقف أو التعصب لها. ومن ثم، فإن لعبة المداورة/المواربة في تقديم الموضوع وتصوير تفاصيله التي تتسم بالتناقض في الرؤى والتعدد في المنظورات نجحت في تحقيق تصوير متوازن لحقيقة الذات والآخر من وجهة نظر سارد لا يدعي اليقين بقدر ما يبحث عن لمعة يقين وسط دوامة الشك التي تعصف بالإنسان المعاصر.
وهكذا نتبين أن هذه الرواية التي صيغت بلغة منسابة متدفقة، وحيوية تصويرية لافتة للنظر قد تمكنت من الوقوف عند تقاطع عالمي الشرق والغرب عبر هذه البراعة اللغوية التي تعزف على إيقاع التكثيف مرة، وعلى بلاغة الامتداد والتفاصيل الدقيقة مرة أخرى. وإن تداخل الماضي بالحاضر، وما يتعلق بالذات الساردة، والآخر وهي تتشكل عبر سرديتها المتوترة وحيويتها التصويرية في أبعادها التراجيدية والكوميدية تجعل النص حافلا بالمتعة ومفيدا لكل متدبر في علاقة الغرب بالشرق، وفي حقيقة الشرق والغرب على السواء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* محسن الرملي، تمر الأصابع، الدار العربية للعلوم ناشرون/ بيروت، منشورات الاختلاف/ الجزائر، ط.1، 2009.
*الدكتور محمد المسعودي: كاتب وناقد من المغرب. messoudimohamed@yahoo.fr
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في الملحق الثقافي لصحيفة (الجماهيرية) الليبية بتاريخ 8-9/1/2010م.
*ونشرت في صحيفة (القدس العربي) العدد 6386 بتاريخ 17/12/2009م.

http://www.alquds.co.uk:9090/pdf/2009/12/12-16/qad.pdf
*كما نشرت في صحيفة (العلم) المغربية بتاريخ 1/1/2010م.
http://www.alalam.ma/def.asp?codelangue=23&id_info=22284&date_ar=2010-1-2%2023:20:00

السبت، 12 ديسمبر 2009

محسن الرملي في التلفزيون الاسباني

محسن الرملي في التلفزيون الأسباني



ريبورتاج قصير عن
الكاتب العراقي محسن الرملي
بعنوان (كلمات للعراق)
في التلفزيون الأسباني
في برنامج (بابل في التلفزيون)
تم بثه بتاريخ 7/12/2009
شاهد

الأربعاء، 2 ديسمبر 2009

قصة / هدية من: أحمد يوسف عقيلة

قصة قصيرة
شَيطان التفاصيل

أحمد يوسف عقيلة

( إلى محسن الرملي )

1

... هي ترعَى بقراتها في السفح الشرقي..

هو يرعَى ماعزه في السفح الغربي..

والوادي بينهما.

2

يجلس فوق صخرة.. مزماره يَصْدح..

تتكيء على جذع شجرة.. يُغربلها النَّغَم.

3

الماعز والأبقار يُغريْها عُشْب السيل..

تَهبط خلف بقراتِها..

ينحدر وراء ماعزه.

4

يخرج من الدغل إلى فُسحة الوادي..

تنبثق من بين الأغصان..

تتلاقَى أعينهما.

5

الثور يتشمَّم البقرة..

فَحل الماعز يُخرج لسانه.. يبول على أنفه.

6

يتطلَّع إلى جرح السيل الغائر..

تتطاول على مشطي قدميها.

7

القُمْري يُطارد الحمامة من غصن إلى غصن..

الكلبة تتمرَّغ أمام الكلاب.

8

يجلس على حافّة مَجرى السيل..

تجلس على الحافّة المقابلة.

9

العَنْز تستدير.. تَجذبُها رائحة الفحل..

بين الحافَّتين تتلامس أقدامهما عَرَضاً.

10

زوج من الغربان يتشاكسان على ارتفاع منخفض.. يتلامسان بالأجنحة.

11

ينتقل إلى حافّتها..

توسِّع له قليلاً..

يلمس يدها بأطراف أصابعه..

تلذعها الأصابع.

12

... تنحدر الشمس خلف الغابة.. تُلوِّن أطراف السُّحب الطافية فوق الوادي.. تتبدَّد العتمة في الحنايا.. وبعيداً في أسفل المنحدَر يعوي ذئب.

***

(2009)
ــــــــــــــــــــــــ

*أحمد يوسف عقيلة: كاتب من ليبيا. youssof58@yahoo.com

http://alkarrobah.blogspot.com/2009/03/blog-post_13.html