فحوصات
ثقافية
عائد إلى يومياتي
بقلم: الدكتور
محسن الرملي
إذا كانت كُتب السيرة الذاتية
قليلة عندنا، فكُتب اليوميات أقلّ، وإذا كنا نخشى كشف السيرة للمستور الخاص، فإن اليوميات
هي كشف لمستور المستور؛ لأنها تُمثل ما وراء السيرة: تفاصيلها الخفيّة، صيرورتها
وما لا تقوله السيرة عن نفسها.
عندما عُدتُ إلى بَلدي الأم،
العراق، بعد عقود من الاغتراب، وجدتُ بين أوراقي ورسومي ودفاتري، التي تركتها
محفوظة في صندوق ثياب أُمي الميتة، دفترين فقط من يومياتي، فجلبتهما معي إلى
مدريد، ولم أفتحهما، إلا مؤخراً، فوجدتُ فيهما مادة وشهادة تستحقان أن تَريا
النور، وعلى الرغم من أن أكثر ما نخشاه، حين ندوّن يومياتنا، هو أن يَطّلِع عليها
أحد، ها أنا أُفكر في أن يقرأها الجميع! فقد وجدتها وثيقة تشهَد على تفاصيل مرحلة شكّلت
أبناء جيلي؛ تَحَطَّمت فيها آمال بعضهم، وتغيّرت حياة بعضهم كليّاً، ومات آخرون وطواهم
النسيان.
عندما قرأتُ الأوراق
المصفَرَّة، تذكرتُ تلك الأجواء: المُعاناة، الأحلام، الأوهام، المَسرّات، الجمال،
القُبح، وكيف كنا نعيش في دوامة من القَلق والشائعات والمخاوِف، ومع ذلك ثمة روح
نابِضة، مُقاوِمة وحتى مُتمرِّدة، في حدود الممكن، وكيف كان الأدب ـــ قراءةً
وكتابةً ونقاشاً ـــ بالنسبة لي؛ مُنقِذاً لذاتي، حافظَ على تماسكها، وعلى ما أمكن
من آمالها... كُنا نكتُب اليوميات لأنفسنا، وربما آن لها أن تكون للآخرين، ولو عبر
دسّها في رواية.
منذ سِنّ مبكرة،
اِعتَدتُ كتابة يومياتي، لأنني رأيتُ أخي حسن مطلك يَفعل ذلك، وشجعني عليها أيضاً،
بهدف: التدريب اليومي على الكتابة، اِستنطاق أيامنا العادية بحثاً عن معنى ما، تأمّل
الذات والتعرّف عليها، توظيف المناسِب منها في نصوصنا، وللتذكُّر، فمهما قُلنا عن
حدث "يستحيل أن ننساه"، سنجد أننا، بعد فترة، قد نسيناه.
طالما نصحَنا كبار الكُتاب
بتدوين الأفكار والمشاعر واليوميات، وحَذَّرونا من الاعتماد على الذاكرة والثقة بها،
وها أنا اليوم، إذ أقرأ تفاصيل تلك الأيام، أُدرِكُ كم كانوا على حق! فقد هَرَسَت الأحداث
الجِسام الكثير من ذكرياتنا حد المَحو، وغَطّاها غبار الزمن، ولولا اليوميات لاندثرَت
تماماً، بينما حفظها التدوين، أعادَها نابِضة، كأنها تحدث أمامي.
ولهذا أشعر بالأسف على
ضياع دفاتري الأخرى، وعلى توقفي عن كتابة اليوميات، لا سيما بعد ظهور وسائل
التواصل الاجتماعي، ظنّاً مني ــ كما ظنّ كثيرون ــ أنها يمكن أن تكون بديلاً
عنها. غير أنني أُدركُ الآن أنها لا تُعوّضها؛ فما ننشره في حساباتنا على شبكات
التواصل، وإن كان مُرفَقاً بالصُور، لا يعدو أن يكون عرضاً للمظاهِر والوقائع
الخارجية، أما التأملات والرؤى والمشاعر العميقة والآراء الحُرة، فهي مما لا تحفظه
إلا اليوميات، والتي يصفها حسن مطلك بأنها "العين إلى الداخل"، ويقول:"عندما
تكون العين إلى الداخل؛ فهي تعكس صورة العالم دائماً"، أما ما نفعله في وسائل
التواصل، فهو العين إلى الخارج، وتَزييف ومُجاراة لهذا الخارج.
قد يكون أي التزام مُتعِبًا،
لكن ثماره جديرة بالعناء. سقتُ كل ذلك لأقول: ليتنا نحثّ أنفسنا وغيرنا على ممارسة
هذا الفن السردي العريق، وخاصة في متاهة وتشويش وزحام عصرنا. سيغدو التدوين مرآةً
وعلاجاً وفناً ووثيقة؛ تنظيماً وتأملاً وتقييماً، ثم مشاركةً بالنشر والقراءة
والدراسة، أو توظيفاً له في نصوص أخرى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في مجلة (كتاب)، العدد 95 سبتمبر
2026 الشارقة
























