الأربعاء، 30 مارس، 2016

ذئبة الحب والكتب.. اختراع الحب للخلاص/هيثم حسين/ الجزيرة.نت

ذئبة الحب والكتب.. اختراع الحب كدرب للخلاص

هيثم حسين
هل يمكن اختراع الحب والإيهام بتجميله حياة أصحابه؟ كيف لحب مخترع أن يرسم مصائر شخصيات واقعية؟ ألا يكون البحث عن الحب ردا على افتقاده وسيادة نقيضه؟ هذه الأسئلة جزء مما تشتغل عليه رواية "ذئبة الحب والكتب" للعراقي محسن الرملي الذي يستنطق شخصياته ويخبر على ألسنتها أن في الحب يكمن خلاص العراق والعالم من الأحقاد والحروب.
يتماهى الرملي في بعض أفكار وفصول روايته مع بيت شعري لنزار قباني يقول:"الحب في الأرض بعض من تخيلنا ... لو لم نجده عليها لاخترعناه" إذ إن "هيام" بطلة روايته تعيش حياة متخيلة موازية لحياتها الحقيقية المفترضة، توصف بأنها تفترس الكتب، وتحلم بحب يشعرها بإنسانيتها وتجددها وأنوثتها، وتقنع نفسها بأنها تعيش جزءا منه عبر التراسل عن بعد، والبوح بما يعترك في دواخلها.

حياة رديفة
يستهل الرملي روايته بالتشديد على فكرة الانطلاق من السيرة الذاتية، والاعتماد على حياة رديفة لحياته، وهي حياة أخيه الذي فقده في العراق، وكان شغوفا بالشعر والأدب، يحاول إحياءه في الرواية، يرسم له مصيرا مختلفا عما لاقاه، يسبغ على حضوره جماليات الإبداع، ويبقيه رمزا للذاكرة النقية، تلك التي ساهمت الحرب في تعكيرها وتشويه الشخصيات التي تسكنها.
شخصية حسن المطلك، صورة محسن نفسه كما يوحي الروائي، وهو في إيحائه يعتمد على نقاط رئيسية في سيرته وارتحالاته بين بغداد وعمان ومدريد، مرورا بالعديد من المدن الشرقية والغربية التي يصور عادات أبنائها، ويتعامل معها بمنطق الساكن لا السائح، تراه يعشقها ويحتفظ منها بذكريات يحرص على حميميتها وشاعريتها، ويظل هاجسه البحث عن الحب والأمان الداخلي والصفاء والسلام في بحر الحروب والحصار والغربة والضياع. 
تخبر هيام حبيبها المفترض عن تاريخ أسرتها وأهلها في العراق، وكيف هجرت البلد، واقترنت برجل لا تحبه، وهي المدمنة على القراءة والحالمة بالكتابة. تسر له بأسرارها، تعترف له بتفاصيل حميمة من حياتها، تكشف له المستور، تبني له ذاكرة مخترعة، لا تريد لها التجسد على أرض الواقع، تبقى محتجبة عنه، في غربتها وأساها، وتتماهى مع الذئب، سواء بشكل رمزي، لتميزه وبراعته، أو بشكل فيزيائي بوصف مزايا الذئب في حركاته وتنقلاته وحياته وصيده.
يعتمد الرملي في عمله بشكل رئيسي على البوح والاعتراف والبحث عن مواطن الأمل والجمال، كما يعتمد في السياق الفني صيغة تبادل الرسائل بين الراويين هيام ومحسن. ولا يخفى أن صيغة الرسائل باتت مكررة في الرواية الحديثة، إلا أنه باعتمادها على طول الرواية يحاول إضفاء نوع من الاختلاف عليها، بجعل الرسائل أساس الحكاية وبنية الرواية الرئيسية، والسرد يتخللها، كما يتدخل الراوي المتواري ليحفظ توازن الشخصيات ويوزع الرسائل والفصول بين الرواة أنفسهم.

تغليب السيرة
يسمي الرملي شخصيات تاريخية معاصرة ساهمت في الحياة الأدبية بالعراق والعالم العربي، يستحضرها في سياق تبادل الأفكار والرسائل بين رواته، يتحدث عن بعضهم كأصدقاء مقربين، وذلك في تغليب لجانب التوثيق السيري والتأريخ الشخصي على السرد الروائي.
ويذكر الرملي في تصريح للجزيرة نت أنه حاول في روايته توظيف أكبر قدر ممكن من التقنيات السردية كالرسائل وتعدد الرواة والتداعيات وتعدد الأزمنة وغيرها، وأكبر قدر ممكن من الأجناس الأدبية، ويقول "ضمنتها الشعر والقصة والمسرح والمقال والمذكرات وغيرها، كما تناولت فيها عددا من الموضوعات الجوهرية كالحب والموت والحرب والهجرة وجعلت تجربتي الشخصية وسيرتي في خدمة العمل، وليس العمل في خدمة سيرتي".
ويلفت إلى اشتغاله المختلف في عمله قائلا "حاولت أخذ الرواية إلى أصولها لتكون كتابا متحررا بمفهوم الكتاب فعلا؛ ينطوي على المعرفة والمتعة وليس جنسا كتابيا واحدا، فتجد فيه الواقع والخيال والتاريخ والجغرافية والفرد والمجتمع والنفسي والموضوعي والثقافي وغيرها".
أما داخل إطار التصنيف الروائي فيقول الرملي إنه اقتدى بعملين عظيمين هما "الدون كيخوته" لميغيل دي ثربانتس "الذي وظف سيرته وذكرياته والتاريخ ونصوصه ونصوص غيره وتقنيات السرد التي سبقته وكل شيء من أجل عمله"، ورواية "جبل الروح" للكاتب الصيني الفرنسي غاو شينغجيان الذي "يتطرق إلى كل شيء من خلال صوتين خافتين لذكر وأنثى".
ومحسن الرملي كاتب وأكاديمي ومترجم عراقي ولد عام 1967 في قرية "سديرة"، ويقيم في إسبانيا. حصل على الدكتوراه من جامعة مدريد "أوتونوما" بكلية الفلسفة والآداب عن رسالته "تأثيرات الثقافة الإسلامية في الكيخوته" عام 2003. له في الرواية "حدائق الرئيس"، "تمر الأصابع"، وأدرجت روايته "ذئبة الحب والكتب" ضمن القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد للكتاب فرع الآداب عام 2016.
-------------------------------------------
*نشرت في (الجزيرة.نت) بتاريخ 30/3/2016م

الخميس، 24 مارس، 2016

عن: ذئبة الحب والكتب / نورس كوجر

محسن الرملي من المشاركين في هذا الإثبات..
الرواية تُثبت جدارتها من جديد
نورس كوجر
منذ مدة طويلة جدا، استطعت الحصول على نسختي من الطبعة الأولى لرواية محسن الرملي الرابعة، لكن الوقت لم يسعفني ولم يتسنى لي قراءتها مبكرا.. وها أنا أنهيها اليوم بعد تفرغي لها وتخصيص جل تفكيري بها، أنهيتها وما زلت أترنح بين سلسلة التساؤلات ودوامة الإجابات التي تركتّني بها هذه الرواية!
*ذئبة الحب.. طراز مستحدث في الكتابة وجديد جدا على محسن الرملي الذي لم يعودنا البتة على نهايات كهذه!! وبالتاكيد هذه النهاية مختلفة بالكامل عن نهايات أعماله الأخرى كالفتيت وتمر الأصابع، تجده هذه المرة أجاد وأبدع في طبخ الأحداث وتقديمها للقارئ حتى يحل ألغازها، أي أنها ذات النهايات المفتوحة يترك لتاؤيلات القارئ ونظرته للعمل الأدبي!! لكنه صعب جداً أيها الرملي..
لأنك أقرنت عملك هذا بعوامل نفسية كثيرة، تجعلنا كقراء أن نعيد الفكرة والتسلسل آلاف المرات ولا نصل إلى حل؟ وكما يقول محـســــن الرملي (إنها أفضــــل نهـــاية الهمني بها الرب)..
تخيل أنك تجلس أو تمارس عملاً ما، وفجأة تلمع في ذهنك فكرة أو مفتاح يصل بك إلى حل اللغز!! على الرغم من أنك أنهيتها.. إلا أنها ما زالت عالقة بين طيات عقلك تنتظر منك إجابة تامة لتساؤلاتها ونهاية مقنعة تليق بمحسن كعادته..
الرواية غزيرة بالأحداث والمعلومات المفيدة والتي قد تجرّك لتتعرف على الأكثر، كما وأن محسن كان جلّ اهتمامه في هذا الكتاب هو المرأة، حيث سلط الضوء على الكثير من الأمور والقضايا التي تخصها أو التي تعتبر محط اختلاف في مجتمعاتنا، وما تعانيه من أزمات وانتكاسات.. ولربما تساؤلات؟!
*الرملي أجاد وأبدع هنا في تقمص دور المرأة والولوج في عالمها المليئ أو المحاك بالظلمات الكثيرة.. علّه يجد السبيل لفهمها وإيصاله لمجتمعاتنا العربية..
ابتكر الكاتب شخصية البطلة “هيام”؛ المرأة الحالمة المحبة للحياة والكتب المتقدة بالمعرفة وشغف التطلع، لكنها غير مكتفية من زوجها الوسيم ذو المكانة الرفيعة وها هي تبحث عن الحب في حقل رجل آخر!
تبدأ الرحلة بإدخال “محسن الراوي ” بطل الرواية، الرقم السري الخاص بايميل “حسن مطلك”، والذي هو من صنع محسن الراوي تعلقاً بأخيه وليبقيه حياً ولو بين نفسه، بالخطا! ليجد صندوق البريد مليء برسائل مرسلة ومستلمة من امرأة، يبدا بقراتها غير مصدق وغير واعي لما حدث! يتعلق الراوي بملاحقة الأمر ومعرفة التفاصيل بشغف.. عسى وأن يصل إلى شيفرة هذة الرسائل أو حتى صاحبتها!
تستمر هيام في الكتابة لمحسن والحديث عن تفاصيل حياتها وعلاقاتها بالرجال وحتى عن تجربتها الجنسية مع ” بشعة” بنت الجنوب، تدور الأحداث بين العراق والأردن في فترات السقوط وما بعدها ومن ثم تنتقل إلى صنعاء اليمن، سوريا وصولاً إلى إسبانيا مدريد.
في هذا الوقت من الحديث عن تفاصيل حياة هيام، يكون محسن الراوي يجابه مشقة حياته ويكون منشغلاً هو الآخر بتصفية متعلقاته وشؤونه الاجتماعية، فضلا عن تعلقه بالرسائل وطباعتها ليقرأها آلاف المرات لوحده من دون إزعاج أحد وليقرر بعدها البحث عن هذه المرأة واللقاء بها!
تتشابك الأحداث وتتسع وتتعدد الشخوص وتتفرق الأحداث بين العراق وعمان لتصل بذروتها إلى إسبانيا... الأسلوب هو أسلوب محسن غني عن التعريف ” السهل الممتنع”، عنصر التشويق كان حاضراً منذ الإهداء وحتى نهاية الصفحات,.. معظم شخوص الرواية حقيقة، وهذا ما نوه عنه الكاتب بداية، حتى كدت أتصور بأن هيام موجودة فعلاً في الواقع وأنه اقتبس حكايتها..
عندما تشارف في قراءتك الصفحات الـــ 300 على الانتهاء، تتوقع أن تتجمع أشلاء الأحداث لتنبؤ بالنهاية المنتظرة، ألا وهي لقاء الأحبة وحل كل الألغاز، إلا أنها تتعقد أكثر فأكثر بعد هذه الصفحات لتجعل قلبك يخفق خوفاً وشوقاً لما ستؤل إليه هذه النهاية..
ابتغى محسن من هذا الكتاب أن يتكلم عن الكثير من الأمور، أن يضع لنفسه مساحة يتكلم ويتكلم ليصوب أنظار الطبقة المثقفة “النخب” إليه والتي بدورها ستنقل التجربة إلى المجتمع بالكامل، كما أنه أراد أن يقنعنا بتزاوج خيال الأدب بواقع الحياة.. وذلك بالتعرض المباشر أو الانتقائي، وعلى سبيل التوضيح، وأنت تقرأ ذئبة الحب والكتب.. ستتوقعها ذكريات أو سيرة أحدهم، أي أنها واقع موجود حقاً، لكن سرعان ما يخفى هذا التصور عند وصولك النهاية الصادمة لتكتشف بأنه عمل أدبي عبقري جداً، محبوك بآليات سردية محددة جعلت منه عملاً جدلياً بين القراء، كما حدث مع أحمد السعداوي في “فرنكشتاين” و” شيكاغو” لعلاء الأسواني.. ولربما أشد ضراوة عنها...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في صحيفة (الزمان) السنة الثامنة عشرة، العدد 5375 بتاريخ 24/3/2016م.

السبت، 5 مارس، 2016

محسن الرملي يكتب رواية التيه العراقي / ممدوح فرّاج النّابي

محسن الرملي يكتب رواية التيه العراقي

ممدوح فرّاج النّابي
ليس خافيًا على أحد أن رواية تجارب السيرة الذاتية صارت هي الأكثر رواجًا بين الكُتَّاب في الألفية الجديدة. لكن المشكلة الحقيقية التي تواجه هؤلاء الكتاب تتمثل في كيفية تمرير جوانب من السيرة الذاتية داخل أعمالهم، وما هو المهم في هذه المسيرة العظيمة الذي يستحق أن يُروى؟ وما هي حدود المسموح به في نص وسم بأنه روائي؟ وهل ثمّة محاذير تمنع مِن قول ما يُريده في السيرة الذاتية فيلجأ إلى رواية السيرة الذاتية؟ كل هذه الأسئلة جوابها في رواية «ذئبة الحُبّ والكُتب» الصادرة عن دار المدى للعراقي المهاجر والمقيم في مدريد محسن الرملي.
في رواية «حدائق الرئيس» للروائي العراقي مُحسن الرملي، وهي الراوية السابقة «لـذئبة الحُبّ والكُتب»، تحدث الكاتب عن جيل الآباء في الحروب التي خرج منها بلا طائل، سوى معاناة أكثر وحصار مقيت، ثم توالت هزائم جيل الآباء وجيل الأبناء بعد الاجتياح الأميركي للعراق، وصولا إلى ما هو عليه الآن من تغريبة.
سيرة غيرية
القهر والاستبداد اللذين عَانى منهما الآباء يعاني منهما الأبناء هنا في رواية محسن الرملي الأخيرة «ذئبة الحب والكتب»، ولكن مع مستبد جديد هو الاحتلال الأميركي للعراق، إذ يواصل الكاتب تشريح سنوات الاستبداد والقهر التي جمعت بين الجيلين معا، عبر شخصيتين محوريتين محسن وهيام، وإن كانت مساحة القهر والمعاناة تشغل مساحة كبيرة من سرد هيام، على الرغم من أنها ابنة أحد رجال النظام السابق، استفاد منه، وبعد رحيله لاقى الهوان حتى مات في سجنه، لذا لجأ الاثنان إلى البحث عن الحب للخلاص مما يعانيان، فكان لهيام شقاء وكانت لمحسن متاهة قادته إلى الاغتراب.
تبدو الرواية في أحد أوجهها توثيقا لزمن الاستبداد والخيانات والجواسيس، ثم في مرحلة لاحقة توثيقا لزمن الحرب، وهو الذي أجادت السّاردة في تصويره، حيث تزامنت لحظة الاحتلال وسقوط بغداد مع لحظة اغتصابها من قبل صديقها خلف مرعي، الذي تبين أنه جاسوس مدسوس من النظام على الأدباء. وهذا التوازي مثل معادلا موضوعيا لحالة البلد التي انتهك عرضها.
باعتراف الكاتب أنّه صاحب النص، وهو ما يعدّ قرينة من قرائن عقد السير ذاتي كما هي عند فيليب لوجون وجورج ماي، فيحدث تطابق الهويات الثلاث (المؤلف/ السارد/ الشخصية)، فقد مرر الكاتب جزءا من سيرته الشخصية داخل النص، إلى جانب سيرة أخيه الكاتب حسن مطلك الذي أعدم بتهمة قلب نظام الحكم، وهي تأتي كسيرة غيرية. فمنذ بداية الرواية يقر المؤلف بأنه محسن الرملي أخو حسن مطلك، ثم يعود في الفصل الأخير ليقول “هي أنا والعكس صحيح”.
الجامع المشترك بين كل الشخصيات الواقعية والمتخيلة هو البحث عن الحب؛ فسبب أزمة هيام وفشل علاقاتها المتعددة حتى تزوجت من زوجها عبود بطريقة تقليدية، هو غياب الحب الذي يجب على حدّ قولها «أن يكون حبا من كل قلبي». وتارة أخرى تتمنى «حبيبا يحب الثقافة ويحاورني بتفاصيل الشعر والروايات وجديد الكتب» وعندما تفشل تقول لقلبها «كفى كفى بحثا عن الحب» إلى أن عثرت على محسن الذي أسمته حسنا كما كانت تخاطبه. فصارت عبر هذا الحب تحيا حياة موازية تعيش بها لمواجهة الحياة التي تحياها مع «زوج انفصلت عنه روحيا منذ زمن». تتكرر مأساة الحب لدى رفاعي الصعيدي، فهو الآخر فجع في الحب وانتهى مصيره إلى إصابته بالإيدز، فرحل عن الأردن إلى أن وافاه الأجل في بلدته.
حياة موازية
ثمة خيطان متوازيان في السّرد وإن كانا مختلفين زمانيا ومكانيا، الخيط الأول هو سيري حيث السرد بعنوان الضمير الأنا المتطابق مع هوية المؤلف/ محسن الرملي، فيحكي من خلاله عن حياته في العراق ثم انتقاله إلى العمل بالأردن مع العمال المصريين، وفي هذا الخيط جانب توثيقي يغلب عليه الجانب الثقافي، حيث علاقات الراوي بالمثقفين وأحوالهم، إضافة إلى مقاطع من أعمال أخيه حسن مطلك، وأيضا ثمة مقولات لكتاب كبار مثل شكسبير وسارتر وشوبنهاور عن الحب وعن الإنسان وعن الآخر، وآرثر رامبو عن الشعر، وعن الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا والشاعر مظفر النواب، ومع الجوانب التوثيقية التي قدمها الكاتب، إلا أن السرد غلب عليه التداعي الحر.
أما الخيط الثاني فهو خاص بهيام ويسند فيه ما يسرد عنها إلى الضمير هي، وفي هذا الجزء يعود الكاتب إلى سيرة أخيه حسن مطلك أيضا وكتاباته التي شغفت بها صاحبة الإيميلات، حيث كانت أقواله طوق النجاة بالنسبة لها للخروج من شرنقة المأساة التي تعيشها مع زوجها.
يتراوح في هذا الجانب الزمان والمكان، حيث ثمة تنقلات كثيرة لها حسب الأماكن التي عاشت فيها كبغداد والبصرة، ونينوى، ثم السعودية واليمن والمغرب وغيرها من البلاد التي انتقلت إليها أو درست فيها، وصولا إلى أسبانيا حيث تعيش مع زوجها وأبنائهما، وزمانيا فالزمن متشعب في الماضي البعيد حيث طفولتها، وفي الماضي القريب حيث زواجها وعلاقتها بزوجها المضطربة إلى حدّ وصفه بالمستأجر، ويمتد تشعبه إلى الحاضر حيث زمن الرسائل، والاتصالات بينها وبين مُحسن الرملي.
بل إن صيغة الخطاب السردي تختلف أيضا تبعا لهذه الأزمنة فبينما السرد يكون في الزمن الماضي وهو أقرب إلى التداعي في سردها عن الماضي البعيد حيث ذكرياتها، يكون الخطاب في الزمن الحاضر إلى مروي حاضر، سواء بضمير الأنت والعائد عليه مباشرة، أو باستحضاره عبر الاتصال والسرد له مباشرة. وهذه التقنيات كسرت حدة السرد الذاتي، حيث رغم أن النص كله يميل إلى السرد الذاتي إلّا أن هذا التنوع أعطى مساحة للتخيل.
في مقابل ذلك نجد السرد الغنائي الذي تميز به جانب كبير من الوحدات حتى غدت في البعض منها مرثية حزينة يرثي من خلالها العراق، وما آلت إليه. ثم هناك غلبة لطابع اليوميات، خاصة في سرد هيام لزمنها الحاضر وهي تعيش في مدريد حيث دائما تسرد له ما يحدث لها في يومها كزيارتها لطبيبها وعلاجها، وجلوسها مع ابنها حامد المريض، واتصالاتها بصديقتها ياسمين، وأيضا خلافاتها مع زوجها.
يعمد المؤلف إلى توزيع الحكايات المتناوبة بين حسن وهيام عبر وحدات سردية أشبه بالفصول، يحمل كل منها عنوانا مستقلا يتراوح بين العناوين الوصفية التي تلخص مضمون الفصل، أو يحمل اسم إحدى الشخصيات الواردة والطارئة على النص مثل ابنة الذئب، والبجعة الجميلة، السريلانكية الطيبة.
«بالحُلْم يتجدّد كلّ شيء» هكذا صدّر الرملي روايته، وبالحلم استطاعت البطلة أن تجدد حياتها وتعيد ذاتها، وبالحلم استطاع البطل أن يحقق ذاته وسار خلف حلمه غير عابئ بشيء، وبالحلم كتب رفاعي روايته إلى حبيبته التي هجرته، ومثلما كان التصدير دعوة إلى الأمل كان الإهداء لضحايا الحب والمتورطين فيه، فالرواية هي دعوة للحلم والحب. فهلا تلقينا الدعوة وسط الأجواء الضبابية المسيطرة على حياتنا؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* نُشر في صحيفة (العرب) بتاريخ 05/03/2016، العدد: 10205، ص17

محسن الرملي لـ(المدى): الحرب والهجرة والمثقفون والأحلام.. موضوعات روايتي هذه

رواية "ذئبة الحب والكتب" ضمن القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد
الروائي محسن الرملي لـ(المدى):
الحرب والهجرة والمثقفون والأحلام.. موضوعات روايتي هذه


علاء المفرجي
ترشحت رواية صادرة عن دار المدى الى القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد للإبداع في مجال الأدب .ورواية (ذئبة الحب والكتب) لمؤلفها الكاتب محسن الرملي كانت صدرت هذا العام عن دار المدى.. وسبق للكاتب أن اصدر عددا من الأعمال عن الدار منها (الأدب الإسباني في عصره الذهبي) و(تمر الأصابع)..
والروايات الأخرى بالإضافة لرواية الرملي هي: “بخور عدني” للكاتب علي المقري من اليمن و"ما وراء الكتابة: تجربتي مع الإبداع" للكاتب المصري ابراهيم عبد المجيد. أما بالنسبة لأدب الطفل فتشمل القائمة القصيرة أيضا ثلاثة أعمال من لبنان وسوريا والسعودية، هي: “طائر الوروار”، للكاتب حسن عبد الله من لبنان و“البحث عن الصقر غنام”، للكاتبة السورية لينا هويان الحسن، وأخيراً كتاب “عيد في إبريق“، للكاتبة السعودية نوف العصيمي.
 ومحسن الرملي كاتب وأكاديمي ومترجم وشاعر يقيم في إسبانيا. ولد سنة 1967 في قرية (سديرة) شمال العراق. حصل على الدكتوراه، بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف من جامعة مدريد (أوتونوما) بكلية الفلسفة والآداب عن رسالته (تأثيرات الثقافة الإسلامية في الكيخوته) عام 2003. ويتميز بالكتابة باللغة العربية والإسبانية كما تُرجم بعض من كتبه ونصوصه إلى العديد من اللغات كالإسبانية، الإنكليزية، الفرنسية، الإيطالية، الألمانية، البرتغالية، التركية، الروسية، القطالانية، الألبانية، الفنلندية والكردية.كما ألقى العديد من المحاضرات.
يقول الروائي الرملي عن طبيعة هذه الرواية وعن الموضوع الذي تتناوله: انها تتطرق إلى مواضيع كثيرة كالحرب والهجرة والثقافة والمثقفين والأحلام وغيرها، وإن كانت بذرة ثيمتها الأساسية هي موضوعة الحب التي كنت أحلم بالكتابة عنها منذ زمن طويل، وكنت أتساءل: ترى ماذا عن موضوع الحب بالنسبة للنساء العراقيات من جيلي؟ كيف تعاملن معه في ظل عقود من الظروف القاهرة التي لاتسمح به؟
ويضيف : وهكذا كان علي أن أحاول البحث في أعماق المرأة واستكشاف مكنوناتها بهذا الشأن، مع الحرص على وصف الوضع الخارجي العام للعراق وبلدان أخرى كبيئة محيطة، وبالطبع طرح الكثير من المواضيع الأخرى المرتبطة كلها بهذه الثيمة، اجتماعية ونفسية وسياسية وفكرية وتاريخية وأدبية، مما يستثمر الرواية كعمل وأداة فنية حاملة لجوانب معرفية، ذلك أنني أؤمن بما يراه أستاذي حسن مطلك وهو أن على أي كتاب أن ينطوي على جانب معرفي كي لا يشكل خديعة للقارئ.
وعند سؤاله عن الروائي الشهيد حسن مطلك (شقيقه) ، وهل ان الرواية توثيق لحياته قال:
لا، فحياة حسن مطلك تستحق كتابا.. بل كتباً خاصة بها لوحدها، هذا عدا أعماله، وما جاء في رواية (ذئبة الحب والكتب) هو مجرد إضاءة لجانب منه ومن أعماله، عبر توظيفه كشخصية محركة للسرد وكنموذج مختلف وضروري ضمن الكثير من الشخصيات التي تحفل بها الرواية، إضافة إلى إعطاء صورة أخرى من صور الضحايا في العراق والتي من بينها صور للمرأة الضحية.
وعن سبب اختيار هذه الرواية  للمنافسة على الجائزة على الرغم من ان لديه اكثر من عمل روائي قال:
هذا يعود لتقييم ناشري، الذي هو دار المدى، فهو الذي رشحها، وأنا بدوري أشكر وأحترم تقييمه.
وسبق لي ان أعددت أكثر عمل روائي للطبع في هذه الدار.
يذكر أنّ “جائزة الشيخ زايد للكتاب” ستعلن القوائم القصيرة لجميع الفروع خلال الأيام المقبلة على ان يلي ذلك اعلان الكتب الفائزة ودور النشر وشخصية العام الثقافية بعد اعتمادها من مجلس الأمناء. علماً أن حفلها السنوي سيقام على هامش معرض أبوظبي الدولي للكتاب (27 نيسان- 3 أيار 2016) في مركز المعارض الدولي في أبوظبي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر في صحيفة (المدى) العدد 3590 بتاريخ 5/3/2016م.