الثلاثاء، 15 أكتوبر، 2013

مهرجان كوستاريكا يُصدر ديواناً لمحسن الرملي / صفاء ذياب

مهرجان كوستاريكا يُصدر مجموعة شعرية لمحسن الرملي
بدأ الشعر باللغة الاسبانية لتخوفه من عمق العربية
 بغداد ـ صفاء ذياب
 وُضعت صورة الشاعر والروائي محسن الرملي على بطاقة دعوة طُبع منها أكثر من مليون ونصف المليون نسخة لتوزع في مدينة سان خوسيه، عاصمة كوستاريكا، كدعوات للجلسة الخاصة التي ستقام له، ويوقع فيها أيضاً مجموعته الشعرية التي صدرت بالإسبانية بعنوان (خسارة رابحة).
البطاقة التي اشتركت في طباعتها وزارة التربية هناك ومهرجان كوستاريكا، كانت مفتتحاً لفعاليات عدّة بين هذه الوزارة وبيت الشعر، ليخصص ريع الإصدارات التي ستوزع في المهرجان لصالح الشباب والطفولة والعمل على تجنيبهم أهوال الحروب وتعزيز محبة السلام والأمل في نفوسهم.
(خسارة رابحة) مجموعة شعرية تضم مختارات من أعمال الرملي باللغة الأسبانية، وقد قامت بإصدار هذا الكتاب جامعة كوستاريكا ومؤسسة بيت الشعر، بمناسبة المهرجان الدولي للشعر الذي يقام هناك في هذا الشهر. إذ سيتم تقديمه وتوزيعه بحضور المؤلف أثناء مشاركته في فعاليات المهرجان إلى جانب عدد من الشعراء العالميين والعرب، وتضم المجموعة أكثر من أربعين قصيدة فضلاً عن نبذة عن المؤلف.
عن كيفية اختيار النصوص وتقديمها في مجموعة منتخبة، قال الرملي في حديث خاص لـ"الصباح" إنه تم اختيار القصائد من مجموعاته السابقة، فضلا عن قصائد أخرى غير منشورة، و"اعتمدت في الاختيار على ما وجدته قد حظي باستحسان واستقبال جيد سابقاً من خلال المهرجانات وردود فعل القراء والنقاد". والأهم من هذا ان الجديد الذي يقدمه الرملي في هذه المجموعة كونها تضم في كتاب واحد قصائد متنوعة ومنتقاة من نصوصه، متنوعة من حيث اشتغالها الشعري، مراحل كتابتها وفي ثيماتها التي تتناول عدة مواضيع كالحرب، الحب، المنفى، الهم الوجودي، ما هو عام وما هو فردي، ما هو تاريخي وما هو يومي.. وغيرها، فضلا عن كونها تحمل شيئاً من روحية ثقافتين مختلفتين.
الرملي قام بنفسه بترجمة هذه النصوص من العربية إلى الإسبانية، حسب ما يقول، "أو بالأصح: كتابتها باللغتين، فبالنسبة لي تمتزج عملية الكتابة والترجمة وتكاد تتم في آن واحد، إذ كتبت بعض النصوص بالعربية أولاً وأخرى بالإسبانية وبعض آخر باللغتين معاً، ثم أقوم لاحقاً بالترجمة من هذه إلى تلك دون الالتزام بترجمة حرفية للنص، وإنما أتدخل فيه وفق ما أجده أنسب ويعبر عما أريده في سياق كل لغة".
وعن مدى التقارب بين النص الأصلي والمترجم، يرى الرملي أن النقطة المشتركة فيهما أنهما يقولان الشيء نفسه ويرسمان الصورة نفسها بلسانين مختلفين، وإن اختلفت الصيغ والحساسية اللغوية بينهما، و"من المفارقات التي اكتشفتها وتعلمتها من خلال تجربتي في الترجمة والكتابة بلغتين، هي أنه وعلى الرغم من أن الشعر في الأصل هو اشتغال لغوي، إلا أن نصوصي أكثر ما تكون ابتعاداً عن الاهتمام أو الاعتماد على اللغة، وكأني أحاول تلمس ما أعتقد أنه شعري بذاته دون التعكز اللغوي، كأني أبحث عن شعر بلا لغة شعرية، وما زلت أراقب تجربتي هذه وأحاول معرفتها أكثر والتعمق فيها".
في الترجمة هناك فسح كثيرة للتأويل، وهو ما يؤكده أغلب المترجمين والباحثين، لكن الرملي يعتقد أن لديه نوعين من النصوص، نوع يقدم نفسه مباشرة ولا يحتاج إلى الكثير من التأويلات ويهتم بإيصال رسالة ما، هو الغالب، والآخر، وخاصة ما يتعلق منه بالهم الوجودي، مغرق بدلالته ورموزه وقابلياته للتأويل بل وبغموضه أحياناً، حين "أحاول التعبير فيه عن لحظات أو أفكار أو مشاعر مستعصية، ويصعب التعبير عنها بلغة منطقية، بحيث أن لدي نصوصاً حتى أنا نفسي لا أفهمها، وإن كنت أستشعر واتحسس أجواءها دون أن أعرف ماهيتها بالضبط، وما فاجأني وأراحني أن ثمة من أعجبتهم هذه النصوص".
ومن المعروف أن لكل ثقافة ولغة نصوصها الخاصة، لكن أن يقدم عربي نصوصاً باللغة الإسبانية، فربما يكون التلقي مختلفاً، فهي كتبت لقارئ، والآن تعطى لقارئ مختلف. الرملي يرى أنه ليس هناك فارق كبير بين المتلقي العربي والإسباني، إلا بما يعتمد على مرجعيات بعض الدلالات في سياقات كل لغة على حدة.
-----------------------
*نشر في صحيفة (الصباح) العراقية، العدد 2944 بتاريخ 14/10/2013م
غلاف الكتاب والصفحة الأولى الخاصة بمعلومات نشره

السبت، 5 أكتوبر، 2013

عن رواية: تمر الأصابع / د.إبراهيم الحمد

حول رواية (تمر الأصابع) للروائي محسن الرملي
د. إبراهيم مصطفى الحمد

تعمل رواية (تمر الأصابع) للروائي محسن الرملي على تثوير محاور عدّة من إمكانات الفن الروائي وتقاناته التي تتضافر على التكوين وبناء المعمار الفني، باستثمار شحنات المكان ولغاته المتعددة، ذلك المكان الذي يشير في بعده الزماني- بوصف أن المكان لا يأتي إلاّ مرتبطاً بالزمان- وانتمائه إلى حقب معينة يشير إلى ما يمكن تسميته (الحافز)، وهو هنا الانتقام والثأر، مما يصنع غواية النص باتجاه رسم آفاق تلقٍّ مشحونة بالأسئلة والانتاج والتأويل.
  إنّ كل ما في الرواية من الغلاف إلى الغلاف متهم بالتحريض والتحرّش بالقارئ، ونحن هنا لا نتعامل مع النص الروائي إلاّ على أساس كونه متخيّلاً، إذ إن تلك هي لمسة الروائي، إنها تزييف للحياة كما يقول "فورستر استثمر الروائي بنية العتبات كمحطات تنوير، أضاءت جوانب مهمة من عتمات النص، وأزالت قسماً من أقنعته المراوغة، فالعنوان (تمر الأصابع) في تركيبته الإسمية المضافة، يذهب أيقونيّاً إلى الرمز الجغرافي الذي يتحدد دون أدنى شك بالعراق، والأصابع يمكن عدّها آلة التأشير والاتهام والتهديد، وربما إلفات النظر إلى حالة البعد والاغتراب عن الوطن والتأشير عليه من بعيد، لكن التركيب يمنحها بعداً سيميائياً يتجه صوبَ مناطق عدة/أيروسية –أيديولوجية- نفسية- إنسانية/ ويشكل استراتيجية المتن، ويقترح مناخاً قرائياً يتأرجح بين المتن والعنوان على نحو تناوبي مستمر.
  يعزز هذه الرؤية انقسام الإهداء على فقرتين: الأولى/إلى العراق مهد طفولتي ومهد الحضارات/والثانية /إلى إسبانيا محطتي للسلام بعد طريق طويل مكتظ بالحروب/ مما يشير إلى أن هناك حاضنتين اثنتين للمتن الحكائي هما العراق وإسبانيا وتبرز في ثنايا المبنى الحكائي / الخطاب الروائي/ شحنات كل من المكانين إذ يسجلان تاريخهما ويفرضان لغتيهما على النص، مما يشكل ذلك جزءً من الوعي بالمكان، وإنصاتاً مرهفاً لحضوره وتجلياته ومناخاته السوسيو ثقافية كما يرى ياسين النصير.
  وتعزز عتبة الاستهلال بنية العتبات، ووظائفها التنويرية بتغطية بانورامية، تلخص صفحات المتن كلها في فقرة من سطرين اثنين/ما كنت لأكتبَ قصة أهلي وأفضحهم لولا تشجيعُ أبي لي، وهو يحلّق شعر رأسي في مرقصه المدريدي قائلاً: أكتب ما تشاء فلن يحدث أسوأ مما حدث. هذا العالم جايف (الرواية: ص7.)
  جرى تقديم الشخصيات الروائية بالأسلوب غير المباشر، إذ تقدم الشخصية عن طريق نفسها أو عن طريق غيرها من الشخصيات، أو أن تستخدم دلالة المواقف والأحداث والأقوال لتقديمها، من دون اللجوء إلى الإخبار من قبل السارد أو المؤلف.
  أبرز شخصيتين هما الشخصيتان الرئيستان: (سليم) وهو الراوي، ووالده (نوح) وهو شخصية إيجابية، مدورة، متحركة، ومعقدة، وهو الشخصية المحورية التي تدور حولها الشخصيات والأحداث الروائية برمتها.
تظهر شخصية نوح بمظهرين متناقضين: المظهر الأول هو الشخصية الملتزمة دينياً وأخلاقياً وعُرفياً، ويتحدد هذا الدور في فضاء القرية، وفي المكان الأول /العراق/. أما المظهر الثاني فهو الشخصية المتحللة والمتحولة على نحو جذري، لكن هذا التحلل يكون بدافع براغماتي يكتشفه الابن سليم، بصورة غير مباشرة وعن طريق شخصية أخرى ثانوية، هي شخصية فاطمة المغربية التي يتزوجها سليم فيما بعد.
  إن حركة الشخصيات في الرواية، تصاحبها حركة الأحداث الروائية وانسيابيتها، التي تبدو تلقائية منحتها صفة الواقعية من دون التخلي عن فنيتها وانتمائها إلى عالمها المتخيل، وذلك ما يؤكده(بروب) من أن الوظائف، هي ما يميز الشخصيات وترجع الأهمية في وجود هذه الشخصيات إليها حصراً، وقد لاحظنا التزام الكاتب بعدم الإكثار من ضخ الشخصيات في الرواية، وهو ما دعا إليه النقاد المؤسسين أمثال (داوبتفاير) و(دوان دوات فاير) وغيرهما.
أما الأمكنة الروائية فيمكن تحديدها على نحو عام بمكانين، هما (العراق، وإسبانيا) تدور فيهما الأحداث وتتحرك خلالهما الشخصيات الروائية، ولا يمكن النظر إلى الأمكنة في الرواية إلاّ على أنها أماكن منغلقة إجمالاً، إذا ما عرفنا أن انغلاق المكان وانفتاحه رهينا الوضع النفسي للشخصيات التي تخترقه بحسب (لالاند)، لكن تحميل بعض الأمكنة كل هذ الكم الهائل من الصفات العدوانية والوحشية مثل مدينة تكريت، وعدم إبراز إي جانب مضيء فيها، عمل على خلخلة بنية المكان مما انعكس على البناء الفني للرواية، وأعطى إشارة تكاد تكون واضحة، إلى أن الرواية كتبت بدافع الانتقام والثأر، وربما لأسباب أيديولوجية سياسية، مع ما فيها من جماليات الفن الروائي وتجلياته النصية.
  وعلى نحو عام، فإن الأمكنة الروائية بتحولاتها، وتجلياتها النصية، جاءت واضحة سلسة تسمح بتتبعها وقراءتها، على الرغم من انغلاقها وتأزمها، وذلك يصب في مصلحة الرواية، إذ إن من الأسباب التي ذكرتها الأكاديمية السويدية لمنح "أرنست همنغواي" جائزة نوبل للآداب، عام 1945، أن رواية (الشيخ والبحر) تدور في عالم غير متشعّب.
  وممّا يحسب للرواية أيضاً لغتها السردية الفصيحة، والقريبة من لغة التداول اليومي- من دون الهبوط إلى العامية- وتعدد الأصوات في الرواية، فلكل شخصية صوتها ولغتها الخاصين، فضلاً على كون الحوار قد جاء أيضاً باللغة الفصحى، ولم ترد العامية إلاّ على مستوى المفردات أو الأمثال والمقولات الشعبية والأجنبية، بحسب ما يتطلبه إضفاء الطابع الواقعي والشعبي على الرواية، والاستجابة لمتطلبات الحكي وتثوير شحنات المكان الروائي.
  ولابد من التنويه إلى النهاية المفتوحة للرواية، التي تبتعث الأسئلة الشائكة والملحّة، وتفتح آفاق التلقي على الإنتاج، إذ تنتهي الرواية بسفر نوح وصاحبته (روسا) إلى ألمانيا، على نحو مفاجئ، ويتسلم سليم مفاتح شقة والده بسلسلة بلا رصاصة الثأر التي كان معتاداً على رؤيتها في هذه السلسلة،  ثم يعلم بعد أسبوع من سفر والده أن الدبلوماسي العراقي في مدريد قد نقل إلى برلين.
------------------------------------------------
*ألقيت ضمن الندوة النقدية التي أقيمت حول رواية (تمر الأصابع) في قصر الثقافة في محافظة صلاح الدين/العراق بتاريخ 6/6/2012م
*نشرت في مدونة (الرواية والقصة القصيرة العربية)