الخميس، 19 سبتمبر، 2013

الرملي: أريد الحرية والأمان / حاورته: دليلة قدور

الكاتب العراقي المقيم باسبانيا "محسن الرملي" في حوار خاص لـ(الأمة العربية) :

"اضمنوا لي الحرية والأمان ومستعد لخدمة بلدي مجانا
أتمنى  العيش في الجزائر والكتابة عن حارتها الشعبية"
..يجتاحه قلق القصيد.. ينفض صمته فيصب بوحه في الرواية، القصة، المسرح والترجمة..مشتاق يبحر العراق بين أضلعه نزيفا.. تغتاله ذكرى الطفولة والأحبة.. الحرية والسلام.. مسافات أحلام.. يأمل أن يعانقهما في موطنه.. بعد طريق طويل مكتظ بالحروب.. انه الشاعر الكاتب المترجم الأكاديمي العراقي المقيم بإسبانيا "محسن الرملي"، صاحب الحضور المتميز في المشهد الثقافي العربي والغربي.. وحتى لا نضيع الفرصة كان لا بد لنا من توريط مبدعنا في هذا الحوار الذي أجريناه معه بالجزائر العاصمة على هامش مشاركته في فعاليات المهرجان الدولي للكتاب وأدب الشباب..
حاورته: دليلة قدور
*الأمة العربية: بداية ننطلق من عملك الأدبي الأخير "حدائق الرئيس".. وهو ثالث عمل روائي في مسيرتك بعد "الفتيت المبعثر" و"تمر الأصابع".. هل يمكن تصنيفه ضمن الرواية التاريخية الديكتاتورية؟
ـ الكاتب العراقي "محسن الرملي": هي ليست رواية تاريخية بمفهوم الرواية التاريخية، ولكنها رواية تعيد كتابة التاريخ من وجهة نظر إنسانية.. فأكثر شيء دفعني لكتابة هذه الرواية هو استفسار المتلقي العربي والغربي عن سبب الفوضى والخراب الموجودين في العراق رغم أنه بلد غني، ومن ثم حاولت أن أجيب إجابة طويلة تشرح تاريخ العراق على مدى خمسين سنة الأخيرة، وذلك بشكل روائي ممتع.. ومن ثم أردت أن يفهم العراقيين الشباب ما يحدث.. وإبراز بأن الديكتاتور في عالمنا العربي ليس ببطل بل مجرم، حتى العنوان الذي اخترته "حدائق الرئيس" ..أقصد به ما خلفته الأنظمة الطاغية من مقابر جماعية.
*هل يمكن إدراج التيمة الرئيسية في هذا النص على نهج  المذهب الوجودي العبثي؟
في رأيي كل دافع للكتابة يكون هماً وجودياً أولاً.. لكن التعبير عن هذا يتم ضمن تناول حالة معينة تتعلق بالحب، الحرب، التاريخ أو السياسة.. وهي بالأصل مرجعيتها إشكالية وجودية..النقطة الأخرى هي الجانب الإنساني ..أنا عندما أكتب عن ضحية وأقول أني أفهمك..فهذا جانب إنساني يُشعر القارئ المعني بالمواساة.
ـ أتشاطرني إن قلت بأن روايتك تتمة لـ (الفتيت المبعثر) كون أحداثها تدور في عراق الثمانينات في ظل الديكتاتورية وشهادة لما يحدث من تشرد داخل الوطن؟
ـ ليس هذا بالتحديد، ولكن بشكل عام هي تميل إلى السيرة.. تلاحظين، حاولت في كل روايتي طرح إشكالية الهوية.. وهذا أمر معهود عند أغلب الكتاب العراقيين، حتى أولئك الذين عاشوا في المنفى لمدة أربعين سنة، فيكتبون عن العراق..لا أدري متى تنتهي هاته القضية..عموما مواضيع العراق والعرب كثيرة جداً لم تعطها الروايات العربية حقها لحد الآن..الأحداث متسارعة كثيرة وكبيرة..الثورة في الجزائر مثلاً لم يعطى لها حقها.. ويفترض أن تكون هناك أكثر من مليون رواية.. فلكل  شهيد حلم وذكريات وتاريخ وليس مجرد رقم... نحن مقصرين ربما لأن الأحداث أكثر منا وأقوى منا.. وحتى المبدعين عددهم قليل قياسا بأمتنا العربية.. في هذا المقام أدعو كل شخص أن يكتب روايته وينشرها في المدونة، فالأمور أضحت سهلة في عصر التكنولوجيا، اذ تم التنازل عن الشروط الفنية العالية.
*في نظرك المناخ متاح لأي كان حتى يبدع !
ـ نحن الأدباء نريد من الناس أن تكتب، حتى ننتقل إلى الكتابة عن الفنتازيا والأحلام، ونتخلص من العبء..نحن نشعر بالمسؤولية دائماً.. الواقع كما هو لا يطاق.. ونحن محتاجين للخيال.. فهو مسألة وجودية ومساحة راحة.. نرجو من الله أن يرحمنا من الواقع المرير حتى نستعيد إنسانيتنا...
*تعتقد بأننا نحتاج الى أدب استعجالي؟
ـ في اعتقادي عبارة أدب استعجالي هو تصنيف جارح.. لأن الأديب يفعل ما يستطيع، صحيح على حساب الشروط الفنية، لكنه قدم شهادة. في الأمم الأخرى هناك أصناف من الروايات بين الرومانسية، البوليسية، التجريدية، الفروسية.. وغيرها.. فمن حق القارئ عندنا أن يجد ما يمتعه.. المشكلة عندنا أن لدينا تصور خاطئ يكمن في وجود رواية واحدة، ويجب الكتابة على نسقها.. وهذا ظلم للكاتب والقارئ معا.. فأنا مع أن تتنوع الكتابة.. فالكم يولد النوع.. وأنا مع أن يكتب الجميع.. لأن هذا يعني مزيدا من القراء.. فالذي يكتب يضطر لأن يقرأ على الأقل خمس روايات على الأقل.. ومن ثم كلما زاد الكتاب زاد القراء.. والأرض الثقافية تسع الجميع.
*شاركت مؤخرا في جائزة البوكر بروايتين.. (تمر الأصابع)  و(حدائق الرئيس).. كمثقف، ماذا تمثل الجائزة عندك؟
ـ أنا شخص إيجابي مع كل الجوائز سواء كانت صغيرة أو كبيرة.. موجهة أو غير موجهة.. لأنها بالنهاية تخدم الإبداع.. فالمشاركة مثلاً في الجوائز العالمية يضيف للكاتب الدعاية، وهذا أمر مشجع. ومن ثم، أرى أن الجائزة هي معنوية قبل كل شئ للتغلب على الإحباط، ويجب أن تكون بعيدة عن روح التنافس.. لأن التنافس يكون في الرياضة العضلية وليس في الأشياء الذهنية..لأنه لا يوجد عمل يشبه عمل أخر.
*من خلال قيامك بترجمات، كيف ترى مستوى تلقي المثقف الإسباني للآداب العربية المترجمة؟
ـ بالنسبة للترجمة، أرى بأن الغرب مقصرا جدا في ترجمة آدابهم إلينا مقارنة بما نترجمه نحن من آدابنا الى لغاتهم وحتى أعمالهم الى لغتنا..أبرر ذلك بتعاليهم على ثقافتنا.. فالأمريكان مثلاً، عندما احتلوا العراق حسبوا تكلفة كل شيء مادي وغفلوا المعرفة الثقافية، مما جعلهم يتساءلون- لماذا لم يستقبلنا الشعب بالورود ونحن نخلصه من الديكتاتور- وعليه أقول أن المثقف الغربي عموما بدأ اهتمامه مؤخراً بالآداب العربية المترجمة، ولكن ليس بذات الهمة التي يوليها المثقف والمترجم العربي.
*باعتبارك منحاز للجزائر كما ذكرت لي، هل وجدت نصا جزائريا يقترب من روحك.. وتريد ترجمته الى اللغة الاسبانية؟
صحيح، أنا منحاز للجزائر، ومتابع للآداب الجزائرية منذ زمن فهي أحد روافدي لعشق الجزائر، أحب كثيرا أعمال بوجدرة والطاهر وطار رحمه الله، وأصدقائي واسيني الأعرج، سمير قسيمي، بشير مفتي، خالد بن صالح، لميس سعيدي، عبدالوهاب بن منصور.. وغيرهم.. ما أتمناه ليس ترجمة نص جزائري، بل أن أعيش في الجزائر لمدة سنتين وأكتب بنفسي عن حارتها الشعبية.
*هل يمكن القول بأن محسن وجد السلام الداخلي؟
ـ بصراحة نعم،  فالمكان الذي يضمن لي الأمان  والحرية أرتاح فيه، ولحد الساعة اسبانيا وفرت لي ذلك.. فأنا فعلاً أشعر بالسلام الذي لم يكن مضموناً لي في بلدي.. وعلى ما يبدو أنني  سأكمل عشر سنوات أخرى خلال الفوضى الجديدة بعد أن قضيت عشر أثناء الديكتاتورية السابقة، وعشر في المرحلة التي أعقبته.
*حلمك..
ـ حلمي أن أكتب رواية عن الحب، خاصة من جانب المرأة العراقية التي كانت دوما ضحية قمع الرجل والظروف.. تساؤلات كثيرة أريد طرحها..أين كان الحب عند المرأة في أوقات الحصار وقصف المدن؟ كيف عبرت عنه المرأة في ظروف لا تسمح لها بذلك؟..
ما أتمناه كذلك، أن تُضمن لي الحرية والأمان في بلدي، ومستعد أن أخدمه مجاناً في الجانب الأكاديمي والإبداعي.. وهذا حلم يقاسمني فيه الكثير من العراقيين المغتربين.
------------------------------------
*نشر في صحيفة (الأمة العربية) الجزائرية بتاريخ 16/9/2013م.