الأحد، 21 أبريل، 2013

عن مسرح أمريكا اللاتينية / محسن الرملي

قراءة
مسرح أمريكا اللاتينية ومسيرة بلورة الخصوصية



محسن الرملي

إننا نعرف الكثير عن المسرح الأوروبي وتجاربه، ونشأ مسرحنا العربي متأثراً به منذ بداياته، وعرفنا، في العقود الأخيرة، الكثير عن الرواية والقصة والشعر في أمريكا اللاتينية فأثر ذلك بشكل واضح على أدبنا العربي المعاصر وأثراه، بينما نكاد لا نعرف شيئاً عن طبيعة التجارب المسرحية فيها، على الرغم من أنها هي الأقرب إلينا من حيث مشاكلها السياسية والثقافية والاجتماعية باعتبارنا ندخل، معها، ضمن نطاق تسمية وطبيعة ظروف ومكونات وإشكاليات ما يتعارف على تصنيفه بـ(العالم الثالث).
من هنا تأتي أهمية كتاب (جماليات الرفض في مسرح أمريكا اللاتينية) للدكتور طلعت شاهين الذي أصدره عن دار سنابل في القاهرة، على الرغم مما ينطوي عليه ذلك من مغامرة الحديث النقدي عن أعمال إبداعية ليس للمتلقي العربي معرفة مسبقة بها، إلا أنها تعد بحد ذاتها خطوة رائدة لابد من اتخاذها كي نفتح نافذة أخرى نحو معرفة أفضل وجديدة.
   الشاعر والمترجم والباحث المصري الدكتور طلعت شاهين، واسع الاطلاع على الثقافة المكتوبة بالإسبانية عبر الدراسة والمعايشة لأكثر من ثلاثين عاماً والتي أصدر خلالها أكثر من خمسة عشر كتاباً حتى الآن تتوزع بين الترجمة والتأليف، ففي الترجمات وجدناه دائماً يبحث عن أسماء ومواضيع جديدة يقدمها للقارئ العربي، ولا يتوقف عند السائد والرائج الذي سبق التعريف به، فهو أول من عرفنا على أسماء مثل: خوليو ياماثاريس، نوريا آمات، ميرثي رودوريدا، كلارا خانيس وغيرهم.. وكان من أوائل الذين نقلوا لنا خوان غويتيسولو إلى العربية، وأول المسارعين إلى ترجمة مذكرات غارثيا ماركيز إلى العربية حال صدورها.
مسرح العالم الجديد
   في كتابه (جماليات الرفض في مسرح أمريكا اللاتينية)، يستعين الدكتور طلعت شاهين بخبرته الأكاديمية التي أنجز من خلالها أطروحته حول الاحتفالات الشعبية الإسبانية ومقارناتها بالعربية والمصرية تحديداً. وكذلك بالكثير من المصادر الإسبانية والهيسبانية المتعلقة بالمسرح، فيطلعنا على بدايات المسرح في أمريكا اللاتينية عبر تقديم موجز، مكثف وواضح يرسم من خلاله المناخ التاريخي العام الذي تبلورت فيه بدايات ولادة المسرح هناك، فيلجأ إلى اتباع التقسيم وفق أصناف النمو والتوجهات والتيارات المسرحية متدرجاً بالأمر على النحو التالي: مسرح العالم الجديد، المسرح التعليمي، الدراما العرقية، مسرح الباروك، المسرح الفكاهي الإسباني "إلبوفو"، المسرح الجامعي، المسرح العبثي، من نبض الثورة إلى أزمة الستينات، مسرح إسكامبراي، لينتقل بعدها متوسعاً بالحديث عن المسرح الكوبي متخذاً من تجربة الكاتب بيرخيليو بينييرا (1912 ـ 1979) نموذجاً يعمل على دراسته والتعريف به باعتباره ممثلاً لجيل بأكمله من المسرحيين ليس في كوبا وحدها وإنما في أمريكا اللاتينية عموماً. يقدمه أولاً بنبذة تعريفية عن حياته، ثم أهم أعماله، ويضيء: جماليات الرفض في مسرحه، ملامح الشخصيات في أعماله، طبيعة استخدامه للسخرية والرمز، إصراره (ككاتب) على التدخل والمشاركة في تحديد لغة الإشارة والإيماءات، الإضاءة، الإكسسوار والضوضاء، لينهي الكتاب بترجمة لعملين من أعمال بينييرا الأخيرة والتي لم يكملها أبداً، وهذا أمر يرى فيه النقاد قصدية منه ولظروف تتعلق بطبيعة مواقفه، وخاصة السياسية، يشرحها المؤلف في سياقها.. وهما عمليه الرائعين: ( التوأم) و(الرحلة).
المسرح لبسط نفوذ الكنيسة
   من خلال هذا الكتاب الصغير في الحجم (150 صفحة/قطع متوسط) والكبير في الفائدة، سنعرف بأن المسرح قد انتقل إلى أمريكا اللاتينية مع بداية ما يسمى بالاكتشاف للقارة الجديدة والغزو الإسباني، وكان المسرح في تلك الفترة يعمل في عدة أطر مختلفة، منها الترفيه عن الحكام الجدد في تلك البلاد، الذين حاولوا التشبه بحكامهم في إسبانيا، وأيضاً بهدف دعائي سياسي، فصنع مثل تلك الرفاهية يهدف إلى زيادة الرهبة في نفوس سكان البلاد الأصليين، ثم الترفيه عن جنودهم، كما استخدمت الكنيسة المسرح كوسيلة دعائية فعالة لنشر سيطرتها على السكان الأصليين، ولتوصيل تعاليم المسيحية ونشرها عبر أعمال مسرحية بسيطة، خاصة أيام الاحتفالات الدينية الرسمية، أو تعميد القديسين.
   ويؤشر لنا بأن أول الاحتفالات في العالم الجديد التي تضمنت مسرحاً قد كانت في المكسيك عام 1529م، وشارك فيها العديد من ممثلي الشعب وطوائفه العرقية والثقافية. وكان الراهب خوان دي ريباس من أوائل الرهبان الفرنسيسكان العشرة الذين وصلوا إلى العالم الجديد، وأول من فكروا في استخدام المسرح كأداة لتوصيل الأفكار الدينية، حيث راح يقدم في هذه الاحتفالات أعمالاً عن حياة القديسين كنوع من إنعاش الذاكرة للجنود الغزاة، من جهة، وفتح عيون السكان الأصليين على الدين الجديد ومزاياه، من جهة أخرى، كنوع من الدعوة/الدعاية والترويج كي يعتنقوه.
أسبقية ظهور مسرح «العبث» اللاتيني
   لكن المسرح في تلك المناطق تطور فيما بعد لتدخل فيه الفرق المحترفة، التي كانت تبتعد عن المسرحيات الدينية التي تركتها للكنائس والكهنة والرهبان، واعتمدت على جذب الجمهور العريض بتقديم المسرحيات الساخرة، التي اتهمها البعض بأنها مسرحيات علمانية معادية للدين والدولة، ووصل غضب الكنيسة والدولة من هذه الفرق المسرحية المحترفة إلى حد إصدار الملك فيليبه الثاني في العام 1598م قراراً بمنع هذه الفرق من العمل في البلاد الخاضعة للإمبراطورية الإسبانية الشاسعة، إلا أن القرار، لحسن الحظ، لم يتم تطبيقه في القارة الجديدة، نظراً للحاجة الملحة التي أبداها سكان العالم الجديد لمثل هذا المسرح.
    وبعد تزايد عدد الأفارقة المجلوبين إلى أمريكا اللاتينية، عبر تجارة الرقيق التي بدأت في القرن السابع عشر وظلت رائجة حتى أوائل القرن العشرين، في إطار عمليات بيعهم كعبيد لملاك الأراضي، راحت منطقة الكاريبي تتميز عن غيرها من مناطق أمريكا اللاتينية، وأخذت فنونهم الطقسية ذات الأصول السحرية الأفريقية تتسرب وتمتزج بفنون المسرح السائدة والقادمة من أوربا، فقدموا الدراما الطقسية، المفعمة بالغناء والرقص المهرجاني والأقنعة البدائية، حتى تمت بلورة ما اتفق النقاد على تسميته بـ (الدراما العرقية) وتعزز هذا النوع في كوبا خاصة، ومثيل هذا تم في البرازيل أيضاً والذي نجد من امتداداته، حتى اليوم، مهرجاناتها، المعروفة، التي صارت تتوسع لتصبح تقليداً عالمياً. أما في كوبا وهي التي ينتمي أغلب سكانها إلى الأصول الزنجية الأفريقية، فإننا نجد هذه التأثيرات جلية، مما يجعلها في مقدمة الحركة المسرحية في أمريكا اللاتينية التي اعتمدت على الفنون الزنجية من موسيقى ورقص وغناء وطقوس دينية، في خلق ورسم هوية مسرحها الجديد الذي يعتمد الشكل والتقنية العامة الأوربية، ولكن روحية تناوله ومحتواه، يطغي عليه الطابع الطقسي المعروف بأصوله الأفريقية.
  وفيما يتعلق بالمسرح الحديث فإن الملفت للنظر؛ ما يؤشره المؤلف حول أسبقية واختلاف المسرح العبثي في أمريكا اللاتينية عن هذا الذي عرفناه أوربياً. "المسرح العبثي في أمريكا اللاتينية كشكل مكتمل للتعبير في الأدب بشكل عام، والمسرح بشكل خاص، كان سابقاً تاريخياً على ظهور (مسرح العبث) الأوربي، حيث من الثابت تاريخياً أن الكاتب الكوبي بيرخيليو بينييرا كتب مسرحيته الأولى التي تتخذ هذا الشكل (إليكترا جاريجوو) في العام 1941م. قبل أن يتم تعميد مسرح العبث الأوربي على يدي يوجين يونسكو بعقد كامل".ص23
   هذا من حيث الشكل والتقنية والإطار العام، فيما نجد الاختلاف الحقيقي يكمن في عمق رؤية كل منهما لهذا التيار، حيث أن "أكثر كتاب المسرح في أمريكا اللاتينية الذين مارسوا كتابة المسرح العبثي كانوا يعكسون واقع بلادهم، ولكن بشكل يختلف تماماً عن مسرح العبث الأوربي، حيث كان الكتاب الأوربيين ينظرون إلى الواقع على أنه دائرة مغلقة متكررة الحدث لا مفر للإنسان منها، بينما الكاتب الأمريكي اللاتيني على العكس من ذلك، يرى أن الواقع العبثي لا يعكس واقعاً دائماً وثابتاً للمجتمع، بل هو واقع مؤقت بزمن وجود السلطة القامعة، والإنسان لديه إمكانيات الهروب من ذلك الواقع العبثي بشكل عام، لذلك فإن الكاتب الأمريكي اللاتيني يشعر أنه أكثر التزاماً بواقعه الاجتماعي ـ السياسي من الكاتب الأوربي الغارق في البحث عن مشاكل وجودية تعتبر حالة رفاهية بالنسبة لمواطن أمريكا اللاتينية". ص26
   وبالتأكيد سينعكس هذا الفهم على طبيعة استخدام العناصر الأخرى في العمل المسرحي ومنها على سبيل المثال السخرية: فإذا كان المسرح العبثي في أمريكا اللاتينية ومسرح العبث في أوربا استخدما السخرية كأداة أساسية من تقنيات الكتابة المسرحية، إلا أن هناك فوارق بين المسرحين في استخدام هذه التقنية، وربما الفارق الرئيس بين الاثنين أن مسرح العبث الأوربي يستخدم السخرية كوسيلة لتحرير العقل من الوضع الاكتئابي وفقدان الأمل في حياة أفضل بالنسبة للإنسان المعاصر، حيث أن السخرية تعتبر الوسيلة الوحيدة للتحرر من الهموم، بينما الكاتب الأمريكي اللاتيني يستخدم السخرية، ليس فقط لمواجهة الأوضاع السياسية والاجتماعية الضاغطة على حياته، بل لطرح الأمل في نفوس مشاهدي المسرحية.. الأمل في إمكانية التخلص من الواقع السوداوي.
هدف الاقتراب من الجمهور
   لقد أراد المسرح في أمريكا اللاتينية ومنذ بداياته أن يكون دائم القرب والتفاعل مع الناس البسطاء وجمهور العامة الأوسع، بهمومهم وأحلامهم وثقافتهم ولغتهم التي يفهمونها، أي على غير ما وصل إليهم من أنه أداة لتسلية الملوك ووسيلة تعليمية سياسية ودينية مؤدلجة. فراح يبحث عن شتى سبل الاقتراب من الجمهور، حيث أدمج في بداياته أناس من السكان الأصليين من الهنود الحمر، ثم الأفارقة العبيد واستمر هذا النهج حتى المراحل المتأخرة، ومثال ذلك ما فعلته جماعة (آداد) الكوبية من خلال توسيع نطاق نشاطاتها خارج العاصمة، وعمليات تدريب الممثلين ونشر وتوزيع مجلة (بروموثيوس)، حيث قطعت هذه الجماعة على نفسها عهداً بتقديم عرضاً مجانياً في إحدى القرى عن كل شهر عمل محترف في العاصمة. كذلك عبر محاولات وتجارب زج الفلاحين والعمال أنفسهم في المشاركة في صياغة وتقديم الأعمال المسرحية.
     يشير المؤلف إلى مصدر التسمية التي وضعها عنواناً لكتابه فيقول في ص42 وعلى الغلاف الأخير لكتابه:"جماليات الرفض، أطلقت هذه التسمية على أعمال الكاتب الكوبي بيرخيليو بينييرا ، الذي كان متفرداً بين أبناء جيله، ليس في كوبا فحسب، بل في كل بلاد أمريكا اللاتينية. كتب قبل الثورة الكوبية، التي قادها كاسترو مسرحيات (صخب في السجن) 1938، (يسوع) 1948، و(العبيد) 1955، لكن مسرحيته (إليكترا جاريجوو) التي كتبها عام 1941، سببت له المتاعب مع نظام باتيستا الدكتاتوري مما دفعه إلى مغادرة البلاد، واستحق عليها اللقب الذي أطلقه عليه بعض النقاد الذين وصفوه بـ (الرافض)".
   بقي أن نقول بأن هذا الجهد الذي قدمه الدكتور شاهين لثقافتنا العربية يستحق الشكر فعلاً، وبأن كتابه هذا جدير بأن يطلع عليه، بشكل خاص، كل مثقفينا المهتمين بالفنون المسرحية، ففيه صورة لتجارب ومواقف أناس يتشابهون معنا في مجمل الظرف العام ويكشف عن جانب من كيفية تعاملهم وتوظيفهم لهذا الفن العريق والحيوي في خدمة قضاياهم وإنسانهم المعاصر، وبالتأكيد فإن هذا الأمر لا يكتفي بتقديم المنفعة للمسرحين فحسب وإنما يمتد لعموم المشتغلين بالفنون الإبداعية، ويحثنا على مزيد من البحث وفتح أفق المعرفة الأوسع على نتاجات ومواقف وأدوار المثقفين الأمريكوـ لاتينيين أمثال الكوبي الكبير بيرخيليو بينييرا، والذي إضافة إلى شهرته ككاتب مسرحي بقامة عالمية، فقد كتب ثلاث روايات وأكثر من مجموعة قصصية، ومقالات وحوارات متنوعة تتعلق برؤيته لهموم الإنسان المعاصر وبتجاربه في الداخل وفي المنفى، ومع الثورة الكوبية وفي الاختلاف معها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في صحيفة (أخبار الأدب) المصرية، ومن ثم في صحيفة (العرب) اللندنية، العدد 9206 بتاريخ 18/4/2013م
 

السبت، 6 أبريل، 2013

د. محسن الرملي في مركز الدراسات والبحوث / مسقط

د. محسن الرملي في مركز الدراسات والبحوث

الترجمة فن وميدان إبداعي وفعل إنساني
من: مركز الدراسات والبحوث ــ مسقط
استضاف مركز الدراسات والبحوث بمؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان الدكتور محسن الرملي أستاذ اللغويّات في الجامعة الأمريكية في مدريد (سنت لويس) للحديث حول واقع الترجمة في العالم العربي والتواصل بين الحضارات وصورة الإنسان العربي في الآداب الغربية وبالمقابل صورة الغربي في أدبنا العربي ومعوّقات ترجمة الأدب العربي إلى اللغات الأوروبية والحيّة وذلك عبر جلسة نقاشيّة مفتوحة أقيمت صباح الأربعاء- الموافق 27 من فبراير الماضي بمبنى المؤسسة.
في بداية اللقاء رحبت الباحثة مرفت العريمية مديرة المركز بالرملي الكاتب والباحث والمترجم والأستاذ في في الجامعة الأمريكية في مدريد (سنت لويس)، وقدمت تعريفاً عن سيرته، والرملي حاصل على شهادة الدكتوراه في اللغة الاسبانية من جامعة أوتونوما في مدريد عام 2003، موضوع أطروحته كان عن (آثار الثقافة الإسلامية في دون كيخوته). يُعد محسن الرملي العربي الوحيد المتخصص بثقافة ثربانتس حتى يومنا هذا، يصدر حالياً مجلة (الواح) الثقافية ويعتبر الكاتب واحدا من الأسماء الأدبية التي برزت في الأدب العربي المعاصر في السنوات الأخيرة، فهو يكتب بالعربية والإسبانية وترجمت بعض نصوصه إلى لغات عديدة، وإضافة إلى رصيده من إصدارات في الرواية والشعر والمسرح والترجمات وصلت إلى عشرين كتاباً منها رواياته "الفتيت المبعثر" و"تمر الأصابع" و"حدائق الرئيس" التي رشحت للفوز بجائزة البوكر العربية .
أدعو إلى تأسيس سلسلة معاهد ثقافية عربية في عواصم العالم
مدينة الجمال
وحين حان دوره بالكلام شكر الرملي مركز الدراسات والبحوث على استضافته التي من خلالها أتيحت له زيارة مسقط لأول مرة فوجدها، كما قال: "مدينة الجمال الآسر.. إنها نظيفة وحميمة"، وكان الرملي قد التقى فيها بالعديد من الاصدقاء وبمن كان قد قرأ لهم وعنهم سابقاً، كما عبر عن سروره بأن تصادف زيارته فعاليات معرض مسقط الدولي للكتاب مما أتاح له اقتناء العديد من الكتب، وعلق: يبدو بأن قدري أن تكون حياتي كلها مرتبطة بالكتاب ومن حسن الحظ أن يستمر هذا القدر ملازماً لي في زيارتي الأولى إلى عُمان أيضاً. كما شكر الحضور على اهتامهم وعلى هذا التنوع فيهم، حيث قدم للاستماع إليه أناس من اختصاصات واهتمامات متنوعة؛ مترجمون، كتاب، شعراء، صحفيون، فنانون، أكاديميون، طلاب، موظفون وغيرهم.
الترجمة فن وأدب
بعد هذه المقدمة، قال: على الرغم من كل الدراسات التنظيرية والتجريبة البحثية التي سعت إلى وصف الترجمة على أنها علم إلا أنني لازلت أعتقد بأنها فن وهي بذلك ميدان إبداعي أيضاً، يتدخل فيها الفعل الإنساني الشخصي على نحو كبير، ومن ذلك أن النص الواحد ذاته يمكن لعشرات المترجمين أن يترجموه بأساليب مختلفة، ومن هنا يأتي تفضيلنا لترجمة معينة عن ترجمة أخرى لمسرحيات شكسبير مثلاً.
كما أبدى الرملي عدم اتفاقه مع المنتقدين لهنات المترجمين هنا وهناك، وقال بأنه يفضل ترجمة كتاب ما ولو بنسبة 20% من الجودة على عدم ترجمته نهائياً فمهما تكن الترجمة سيئة إلا أنها ستعطي تصوراً ما عن فكرة ومناخات الكتاب، ومن يجد في نفسه القدرة على ترجمة عمل ما أفضل من ترجمة غيره فعليه القيام بذلك بدل الاكتفاء بنقد ترجمة عبارة هنا وأخرى هناك.
على المؤسسات التعليمية أن تفرض على المُبتَعَث ترجمة كتاب في تخصصه
وذكر الرملي بمقولات لجبرا إبراهيم عن جبرا بشأن الترجمة الذي وصفها بأنها أمر مستحيل ولكن لابد منها، وأنه كان قد اقترح على المؤسسات التعليمية العربية أن تفرض على أي طالب عائد بشهادة من الخارج أن يترجم ولو كتاباً واحداً في تخصصه ولو طبق هذا الاقتراح لأغنى المكتبة العربية بمصادر ثرة في كل العلوم والمعارف.
العرب أول من أسس مدارس متخصصة للترجمة في بغداد والأندلس
وقال الرملي كلكم اطلعتم على الرقام المخيبة والمفجعة لنسبة ما نترجمه بحيث أن ما يترجمه بلد واحد مثل إسبانيا في عام واحد يساوي مجموع ما ترجمناه في كل تاريخنا، وأنه لشيء مؤسف أن يكون هذا هو حالنا والعرب أول من أسس مدارس متخصصة للترجمة في بغداد وفي الأندلس. علماً بأن العرب يتميزون بإجادتهم وبسرعتهم لتعلم اللغات وبأن عدد العرب القادرين على الترجمة من لغات أخرى لاتكاد تتوفر عليه أية أمة أخرى.
وأشار إلى أنه لم تنهض أية أمة أو حضارة في التاريخ دون أن تكون الترجمة أحد المغذيات الرئيسية لثقافتها وأن مسألة ما يسمى بالنقاء الثقافي ما هي إلا وهم يشبه وهم النقاء العرقي فهي أمر مستحيل ولاوجود له على الإطلاق.
الترجمة شؤون وشجون
وقد توسع الدكتور الرملي في الحديث عن شؤون وشجون الترجمة بين العربية والإسبانية على اعتبار أنها اختصاصة وهو من العارفين بثقافتها، وحث على المزيد من التعاون الثقافي بين البلدان العربية والبلدان الناطقة بالإسبانية واصفاً إياها بأنها بلدان ليس بيننا وبينها إلا الخير، فلم يحدث لها أن استعمرتنا أو استعمرناها وليس بيننا وبينهم دم سوى دم روابط النسب التي خلفت أجيالاً فيها كبار المبدعين من أصول عربية، وأن شعوب هذه البلدان قد عانت ظروفاً مشابهة لما عانيناه من استعمار ودكتاتوريات ومن تصنيفها معنا على أنها عالم ثالث، وأن شعوب هذه البلدان تكن لنا الود والمحبة وتتعاطف مع كل قضايانا، فكيف ندير لها ظهورنا على هذا النحو ونركز صلاتنا الثقافية والاقتصادية والسياسية فقط من ثقافات البلدان التي استعمرتنا، كما أن اللغة الإسبانية تعد الثانية الآن من حيث الأهمية وعدد الناطقين بها في العالم وهم بازدياد لذا علينا أن نبذل كل ما بوسعنا لترجمة أعمالنا إليها والناطقين بها متعطشون لمعرفة المزيد عنا، وبأن أفضل من يقدمنا لهم هي آدابنا وفنوننا لأن الصحافة بمعلوماتيتها غير البريئة في اغلب الأحيان لا تعطي الصورة الحقيقية عن الإنساني بما فيه من عواطف وأحلام وتراكيب نفسية وأفكار وعادات وتقاليد وذاكرة وغيرها، وكلنا يدرك كيف أننا قد تعرفنا على الشعوب الأخرى ومنها شعوب أمريكا اللاتينية من خلال آدابها أكثر من أي شيء آخر.
عناية خاصة
وبالمقابل دعى إلى مزيد من الاهتمام باللغة العربية فهي إحدى أهم ثرواتنا الحقيقية والدائمة ولسان حالنا التي تكمن فيها كل ملامح هويتنا وشخصيتنا الثقافية، وأنها الآن تحظى بمكانة متقدمة بين لغات العالم والراغبين بتعلمها بازدياد فعلينا تشجيع ذلك والتحطيط له بجدية استراتيجية وتسهيل السبل لكل من يرغب بتعلمها. إنها لغة عظيمة وثرية وجميلة بكل ما يتعلق بها من حيث الصوت والصورة الكتابية، وإذا كانت الدوافع العامة لإقبال الناس على تعلم الإنكليزية هي المصلحة ولتعلم الإسبانية الفضول الثقافي فإن اللعة العربية تجمع الدافعين معاً.
ودعى الرملي الدول العربية إلى تأسيس سلسلة من المعاهد الثقافية في كل عواصم العالم أسوة بما تفعله بريطانيا أو فرنسا أو ألمانيا بسلسلة معاهد غوته وإسبانيا بمعاهد ثربانتس ولتكن مثلاً حاملة لاسم المتنبي أو الجاحظ أو العربية ذاتها فتعلم اللغة وتقيم النشاطات الثقافية وتصدر المطبوعات وتقوم بالترجمات وغيرها، وقال إن الاستثمار الحقيقي وطويل المدى هو الاستثمار الثقافي علماً بأن تكاليفه هي أقل بكثير مما يصرف من مبالغ طائلة على شؤون جانبية وأقل أهمية كموائد البذخ في السفارات ومنها الاحتفالات بالاعياد الوطنية مثلاً. وإن سلسلة معاهد كهذه ومزيد من الترجمات ستساهم حتماً في تغيير الصورة النمطية عنا والتي طالما نشكو منها، ألا وهي صورة العربي الثري البدين الفض العنيف الذي لاتشغله سوى الملذات والحريم وأجواء ألف ليلة وليلة  أوصورته المرتبطة بالبعير في الصحراء والعمامة واللحية وغيرها من تصورات تم توارثها وتعزيزها منذ القرون الوسطى ومأخوذة من الآداب في أغلبها وزادت عليها صورة الإرهابي مؤخراً. وأن أفضل طريقة لتحسين تلك الصورة وتغييرها وتقديم أنفسنا تكون عبر الوسائل التي أتت من خلالها أي نتاجنا الثقافي وخاصة الآداب كالرواية والفنون كالسينما وغيرها.
هذا وقد تفاعل الحضور بشكل كبير مع المحاضرة وتم النقاش حول مقدار ونوعية ما ترجم من العربية إلى الأسبانية عموماً ومن الأدب العماني خصوصاً وعن السبل الكفيلة والأفضل للقيام بمزيد من الترجمات، كما تمت مناقشة ضرورة إيجاد حاضنات حقيقية تتبنى هموم وحقوق المترجمين والترجمة وعلاقة الإرادة الفردية والإرادة السياسية في كل ذلك.
---------------------------------------
*نشرت في صحيفة (عُمان) سلطنة عُمان، العدد 11631 بتاريخ 6/4/2013م